مشروع "المَشرِق الجديد": الفُرص والتحديات والمسارات المحتملة

مركز الإمارات للسياسات | 07 سبتمبر 2020

يُعد مشروع "المشرق الجديد" الذي طرحه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، حدثاً نوعياً في واقع المنطقة التي تشهد انقسامات وتجاذبات بين الأطراف المختلفة، وهو ما يؤشر إلى طبيعة التحديات التي تواجه المشروع والصعوبات التي قد تعترض مساره. ورغم العنوان الاقتصادي للمشروع إلا أنه ينطوي على أبعاد سياسية واستراتيجية، لكن السؤال المطروح هو: هل أطرافه قادرة، أو عندها الرغبة والإرادة، في تحويل المشروع إلى مشروع جيوسياسي قادر على إثبات حضوره في معادلات المنطقة وتوازناتها؟

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على المشروع المشار إليه، وتوضح فرصه والتحديات التي تواجهه والمسارات المتوقعة له.

طبيعة المشروع

يقوم مشروع "المشرق الجديد" على أساس الربط بين مصر التي تمثل كتلة سكانية كبيرة، والتي لديها خبرات في العديد من المجالات، ولديها موقعها على البحر المتوسط، والعراق الذي يمتلك موارد نفطية كبيرة، والأردن الذي يملك مزايا اقتصادية جيدة. ويركّز المشروع على التعاون الاقتصادي وتعزيز الجوانب الاستثمارية والتجارية بين البلدان الثلاثة في خطة ستكون تدفقات رأس المال والتكنولوجيا فيها أكثر حرية، ويُتوقَّع أن يشجع الدول الأخرى على ضخ استثمارات جديدة في المنطقة.

ويجري بناء التحالف على تفاهمات اقتصادية بين الدول الثلاث التي يبلغ الناتج المحلي لها معاً نحو 570 مليار دولار، بحسب بيانات البنك الدولي. فالمشروع سبق أن طرحه رئيس الحكومة العراقية السابق عادل عبد المهدي، وعقدت الدول الثلاث قمتين سابقتين: الأولى في القاهرة في 25 مارس 2019 بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والملك عبد الله الثاني بن الحسين، ورئيس الوزراء العراقي (السابق) عادل عبد المهدى. والقمة الثانية عقدت في 22 سبتمبر الماضي على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وضمت الرئيس المصري والملك الأردني والرئيس العراقي برهم صالح.

حملت القمة الأخيرة التي عقدت في عمّان في 25 أغسطس الماضي مؤشراً على جدية البلدان الثلاث على السير قدماً بالتحالف، وذلك من خلال إنشاء سكرتاريا دائمة للتنسيق حول ملفات التعاون الثلاثي، إذ ستكون مهمة السكرتارية تنفيذ ومتابعة ما جرى الاتفاق عليه بين البلدان الثلاثة، وذلك في محاولة لتجنُّب فشل التجارب العربية السابقة التي لم يستطع القائمون عليها نقلها من البيانات والتمنيات إلى التطبيق العملي. وسيكون مقرها في السنة الأولى عمّان لتنتقل في كل عام تباعاً بين عواصم الدول الثلاث.

يرتكز التحالف على عناصر تكاملية، هي النفط والطاقة والنقل وتجارة السلع والعمالة، حيث سيُمدّ خط أنبوب نفطي من ميناء البصرة جنوب العراق وصولاً إلى ميناء العقبة في الأردن ومن ثم إلى مصر. وبينما يحصل الأردن على النفط العراقي بسعر أقل من سعر السوق الدولي، فضلاً عن رسوم العبور، تستفيد مصر من عملية تكرير جزء من النفط العراقي على أراضيها، في حين يستورد العراق الكهرباء من مصر، كما يمكنه الاستفادة من الخبرات المصرية في عملية إعادة الإعمار، وستتم الاستفادة من إمكانيات الأردن في مجال النقل نظراً لامتلاكه قدرات كبيرة في هذا المجال، إضافة إلى تصدير السلع من الأردن ومصر إلى العراق.

