الإدارة الأمريكية تُصنِّف الحوثيين "منظمة إرهابية أجنبية": التداعيات المحتملة

مركز الإمارات للسياسات | 12 يناير 2021

أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، في 10 يناير 2021، أن وزارته تعتزم إخطار الكونغرس بنيتها تصنيف جماعة "أنصار الله" الحوثية "منظمة إرهابية أجنبية". كما أعلن في البيانٍ نفسه الذي نُشِر على موقع وزارة الخارجية، نيته إدراج ثلاثة من قادة الحوثيين، وهم عبد الملك الحوثي، وعبد الخالق بدر الدين الحوثي، وعبد الله يحيى الحاكم، على قائمة الإرهابيين الدوليين.

وأشار الوزير الأمريكي إلى أن التصنيف "يوفر أدوات إضافية لمواجهة النشاط الإرهابي والإرهاب الذي تمارسه جماعة أنصار الله"، كما يهدف إلى "تحميل جماعة أنصار الله المسؤولية عن أعمالها الإرهابية، بما في ذلك الهجمات العابرة للحدود التي تهدد السكان المدنيين والبنية التحتية والنقل البحري التجاري". وأضاف أن التصنيف يهدف أيضاً إلى "تعزيز الجهود للوصول إلى يمن موحد وذي سيادة بعيدا عن التدخل الإيراني وفي سلام مع جيرانه". ومن المُقرر أن تدخُل هذه العقوبات حيّز التنفيذ في 19 يناير الجاري، أي قبل يوم من تولي الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن منصبه.

تُلقي هذه الورقة الضوء على سياق تطور الموقف الأمريكي من تصنيف جماعة الحوثي "منظمة إرهابية"، والتداعيات السياسية والاقتصادية والميدانية والإنسانية المحتملة لهذا التصنيف.

السياق وتطور الموقف الأمريكي

جاء الإعلان الأمريكي الأخير، حصيلة متوقعة لسلسة من الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب على جماعة الحوثي، أخذت في التزايد وتكثَّفت بشكل ملحوظ في شهر ديسمبر الفائت، في إطار حملة "الضغط الأقصى" التي تمارسها إدارة ترامب ضد إيران ووكلائها في المنطقة. وفي خطوةٍ عكست عزْم إدارة ترامب التي شارفت ولايتها على الانتهاء، المضي في تصنيف الحوثيين "منظمةً إرهابية"، سافر مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر إلى السعودية وسلطنة عُمان، في الأسبوع الأول من ديسمبر الماضي، بهدف "استكشاف البدائل الممكنة لتصنيف الحوثيين كإرهابيين، بما في ذلك وضع قادة أفراد أو شخصيات رئيسية [في الجماعة] في القائمة السوداء"، طبقاً لما أوردته حينها شبكة "إن بي سي نيوز" الأمريكية. وبدا جلياً أن نقاشات شينكر مع مسؤولي الدولتين الخليجيتين المجاورتين لليمن اتخذت مَنحيينِ متعاكسين؛ ففي حين أبدت مسقط تحفُّظها على أي توجُّه لإدراج الحوثيين في قوائم الجماعات الإرهابية، واصلت الرياض ضغوطها على إدارة ترمب للتعجيل في إصدار مثل هذا القرار.

وفي الأثناء، مضت إدارة ترامب في نهجها المتدرج الهادِف إلى تأطير الجماعة اليمنية المتحالفة مع إيران، وشملها بحملة "الضغوط القصوى" التي تستهدف الأخيرة، وأخذت مساعي الإدارة لبناء صلة بين الجماعة و"الحرس الثوري الإيراني" الذي صنَّفته مؤخراً كياناً إرهابياً في التسارُع؛ إذ أعلنت في 8 ديسمبر 2020 فرض عقوبات على ضابط فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، حسن إيرلو، الذي أرسلته إيران مؤخراً إلى العاصمة اليمنية صنعاء ليكون بمثابة مسؤول اتصال مع حلفائها الحوثيين. وذكر بيان وزارة الخارجية الأمريكية، أنه "من خلال إرسال إيرلو إلى اليمن، يُشير فيلق القدس إلى نيته زيادة الدعم للحوثيين، وزيادة تعقيد الجهود الدولية للتوصل إلى تسوية تفاوضية للصراع".

