تفاقُم أزمة الاقتصاد اليمني: المؤشِّرات والتداعيات

مركز الإمارات للسياسات | 12 أغسطس 2020

تزايدت مؤخراً مؤشرات تفاقُم أزمة الاقتصاد اليمني مُنذِرةً باقترابه من حافة الانهيار الكُّلي، ما قد يُخلِّف تداعيات هائلة ومأساوية على حياة الغالبية العظمى من اليمنيين الذين يُعانون أصلاً من ظروف معيشية صعبة منذ عدة سنوات. وتُلقي هذه الورقة الضوء على أبرز المؤشرات على استفحال الأزمة الاقتصادية الراهنة في هذا البلد، وتستكشِف أهم التداعيات المحتملة لها.

أبرز المؤشِّرات

1) العجز المستمر والمتزايد في الموازنة العامة: وهذا العجز ناتج عن محدودية إيرادات الحكومة مقابل ارتفاع متواصل في نفقاتها، إضافةً إلى عوامل ظرفية أخرى مثل تراجع عائدات تصدير النفط الخام بفعل انخفاض متوسط أسعاره عالمياً إلى نحو 40 دولاراً للبرميل بعد أن كان عند 60 دولاراً للبرميل في السنة الماضية. ويَستَبعِد العديد من الخبراء إمكانية زيادة إيرادات الحكومة بشكل كبير أو حتى تحسُّنها بصورة نسبية على المدى القريب، وعلى نحوٍ يُمكِّن من تغطية العجز القائم؛ فالخيار الوحيد المطروح هنا يتمثَّل في رفع معدل إنتاج النفط الخام المخصص للتصدير، وهناك بالفعل تطلعات لزيادة إنتاج اليمن اليومي من 60 ألف برميل حالياً إلى 80 ألف برميل في الفترة القليلة المقبلة، لكن هذه الزيادة لن تؤدي إلى ارتفاع كبير في العائدات في ظل استمرار انخفاض أسعار النفط وارتفاع تكاليف استخراجه محلياً، نتيجة تفشي الفساد المالي والإداري في هذا القطاع.

2) توجُّه الحكومة نحو طباعة المزيد من العملة المحلية: بفعل العجز المتزايد في الميزانية العامة، قامت الحكومة المعترف بها دولياً خلال الشهرين الأخيرين بطباعة قرابة 300 مليار ريال يمني (ما يعادل 400 مليون دولار تقريباً) من أجل تسديد التزاماتها ودفع رواتب الموظفين في القطاع العام. ويصل مجموع الطبعات الجديدة التي أصدرتها الحكومة منذ العام 2018 إلى تريليونين ريال، وهي تعتبر زيادة كبيرةً جداً في الكتلة النقدية المتداولة، خصوصاً أنها ترافقت مع تراجع كبير في حجم احتياطيات البنك المركزي اليمني من العملات الصعبة.

3) استنفاد الوديعة السعودية في البنك المركزي: ساهمت الوديعة السعودية، المقدرة بـ 2,2 مليار دولار، في تمكين البنك المركزي اليمني من تغطية الواردات الأساسية منذ منتصف العام 2018، لكن الوديعة يبدو أنها قاربت على النفاد مؤخراً. وبالرغم من أن المملكة العربية السعودية قد تضطر إلى تقديم وديعة جديدة في نهاية المطاف، غير أنها قد تكون – كما يرجح بعض المحللين - أقل من الوديعة السابقة، وبالتالي ستكون أدنى من المساهمة المطلوبة لتغطية الواردات وغيرها، وبالتحديد في هذا التوقيت الذي تشهد فيه باقي مصادر العملات الصعبة (التحويلات والمساعدات وعوائد التصدير) تراجعاً كبيراً.

4) تراجُع حجم التحويلات المالية من العمالة اليمنية في دول الخليج بسبب وباء كورونا وتداعياته الاقتصادية: وتُعَد هذه التحويلات من أهم مصادر العملات الصعبة بالنسبة إلى اليمن[1]، وتسهم في إعالة شريحة كبيرة من اليمنيين، وفي ضخّ قدرٍ مهمٍ من السيولة النقدية في السوق المحلية المتعطشة. ورغم التوقعات بشأن قرب استئناف مجمل النشاط التجاري والاقتصادي في دول الخليج مؤخراً، ما يعني عودة العمالة اليمنية هناك إلى أعمالها بشكل يُمكنها من إرسال الحوالات المالية إلى اليمن مجدداً، إلا أن استئناف النشاط الاقتصادي والتجاري في دول الخليج، وفق تقديرات الخبراء، لا يزال جزئياً، وتعيش اقتصادات المنطقة في الوقت الراهن مرحلة تعافي تدريجية يُتوقَّع أن تأخذ وقتاً أطول، كما أن الأشهر الثلاثة التي فقدتها العمالة بسبب إجراءات الحجر ومنع التجول قد تسببت بالفعل في خسارة نسبة مهمة من التحويلات لهذا العام[2].

