احتمالات التصعيد العسكري بين تركيا واليونان والسيناريوهات الممكنة

د. نزار عبد القادر | 11 أكتوبر 2020

بلغ التوتر في شرقي البحر المتوسط مستوى لم يشهده منذ عقود، وذلك بعد أن أرسلت تركيا سفينة الأبحاث التركية "أوروتش ريس" لاستكشاف الغاز والنفط في مناطق بحرية تتنازع فيها على الحقوق مع اليونان وقبرص، حيث ترى تركيا أنها تُشكِّل جزءاً من منطقتها الاقتصادية الخالصة (EEZ) فيما تُنكِر عليها اليونان وقبرص هذا الحق.

وقد أرسلت تركيا عدداً من سفنها الحربية لمرافقة باخرة المسح والتنقيب وردَّت اليونان على التحرك التركي بإرسال عدد من قطعها البحرية إلى المنطقة، وهذا ما دفع تركيا لتنفيذ مناورة بحرية بالذخيرة الحيّة. وبالفعل، فقد بلغ هذا التصعيد أوجه في الأسبوع الأخير من شهر أغسطس الماضي.

تعود جذور الأزمة إلى بضع سنوات خلت، وذلك بعد اكتشاف وجود كميات تجارية في المناطق البحرية المواجهة لسواحل الدولتين، مما دفع كل من أثينا وأنقرة إلى إعلان حقهما في استثمار هذا المخزون من الغاز والنفط، في ظل تداخل جغرافي بين الدولتين، يدفع نحو تعقيدات كبيرة في موضوعي السيادة والحقوق الاقتصادية في المنطقة الاقتصادية الخالصة التي يدّعيها كلٌّ منهما.

وقبل التعمُّق في بحث أسباب الأزمة الراهنة بين تركيا من جهة أولى واليونان وقبرص من جهة ثانية، وتحليل تطوراتها تمهيداً لاستطلاع السيناريوهات الممكنة التي يمكن أن تَسلُكها، من المفيد إجراء قراءة سريعة لتاريخ العلاقات بين الدول الثلاث، والتي اتسمت أغلب الأحيان بقدرٍ من التأزُّم والتصعيد وتنامي مشاعر العداء.

إرث تاريخي من العداء

نجحت اليونان في نيل استقلالها بعد صراع طويل خاضته ما بين عام 1821 و1832 مع السلطنة العثمانية، والذي استدعى تدخل بحرية كل الدول والإمبراطوريات الأوروبية إلى جانب اليونان باستثناء ألمانيا.

وحصل الصدام العسكري الثاني بين الدولتين بعد نصف قرن من حرب الاستقلال، حيث اشتبكت قواتهما العسكرية لثلاثين يوماً في عام 1897 حول استقلال جزيرة كريت، التي تتكون أكثرية سكانها من اليونانيين، وقد أدت هذه الاشتباكات إلى تدخل القوى الغربية من جديد والتي هددت بتوسيع الحرب ضد السلطنة العثمانية في الوقت الذي كانت تجتاح المنطقة حالة من المشاعر الوطنية المطالبة بالانفصال والاستقلال عن السلطنة، تُغذِّيها مشاعر العداء التاريخية، بالإضافة إلى مشاعر العداء بين الدول الكبرى، والتي أدت بعد أقل من عقدين إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى. في ظل الأحداث التي شهدتها جزيرة كريت تدخلت لصالح اليونانيين أساطيل من النمسا وفرنسا وإيطاليا وروسيا وبريطانيا، وذلك بحجة وقف الاشتباكات وفرض السلام. وكانت ألمانيا الدولة الوحيدة التي أنذرت اليونانيين بضرورة وقف الاشتباكات، ولكن هذا الإنذار لم يلقَ أي تجاوب من الجانب اليوناني، وانتهت الأمور باستقلال كريت مع بقائها تحت الوصاية العثمانية. وعادت اليونان وضمَّت الجزيرة في عام 1913.