أهداف المشروع وتوقيته وسياقاته

أ. الأهداف

  • الاستفادة من المزايا الاقتصادية والجغرافية التي تتمتع بها الدول الأعضاء، وتشبيك المصالح الاقتصادية بالشكل الذي يعود بالنفع على اقتصاديات البلدان الأعضاء.
  • نقل الفعالية الاقتصادية للعراق إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط، بعيداً من الخليج العربي ومضيق هرمز الواقعين تحت سيطرة إيران؛ الأمر الذي يعزز أوراق القوة العراقية مقابل إيران.
  • تطوير التنسيق السياسي والأمني بين الدول الأعضاء على نحو يخدم أهداف كل طرف.

ب. التوقيت والسياق

ينطوي توقيت طرح المشروع على دلالات عديدة:

  • محاولة لاختراق حالة الهشاشة التي تمر بها المنطقة العربية وجعلتها ساحة صراع وتنافس للقوى الإقليمية والدولية؛ فالمشروع قد يشكل نواةً لتجمع عربي أكبر ويستفيد من الطاقات العربية لتغيير المعادلات والأوزان في صراعات المنطقة عبر المساهمة في إعادة إنتاج التضامن العربي.
  • يأتي المشروع في ذروة الانقسام الطائفي في المنطقة والتداعيات السلبية التي أفرزها، فمن شأن المشروع كسر حلقة الصراع السني-الشيعي التي صبغت مخرجات السياسات الإقليمية في العقد الأخير، في وقت تشهد المجتمعات الشرق أوسطية تململاً من الصراعات الطائفية لصالح البحث عن حلول اقتصادية وسياسية للأزمات التي تعيشها شعوب المنطقة.
  • يتزامن طرح المشروع مع ارتفاع وتيرة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وانفتاح عربي على إسرائيل يتمثل بالاتفاق الإماراتي-الإسرائيلي، ومن شأن هذه التحوّلات إعطاء التحالف زخماً سياسياً إضافياً عبر حصوله على دعم عربي-أمريكي.

ج. التداخلات الإقليمية لدول المشروع

تتداخل الأطراف المنخرطة في هذا المشروع بعلاقات ثنائية تتضارب مع توجهات بعضها البعض، والقيم السياسية التي تحكم علاقاتها الإقليمية، فإلى أي مدى سيؤثر ذلك على التحالف وإمكانية تطويره واستمراره؟ وإلى أي حد تستطيع أطرافه إدارة شبكة العلاقات، القديمة والجديدة، والحفاظ على التوازن في هذه العلاقات؟

  • يرتبط العراق بعلاقات شبه استراتيجية مع إيران، وتنامت هذه العلاقات بدرجة كبيرة في ظل وجود نخبة سياسية حاكمة، في المستويين التشريعي والتنفيذي، فضلاً عن علاقات متشعبة مع الأحزاب العراقية وميليشياتها العسكرية، في حين تبدو العلاقات بين كلٍّ من الأردن ومصر مع إيران فاترة، رغم وجود تمثيل دبلوماسي بين هذه الأطراف.
  • ترتبط مصر والأردن باتفاق سلام مع إسرائيل، في حين تسعى بعض الجهات العراقية إلى ربط العراق بمحور "الممانعة" وتعتبر نفسها في حالة حرب مع إسرائيل نتيجة استهداف ميليشياتها في سوريا وفي مناطق غرب العراق.
  • ترتبط الأطراف جميعها مع التحالف السعودي-الإماراتي بعلاقات تتراوح بين التحالف، كحال مصر والأردن، والتنسيق، مثل العراق نتيجة لوجود توجه اماراتي سعودي يقضي باحتواء العراق في الإطار العربي وتخفيف الهيمنة الإيرانية عليه.

المرجح أن تعمل أطراف المشروع على تحييد علاقاتها التحالفية عن التعقيدات السياسية للمنطقة، والواضح من خلال البيان الختامي تنبُّه هذه الأطراف لتعقُّد شبكة العلاقات في المنطقة، وتحديداً فيما يخص العراق، الذي أكد رئيس حكومته، مصطفى الكاظمي، على ضرورة الابتعاد عن سياسات المحاور، فيما بدا أنها رسالة إلى إيران مفادها أن التحالف غير موجَّه ضدها.

التحديات والفُرص أمام المشروع

يرتبط مشروع "المشرق الجديد" بواقع المنطقة وظروفها وتطوراتها، ومن المؤكد أنه سيتأثر بدرجة كبيرة بهذا الواقع، وسيكون للإرادة السياسية لأطرافه دورٌ مهم في مواجهة التحديات، مثلما سيكون لهم دور في تعظيم فرصه في التطور والريادة.

