تبلور مشروع "صفقة إدلب" بين روسيا وتركيا، وحدود الاستجابة الأمريكية

مركز الإمارات للسياسات | 25 يناير 2020

تشهد جبهات ما يسمى "منطقة خَفْض التصعيد الرابعة" (إدلب وريف حلب) موجة صراع جديدة، تؤشر جميع المعطيات أنها قد تكون مفصلية، وذلك في ظل وضع معقد ومتداخل، انطوى على إعلان للهدنة بواسطة الضَّامنينِ الروسي والتركي، مع أن مفاعيلها لم تَدُم لأكثر من يومين، وجرى تدعيم ذلك بلقاء أمني جمع رئيس المخابرات السوري "علي مملوك" مع نظيره التركي "حقان فيدال" في موسكو، بالتزامن مع زيارة وفد أمريكي برئاسة "جيمس جيفري" المعني بشأن سوريا واجتماعه بالمعارضة السورية في إسطنبول.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على آخر التحوُّلات الحاصلة في الصراع السوري على جبهة إدلب، وتحاول فهم الظروف المحيطة بها، وطبيعة مواقف الأطراف الفاعلة إزاءها، وصولاً إلى استشراف مآلاتها على المدى القريب.

ظروف عقد الهدنة وأهداف روسيا وتركيا

شَنَّت قوات النظام السوري، بعد يومين من إعلان الهدنة، حملة شرسة ضد مواقع الفصائل في الريف الجنوبي والشرقي لإدلب، ووصلت المناوشات بين الطرفين إلى ريف حلب الجنوبي والغربي مع استعدادات واضحة لشن حملة من قبل قوات الأسد، المدعومة من الميليشيات الإيرانية في هذا المحور، وكانت الذريعة أن تركيا لا تعمل على ضبط التنظيمات التي تستهدف مناطق المدنيين في حلب وريف إدلب، كما أنها لم تُوفِ بالتزاماتها في "اتفاق سوتشي"، أي تأمين طريقي M4 (حلب-اللاذقية) وM5 (حلب-حماة)، واللذين كانا من المفترض أن يُؤمَّنا نهاية العام 2018، بالإضافة إلى حَسم عُقْدة إدلب وإيجاد الحلول للمجموعات المسلحة هناك تمهيداً لبسط السيادة السورية على هذه المنطقة.

ولم يكشف طرفا اتفاق الهدنة (روسيا وتركيا) عن طبيعة الهدنة التي تم التوافق عليها، ولا عن نطاقها الجغرافي والزمني، وقد شَكَت الفصائل القريبة من تركيا من هذا الغموض الذي أدَّى إلى إرباكها وعدم القدرة على التَّصرُّف، حتى أنه لم يُعلِن أيٌّ من الأطراف المعنيّين بـهدنة إدلب، من تركيا إلى روسيا والنظام السوري، انهيارها، على رغم الخروقات الكبيرة التي شابتها منذ اليوم الأول، وهو ما يؤشر إلى رغبة الأطراف المعنية عدم قطع التواصل بينهم بالنظر لتشابك العلاقات، وخاصة بين روسيا وتركيا، في هذه المرحلة.

وتُجمِع مختلف المعطيات أن روسيا وافقت على الهدنة لأسباب سياسية ولوجستية آنية، أهمها:

  • أرادت روسيا تمرير زيارة بوتين إلى إسطنبول وعدم تعكير أجواء تدشين خط الغاز "ترك ستريم" الذي حضره رؤساء صربيا وبلغاريا، وقد قبلت تحت إلحاح أردوغان الذي اتصل ببوتين قبل يومين من حضوره إلى إسطنبول بإدراج موضوع الهدنة على جدول مباحثات الرئيسين.
  • أرادت روسيا الظهور بمظهر الطرف الذي يراعي الاعتبارات الإنسانية في الأزمة السورية، بعد عرقلتها لمشروع المساعدات الإنسانية في مجلس الأمن، ومواجهة الانتقادات الحادة التي وجهتها أوروبا والولايات المتحدة للهجوم الروسي وتداعياته على المدنيين عبر تهجير مئات الآلاف من إدلب.
  • لعبت الأسباب اللوجستية دوراً مهماً في الموافقة الروسية على الهدنة، فقد ظهر أن قوات الأسد تحتاج لإجراء ترتيبات في صفوفها وتحصين المناطق التي قضمتها وتجديد خططها العسكرية بناء على معطيات جديدة أهمها استيعاب الفصائل للهجوم واستقدام أعداد كبيرة من مناطق شرق الفرات. وتؤكد مصادر المعارضة أن ثلاث طائرات شحن روسية مُحمَّلة بالذخائر حَطَّت مؤخراً في مطار حميميم، ما يؤشر إلى محاولة روسيا تدارك النقص في بعض أنواع الأسلحة.
  • قطع الطريق على الأمريكيين الذين أخذوا يبدون اهتماماً واضحاً بتطورات إدلب وسوريا عموماً. وقد ذكرت السفارة الأمريكية في دمشق عبر "تويتر"، في 15 يناير الجاري (2020)، أن استمرار القصف الجوي والمدفعي على المدنيين والمراكز الصحية والمنشآت المدنية، "يعد أمراً مخجلاً يدينه المجتمع الدولي"، وأكَّدت أن "الولايات المتحدة مستعدة لاتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والاقتصادية ضد نظام الأسد، وأي دولة أو فرد يدعم أجندته الهمجية"، في حال استمرار الهجمات.

وبالنسبة لتركيا، فإن الهدف الأساسي من الهدنة هو تخفيف الضغط على وكلائها في سوريا الذين تعرضوا لهزائم قاسية وانهيارات سريعة.

لقاء مملوك-فيدان وتبلور مشروع الصفقة

تؤكد معلومات المصادر القريبة من دمشق أن اللقاء الذي جمع بين رئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي مملوك، ورئيس جهاز المخابرات التركية الجنرال حقان فيدان برعاية روسية في موسكو، لم يكن الأول، بل هو اللقاء الرابع بينهما، لكن إعلان دمشق عنه بعكس اللقاءات السابقة، كان سببه بلوغ النقاش بين الطرفين مراحل متقدمة، وأن شبه تفاهمات حصلت في موسكو تنتظر حسماً نهائياً حتى تدخل حيز التطبيق، وأن هذه التفاهمات تأتي بالتوازي مع مسار من التنسيق الأمني-الميداني بدأ منذ عدة أشهر بين الطرفين السوري والتركي في مناطق الشمال الواقعة في إطار عملية "نبع السلام" التركية، أو في محيط إدلب[1].

وتفيد المعلومات أن النظام السوري كان مُتحمِّساً لإجراء المصالحة مع تركيا إذا انطوت على العودة إلى تفاهمات أضنى للعام 1998، على أن تبدأ تركيا ببادرة حُسْن نية من خلال تطبيق تفاهم سوتشي الذي يُعيد الطرق الدولية لسيطرة نظام الأسد وإيجاد حلٍّ للتنظيمات المتطرفة.

ومما أضفى زخماً على التفاوض بين الطرفين، رغبة روسيا في التخلص من المجموعات المتطرفة في إدلب ولا سيما الأجانب منهم، "مهما كلَّف الأمر، وبأي حلٍّ يراه الأتراك مناسباً"، حتى ولو تم "إرسالهم جميعاً إلى ليبيا"، أما بالنسبة للمسلحين السوريين، فإن المخرج شبه الوحيد لهم - وفق وجهة النظر هذه - هو إجراء مصالحة مع الحكومة السورية، أسوة بمصالحات جرت في مناطق أخرى، فيما لم يُعارِض الوفد السوري تجميع المسلحين السوريين الرافضين لمبدأ المصالحة في شريط حدودي شمالاً يخضع لسيطرة الشرطة العسكرية الروسية[2].

ونتيجة للقاء الأمني، يبدو أن تفاهماً على الخطوط العريضة قد انعقد بين الطرفين، وإن لم يكُن جرى نقاش التفاصيل، نظراً للتعقيدات الهائلة الكامنة فيها، ووضعت روسيا ونظام الأسد الكرة في الملعب التركي، بعد أن وافقا على أهم مطالبه وخاصة تفكيك القوات الكردية (قسد)، والتلميح بإمكانية الموافقة على إنشاء منطقة آمنة في إدلب على الحدود مع تركيا لإيواء النازحين السوريين، مقابل تسليم الطرق الدولية في مرحلة أولى، وتفكيك جبهة النصرة والتنظيمات المتشدّدة (حرَّاس الدين، والتركستاني)، على أن يجري الأمر خلال شهرين من وقت انعقاد الهدنة، حسب تسريبات عن اللقاء الأمني[3].