تكرر سيناريو المواجهة في عام 1974 على أثر حدوث انقلاب في جزيرة قبرص بتوجيهات من القيادة العسكرية الحاكمة في أثينا، وذلك بهدف إلحاق الجزيرة باليونان، وكان الرد التركي سريعاً بغزو الجزيرة لتأمين السكان الأتراك ومصالحهم في الجزيرة.

وتتواجه تركيا واليونان من جديد في البحر المتوسط بسبب الخلافات الناشئة بينهما حول تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ) لكلٍّ من الدولتين، بالإضافة إلى حرص تركيا على الدفاع عن حقوق القبارصة الأتراك في المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بجزيرة قبرص بعدما ثبت بالمسح الجيولوجي، ومن خلال حفر بعض الآبار التجريبية، وجود كميات كبيرة من النفط والغاز في هذه المياه. وتزداد تعقيدات الخلاف القائم بين تركيا واليونان حول النفط والغاز جراء المصالح المتضاربة للقوى الأوروبية ودول شرق المتوسط وشمال أفريقيا، وبما بات يُهدد بنشوء نزاعات مفتوحة بين الدول الأعضاء في حلف شمالي الأطلسي.

سيكون من سوء طالع منطقة شرقي المتوسط وشمال أفريقيا وحلف شمالي الأطلسي إذا اشتبكت البحرية اليونانية مع البحرية التركية في ظل أجواء التصعيد المسيطرة فوق مياه المتوسط، والتي يمكن أن تؤدي إلى حصول اشتباك عن طريق الخطأ، يقود إلى مواجهة عسكرية خطيرة وواسعة.

وتتطلع الدول الغربية اليوم، ومن خلال جهد جماعي داخل حلف شمالي الأطلسي، التوصل إلى مخارج مقبولة للمشكلة، ينزع فتيل المواجهة على المدى القصير، في الوقت الذي يبدو أن بعض هذه الدول ترغب في تكرار السيناريو الذي حصل عام 1897، بإرسال سفنها الحربية إلى مياه شرقي المتوسط، وذلك في محاولة لتوجيه رسائل تحذيرية مباشرة إلى أنقرة بالعودة إلى رشدها، وعدم ركوب المغامرة في فرض أمر واقع جديد، لا يأخذ بعين الاعتبار الحقوق المشروعة لكلٍّ من اليونان وقبرص وبعض الدول الأخرى في شرقي المتوسط ومن بينها مصر، والتي وقعت مؤخراً اتفاقية لترسيم حدودها البحرية مع اليونان وقبرص.

وفي ظل أجواء التصعيد والترقب الراهنة أرسلت الولايات المتحدة السفينة " يو إس إس هيرشل وودي ويليامز" إلى شرقي المتوسط، ولكنها قالت بأن مهمتها كانت مبرمجة سابقاً، وهي تأتي في إطار الدعم لقيادة العمليات الأمريكية في أفريقيا. وكانت فرنسا قد أرسلت إلى شرقي المتوسط بعض قطعها البحرية، ومن بينها حاملة طوافات، لتتركز في المنطقة بعد زيارتها مرفأ بيروت على أثر التفجير الكبير الذي شهده في 4 أغسطس الماضي، وفي نفس الوقت يوجد بعض القطع الإيطالية والبريطانية الموزعة ما بين الشواطئ الليبية وجزيرة قبرص. وتتشارك هذه القوى البحرية في مناورات بالذخيرة الحية مع كلٍّ من بحرية اليونان وقبرص.

ويبدو جليَّاً أن الاتحاد الأوروبي يريد أن يوجه رسالة صارمة إلى تركيا، وسيكون مضمونها واضحاً وحاسماً حول تضامنه مع كلٍّ من اليونان وقبرص في الدفاع عن مصالحهما، وقد عبّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل عن ذلك بقوله "يجب أن نَسير على حبل رفيع بين الاحتفاظ بمساحة حقيقة للحوار وبين عرض قواتنا الجماعية"، وذلك منعاً للانزلاق إلى مواجهة عسكرية.