5) استفحال الأزمتين الاقتصادية والمالية في ظل تفشِّي وباء كورونا في البلاد، واستمرار الصراع بين الفُرقاء اليمنيين شمالاً وجنوباً: يُعاني اليمن أيضاً من تبعات اقتصادية مباشرة وغير مباشرة جرَّاء استمرار تفشي وباء كورونا المُستَجَد وتدهور الحالة الصحية في البلاد عموماً، فقد تسبَّبت الإجراءات الوقائية التي اُتُّخذت لمواجهة الوباء في تعطيل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي وفي تقليص سوق العمل بشكل ملحوظ، إضافةً إلى أن مكافحة الوباء اقتضت موارد كبيرة تم اقتطاعها على حساب مشاريع إغاثية وتنموية أخرى مهمة، رغم أن النتائج على هذا الصعيد لا تزال غير مُبشِّرة، ولم يَصِل الوباء إلى ذروة انتشاره بعد، بحسب تقدير العديد من المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن.

كما أن الصراع المستمر بين الفرقاء السياسيين ترك بدورهِ تداعيات خطيرة على الوضع الاقتصادي العام، حيث أدى تصاعد الخلاف مؤخراً بين حكومة الرئيس هادي وجماعة الحوثي بشأن تحصيل رسوم المشتقات النفطية المستوردة إلى نشوء أزمة خانقة في المشتقات داخل مناطق سيطرة الجماعة منذ أكثر من شهرين، وقد دخل الصراع بين حكومة الرئيس هادي والمجلس الانتقالي مرحلةً جديدةً أيضاً بعد إعلان المجلس عن "الإدارة الذاتية للجنوب"، وذلك قبل أن يتراجع عن هذه الخطوة في ضوء الاتفاق على آلية تسريع تنفيذ اتفاق الرياض مؤخراً.

التداعيات المحتملة

بالنظر إلى المؤشرات والمعطيات السابقة، يمكن القول إن مقدمات أزمة اقتصادية جديدة أشد عُمقاً وإيلاماً في اليمن باتت قائمةً بالفعل، وربما تدفع تداعياتها الكارثية اقتصاد البلاد إلى حافة الانهيار التام في حال استمرت المعطيات الراهنة وقتاً أطول أو أخذت منحىً تصاعدياً يتعذَّر كبحه والسيطرة عليه؛ فالطبعات الجديدة من العملة المحلية دون غطاء، واقتراب الوديعة السعودية من النفاد، وتراجع حجم التحويلات من العمالة اليمنية في دول الخليج، وتفاقم أزمة الاقتصاد الكلي بفعل تداعيات وباء كورونا وتزايد الانقسامات نتيجة الصراع العنيف بين القوى المحلية، شمالاً وجنوباً؛ كلها أمور ستؤدي حتماً إلى توسُّع الفجوة الكبيرة الموجودة أصلاً في الميزان التجاري لصالح الواردات، وبالتالي ستؤدي إلى تراجع أسعار صرف الريال اليمني إلى مستويات جديدة وغير مسبوقة.

وقد بدأت مؤشرات هذا التراجع في الظهور بعد انخفاض سعر الصرف في الأيام القليلة الماضية إلى حدود 750-760 ريال يمني مقابل الدولار، وبالرغم من محاولة البنك المركزي اليمني التدخُّل للحد من مستوى هذا التراجع وإلقائه اللوم على المضاربين بالعملات ومحلات الصرافة واتخاذه إجراءات مُشددة ضدهم، إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل نظراً لاتصال هذا التراجع بالعوامل الجذرية المشار إليها في الورقة وليس بالتعاملات اليومية هامشية التأثير غالباً.

وإذا كان استمرار عجز الحكومة عن دفع رواتب الموظفين في القطاع العام سيترك تداعيات أكثر خطورة على أوضاعهم المعيشية وعلى نشاط السوق المحلية ككل، فإن لجوء الحكومة بالمقابل إلى طباعة دفعات جديدة من العملة المحلية لدفع المرتبات، دون الحصول على إيرادات جديدة بالعملة الصعبة، سيؤدي إلى ارتفاع مستوى التضخُّم وتراجع سعر صرف الريال، بل قد يدخل البلد في "دوامة تضخُّمية" يمكن أن تتطور سريعاً إلى انهيار اقتصادي شامل على غرار ما حدث في دولٍ أخرى (فنزويلا على سبيل المثال).