النقطة المركزية في هذه الصفقة تركَّزت حول إقامة منطقة آمنة رابعة على غرار مناطق "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بتخطيط روسي-تركي، وإلى هذا أشار وزير الدفاع التركي خلوصي أكار بقوله إن تركيا وروسيا تبحثان إنشاء "منطقة آمــنة" في إدلب شمال غرب سوريا، حيث يمكن للسوريين النــَّازحين بسبب القــتال قضاء فصل الشتاء.

وفي تفاصيل ذلك تشير مصادر قريبة من النظام السوري إلى "مداولات تركية ــــ روسية يمكن أن تفضي إلى إخلاء تركي لنقاط المراقبة في القسم الجنوبي لإدلب، على أن يتقدّم الجيش السوري ويسيطر مباشرة على كلّ الطرقات المؤدية إلى حلب من حمص وحماة واللاذقية، والتي يلحظها أساساً "اتفاق سوتشي" الذي لم تنفذه أنقرة". لكن هذه المصادر تشير إلى تطور يبدو أن نظام الأسد لم يكن مُطَّلعاً عليه، يتمثل بـ"احتمال أن يتقدّم الجيش التركي، ويحتلّ منطقة شمال إدلب، ويقيم «منطقة آمنة» جديدة". وتَلحَظ هذه المصادر تلميح عضو هيئة السياسات الأمنية والخارجية التابعة لرئاسة الجمهورية التركية إلى أن تركيا ستكون مُضطرَّة، إذا استمرت عمليات التهجير الواسعة، للتفكير في إقامة منطقة آمنة في إدلب، وتؤكد هذه المصادر أن هذا الأمر إذا جرى سيكون برضا روسي كما العادة[4].

تزامن ذلك مع إجراءات تركية استدعت على عجل قادة فصائل المعارضة إلى اجتماع طارئ في معبر أطمة العسكري، وبحث الاجتماع قضية فتح الطرقات الدولية، بناءً على مباحثات موسكو التي طالب فيها ممثل النظام علي مملوك نظيره التركي حقان فيدان بفتحها[5].

أهمية إدلب في التقديرينِ التركي والروسي

قد لا تشكل إدلب بالنسبة لتركيا أولوية قصوى، وذلك بالنظر لوجود التنظيمات المتطرفة التي تتحكم بالمنطقة، ولا تستطيع تركيا بالتالي التحكُّم بها، ومع هذا تظل إدلب مهمة بالنسبة لتركيا باعتبارها مَلَفاً للتفاوض والمساومة تستطيع من خلاله اكتساب تنازلات من روسيا والنظام السوري، ومن الواضح أن تركيا ترى في إدلب فخاً لا تريد التورط فيه، لذا ترفض حتى اللحظة الانخراط في صراع ضد التنظيمات المتطرفة لأن ذلك من شأنه استنزاف الفصائل القريبة منها.

وتتأكد هذه الفرضية في ظل انشغالات واهتمامات تركيا الإقليمية والدولية، وانخراطها في ملفات كثيرة، ما يستدعي منها التركيز على مسائل ذات عائدية سياسية واقتصادية أكبر، وفي سوريا تركز تركيا على مناطق شرق الفرات نظراً لأهميتها الاقتصادية ودورها في حماية أمنها القومي، وتستطيع المقايضة على تحسين أوضاعها في هذه المناطق عبر تقديم تنازلات في إدلب، كما سبق وقايضت على حلب ومناطق اخرى مقابل تثبيت وجودها في جرابلس وعفرين.

بالنسبة لروسيا، تُشكّل السيطرة على إدلب قضية حيوية، إذ تستطيع من خلالها تثبيت نجاحها في السيطرة على سوريا، ولن تجد روسيا أفضل من هذا الوضع لمساومة الجانب التركي لجهة الانتهاء من معضلة إدلب التي تحول دون إعلان الانتصار العسكري الكامل للرئيس السوري بشار الأسد، والذي سيترتب عليه في حال تحقق فتح الباب أمام تحقيق التسوية التي تريد روسيا أن ترسم خطوطها العريضة. وفي التقدير الروسي، فإن خيارات تركيا ضعيفة في ظل انشغالاتها الإقليمية والدولية، وحالة العزلة الدولية التي تمر بها نتيجة سوء علاقاتها مع دول المنطقة وأوروبا.