النزاع التركي-اليوناني الجديد

بالرغم من أن تركيا تملك شواطئ طويلة جداً على البحر المتوسط، فقد وجدت بأن الطموحات اليونانية في تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة، ستحول دون حصولها على مساحات كبيرة من ما تعتبره من حقوقها ضمن المنطقة البحرية الخاصة بها، وذلك بسبب انتشار عدد من الجزر اليونانية وأبرزها جزيرتي كريت ورودس أمام الشواطئ التركية، والتي تعتبر اليونان أن لهذه الجزر جَرْفها القاري الخاص بها، والذي يمنع تركيا من توسيع مناطقها الاقتصادية باتجاه أعالي مياه المتوسط.

لم تقبل تركيا بالمنطق الذي تعتمده اليونان في ترسيم حدودها البحرية، ولذلك لجأت إلى ترسيم حدودها البحرية مع ليبيا حيث وقعت مع حكومة الوفاق المعترف بها دولياً في طرابلس اتفاقية لترسيم الحدود بين البلدين في خطوة لتجاوز ما تعتبره اليونان جزءاً من الجرف القاري لجزرها الواقعة مقابل السواحل التركية.

وبعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية، والتي تتعارض مع المقولة اليونانية بأن لجزيرتي رودس وكريت الحق القانوني في أن يكون لكلٍّ منهما منطقته الاقتصادية الخالصة (EEZ)، هددت تركيا بإرسال سفنها للتنقيب في المناطق التي تعتبرها اليونان ضمن المناطق الاقتصادية للجزيرتين المذكورتين. وسبق للحكومة التركية أن أرسلت مراكب للتنقيب عن النفط والغاز داخل المنطقة الاقتصادية الخاصة بجزيرة قبرص، بحجة الحفاظ على حقوق القبارصة الأتراك، الذين لديهم دولتهم الخاصة على الجزء الشمالي من الجزيرة، والتي لا تعترف بها أي دولة باستثناء تركيا.

ويأتي التهديد التركي بإرسال سفن التنقيب إلى المناطق الاقتصادية اليونانية في ظل الخلافات المستمرة منذ سنوات عديدة بين أنقرة وأثينا حول ترسيم الحدود البحرية بينهما، وحول موضوع السيادة على عدد من الجزر اليونانية. وكان التوتر في العلاقات بين الدولتين قد زاد في الفترة الماضية على خلفية اتخاذ السلطات التركية قراراً بتغيير وضع كنيسة آيا صوفيا في إسطنبول من متحف إلى مسجد، وذلك استناداً إلى حكم قضائي. وكانت اليونان قد اتهمت تركيا أيضاً بنقل أعداد من اللاجئين السوريين من الداخل التركي إلى المنطقة الحدودية بين الدولتين. ولا بدّ هنا من التوقف عند زيادة رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس لإسرائيل في 16 يونيو 2020، حيث أثار مع المسؤولين الإسرائيليين موضوع التوترات الحاصلة بين بلاده وتركيا، مُنبِّهاً السلطات الإسرائيلية من سياسة أردوغان التوسعية، وجهوده لإعادة بناء بعض أمجاد ونفوذ السلطنة العثمانية الحديثة، والذي يمكن أن يضرّ مستقبلاً بمصالح إسرائيل الإقليمية.

وذكرت مقابلة أجرتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية مع رئيس الوزراء اليوناني ميتسوتاكيس بأنه قال "تُهدد تركيا استقرار المنطقة من خلال سعيها لفرض سيطرتها السياسية والعسكرية على شرقي المتوسط... إن على تركيا أن تتخلى عن أحلامها التوسعية، وأن تدخل كطرف متساو مع الأطراف الأخرى في إطار من التنسيق والتعاون لتتحول إلى شريك قانوني وشرعي لدول المنطقة". وذهب مستشار الأمن القومي اليوناني أثناء هذه الزيارة إلى تحذير السلطات الإسرائيلية من مخاطر سياسات أردوغان على المصالح والأمن الإسرائيلي بقوله "إذا نجحت تركيا في فرض إرادتها علينا فإن اسرائيل ستكون أمام خطر تركي يتعدى الخطر الإيراني".