وفي اليوم السابق، أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن بلاده أدرجت جماعة الحوثي ضمن الكيانات ذات "الاهتمام الخاص" أو "القلق الخاص"، إلى جانب كلٍّ من حركة الشباب المجاهدين الصومالية، وتنظيم القاعدة، وجماعة بوكو حرام، وجبهة تحرير الشام، وتنظيم داعش، وحركة طالبان الأفغانية. وبعد ثلاثة أيام فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، بموجب قانون ماغنيتسكي، عقوبات على خمسة أفراد لهم صلة بوكالات أمنية واستخبارية يُسيطر عليها الحوثيون. والأشخاص الذين شملتهُم العقوبات، هم: سلطان زابن بصفته المدير الحالي لإدارة التحقيقات الجنائية في صنعاء، وعبد الحكيم الخيواني القيادي في جماعة الحوثي، ونائب وزير الداخلية في حكومتها (والذي يقود حالياً جهاز الأمن والمخابرات الموالي للجماعة)، وعبد الرب جرفان الرئيس السابق لجهاز الأمن القومي، ونائبه مطلق عامر المراني، وعبد القادر الشامي المدير السابق لجهاز الأمن السياسي الخاضع للجماعة.

وفي 10 ديسمبر، أدلى نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الخليج العربي، تيموثي لندركينغ، بتصريحات إعلامية لافتة، قال فيها إن الحوثيين "يتصرفون كجماعة إرهابية عبر استهداف المدنيين، وتعميق علاقاتهم مع فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني المصنّف جماعة إرهابية". وأضاف المسؤول الأمريكي خلال إيجاز صحفي عبر الهاتف لقناة "سكاي نيوز عربية"، إن "استخدام الحوثيين للأطفال جنوداً، واعتراض المساعدات الإنسانية في اليمن، إضافة إلى إمكانية تسببهم بكارثة بيئية بحْرية من الأسباب التي تدفع باتجاه التفكير في تصنيفهم جماعة إرهابية".

وبهذا، وفي ظل استمرار هذه المقاربة المتدرِّجة الهادفة إلى تأطير جماعة الحوثي شيئاً فشيئاً ضمن السردية الراهنة لإدارة الرئيس ترمب، من خلال تشييد روابط أكثر التصاقاً بحلقات الإرهاب التي تستهدفها حملة "الضغوط القصوى" المناهضة لإيران، فقد كان مُرجَّحاً أن تمضي الإدارة الأمريكية في خططها لإدراج جماعة الحوثيين في القائمة السوداء قبل مغادرتها البيت الأبيض في 20 يناير المقبل، وهو ما حصل بالفعل.

وبحسب تقديرات بعض المحللين الأمريكيين، فإن إصرار وزير الخارجية مايك بومبيو على المُضي في هذا النهج، وتجاهُل كل التحفظات والاعتراضات المتوقعة على خطوة كهذه، سيُلقي بظلاله على إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن، التي ستكون خياراتها في التعاطي مع أمر كهذا، محدودة على المدى القصير. ويُشير هؤلاء إلى أن بإمكان مُستشاري بايدن حينها "إصدار تأكيداتهم الخاصة لموظفي الإغاثة والمنظمات الإنسانية العاملة في اليمن، عبر التوضيح بأن الولايات المتحدة تُقدِّر الحاجة إلى الموازنة بين اعتبارات حقوق الإنسان والتحدي المتمثل في مكافحة النشاط غير المشروع. وقد يُشجِّع ذلك بعض الجماعات على مواصلة جهودها، على افتراض أنها لن تواجه عواقب قانونية في حال أُقرَّت استثناءات من هذا القبيل".

وفي منظور الإدارة الأمريكية الحالية، تعد جماعة "أنصار الله" الحوثية اليوم من أنشط وأهم الأذرع الإيرانية في المنطقة. وقد زادت طهران بانتظام، كما يؤكد مراقبون وخبراء ومسؤولون أمريكيون وغربيون، من دعمها لهذه الجماعة، ومنحتها المزيد من الصواريخ وطائرات الدرونز ومساعدات أخرى على الأرض، واعترف المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي، بتقديم الدعم لهؤلاء، قائلاً نهاية سبتمبر الماضي إن بلاده وضعت "التقنيات الدفاعية لإنتاج الصواريخ والمسيرات تحت تصرف الشعب اليمني." كما ترتبط الجماعة بعلاقة قوية بكيانات وجماعات إيرانية أو مرتبطة بإيران تصنفها واشنطن تنظيمات إرهابية، كالحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، وتصنيفها جماعة إرهابية بقدر ما يُظهر إدارة ترامب في موقف أكثر صرامة في مواجهة طهران فإنه يُعَد خطوة مهمة في محاصرة نفوذها.