أ. التحديات

رغم أهمية مواقع وأدوار مصر والأردن في هذا المشروع، إلا أن بوصلة التحديات تتجه إلى العراق بدرجة أساسية، ويرتبط نجاح المشروع بقدرة العراق على الوفاء بالتزاماته تجاهه. وبرغم الحماس الذي يبديه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي للمشروع والمشروع عموماً، إلا أن ذلك لا يُخفي حقيقة وجود انقسام عراقي بين مؤيد للتحالف مع إيران ومؤيد لعودة العراق إلى إطاره العربي، وتميل الكفّة لمصلحة مؤيدي إيران، لذا فمن المرجح أن يواجه الكاظمي جملة من التحديات، أهمها ما يأتي:

  • احتمال عدم قدرة العراق على الحصول على تصديق البرلمان على التفاهمات التي تم التوصل إليها في قمة عمّان بين العراق والأردن ومصر، وقد سارع عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي عامر الفايز، وهو نائب عن كتلة "الفتح" القريبة من إيران بقيادة هادي العامري، إلى التقليل من أهمية قمة عمّان، قائلاً إنه "لا يمكن الالتزام بأي تعهد خلال القمة الثلاثية ما لم تتم المصادقة عليه" في البرلمان.
  • الخشية من إدراج التحالف في خانة اصطفاف العراق في لعبة المحاور الإقليمية، ورغم أن الكاظمي أكد في لقائه بالحكومة، بعد عودته من القمة الثلاثية، على "إبعاد العراق عن سياسة المحاور"، والتأكيد على أن التحالف يركز على الجانب الاقتصادي بالدرجة الأساسية، إلا أنه من غير المستبعد لجوء أنصار إيران في البرلمان والكتل الحزبية إلى تفعيل هذا التمسك بهذا المبدأ من أجل رفض التحالف.
  • قد تساهم العلاقات المتوترة بين الكاظمي والميليشيات العراقية القريبة من إيران، التي تتهمه بالضلوع في عملية اغتيال قائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، والتي رفضت نتائج زيارته للولايات المتحدة الأمريكية، في عدم التزام العراق بمخرجات قمة عمّان، لما لها من تأثير على مصالح إيران في العراق.
  • التحدي الأخطر الذي يواجه المشروع يكمن في مساعي بعض الأطراف الإقليمية والدولية المتضررة من التحالف بتحريك أدواتها في العراق لعرقلة مسار المشروع، ولا يقتصر الأمر على إيران، فهناك أيضاً تركيا التي ستنظر إلى التحالف من منظار العداء مع مصر وترفض منح مصر موطئ قدم في العراق، وروسيا التي ستتعاطى مع التحالف بوصفه "صناعة أمريكية".
  • الأزمة المالية والاقتصادية التي تشهدها الدول الثلاث، سيما العراق الذي يمثل المرتكز الرئيس للمشروع؛ ما يقلص أو يؤخر خطط الاستثمارات المشتركة أو حتى خطة مَد أنبوب النفط.

ب. فُرص نجاح المشروع

ثمّة مؤشرات على إمكانية نجاح المشروع تتمثل بالآتي:

  • امتلاك العراق، باعتباره الطرف الذي يرتبط به نجاح التحالف، الفرصةَ للتخلص من الهيمنة الإيرانية، في ظل وجود حراك شعبي يطالب بالإصلاح وإزاحة وكلاء إيران عن دوائر التأثير في الحكم، في الوقت الذي تمّر فيه إيران بظروف صعبة نتيجة التململ الشعبي وتحديات وباء كورونا، الأمر الذي يمنح العراق فرصة للتحرك نحو التخلص من واقع التبعية الذي فرضته إيران.
  • وجود دعم أمريكي واضح للمشروع؛ إذ يشكل المشروع جزءاً من استراتيجية محاصرة إيران وتفكيك هيمنتها على العراق، وترغب الإدارة الأمريكية في تحويل العراق باتجاه مصر والأردن، وقد ضغطت إدارة ترمب على الكاظمي خلال زيارته الأخيرة من أجل الإسراع في مشروع ربط شبكة الكهرباء بمصر والأردن.
  • توقُّع حصول المشروع على احتضان عربي وخاصة من قبل دول الخليج، على اعتبار أن التحالف يشكّل رافداً مهماً في تدعيم الموقف العربي في مواجهة اختراقات القوى الإقليمية، وخاصة أن العراق والأردن يرتبطان جغرافياً بدول الخليج، وتحصين أمنهما مسألة مهمة للدول الخليجية.
  • وجود رأي عام عربي مؤيد للمشروع، وتحديداً في الدول الثلاث الأعضاء في التحالف، كما ستساهم الفوائد المتوقعة للتحالف، وخاصة على المستوى الاقتصادي، بمنح التحالف الزخم اللازم للتطور والاستمرار.