ولا تُظهِر أنقرة أو أثينا في النزاع حول التنقيب عن الغاز والنفط أية إشارة للتراجع عن حقوقهما في التنقيب عن مخزون الطاقة في قعر المنطقة الاقتصادية الخالصة وفق تحديدهما الخاص لحدود هذه المنطقة. وتذهب اليونان اليوم مدعومة من دول الاتحاد الأوروبي للتأكيد بأن قانون البحار يؤكد حقها ويدعم مواقفها، وهي تتهم تركيا بابتزازها وابتزاز قبرص معها. ونتيجة التوتر الحاصل في شرقي المتوسط، فقد استنفرت كلٌّ من تركيا واليونان قواتهما البحرية، والتي باتت تمخُر العُباب، للتحذير ولعرض قدراتهما العسكرية وجهوزيتهما للمواجهة إذا استدعى الأمر ذلك.

وفي سياق هذا العرض للقوى العسكرية اتهمت تركيا اليونان "بالقرصنة" من خلال نشر قواتها العسكرية على بعض الجزر القريبة من الشواطئ التركية، الأمر الذي نفته اليونان وأصرت على أنها لم تنتهك الاتفاقيات الموقعة بين البلدين بهذا الخصوص.

ومن أجل تدعيم موقفها في الصراع مع تركيا، سارع البرلمان اليوناني إلى تصديق اتفاقية ترسيم الحدود التي وقعتها الحكومة اليونانية مع السلطات المصرية، وذلك في إطار الرد المباشر على القرار التركي باستكمال عمليات المسح الجيولوجي في شرقي المتوسط، وبتنفيذ خمسة تمارين بحرية بالذخيرة الحية في منطقة قريبة من السواحل القبرصية.

ولم تقتصر جهود أثينا من أجل تحصين موقعها في مواجهة الضغوط التركية حول قضية ترسيم الحدود على المعاهدة التي وقعتها مع مصر، بل كانت قد استبقت هذه المعاهدة مع مصر بمعاهدة مماثلة وقعتها مع إيطاليا.

ويأتي التوتر الناتج عن الخلاف التركي مع اليونان وقبرص حول ترسيم الحدود البحرية ليزيد من سخونة الخلاف بين تركيا ودول حلف شمالي الأطلسي، سواء ذلك المتعلق بقضية اللاجئين السوريين، أو بالنسبة لقضية التدخل التركي عسكرياً في الأزمتين السورية والليبية، بالإضافة إلى شراء تركيا لبطاريات الصواريخ S400 للدفاع الجوي من روسيا.

ويرفض الرئيس رجب طيب أردوغان المنطق المعتمد من قبل اليونان بأن للجزر الحق في الادعاء بمنطقة اقتصادية خالصة على غرار الدول استناداً للجرف القاري قبالة حدودها البحرية. ويرى الخبراء الأتراك في علم البحار بأن محاولة حِرْمان تركيا من حقها في ثروات شرقي المتوسط تعني "خنق تركيا وعزلها داخل حدودها البرية"، وبأنه إذا أصرَّت اليونان على هذا المنطق فهذا يعني أنها تعيش في عالم من الخيال.

في المقابل، ترى اليونان بأن تركيا غير راغبة في حل مشاكلها معها ومع قبرص، وذلك انطلاقاً من نيّة الرئيس أردوغان إحياء أمجاد السلطنة العثمانية. ويؤكد اليونانيون أن المشكلة الحقيقية لا تكمُن في الخلاف حول التنقيب عن الغاز، بل تتعلق بموضوع السيادة اليونانية والسيادة القبرصية على أراضيهما.