وبات الزمن يشكل عاملاً مهماً بالنسبة لروسيا لإنجاز مهمتها في سوريا، في ظل تغييرات بدأت تلوح في المنطقة، لعل أهمها:

  • احتمالية عودة اللاعب الأمريكي إلى المنطقة بقوّة، بعد التوتر مع إيران، وكان مقتل سليماني رسالة أمريكية قوية لكل الأطراف الفاعلة في سوريا.
  • يشكّل قانون سيزر (الذي يقضي بفرض عقوبات كبيرة على النظام السوري وداعميه) إحراجاً وتهديداً لروسيا، لذلك تسعى للاستفادة من مهلة الـ90 يوماً لتنفيذ القرار، كي تتمكن من تغيير الواقع في سوريا عبر تقديم الأسد بأنه أصبح يسيطر على كامل الجغرافية السورية، واحتمال إقناع ترمب بتعطيل القانون أو إلغائه.

دخول واشنطن على خط الأزمة

دخلت الولايات المتحدة بشكل مُكثَّف، خلال الأيام الماضية، على خط الأحداث السورية، ما يؤشر إلى تحوّل مهم قد يشهده الملف السوري في المرحلة المقبلة. وقد شكّل المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، ما يشبه غرفة عمليات في إسطنبول لمتابعة إدارة التطورات السورية:

  • فقد التقى جيفري ومسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية مع مسؤولين في وزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية المؤقتة، بالإضافة إلى قيادات من الجيش الوطني السوري، كما التقوا ممثلين عن الحكومة المؤقتة. وأكد المسؤولون الأمريكيون للمعارضة السياسية والعسكرية السورية أن الولايات المتحدة مُهتمَّة بملف إدلب بشكل كبير، وستضع ثقلها السياسي والاقتصادي من أجل تثبيت وقف إطلاق النار ووضع حد لهجمات روسيا ونظام الأسد.
  • ووعد المسؤولون الأميركيون الحكومة السورية المؤقتة بتقديم الدعم الإنساني والصحي من أجل التخفيف من المعاناة الإنسانية في محافظة إدلب، وطلبوا من الجيش الوطني السوري الزَّج بثقل أكبر في معارك إدلب من أجل منع التقدم لنظام الأسد وروسيا.
  • ووفق ما نقل "تلفزيون سوريا" المعارض، أعرب المسؤولون الأمريكيون عن رغبتهم بتعزيز العلاقات مع "الجيش الوطني السوري"، وطلبوا من قيادته التركيز على تنظيم الجيش والحفاظ على سمعته كمؤسسة قادرة على الاشتراك في حماية البلاد عند التوصل إلى حل سياسي.
  • وطلب المسؤولون من "الجيش الوطني" أن يضع محافظة إدلب والدفاع عنها على رأس أولوياته، والابتعاد عن الأخطاء التي وقع فيها في شرق الفرات وفي شمال حلب، حفاظاً على سمعته الدولية والداخلية.
  • لم تستبعد مصادر المعارضة السورية إمكانية إعادة الدعم العسكري الأمريكي إلى فصائل المعارضة، ومن المحتمل أن يلجأ إلى هذا الخيار بعد عدة أشهر في حال لم يكن هناك استجابة من روسيا ونظام الأسد للضغوطات السياسية والاقتصادية، والتزامهم بإيقاف الحملة على إدلب والعمل على الانتقال السياسي[6].

وفي نفس السياق، زار جيفري المملكة العربية السعودية، وتشير التقديرات إلى أن أهمية هذه الزيارة تتأتى من كونها تأتي في إطار تنسيق جهود اللاعبين حول المرحلة السورية المقبلة. إذ ناقش في الرياض الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن في سوريا. وتقود السعودية جهوداً لإعادة ترتيب موازين القوى في صفوف المعارضة السورية، ولا سيما "هيئة التفاوض" و"الائتلاف".

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية ذكرت في بيان أن جولة جيفري التي استمرت خلال الفترة من 9 إلى 13 يناير، ركزت على بحث مسائل تحظى بأهمية مشتركة، بما في ذلك الأوضاع الراهنة في شمال شرق سوريا وتطبيق القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن لتسوية النزاع السوري.