وعدا عن ذلك، هناك ما يُدين الجماعة بالفعل؛ فهي - بحسب العديد من المنظمات والتقارير الحقوقية - متورطة في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، كقتل المعارضين والتعذيب ومهاجمة أهداف مدنية في اليمن والسعودية، وتُشكِّل تهديداً للملاحة الدولية في البحر الأحمر، ولهذه الأسباب كانت فرقة العمل المعنية بالأمن القومي والشؤون الخارجية التابعة للجنة الدراسات الجمهورية (RSC) الأمريكية قد أوصت الكونجرس في يونيو الماضي بتصنيف الجماعة منظمة إرهابية أجنبية. 

ويأتي هذا التوجه الأمريكي في وقتٍ تعثرت فيه جهود السلام وتراجعت فرص التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة اليمنية، فليس فقط أن تحركات مبعوث الأمم المتحدة لم تُسفِر عن نتائج ملموسة، ولكن المواجهات العسكرية بين أطراف الصراع اليمني أيضاً عادت بقوة بعد أن كانت قد تراجعت على نحو ملحوظ، وقد شكَّل الهجوم الصاروخي على مطار عدن في أواخر ديسمبر الماضي نقطة فارقة في تعزيز التوجه الأمريكي، واعتبر الوزير بومبيو في بيانه الصادر في 10 يناير الجاري بشأن إعلان تصنيف الحوثيين "منظمة إرهابية"، أن هجوم عدن الأخير أظهر بوضوح "وحشية" الجماعة، وتصرُّفها "كمنظمة إرهابية". وعليه، فالبحث في اتخاذ إجراءات عقابية جديدة ضد الحوثيين وقادتهم، يعكس إلى جانب الحرص على محاصرة نفوذ إيران اعتراف واشنطن وحلفائها بصعوبة التوصل لاتفاق سلام ينهي الصراع في اليمن، ويعكس بالتالي رغبة في تحريك المياه الراكدة.

تداعيات تصنيف الحوثيين "منظمة إرهابية"

1. التداعيات السياسية

  • مسار الحل السلمي

هناك مخاوف من أن يكون لهذا التصنيف عواقب سلبية على عملية السلام في اليمن، وذلك على أساس أنه قد يدفع الحوثيين بعيداً ويجعل مواقفهم أكثر تشدداً، ويجعل التفاوض والتوصل إلى تفاهمات معهم أكثر صعوبة، وعلى أساس أنه سيعرقل جهود ومساعي الوساطة الأمية. وتتعلق هذه المخاوف أيضاً بما سيخلقه هذا التصنيف من معوقات قانونية تعوق عمل وسطاء السلام؛ فمع القيود التي يفرضها على الدعم المادي، مثلاً، يصبح تزويد المفاوضين بأي تسهيلات أو خدمات كالنقل والسكن جريمة، وسيكون من الصعب إشراك جماعة مصنفة إرهابية في أي حكومة تُؤسِّس لها أي اتفاقية للسلام.

إلا أن بعض هذه المخاوف، في رأي بعض المحللين، تبدو غير واقعية، ويمكن تجاوز بعضها الآخر؛ فالتشدد الحوثي تجاه السلام – بحسب هؤلاء - قائم أساساً، ولا يمكن تصوُّر أن يصل هؤلاء في ردة فعلهم حد سد كل منافذ التواصل مع العالم ويرفضون التفاوض والوساطات، كما أن تصنيفاً كهذا يبقى في نهاية الأمر تصنيفاً سياسياً بالأساس، ويمكن تكييفه بحيث لا يمنع من عمل الوسطاء ولا يوقف مساعي السلام. فبالإمكان، مثلاً، منح هؤلاء تسهيلات واستثناءات. وغير ذلك، قد يُعاد النظر في هذا التصنيف، في نهاية الأمر، وقد يكون ذلك إحدى نتائج أي اتفاق سلام. ومن الناحية الواقعية، كثيراً ما تُجري الدول مباحثات مع كيانات مصنفة إرهابية، وهذا ما حدث مثلاً مع حركة طالبان الأفغانية المُصنَّفة أمريكياً منظمة إرهابية. ومن جهة أخرى، قد يمنح هذا التصنيف قوة أكبر للأمم المتحدة، لجهة أنه قد يمكنها من اقتراح التفاوض على إلغاء التصنيف مقابل أن يُقدِّم الحوثيون تنازلات سياسية وعسكرية.