وقد بلغ التوتر في شرقي المتوسط ذروته عندما أرسلت تركيا سفينة متخصصة في التنقيب عن الغاز والنفط إلى المياه القبرصية، ورافقتها عدة بوارج بحرية تركية من أجل حمايتها، وهذا ما استدعى أن ترفع كل من اليونان وقبرص صوتهما بطلب تدخل دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمالي الأطلسي للضغط على تركيا من أجل الكفِّ عن الاعتداء على حقوقهما الاقتصادية، والتي يؤكدها قانون البحار والاتفاقيات الدولية التي تؤكد على هذه الحقوق.

دور الاتحاد الأوروبي والناتو

في الأسبوع الأول من شهر سبتمبر الفائت عقدت دول الاتحاد الأوروبي المجاورة للبحر المتوسط قمة في جزيرة كورسيكا للنظر في ما يمكن اتخاذه من تدابير لضبط سلوكية البحرية التركية في شرقي المتوسط، ومؤازرة اليونان، العضو في الاتحاد، للحفاظ على حقوقها البحرية. ووصف الرئيس الفرنسي ماكرون تركيا بأنها لم تعد شريكاً، طالباً تهديدها بفرض عقوبات عليها إذا قررت الاستمرار في هذا النهج.

وفي نهاية قمة كورسيكا صرَّح رئيس وزراء اليونان ميتسوتاكيس، بأن أوروبا تريد فتح حوار مع تركيا، شرط إظهار استعدادها للتقيُّد بالقانون الدولي بصورة كاملة وليس انتقائياً. وردّ وزير خارجية تركيا على ذلك، بالقول: "من أجل خفض مستوى التوتر والتصعيد يجب أن تسحب اليونان بحريتها من حول مركب التنقيب التركي، وأن تؤيد الخطوات التي دعا إليها حلف الأطلسي لخفض التصعيد، وأن توقف تسليح الجزر اليونانية في شرقي بحر إيجه".

ومن المعلوم أن تركيا واليونان عضوان في حلف شمالي الأطلسي (الناتو)، ولذلك كان من الطبيعي أن يهتم الحلف بأجواء التصعيد الراهنة بين هذين العضوين، وأن يعمل بكل الوسائل المتاحة لمنع حصول تفجير عسكري بينهما. وبذل "الناتو " جهوده أيضاً خلال ستة اجتماعات لاحتواء التصعيد، وهو يحضّر لاجتماع سابع، وتمحورت المباحثات على الجوانب التقنية التي جرى بحثها من قبل عسكريين من الجانبين.

وتكمُن الصعوبة في التوصل إلى حل سريع للأزمة، في الاستراتيجية الراهنة التي يعتمدها أردوغان، وسعيه الحثيث لتوسيع نفوذ تركيا وتحقيق طموحاته التي باتت تعرف بالعثمانية الجديدة، والتي يبدو بأنها باتت تخرّب جهود حلف "الناتو" للدفاع الجماعي.

ولحلف الأطلسي تاريخ طويل في حل المشاكل التركية-اليونانية في بحر إيجه؛ من المسائل الحدودية، مروراً بتشابك الأجواء والتمارين البحرية، وصولاً إلى مسائل الهجرة غير الشرعية من تركيا باتجاه اليونان. ومن المعروف بأن تركيا تحتل موقعاً مهماً في الحلف، ولذلك لا يمكن عزلها. وانطلاقاً من أهمية موقع تركيا فقد دأبت ألمانيا والولايات المتحدة على الوقوف وراء مبادرات أمين عام الحلف ينس ستولتنبرغ لدفع أنقرة وأثينا إلى طاولة المفاوضات لحل مشاكلهما.

وبالفعل، أظهر ستولتنبرغ في هذه الأزمة حرصه الخاص على اتخاذ موقف محايد، وغسل يديه من التدخل، وقد أثار موقفه هذا حفيظة رئيس الوزراء اليوناني ميتسوتاكس الذي اتهمه بالقول "إن الأمين العام لا يخدم مصالح المنظمة".

