الأحزاب الكردية وحركة الاحتجاجات العراقية

مركز الإمارات للسياسات | 07 يناير 2020

يَنظر القادة السياسيون في إقليم كردستان بقلق بالغ إلى مسار تطور الاحتجاجات العراقية، ليس بسبب احتمال امتداد الاحتجاجات الشعبية إلى الإقليم الذي لا تختلف الظروف المعاشية لسكانه عن محافظات الوسط والجنوب، وإنما أيضاً لما يمكن أن تؤول إليه الأمور من تغييرات في بنية النظام السياسي العراقي بما قد يمس بوضع الإقليم، وزعزعة أسس الاستقلال غير المعلن الذي تتمتع به أربيل عن سلطة الحكومة الاتحادية.

موقف الإقليم من المظاهرات

مع انطلاق المظاهرات في محافظات وسط وجنوب العراق مطلع أكتوبر 2019 الْتزم القادة الأكراد في البداية الصمتَ، وخيم الترقب على الأوساط القريبة منهم، لاسيما بعد رفع المتظاهرين شعارات تُندد بتركيبة النظام المحكوم بأعراف المحاصصة القومية-الطائفية، قبل أن يتحولوا إلى الإقرار بشرعية المطالب الشعبية المتعلقة بضرورة تحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية عامة، كما جاء في بيان كانت قد أعلنت عنه رئاسة الإقليم، لكنْ بشرط عدم المساس بشكل النظام القائم وتأكيد الدعم لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي وتبرئته من أسباب تفجر المظاهرات، وهو ما عبّر عنه زعيم الحزب "الديمقراطي" الكردستاني مسعود بارزاني بالقول: "نعتقد أن المظاهرات والاحتجاجات ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة للفشل المتراكم خلال السنوات الخمسة عشر الماضية"، وكذلك تصريحه خلال اللقاء الذي جمعه مع زعيم ائتلاف "الوطنية" أياد علاوي يوم 8 أكتوبر الماضي، الذي أكد خلاله "دعمه ومساندته لحكومة عبد المهدي، وعدم قبوله بأي تغيير في العملية السياسية خارج الأطر الدستورية والآليات الديمقراطية"، وهو الموقف نفسه الذي ذهب إليه رئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني خلال لقاءه مع عضو مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور تامي بولدوين قائلاً إن "المظاهرات السلمية حق دستوري، وأن تصعيد الأوضاع ليس من مصلحة أحد".

ويبدو أن هذا الموقف المتباين للقيادات الكردية نابعٌ من أمرين: الأول، خشية قيادة الإقليم من انتقال الاحتجاجات المندلعة في محافظات الوسط والجنوب إلى محافظات الإقليم، لذا منعت سلطات الأمن الكردية "الأسايش" تنظيمَ وقفة شعبية داخل أربيل تندد بحالات العنف والقمع، وتتضامن مع الحقوق المشروعة للمتظاهرين؛ والأمر الثاني هو وقوفها بوجه أي محاول من شأنها إحداث تغييرات بنيوية عامة يحتمل أن تنال من مكاسب إقليم كردستان. ويمكن تفصيل هذين العاملين في الآتي:

  1. مع أن القادة الأكراد يَعتبرون أن المظاهرات مُوجَّهة بشكل رئيس إلى القوى السياسية المهيمنة على الحكم في بغداد، وتحديداً القوى الشيعية، إلا أنهم يُدركون أيضاً أن الظروف الاقتصادية والمعيشية التي أخرجت الشباب في محافظات الوسط والجنوب إلى الشارع هي نفسها التي يعاني منها الشباب والسكان في محافظات الإقليم. وعكس هذا الأمر تصريح زعيم حركة "الجيل الجديد" شاسوار عبد الواحد الذي أعلن بأنه سوف يدعم حراكاً كهذا داخل كردستان إذا لم يهتم القادة الأكراد بالأمور المعاشية لسكان الإقليم ويُجري إصلاحات ضرورية في النظام القائم.
  2. يخشى القادة الأكراد من دخول الشارع العربي في العراق كلاعب أساسي في رسم سياسات بغداد تجاه أربيل، وطي صفحة الصفقات الجزئية التي حكمت العلاقة بين الطرفين منذ عام 2003، والتي منحت إقليم كردستان صلاحيات كونفدرالية في ثوب فيدرالي؛ والذي لطالما أثار غضب الرأي العام العراقي في الوسط والجنوب، بسبب ما اعتُبر عدم عدالة في منح الإقليم حصة من واردات الخزينة العامة رغم رفض حكومته الاسهام في تمويلها.
  3. يحرص القادة الأكراد على الحفاظ على سياسات المحاباة التي انتهجها عادل عبد المهدي، الصديق التاريخي للأكراد، الذي أثبت خلال عام من توليه السلطة بأنه أفضل رئيس وزراء من حيث مراعاة مصالح الإقليم، وهو ما تجلى في قرارات عدة، من أبرزها تجاهله لخرق أربيل لقانون الموازنة الاتحادية الذي نص على دفع بغداد لرواتب موظفي الإقليم الذين يتجاوز عددهم المليون، مقابل تسليم أربيل 250 ألف برميل نفط يومياً إلى شركة تسويق النفط الوطنية "سوما".
  4. من مصلحة القيادة الكردية خفض فرص نجاح التظاهرات في إحداث تغييرات حقيقية في تركيب وآليات عمل النظام السياسي، لاسيما التحول من النظام البرلماني إلى الرئاسي؛ ما سيعني تحرير يدي صاحب المنصب التنفيذي الأول من قيود التوافق المكوناتي والتوازن القومي-الطائفي في إدارة البلاد، وبالتالي تهديد مكتسبات الإقليم التي باتت تشكل عُرفاً فوق دستوري.

الموقف من الحكومة المقبلة

لم يكن موقف الأحزاب الكردية الداعم وبقوة لحكومة عادل عبدالمهدي كافياً لحمايتها من موقف المرجعية الدينية في النجف، التي رفعت الغطاء عن عبد المهدي، تزامناً مع وصول القوى الشيعية الموالية لإيران إلى قناعة بضرورة الإقدام على خطوة مهمة لامتصاص الغضب الجماهيري من جهة، ومن الجهة الأخرى إشغال المتظاهرين بلعبة أسماء المرشحين لتولي المنصب. وبالتالي وافق الأكراد على اتفاق الكتل السياسية لقبول استقالة عبدالمهدي، لكن مع وضع عدة شروط لاختيار رئيس الوزراء المقبل، من بينها:

  1. ضرورة المجيء بشخصية تراعي التوزان بين بغداد وأربيل، وتكون مقبولة لدى جميع أطياف الشعب العراقي. 
  2. التأكيد على احترام الحكومة المقبلة للاتفاقات التي تم التوصل إليها مع حكومة عادل عبدالمهدي، ومنع عودة العلاقة بين بغداد وأربيل إلى نقطة الصفر، لاسيما في ظل ضغط الشارع الناقم سلفاً على إخلال إقليم كردستان بواجباته تجاه الدولة العراقية.
  3. يجب ألا يكون رئيس الحكومة المقبل متحزباً، لاسيما أن تجربة الإقليم مع رئيسي الوزراء السابقَين من حزب "الدعوة الإسلامية" (نوري المالكي وحيدر العبادي)، كانت مريرة بسبب استنادهما إلى حزب قوي وكتلة برلمانية كبيرة لم يتفق أعضاؤها على شيء سوى تقويض وضع إقليم كردستان.

وثمة عدة مخاوف أدركتها القوى الكردية عاجلاً تمثلت بانقلاب الموازين السياسية رأساً على عقب؛ فلم تعد أربيل أولويةً في المشهد السياسي لأن الأحزاب السياسية والكتل النيابية تولي أولويتها لمحاولة إيجاد مخارج تقنع بها الشارع المنتفض الذي شكل عنصراً جديداً في معادلة القوة على الساحة السياسية، وهو ما تدركه حكومة الإقليم جيداً، وتلمسه من خلال التغييرات التي طرأت على خطاب وتحركات حكومة تصريف الأعمال؛ فقبل التظاهرات كانت زيارات الوفود بين بغداد وأربيل تجري بصورة دورية وتقريباً أسبوعية، في سبيل الوصول إلى التقارب وإيجاد حل للخلافات لكنها خفتت كثيراً بعد موجة الاحتجاجات، بل إن هناك اجتماعات تم تأجيلها بسبب زخم الشارع العراقي. وعليه شعر الأكراد بأن تغيير الحكومة سيكون بمنزلة تهميش لحاجاتهم ودورهم، فضلاً عن أن رئيس الوزراء المقبل يفترض أن يتفرغ لحل مشاكل محافظات الوسط والجنوب، وإيجاد حل لطلبات المتظاهرين في سبيل إظهار حسن النية، وهو ما يعني بالضرورة تراجع أهمية البتّ في القضايا العالقة مع أربيل؛ وأبرزها الرواتب، وتصدير النفط، والمناطق المتنازع عليها.