وعلى العكس من تلك المخاوف، هناك فرصة أن يصب هذا التصنيف في خدمة المسار السياسي؛ فتحت ضغوط نتائجه السلبية قد يجد الحوثيون أنفسهم مدفوعين لإعادة النظر في مواقفهم وتقديم تنازلات، لكن الوصول إلى هذه النتيجة لن يحدث تلقائياً، ويَشترِط تغيير الحوثيين تصورهم لميزان القوى، فهم حتى الآن يعتقدون أن خصومهم على وشك الانهيار والتسليم، وأن مواجهة خصومهم ومواجهة الولايات المتحدة لا يحتاج إلا إلى بعض الصمود، ويستشهدون على النتائج المضمونة للصمود والمقاومة بخضوع واشنطن في النهاية للتفاوض مع حركة طالبان بعد عقدين من المواجهة. وتغيير تصورهم هذا يشترط أن يقترن التصنيف ببعض الخسائر أو يُفضي إليها، وبعض الضغوط العسكرية والسياسية عليهم.

  • وضع الحكومة اليمنية الشرعية

نظرت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى هذا التصنيف باعتباره انتصاراً سياسياً ومعنوياً كبيراً لها ولتحالف دعم الشرعية، ولذا أعلنت ترحيبها به، ويسري اعتقاد في أوساط الحكومة أن موقفها السياسي بهذا التصنيف سيغدو أقوى، ويعمل على إضعاف ضغوط المجتمع الدولي عليها، وسينتهي بجعل موقفها التفاوضي أقوى.

وطبقاً لهذا، فإن الحكومة اليمنية تَعتبِر نفسها المستفيد الأول من هذا التصنيف، إذ يُعَد تأكيداً على أنها السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد، ويُعزِّز شرعيتها داخلياً وخارجياً في مواجهة الحوثيين، لاسيما بعد البدء في تنفيذ اتفاق الرياض وتشكيل حكومة المناصفة. كما سيحد من التدهور الخطير الذي أخذ يلحق بشعبيتها ويعمل على كبح الخلافات الداخلية، لأنه يُمثِّل تطوراً في موقف الولايات المتحدة والحلفاء الخليجيين وإعادة اعتراف بخطر الحوثيين ويمنح الأمل في مواصلة المعركة ضدهم.

  • جماعة الحوثي

يضع التصنيف الأمريكي الحوثيين في موقف سياسي أضعف، ويسبب لهم خسائر عديدة، ولهذا من الطبيعي أن يعترضوا عليه ويهاجموه بشدة؛ فعلى الصعيد الداخلي سيجعلهم طرفاً سياسياً أقل جاذبية، ولا يتمتع بجدوى سياسية على المدى الطويل، وسيُربك علاقتهم بالشخصيات والكيانات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، خصوصاً من أصحاب المصالح والتعاملات الخارجية، وسيُسهِم في تنامي مزاج عام سلبي تجاههم، ويعطي دفعات معنوية مهمة لخصومهم وللشارع الصامت ممَّن لا يتفق معهم، ولا يستطيع الوقوف في وجههم. لكن من غير المتوقع أن تتأثر سلطتهم وطريقة إدارتهم للبلاد كثيراً، ليس بسبب سطوتهم فقط بل أيضاً بسبب حالة العزلة التي يعيشونها وتعيشها البلاد عموماً.

وعلى الصعيد الخارجي، من المتوقع أن تتفاقم عزلتهم الدولية ويصبح نشاطهم على هذا الصعيد أكثر تعقيداً، حتى وإن كانت مساعي السلام ورغبة المجتمع الدولي في إنهاء الصراع تعمل على التخفيف من هذه العزلة؛ فبالنظر إلى ما تتمتع به واشنطن من نفوذ وسطوة بوصفها القوة العالمية الأولى، وإلى تداخل المصالح معها، قد يؤثر قرارها بدرجة أو بأخرى على مواقف أعضاء المجتمع الدولي، حكوميين وغير حكوميين؛ إذ إن هؤلاء سيجدون في النهاية حرجاً، وربما مخاطرة، في التعامل مع جماعة مصنفة أمريكياً تنظيماً إرهابياً.