وفي الواقع يبدو أن قدرة الحلف على البحث عن حلٍّ باتت مشلولة، وذلك بسبب غياب قيادة قادرة على اجتراح الحلول بالتوافق في ظل تناقض المصالح بين الدول الأعضاء في الحلف، وخصوصاً بين تركيا واليونان.

آخر التطورات والسيناريوهات الممكنة

اجتمع وزير خارجية اليونان نيكوس دَندياس ووزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو يوم الخميس، الثامن من أكتوبر الجاري، لأول مرة منذ اندلاع الأزمة بين البلدين حول الحقوق البحرية للتنقيب عن الغاز والنفط في شرقي المتوسط، واتفقا في نهاية الاجتماع على إجراء محادثات حول هذا الموضوع.

وكانت أجواء التوتر قد بدأت بالانحسار بعد سحب تركيا سفينة التنقيب من المناطق المتنازع عليها، وإعلانها موافقتها على إجراء مفاوضات بحثاً عن حل. وبالفعل، فقد عقد الاجتماع الأول بين الوزيرين في براتيسلافا على هامش مؤتمر الأمن الشامل المنعقد في سلوفاكيا. وبعد الاجتماع الذي دام 24 دقيقة، صرَّح جاويش أوغلو بأنه اتفق مع نظيره اليوناني حول "ضرورة العمل على إعادة بناء الثقة في الفترة المقبلة، وبأن تركيا ستستضيف المحادثات، وستحدد الزمن قريباً". وصرح دَندياس بأنه من المفيد إجراء حوار حتى في أحلك الظروف، وقد "توافقنا على القيام بذلك".

وجاء اجتماع الوزيرين في نفس اليوم الذي قررت فيه دولة شمالي قبرص (التركية) إعادة افتتاح السواحل البحرية السياحية المقفلة منذ الغزو التركي للجزيرة عام 1974، وشكَّل هذا الموضوع إحدى نقاط البحث بين الوزيرين.

وصرَّح جاويش أوغلو بأنه اجتمع أيضاً مع وزير خارجية ألمانيا هايكو ماس على هامش المؤتمر، حيث شرح له مدى شعور بلاده بخيبة أمل بعد تهديد قمة الاتحاد الأوروبي في كورسيكا بفرض عقوبات ضد تركيا، في حال استمرارها بالقيام بعمليات استفزازية في شرقي المتوسط. وكانت المستشارة الألمانية السيدة ماركل، والوزير هايكو ماس، قد بذلا جهوداً كبيرة للتوسط بين أثينا وأنقرة، بما في ذلك قيام الوزير ماس بجولات مكوكية بين العاصمتين سعياً لحل المشكلة أو على الأقل تبريد الأجواء لمنع حصول اشتباك بين البحريتين التركية واليونانية في شرقي المتوسط.

وانطلاقاً من التصعيد الحاصل بين الدولتين، يصبح الانخراط في الحوار الدبلوماسي حاجة ماسة للاتحاد الأوروبي وقيادة حلف شمالي الأطلسي. ولكن نظراً لإرث العداء القائم تاريخياً بين تركيا واليونان، وتعقيدات المشكلة الراهنة حول ترسيم الحدود البحرية، فإن الجهود الدبلوماسية قد تكون مُعرَّضة للفشل والانهيار، وبما يؤدي إلى انزلاق الطرفين إلى التشدد، وعلى نحو قد يدفعهما إلى خوض حرب بينهما انطلاقاً من خطأ في الحسابات قد يرتكبه أحدهما.

وفي ظل تعقيدات الأزمة، وتعدُّد الأطراف المشاركة فيها مثل مصر وليبيا والدول الأوروبية المطلة على المتوسط، فإن الأزمة مرشحة للمضي في واحد من السيناريوهات الأربعة المحتملة الآتية:

السيناريو الأول، أن تنجح الضغوط والوساطة التي يقودها الاتحاد الأوروبي وحلف شمالي الأطلسي في دفع أثينا وأنقرة للجلوس إلى طاولة المفاوضات للبحث عن حلٍّ عمليٍّ يُرضي الطرفين، من خلال تقاسم الحقوق في المناطق المتنازع عليها. ويتطلب هذا الحل وجود حُسْن نية لدى أنقرة وأثينا مع تدخل فاعل من قبل الولايات المتحدة وألمانيا.