قانون الانتخابات والفيتو الكردي

أقرّ مجلس النواب العراقي في 5 ديسمبر (2019) قانون المفوضية العليا للانتخابات على نحو يُرضي الأكراد؛ إذ نص القانون على اختيار تسعة قضاة عن طريق القرعة لمجلس المفوضين، بحيث يتم اختيار اثنين منهم من قبل مجلس القضاء في إقليم كردستان. في حين عبّر ناشطون في الحراك الاحتجاجي عن استيائهم من القانون الجديد، لأنه يتضمن شكلاً جديداً من أشكال المحاصصة، فقد نص القانون على مراعاة العدالة في التوزيع المناطقي باختيار القضاة، وهو ما تجلى في تخصيص كوتا للأكراد.

وفيما يخص المطلب الثاني للمحتجين العراقيين وهو عقد انتخابات مبكرة، فإن الأحزاب الكردية لا تعارض هذا المطلب باعتبار أنها تملك قاعدة شعبية في مناطق نفوذها، لكنها تشترط أن توافق على هذه الخطوة غالبية القوى السياسية داخل مجلس النواب. وقد مرَّر البرلمان العراقي بالفعل قانوناً جديداً للانتخابات بعد أن صوَّت النواب في 24 ديسمبر 2019 على مشروع القانون الجديد، وتعتبر المادتان 15 و16 في هذا القانون، واللتان تحددان طبيعة النظام الانتخابي، من المواد الخلافية التي اعترضت عليهما كتلة التحالف الكردستاني، إذ صوَّت البرلمان بعد انسحاب النواب الأكراد والتحالف الكردستاني. وتنص المادة 15 على نوعية الترشح للانتخابات بقائمة واحدة أو عدة قوائم أو الترشح الفردي، فيما تنص المادة 16 على تقسيم العراق إلى دوائر متعددة وليس دائرة انتخابية واحدة

وفيما يأتي موقف الأحزاب الكردية من الفقرات المثيرة للجدل في القانون الجديد:

  1. الدائرة الانتخابية: تدعم القوى الكردية الدوائر المتعددة، لأن الدائرة الواحدة -بحسب الباحث الكردي هوشيار مالو- "تُضر بالأحزاب الكردية التي يعتبر ثقلها محصوراً في الإقليم والمناطق المتنازع عليها". وتؤيد القوى الكردية احتساب المحافظة دائرة انتخابية.
  2. آلية الانتخاب واحتساب الأصوات: كان قانون الانتخابات السابق يعتمد على حساب الأصوات استناداً إلى القوائم الانتخابية، واعتبار المحافظة دائرة انتخابية واحدة، بمعنى أن المرشحين الحاصلين على أقل عدد من الأصوات في القائمة الواحدة يَستفيدون من الأصوات الزائدة التي حصل عليها زملاؤهم ممن حصدوا أصواتاً أكثر (وفق نظام سانت ليغو). أما القانون الجديد الذي أقرَّه مجلس النواب فيقوم على اعتماد نظام مختلط بين الاقتراع الفردي (دوائر متعددة) والقوائم الانتخابية (الدائرة الواحدة). ويرفض المحتجون هذا القانون ويطالبون بإجراء الانتخابات بطريقة الاقتراع الفردي المباشر، باعتماد نظام الدوائر المتعددة بنسبة 100%، وتؤيد كتلة "سائرون" هذا المطلب، في حين أن أبدت الأحزاب الكردية الرئيسة معارضتها اعتبار احتساب الأصوات على القوائم الفردية بنسبة 100%، وكانت تدعم بدلاً من ذلك توزيعها بين القوائم الانتخابية بنسبة 50% والمرشحين الأفراد بنسبة 50%.
  3.  العد والفرز: لا توجد مشكلة من قبل الحزبين الكرديين الرئيسين، "الاتحاد الوطني" و"الديمقراطي الكردستاني"، بشأن طريقة العد والفرز، سواء كانت يدوية أو إلكترونية، لكن حركة "التغيير" والأحزاب الكردية الصغيرة أعلنت رفضها للطريقة الإلكترونية، حيث حذر النائب عن حركة من اللجوء إلى "قانون العد والفرز الإلكتروني وأن اعتماده من جديد يعتبر سرقة لأصوات الشعب العراقي". 