وعلى أساس موقف ألمانيا وفرنسا وبريطانيا من سياسات ترامب تجاه إيران، ورفضها انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي ورفضها الموافقة على طلب الأخيرة تمديد الحظر المفروض على بيع الأسلحة إلى إيران، ليس من المتوقع أن يلقى قرار تصنيف الحوثيين "إرهابيين" أي تأييد من قبلها. وعلى الرغم من ذلك قد تتأثر مواقفها وتصوراتها للحلول والوسائل التي ينبغي الأخذ بها لإنهاء الصراع في اليمن بعد هذا التصنيف، خصوصاً في حال أظهر الحوثيون تعنتاً تجاه السلام، والأهم في حال أقدموا على ما من شأنه تهديد الملاحة الدولية وتهديد الأمن والسلم الدوليين، فقد يُقنعها ذلك، مثلاً، بضرورة ممارسة الضغوط على الجماعة وفرض عقوبات عليها. وفي نتيجة أخرى ذات صلة، سيضر هذا التصنيف بأي خطط للحوثيين لتحويل سلطتهم على المناطق التي يسيطرون عليها إلى نوع من الوضع المعترف به دوليًا.  

وفي سياق علاقتهم بإيران، سيجد الحوثيون الذين يتمتعون بهامش استقلال عن طهران، مقارنة ببقية الكيانات والجماعات المرتبطة بها، أنفسهم مضطرين إلى الاقتراب منها والاعتماد عليها بصورة أكبر، وبدورها ستجد طهران في الحاصل فرصة لزيادة تأثيرها على الجماعة ولدفعها لتبني توجهات أكثر تشدُّداً. لكن طهران قد تواجه، في المقابل، أعباءً مالية وسياسية بسبب هذا التصنيف، في وقتٍ تعاني فيه من وضع اقتصادي صعب، خصوصاً إذا ما انتهت الأمور بالتأثير على موارد الجماعة وتعاملاتها الخارجية أو كان عليها مواجهة التزامات تتجاوز قدراتها.

ومن جهة أخرى، من المتوقع أن يحد هذا التصنيف من قدرة الأطراف الإقليمية الأخرى المتعاطفة مع الحوثيين على تقديم تسهيلاتها وخدماتها لهم، وعلى تقديم الدعم الإعلامي لها بنفس الوتيرة السابقة.

2. التداعيات الاقتصادية

من المتوقع أن تتأثر التجارة الخارجية مع اليمن بالنظر إلى أن الشركات والوسطاء التجاريين المتعاملين مع الحوثيين قد يتعرضون للمسؤولية الجنائية الأمريكية أو العقوبات الاقتصادية. وثمة مخاوف من أن يؤثر هذا التصنيف على هذه التجارة وسلاسل الإمداد المختلفة، وعلى التموينات أو السلع الأساسية، بما فيها الأدوية، نتيجة أي تأثير محتمل على عمل وأنشطة المؤسسات الحكومية، لكن مخاوف كهذه يراها بعض المحللين مبالغاً فيها؛ انطلاقاً من كون هذا التصنيف يخص جماعة الحوثي لا المؤسسات الحكومية التي يسيطرون عليها.       

وبالنسبة للجماعة الحوثية نفسها، فمن شأن هذا التصنيف تجريم تقديم الدعم لها وتجميد أصولها المالية، لكن من غير المتوقع أن يكون ذلك مؤثراً لأن الجماعة ليس لها أصول خارجية معتبرة يمكن لليد الأمريكية الوصول إليها. وفيما يتعلق بالتمويلات الخارجية، فالجهات التي تقدم تمويلاً لها أو التي يحتمل أنها تقوم بذلك محدودة، إذ يكاد الأمر يقتصر على إيران (ووكلائها في لبنان والعراق)، والتي لم تعد قادرة عل تقديم الكثير بحكم وضعها الاقتصادي الحرج، مع أنه ما يزال من الممكن التحايل لإيصال أي دعم إلى الحوثيين بطرق عديدة وبما يتجاوز الأنظمة المصرفية. 