وفي المجمل، يُمكن إيجاز أبرز التداعيات المحتملة لهذه الأزمة الاقتصادية المرتقبة على النحو الآتي:

  • يُعتَقَد بأن سعر صرف الريال اليمني سيتراجع بشكل كبير في الأيام والأسابيع المقبلة، ويتوقع بعض الخبراء أن يكسر سعر الصرف سقف الـ 1000 ريال مقابل الدولار الأمريكي الواحد؛ أي أن العملة الوطنية ستفقد 365% من قيمتها[3] منذ بداية الحرب قبل خمس سنوات (عندما كان الدولار الواحد يساوي 215 ريالاً يمنياً تقريباً).
  • سيؤدي تراجع سعر صرف الريال إلى ارتفاع كبير في أسعار غالبية السلع في السوق المحلية بما فيها السلع الضرورية، خصوصاً أن اليمن يعتمد على استيراد معظم المواد الغذائية والدوائية من الخارج ولا يمتلك أي بدائل محلية لها، إضافةً إلى اعتماده على استيراد المشتقات النفطية والمستلزمات التقنية والمعدات الميكانيكية ووسائل النقل وغيرها من الأسواق الخارجية.
  • ومن المؤكد أن التضخُّم وتراجع سعر صرف الريال المتوقَّعين سيؤثِّران بشكل بالغ على المستوى المعيشي للموظفين في القطاعين العام والخاص وأصحاب المشاريع الصغيرة، علاوةً على الشريحة الواسعة من المواطنين اليمنيين العاجزين أساساً في الوقت الحالي عن توفير متطلباتهم المعيشية الأساسية بشكل منتظم.
  • ستُفاقِم هذه التداعيات من حِدَّة الأزمة الإنسانية المستمرة منذ عدة سنوات في اليمن، والتي جعلت 75% من السكان تحت خط الفقر بحسب تقديرات الأمم المتحدة، وأدَّت إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى النصف تقريباً، وبدَّدت عقوداً من التنمية والنمو الاقتصادي المتواضعين. 
  • ومما يزيد من خطورة هذه التداعيات أنها تأتي بالتزامن مع تراجُع حجم المساعدات الدولية المقدمة إلى اليمن بنسبة كبيرة، سواءً لأسباب سياسية أو اقتصادية تخص الدول المانحة، الأمر الذي سيُضاعِف من تأثير تلك التداعيات على حياة شرائح كثيرة من اليمنيين المحتاجين للمساعدات الإغاثية والإنسانية عموماً.

خلاصة

تدلُّ المؤشرات المتوافرة إلى أن مقدمات أزمة اقتصادية جديدة أشد عُمقاً وإيلاماً في اليمن باتت قائمةً بالفعل، وربما تدفع تداعياتها الكارثية اقتصاد هذا البلد إلى حافة الانهيار التام إذ أخذت هذه الأزمة منحىً تصاعدياً يتعذَّر كبحه والسيطرة عليه؛ وأهم تلك المؤشرات: استمرار الحكومة في طبع المزيد من العملة المحلية دون غطاء، واقتراب الوديعة السعودية من النفاد وتضاؤل إمكانية تجديدها، وتراجُع حجم التحويلات من العمالة اليمنية في دول الخليج على نحو غير مسبوق، وتفاقُم أزمة الاقتصاد الكلي بفعل تداعيات وباء كورونا وتزايد الانقسامات نتيجة الصراع العنيف بين القوى المحلية، شمالاً وجنوباً.

الهوامش

[1] يفيد معظم التقديرات أن حجم هذه التحويلات يتراوح بين 3 و4 مليارات دولار سنوياً، لكن هناك دراسات تشير إلى صعوبة تحديد حجم التدفقات النقدية إلى اليمن من خلال أرقام المصادر الرسمية العاجزة في الواقع عن تتبع كافة أساليب وقنوات التحويل، وتُقدِّم هذه الدراسات أرقاماً أكبر تصل إلى 10 مليارات دولار سنوياً.

[2] زعم بعض التقارير الصحفية أن تدفق الحوالات المالية قد تراجع بنسبة تتراوح بين 60% و80% خلال ذروة تداعيات وباء كورونا في دول الخليج، غير أن مصادر أخرى قدَّمت تقديرات أكثر تواضعاً، مشيرةً إلى نسبة تراجع تقل عن 50%.

[3]  بحسب سعر الصرف المتداول وقت إعداد هذه الورقة (750 ريالاً مقابل الدولار الواحد)، يُقدَّر بأن العملة الوطنية قد فقدت 248% من قيمتها مقارنةً بوضعها قبل خمس سنوات.

 

أحدث المواضيع المميزة