الرابحون والخاسرون من قيام المشروع

أ. الرابحون

  • أعضاء المشروع (مصر والعراق والأردن): نظراً للعوائد المتوقعة من التحالف، وحاجة الأطراف الثلاثة إلى العوائد الاقتصادية الناتجة عن المشاريع المزمع تنفيذها، كما أن التحالف سيقوّي أوراق الدول الثلاث، سياسياً وأمنياً.
  • الولايات المتحدة الأمريكية: التي كان لها دور واضح في الدفع في ولادة هذا التحالف، الذي سيعزز أوراقها في مواجهة الزحف الروسي والصيني على المنطقة، كما سيمثل ضربة مهمة للمشروع الإيراني في أهم مفاصله، العراق.
  • الإمارات والسعودية: كون التحالف العربي بين الدول الثلاث يخصم من مساحات تأثير وهيمنة المنافسين الإقليميين، تركيا وإيران، ويقوي أوراقهما في المواجه الإقليمية مع هذين الطرفين.

ب. الخاسرون

  • إيران: تأتي إيران في مقدمة الخاسرين، ذلك أن التحالف يقرّب العراق بشكل مباشر من المنظومة العربية ومحاولة إيجاد تكتل عربي جديد يمكن للعراق من خلاله أن يكون أكثر فاعلية داخل المنظومة العربية، الأمر الذي سينتج عنه سحب إحدى ركائز مشروعها الاستراتيجي الايراني في الشرق الأوسط وإحداث فجوة كبيرة في استراتيجيتها الإقليمية. بالإضافة لذلك يهدد التحالف بخسارة إيران للسوق العراقية التي تعتبر المنفذ التصديري الوحيد لمنتجاتها؛ إذ يبلغ حجم صادرات العراق من إيران نحو 12 مليار دولار، والميزان التجاري يميل لصالحها مئة بالمئة. لذا من غير المرجح ان تسلم إيران بخسارة نفوذها في العراق، وستوحي لوكلائها هناك أن التحالف يندرج في إطار مؤامرة خليجية-أمريكية، وستستخدم كل الطرق لعرقلة مسارات التحالف بما فيها زعزعة استقرار العراق.
  • تركيا: لا تريد تركيا وجود كتلة عربية قوية، باقتصاد وجيش قويين، لتأثير ذلك على مصالحها المباشرة؛ فلتركيا مصالح مهمة في العراق، حيث يبلغ معدل التجارة بين البلدين أكثر من 20 مليار دولار، كما يصدر العراق جزءاً من نفطه عبر ميناء جيهان التركي، ولا ترغب تركيا في وجود بدائل عربية للعراق. ومن جهة ثانية، يصب هذا التحالف في مصلحة خصوم تركيا العرب، وخاصة مصر والإمارات والسعودية، ويقوي أوراقهم في المواجهة مع تركيا.
  • قطر: يعارض التحالف مصالح قطر التي باتت مرتبطة بشكل كبير بالمصالح التركية في المنطقة، وتسعى إلى إضعاف الدور المصري، وحرمان منافسيها الخليجيين، الإمارات والسعودية، من أي مكاسب سياسية وأمنية.
  • روسيا والصين: إذ طالما شكّل العراق أحد مراكز النفوذ الروسية التقليدية في المنطقة، وبدأت روسيا بمد نفوذها إلى العراق في السنوات الأخيرة، تجهيزاً لخروج أمريكي محتمل من المنطقة. أما الصين فإن العراق يقع في قلب مصالحها في المنطقة، وخاصة مشروع "الحزام والطريق" بالإضافة إلى رغبتها في الحصول على حصص من عملية إعادة الإعمار للمدن العراقية والبنية التحتية. ويشكّل الحضور الأمريكي في التحالف الوليد، سواء من حيث دعمه أو قرب أطرافه من المصالح والسياسات الأمريكية في المنطقة، ضربةً للمخططات الروسية والصينية بشأن العراق.