وقد يؤثر هذا التصنيف على نشاط الكيانات والشخصيات التجارية التابعة للجماعة أو التي تعمل لحسابها، وقد أشارت تقارير فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات الخاصة باليمن إلى عدد منها، لكن نتيجة كهذه ليست متوقعة على نحو مباشر وسريع بسبب التعقيدات القانونية التي ستواجه عملية تحديد هذه الكيانات والشخصيات، وقد لا تكون أي عقوبات تطالها فعَّالة بسبب نشاطها الحذر والمتوجس ومخاوفها المسبقة التي جعلت نشاطها غامضاً وأصولها وتعاملاتها وحساباتها المالية شبه خفية، وأيضاً بسبب القدرة على التحايل على أي عقوبات قد تطالها. وبالإجمال، من غير المتوقع أن ينتهي هذا التصنيف بمعاناة الجماعة مستقبلاً من شح التمويل؛ فأي إجراءات مرتبطة به أو أي عقوبات ناتجة عنه لن تكون قادرة على تجفيف مواردها المالية إلى حد إلحاق ضرر فادح بموقفها المالي.  

3. التداعيات الميدانية

سيكون المشهد الميداني في اليمن مرشَّحاً للاشتعال أكثر؛ إذ من المتوقع أن يعمد الحوثيون إلى التصعيد حتى لا يظهروا في موقف الضعيف والمستسلم، ولأنهم سينظرون إلى هذا التصنيف باعتباره مقدمة لاستهدافهم، فإن تحركاتهم ستأخذ غالباً طابع العمليات الاستباقية السريعة ضد خصومهم. ومن جهة أخرى، قد يُشجِّع أي تراجع في الضغوط الدولية، تحالف دعم الشرعية وحلفاءه على معاودة التصعيد العسكري. ويبقى أن التصعيد الميداني ضد الحوثيين وارد بسبب أن ممارسة ضغوط عسكرية عليهم، طِبقاً لرأي بعض المحللين، قد يكون ضرورياً لتفعيل المسار السياسي المتعثر.

ومن نتائجه على موقفهم الميداني، يُتوقَّع أن يُقلِّل هذا التصنيف من فرص حصول الحوثيين على المكونات والقطع التي يستوردونها من الخارج ويستخدمونها في صناعة الطائرات المسيرة، وأن ينعكس على عمليات تهريب السلاح إليهم. ومع أن الجماعة الحوثية كعادتها ستحاول استغلال الحاصل لإثارة مشاعر وحماس أنصارها ومقاتليها وتصوير الحرب كحرب "صهيونية-أمريكية"، إلا أن معنوياتهم ومقاتليهم لا بد وأن تتأثر بالسلب، إذ سيجدون أنفسهم وقد بات يُنظر لهم بوصفهم إرهابيين، وأصبحوا ولو نظرياً في مواجهة مباشرة مع أكبر قوة عالمية، وفي المقابل، سترتفع معنويات خصومهم وتتعزز الروح القتالية لقوات هؤلاء.

4. التداعيات الإنسانية

مع أن بالإمكان مَنْح منظمات الإغاثة استثناءات تتيح لها العمل والتعامل مع الجماعة دون التأثير على نشاطها كما أشار الوزير بومبيو، إلا أن احتمال تأثُّر هذا النشاط وتراجع قدرة هذه المنظمات على إيصال المساعدات يظل قائماً، على الأقل نتيجة ردود فعل الحوثيين وسياساتهم؛ فهؤلاء ما برحوا يعرقلون توزيع ووصول المساعدات في الفترة الماضية بل ويقومون بالاستيلاء عليها، وسبق أن اتهمتهم المنظمات المعنية وفريق الخبراء التابع للجنة العقوبات بإعاقة الأنشطة الإنسانية في مناطق سيطرتهم.

ومن المتوقع أن تزداد العراقيل التي يضعها الحوثيون وتزداد تدخلاتهم، وأن يعمدوا إلى الاستيلاء على مزيد من المساعدات بعد تصنيفهم جماعة إرهابية، خصوصاً إذا تسبَّب لهم بخسائر مادية، وهذا سيؤثر بدوره على تعهُّدات الممولين لبرامج الإغاثة وخطة الاستجابة الإنسانية، وقد سبق أن هدَّد المانحون بتقليص تمويلاتهم أو حتى وقفها، ومنهم الولايات المتحدة التي جمَّدت بالفعل جزءاً من تمويلاتها الإنسانية مطلع عام 2020. وسيكون لحصول ذلك نتائج مضاعفة على الأوضاع الإنسانية بالنظر إلى كون خطة الاستجابة لم تتلق حتى أواخر العام الماضي إلا حوالي 25% من التمويلات التي تعهَّد بها المانحون، وهو ما اضطر الأمم المتحدة إلى إغلاق كثيراً من برامجها الإنسانية والإغاثية في اليمن.