من جهتها، ذكرت الرئاسة التركية في بيان صدر يوم 17 يناير الجاري، أن المتحدث باسمها "إبراهيم قالن" اتفق مع مستشار الأمن القومي الأمريكي "روبرت أوبراين" على أهمية الالتزام بوقف إطلاق النار في إدلب. كما بحث الجانبان بحسب البيان الذي صدر مذكرة التفاهم الروسية التركية المبرمة في "سوتشي" بشأن إدلب.

والتقى رئيس الأركان في الجيش التركي، الجنرال ياشار غولر، نظيره الأمريكي، مارك ميللي، في العاصمة البلجيكية بروكسل، على هامش اجتماع رؤساء أركان الدول الأعضاء في حلف شمالي الأطلسي (الناتو)، المنعقد في 14 يناير. وقال المتحدث باسم الأركان العامة الأمريكية، العقيد ديدي هلفهيل، في بيان، إن "رئيس الأركان الأمريكي التقى الثلاثاء نظيره التركي في بروكسل، حيث تناولا الأوضاع الأمنية في سوريا، وأهمية التعاون التركي-الأمريكي في المنطقة".

مُحفِّزات انهيار الصفقة

  • عدم الاتفاق على حدود المنطقة الآمنة. ويبدو أن روسيا لم تستطع فرض الموافقة على النظام، الذي تعمَّد إيصال رسائل للطرف الروسي عن طريق وسائل الإعلام الموالية له، يرفض فيها هذه الصفقة.
  • إعلان النظام عن اللقاء الأمني رأى فيه أردوغان محاولة لإحراجه أمام المعارضة السورية والولايات المتحدة، وهو ما دفع أردوغان إلى تهديد النظام السوري بالتصدِّي له إذا لم يُطبِّق الهدنة، واضطر الجانب التركي إلى توضيح طبيعة اللقاء الأمني لفصائل المعارضة بالتأكيد أن الهدف من اللقاء كان تثبيت الهدنة وليس مناقشة قضايا سياسية[7].
  • أَوْهَمَ الروسُ الأتراكَ أنهم قادرون على تسوية ملف الأكراد، وأوعزوا لهم خلال الاجتماع الأمني في موسكو أن الولايات المتحدة سترحل قريباً، وأن الأكراد سيضطرون للرضوخ، غير أن عودة الأمريكيين بقوة وإرسالهم تعزيزات إلى مناطق شرق الفرات، جعلت الأتراك يدركون أن روسيا لا تملك ما تقدمه لهم في هذا الشأن.
  • الدخول الأمريكي على خط الأزمة، فمن جهة شكَّل هذا العاملُ ضغطاً على تركيا لمنع إتمامها الصفقة مع الروس، ومن جهة أخرى قوَّى الموقف التركي الضعيف في مواجهة روسيا.
  • دخول إيران كذلك على خط الأزمة، وإشعالها للمعارك في ريف حلب الغربي، حيث استقدمت إيران تعزيزات عسكرية من دير الزور وحماة واللاذقية لمعركة ريف حلب، وذلك باعتبار أن هذه المنطقة من أهم مناطق النفوذ الإيراني في سوريا، ومحاولة إيران إثبات أن غياب قائد الحرس الثوري، قاسم سليماني، لن يؤثر سلباً على خططها في سوريا.
  • استعجال روسيا تحقيق نتائج ميدانية في إدلب قبل تمكُّن الولايات المتحدة من تغيير موازين القوى لصالح المعارضة وإرسال تعزيزات عسكرية مهمة لهم، وهو احتمال بات وارداً في التقدير الروسي لإدراكهم أن الولايات المتحدة لن تَسْمَح بتحقيق انتصار روسي نهائي والاستفراد بالحل السياسي.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: ذهاب روسيا وتركيا إلى تطبيق بنود الصفقة المشار إليها لكن من خلال القوة والحرب، فجميع المؤشرات تدل على أن روسيا عاقدة العزم على الوصول إلى الطرق الدولية مهما كانت التكاليف، وتكشف التحضيرات الروسية والحشود التي جهزتها من الميليشيات الإيرانية وقوات نظام الأسد واستعدادات قاعدة حميميم أن روسيا عازمة على تحقيق هدفها ضمن نطاق زمني قصير، استباقاً لأيّ ترتيبات أمريكية محتملة من نوع تزويد الفصائل بأسلحة مضادة للدروع.