ملف النفط وتسويات ما بعد استقالة الحكومة

يبدو أن هناك احتمالاً بعدم تفجر الخلافات بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية عقب استقالة الحكومة، بسبب الاتفاقات المبدئية التي وضعت على الطاولة قبل استقالة عبد المهدي وحظيت بدعم ضمني من حلفاء إيران في تحالف الفتح، فضلاً عن كون الأحزاب الكردية شريكاً أساسياً في العملية السياسية ويقفون على في صف واحد مع الأحزاب الشيعية والسنية مقابل صف الشباب الغاضب. بيد أنه يُحتمل عودة هذا الملف إلى واجهة الأحداث إذا ما فرض المتظاهرون إرادتهم بتنصيب رئيس وزراء مستقل، سيكون عليه تحقيق إنجازات سريعة في القضايا التي لا تحتاج إلى وقت طويل أو أموال كبيرة، وأهمها تحقيق العدالة في التعامل بين المواطنين بغض النظر عن خلفيتهم القومية أو الطائفية.

في المقابل سيقاوم القادة الأكراد أي محاولة من أي طرف لسلب الإقليم مكتسباته، ومراجعة الاتفاقات التي سبقت المظاهرات، حيث كانت المفاوضات قد وصلت إلى مراحل متقدمة بخصوص ملف النفط إلا أن التظاهرات أجّلت المصادقة عليها من قبل البرلمان. وكانت وزارة النفط قد أعلنت في بيان يوم 12 ديسمبر 2019 توقيع الحكومة الاتحادية الاتفاق الجديد بصيغته النهائية مع حكومة أربيل، والذي يقضي "بتسليم الإقليم 250 ألف برميل يومياً إلى شركة "سومو" الوطنية اعتباراً من بداية العام المقبل لمدة 6 سنوات على أن يكون سقف الإنتاج من النفط الخام 450 ألف برميل يومياً، لأن ذلك يؤثر على حصة العراق في منظمة أوبك، مقابل التزام بغداد بتسليم رواتب موظفي الإقليم شهرياً وضمان نسبة 13% من موازنات الأعوام المقبلة".

يرسم هذا الإعلان المفاجئ الخطوط العامة لشكل الصراع الذي سيدور تحت قبة البرلمان لتسمية رئيس الوزراء الجديد، والخطوط الحُمر التي يجب على حلفاء الأكراد من القوى الشيعية الموالين لإيران عدم الاقتراب منها، في الوقت الذي يواجهون فيه غضباً شعبياً شيعياً غير مسبوق بسبب رهنهم مصالح البلاد لصالح الطموحات الإيرانية في الهيمنة على المنطقة.

الخلاصة والاستنتاجات

يَمر العراق في مرحلة مهمة من تاريخه، وينظر الأكراد إلى الاحتجاجات المطالبة بإصلاحات سياسية بعين القلق والخشية من أي تعديل في بنية النظام السياسي قد يؤدي إلى تقويض مكاسب إقليم كردستان. ومع أن القوى الكردية تحظى بفيتو "عملي" على أي تعديلات في الدستور أو في قانون الانتخابات قد تمسّ بصلاحيات إقليم كردستان، إلا أنها لا يمكنها التغاضي عن النتائج المحتملة على القضايا محل الخلاف مع بغداد، مثل قضية النفط والموازنة والمناطق المتنازع عليها، في حال صعدت إلى الحكم في بغداد طبقة سياسية جديدة أكثر تعبيراً عن مطالب المحتجّين وتطلعاتهم. ويُصبح التحدي أمام القوى الكردية هو الموازنة بين عدم التحول إلى عقبة أمام الإصلاح السياسي في العراق والحفاظ في الوقت نفسه على مصالح إقليم كردستان.

 

أحدث المواضيع المميزة