خلاصة واستنتاجات

  • هناك مخاوف من أن يؤدي تصنيف الإدارة الأمريكية جماعة الحوثي "منظمة إرهابية أجنبية" إلى عواقب سلبية على عملية السلام في اليمن، بالنظر إلى أنه قد يدفع الحوثيين للتشدَّد أكثر، ويُعرقِل جهود وساطة الأمم المتحدة. وتتعلق هذه المخاوف بما سيخلقه هذا التصنيف من معوقات قانونية أمام عمل الوسطاء الدوليين، إلا أن بعض هذه المخاوف قد لا تكون واقعية، ويمكن تجاوز بعضها الآخر؛ فالتشدد الحوثي تجاه السلام قائم أساساً، كما أن تصنيفاً كهذا يبقى في نهاية الأمر تصنيفاً سياسياً بالأساس، ويمكن تكييفه بحيث لا يمنع عمل الوسطاء، وقد يُعاد النظر في هذا التصنيف ويكون ذلك إحدى نتائج أي اتفاق سلام مستقبلي.
  • فيما تعتقد الحكومة اليمنية الشرعية أن هذا التصنيف يمثل انتصاراً سياسياً ومعنوياً كبيراً لها، وسيغدو به موقفها السياسي على الصعيد الدولي أفضل، وسينتهي بجعل موقفها التفاوضي أقوى مستقبلاً، فإن من المتوقع أن يجعل هذا التصنيف الحوثيين في موقف سياسي أضعف، وأن يُسبِّب لهم خسائر عديدة؛ فداخلياً سيجعلهم طرفاً سياسياً أقل جاذبية، وسيُربك علاقتهم بالشخصيات والكيانات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، خصوصاً من أصحاب المصالح والتعاملات الخارجية. وخارجياً، ستتفاقم عزلتهم الدولية ويُصبِح نشاطهم أكثر تعقيداً، حتى وإن كانت مساعي السلام ورغبة المجتمع الدولي في إنهاء الصراع تعمل على التخفيف من هذه العزلة. وفي سياق علاقتهم بإيران، ستجد طهران في هذا التطور فرصة لزيادة تأثيرها عليهم ولدفعهم لتبني توجهات أكثر تشدُّداً، وتجعلهم أكثر قرباً منها.
  • من المتوقع أن تتأثر التجارة الخارجية مع اليمن في ظل استمرار مفاعيل هذا التصنيف، بسبب أن الوسطاء التجاريين المتعاملين مع الحوثيين قد يتعرضون للمسؤولية الجنائية الأمريكية أو العقوبات الاقتصادية. وبالنسبة لجماعة الحوثي، فمن شأن هذا التصنيف تجريم تقديم الدعم لها وتجميد أصولها المالية، لكن من غير المتوقع أن يكون ذلك مؤثراً لأن الجماعة ليس لها أصول خارجية يمكن لواشنطن الوصول إليها، مع أن تصنيفاً كهذا سيؤثر على نشاط الكيانات والشخصيات التجارية التي تعمل لحسابها.  
  • من المتوقع أن تزداد العراقيل التي يضعها الحوثيون على منظمات العمل الإنساني والإغاثي، وأن يعمدوا إلى الاستيلاء على مزيد من المساعدات بعد تصنيفهم جماعة إرهابية، خصوصاً إذا تسبَّب لهم بخسائر مادية، وهذا سيؤثر بدوره على تعهُّدات الممولين لبرامج الإغاثة وخطة الاستجابة الإنسانية. وسيكون لحصول ذلك نتائج مضاعفة على الأوضاع الإنسانية بالنظر إلى كون خطة الاستجابة لم تتلق سوى حوالي ربع التمويلات التي تعهَّد بها المانحون، وهو ما اضطر الأمم المتحدة حتى الآن إلى إغلاق الكثير من برامجها الإنسانية في اليمن.    

أحدث المواضيع المميزة