السيناريو الثاني، إذا تأخَّر الحل وأصرَّت تركيا على استكمال أعمال التنقيب في المناطق اليونانية والقبرصية المتنازع عليها، فإن أي احتكاك بحري بين السفن البحرية للأطراف المتواجهة سيؤدي إلى اشتباك قد يتوسَّع إلى مواجهة عسكرية، وهو اشتباك قد نعرِف كيف يبدأ ولكن من الصعب رؤية كيف ينتهي؛ مع أنه ليس في مصلحة أثينا أو أنقرة خوض مثل هذه المغامرة، وستحاول تركيا تحديداً تجنُّب أي اشتباك بسبب متاعبها الأمنية على جبهات عديدة أخرى من ليبيا إلى العراق وسوريا، ووصولاً إلى أذربيجان.

السيناريو الثالث، تعثُّر المفاوضات لإيجاد حل، ورفض تركيا استكمال الحوار في ظل انحراف الدول الأوروبية عن القيام بدور "الوسيط النزيه" كما قد يرى الجانب التركي، وبما يدفع الدول الغربية إلى التدخُّل عسكرياً لصالح اليونان وقبرص، وبالتالي تكرار السيناريو الذي اعتمد لحل أزمة جزيرة كريت عام 1897، على أن تحصل تركيا على جائزة ترضية في نهاية المطاف بإعطائها جزءاً من المنطقة الاقتصادية التي تُطالِب بها.

السيناريو الرابع، إقرار كل الأطراف بعدم إمكانية التوصل إلى حل عملي في تحديد الحقوق المتنازع عليها وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة لها، وترك حرية القرار للدول الثلاث المعنية (تركيا واليونان وقبرص) بالتوجه نحو المحكمة الدولية في لاهاي لإصدار حكم يفصل في الخلاف.

استنتاجات عامة

بعد التصعيد المستمر منذ بداية شهر أغسطس 2020 توصل الطرفان التركي واليوناني إلى قناعة بأن التصعيد والعراضات البحرية في شرقي المتوسط لن تحل المعضلة المعقدة القائمة بينهما. وتدعو الحكمة أن يعود الطرفان إلى طاولة المفاوضات للبحث بهدوء، ووفق أفضل القواعد العلمية ومنطق القانون الدولي الخاص بالبحار، عن حلٍّ لتقاسم المناطق المتنازع عليها. وفي السياق نفسه، لا بدّ أن تبحث أنقرة وأثينا بواقعية وصدق عن حلٍّ يُعيد توحيد جزيرة قبرص المقسَّمة منذ عام 1974.

وسيُؤمِّن إيجاد حل للمشكلتين الحدودية وتوحيد قبرص مصالح الأطراف الثلاثة، كما سيُؤمن الاستقرار اللازم في منطقة شرقي المتوسط، والذي يمُثل مصلحة استراتيجية مشتركة لأوروبا ولكل الدول المطلة عليه. ومن غير المُمكِن تحقيق مثل هذا الإنجاز السياسي والديبلوماسي للمشكلة القائمة بكل تعقيداتها، إلا عبر جهد دبلوماسي ترعاه كلٌّ من الولايات المتحدة وألمانيا على وجه التحديد، وبمشاركة فعلية من كل الدول الفاعلة المطلة على البحر المتوسط.

وليكن معلوماً من قِبَل جميع دول شرقي المتوسط أن الغاز والنفط مادتان مُشتعلتان، ولا يُمكِن التعامل معهما بالحديد والنار، وأن الاستفادة من وجودهما لا يُؤمِّنه سوى التوافق والتعاون بين جميع دول المنطقة ضمن مشروع اقتصادي جامِع.

أحدث المواضيع المميزة