المسارات المتوقعة للمشروع

ينطوي المشروع على بُعد جيوسياسي من شأنه تغيير التوازنات الإقليمية القائمة وفرض معادلات جديدة مخالفة للسياق الذي سارت عليه المنطقة منذ بداية القرن الحالي، وهو بداية تاريخ انهيار النظام العربي وتراجع مكانته وتأثيره في التفاعلات الجارية في المنطقة. وترجع أهمية المشروع للأسباب التالية:

  • خلق تكتل عربي قادر على إيجاد توازن موضوعي في المنطقة، وإصلاح الخلل الحاصل في ميزان القوى لصالح الأطراف الإقليمية، إيران وتركيا، التي باتت مشاريعهما تهدد الأمن العربي.
  • إعادة القوّة للجيوبوليتيك العربي الذي يمتلك مزايا استراتيجية مهمة، دون القدرة على توظيفها في سياق المنافسة والصراع مع تركيا وإيران؛ فالعراق يحتل مرتبة متدنية في علاقاته مع هذين الطرفين، كما أن الفوضى التي تسببها تركيا وإيران في العراق تجد صداها في ضعف الأمن القومي لبلدان الجوار العربي. لكن السؤال المهم: هل سيجري تفعيل البعد الاستراتيجي في التحالف العربي؟ وهل لدى مصر، وهي الطرف الأقوى في التحالف، الإرادة والرغبة في السير بمشروع التحالف لتحقيق العوائد الاستراتيجية المأمولة منه؟

كان لافتاً للنظر أن البيان الختامي لقمة عمّان الثلاثية لم يأت على ذكر "المشرق الجديد"، وركز البيان على مفردات "التنسيق" و"التعاون" و"التكامل"، الأمر الذي أثار التساؤل عما إذا كانت الأطراف قد صرفت النظر عن هذا المشروع، أو أنها تعمَّدت التركيز على الصيغة الاقتصادية وعدم تحميل المشروع أبعاداً سياسية وأمنية لا يبدو أن أطرافه يملكون الاستعداد للسير بها بشكل مباشر في هذه المرحلة. 

لكن، ثمّة مؤشرات عديدة على عدم وجود رغبة مصرية في إعطاء المشروع بعداً سياسياً والاقتصار على أبعاده الاقتصادية، لأن مصر غير معنية في حسابها على طرف محدد، وترغب في المناورة بين مختلف الأحلاف والتجمعات. كما أن مصفوفة تفضيلات مصر الحالية لا تعطي أهمية لاستنهاض منطقة المشرق العربي وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، في الوقت الذي ينصب تركيزها بدرجة كبيرة على قضايا سد النهضة والصراع الليبي، وبذلك فإن مصر مهتمة حالياً بالعوائد الاقتصادية التي قد تعود عليها من العراق.

ورغم حماس الأردن للمشروع، في إطار سعيه لتقوية موقفه الاستراتيجي، الذي أثرت عليه المتغيرات الإقليمية وخفّضت فعاليته في الملفات السورية والفلسطينية والعراقية، إلا أن مشكلة الأردن تكمن بالدرجة الأولى مع الإدارة الأمريكية التي لديها مصلحة في إضعاف فعاليته لصالح مشروعها للسلام في المنطقة.

خلاصة واستنتاجات

تتوقف طبيعة مسارات المشروع على الإرادة السياسية لأطرافه، وخاصة قدرة رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي على تطويع العقبات الكثيرة التي ستضعها إيران أمامه، وهو أمر يحتاج إلى تغيرات جذرية داخلية على أكثر من مستوى قد تظهر نتائجها في الانتخابات العراقية المبكرة، التي دعا لها الكاظمي في يونيو 2021. كما سيكون للدور المصري أثر مهم في تحشيد الدول العربية خلف المشروع ونقله من مجال المنافع الاقتصادية المحدودة إلى الجانب الجيوسياسي بما يغيّر معادلات القوّة في المنطقة، وهذا يتوقف على التوجهات المصرية في المرحلة المقبلة.

أحدث المواضيع المميزة

عودة نشاط "داعش" في سوريا: الدوافع والتداعيات

مركز الإمارات للسياسات | 19 نوفمبر 2020

النزاع المائي بين إثيوبيا ومصر وخيارات تسويته

نور الدين بيدُكان | 15 نوفمبر 2020