بالمقابل، بدأت تركيا التفكير في شكل جدي بموضوع المنطقة الآمنة شمال إدلب، وهي على تواصل مع الإدارة الأمريكية ودول أوروبا (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) بهذا الخصوص، بعد أن دعتهم إلى الضغط على روسيا ونظام الأسد لوقف هجماتهم على مناطق المعارضة، وسيضيف الهجوم على ريف حلب الغربي مئات آلاف النازحين الذين سيتدفقون إلى الحدود التركية.

وهذا السيناريو هو الأقرب للتطبيق في ظل عدم توافق الطرفين الروسي والتركي على حلول وسط، ووجود مصلحة لإيران في إشعال الحرب، ووجود أيضاً إرادة أمريكية في عرقلة الخطط الروسية.

السيناريو الثاني: استنزاف روسيا وقوات الأسد في حرب طويلة؛ فهذه المناطق ذات كثافة عمرانية كبيرة ويمكن لفصائل المعارضة الاستفادة من هذه المزية لعمل كمائن والقيام بحرب شوارع، إذا ما وصلت لهم الإمدادات الأمريكية، ودعمتهم واشنطن لوجستياً، وما يعزز هذا السيناريو أن القوى الموجودة في هذه المناطق مُدرَّبة بشكل جيد ومُنظَّمة بشكل أكبر من تلك التي واجهتها روسيا وحلفاؤها في جنوب إدلب، كما أن روسيا نفسها لم تستطع اقتحام معرة النعمان وعجزت عن السيطرة عليها رغم استمرار قصفها لأكثر من شهر.

السيناريو الثالث: عودة روسيا إلى سياسة "القضم البطيء"، وهي السياسة التي باتت مفضلة لديها، لأنها تحقق من خلالها أهدافها وتُبعِد عنها الانتقادات الدولية وتُضعِف الفصائل وتُحطِّم قدراتها بالتدريج، وما يُعزِّز هذا السيناريو أن روسيا لا زالت تعلن تمسكها بالهدنة ولم تعلن عكس ذلك، ووفق هذا السيناريو قد يتم استخدام الحشود من أجل الضغط النفسي على تركيا والفصائل التابعة لها للانسحاب تدريجياً من المناطق التي تسيطر عليها ما يؤدي في النهاية إلى تطبيق "اتفاق سوتشي" القاضي بتسليم الطرق الدولية لنظام الأسد.

وبالموازنة بين السيناريوهات الثلاثة، تُرجِّح الورقة السيناريو الأول وذلك نظراً لحاجة روسيا إلى تحقيق انتصار في إدلب وريف حلب، وأهمية هذا الأمر في استرداد الطريقين الدوليين M4 وM5، بالإضافة إلى تأمين نطاق حلب الأمني، حيث تستعجل روسيا إنجاز هذه المهمات، وفي تقديرها أن العودة الأمريكية إلى الملف السوري ستحمل معها مُتغيَّرات ليست في صالح المشروع الروسي. وفي الجهة المقابلة، ستنتهز تركيا هذه التطورات لإنشاء منطقة آمنة في إدلب، وخاصة مع ازدياد أعداد المهجرين، بذريعة تأمين إيواء لهم في ظروف الشتاء القاسية، ويتَّضِح من تصريحات المسؤولين الأتراك عَزْمَهم السَّير في هذا الاتجاه.

 

هوامش

[1] موسى عاصي، "تفاهمات مملوك وفيدان تنتظر الضوء الأخضر التركي"، موقع 180، 14 يناير 2020.

[2] المصدر نفسه.

[3] صهيب عنجريني، "هدنة إدلب: هشاشة لا تمنع الاستثمار"، الأخبار، 13 يناير 2020.

[4] محمد نور الدين، "الحملة التركية الرابعة إلى إدلب"، الأخبار، 16 يناير 2019.

[5] "أنقرة تستدعي قادة الفصائل لاجتماع طارئ وعاجل في معبر " أطمة" العسكري"، جريدة الجسر الإلكترونية، 15 يناير 2020.

[6] "اجتماعات أميركية مع المعارضة.. والاهتمام منصب على إدلب"، تلفزيون سوريا، 17 يناير 2019.

[7] "تركيا تطلع الفصائل على نتائج لقائها الأمني مع نظام الأسد في موسكو"، موقع نداء سورية، 16 يناير 2020.

 

 

أحدث المواضيع المميزة