المنظور الإسرائيلي لتحديات الحالة السورية وفُرصها

مركز الإمارات للسياسات | 26 نوفمبر 2019

يبدو أن الغارات الأخيرة التي شنتها إسرائيل على مواقع، إيرانية أساساً، في محيط دمشق ومناطق سورية أخرى استهدفت إفهام إيران أنّ إطلاق صواريخ نحو إسرائيل سيؤدي إلى رد فعل إسرائيلي أكبر بكثير مما تتوقعه إيران. في المقابل، تحاول الأخيرة تغيير قواعد الاشتباك مع إسرائيل من خلال السعي لفرض معادلة "القصف يقابله قصف"، والأراضي السورية والعراقية ساحة مفضلة لإيران لمحاولة تطبيق ذلك. وتحاول إسرائيل، منذ مدّة، مواجهة التموضع الإيراني في سوريا، وفي العراق أيضاً، وتبدو الآن أكثر إصراراً على فعل ذلك. تُحلِّل هذه الورقة سياسات واستراتيجيات إسرائيل في التعاطي مع التموضع الإيراني في سوريا، وكيفية تفاعل تل أبيب مع الفاعلين في المشهد السوري، وما يفرز من تحديات وفرص للجانب الإسرائيلي.

أولاً: أهداف إسرائيل ومكاسبها في سوريا

عندما اندلعت الحرب الأهلية في سوريا 2011، قررت إسرائيل ألا تتدخل فيها إلى جانب أي من الفرقاء، على الأقل إلى حين تتضح الصورة ويعرف شكل توازن القوى. ولكن الكابنيت (المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية في الحكومة)، أمر الجيش الإسرائيلي بمتابعة الأحداث عن كثب؛ "حتى لا تنتقل هذه الحرب إلى حدود الجولان فتشكل أخطاراً أمنية على إسرائيل". وشيئاً فشيئاً وجدت نفسها عنصراً بارزاً فيها. وبالرغم من أن توازن القوى العسكري مع سوريا، بعد الحرب الأهلية، تخلخل كثيراً لصالح إسرائيل، فإن تطور الأوضاع هناك يضعها أمام تحديات جديدة يُفرزها المحور الإيراني، ولذا يبرز التساؤل عن أهداف أساسية لإسرائيل في سوريا؟ وماذا حققت؟ 

  • ماذا تريد إسرائيل في سوريا؟
  1. منع الإنجازات الإيرانية في هذا البلد، ودحر النفوذ المتنامي لطهران فيه، وفي جواره-لبنان والعراق. وكثيراً ما تختصر تل ابيب هذا الهدف بعبارة "منع التموضع الإيراني ومواجهته".
  2.  أن تحظى إسرائيل باعتراف دولي بالسيادة على الجولان، وإقامة "حزام أمني" على الجهة الشرقية منه.
  3.  تقليص مكاسب تركيا، بمحاولة عدم خروج الأكراد من كامل اللعبة.
  4.  وضع حدود للمكاسب الروسية، خصوصاً بعدما اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، قراراً لا يرضي تل أبيب، بالانسحاب وترك الساحة لنفوذ موسكو.
  • ماذا حققت إسرائيل في سوريا؟

من الصعب القول إن إسرائيل حققت كل ما ترمي إليه من أهداف في سوريا. لكن، في حساباتها الاستراتيجية حققت التالي:

  1.  خرج الجيش السوري من معادلة الصراع معها لوقت طويل. صحيح أن هذا الجيش لم يكن يشكل خطراً عليها طيلة أربعة عقود، لكنها كانت تتحسب من وضع يتغير فيه النظام السياسي في دمشق، ويصل إلى الحكم قادة يقررون تجديد العداء. والجيش السوري كان قبل انهياره قوة عسكرية وازنة، لكنه اليوم يحتاج إلى سنين طويلة، وجهود كبيرة، حتى يسترد عافيته.
  2. أصبح موضوع تحرير هضبة الجولان في قاع سلم الاهتمام لدى القيادات السياسية السورية، في النظام أو المعارضة. كما أن فرض السيادة على الجولان حظي باعتراف أمريكي رسمي.
  3. خروج سوريا، حتى الآن، من الإجماع العربي. 

ثانياً: لماذا اعتبرت إسرائيل أنها في مواجهة عسكرية مع إيران في سوريا؟

في سنة 2018 فقط وصلت إسرائيل الى قناعة بأنها "في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، أولاً في سوريا، ولكن في لبنان والعراق أيضاً"، كما قال الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي رئيس معهد أبحاث الأمن القومي، عاموس يدلين في أبريل 2018. وقد تجلت القناعة الإسرائيلية اعتماداً على المعطيات التالية:

  1. قاعدة انطلاق: أدركت إسرائيل أن إيران نجحت في ترسيخ وجودها الاستراتيجي في سوريا بطريقة لا يبدو منها أنها تنوي التخلي عنه في المدى المنظور. فقد أدخلت إلى سوريا 17 ألف عنصر ميليشياتي شيعي من إيران وأفغانستان وباكستان، انضموا إلى 10 آلاف عنصر من حزب الله اللبناني، إضافة إلى 1500 عنصر من جنود وضباط من عناصر "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني. ثم أحضرت إيران أفراد عائلات قسم كبير من عناصر الميليشيات وأسكنتهم في بيوت سورية هجرها أهلها خلال الحرب. وأقامت قواعد عسكرية لها في مواقع حساسة عدة، قرب مطارات أو في منطقة قريبة من مناطق الجيش الروسي. ورأت إسرائيل في هذا التطور محاولة تغيير التركيبة الديمغرافية والطائفية لسوريا، الغرض منها تثبيت هذه الدولة كقاعدة انطلاق لمحاربة إسرائيل، كما ذكر موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية في الأول من أبريل 2019.
  2.  تغيير ديموغرافي وسياسي وأيديولوجي: في أكتوبر 2018 نشر موقع "ميدا" اليميني في تل أبيب دراسة كتبها مردخاي نتسان حول المخطط الإيراني، بشقيه الديمغرافي والأمني، جاء فيها: (تناقص مجموع سكان سوريا حتى العام 2018 من 22 مليوناً إلى نحو 18 مليوناً. وفي محلّ السكان السنة قديمي الوجود، خصوصاً في المدن الرئيسية، جاء سوريون جدد، هم سكان شيعة تم تجنيدهم من قبل الجمهورية الإيرانية كمعاونين في الحرب السورية. إن حرب نظام الأسد على المتمردين السنة المسلحين باختلاف فصائلهم، سواء أكانوا محليين كـ "الجيش السوري الحر" أو رجال داعش، والقاعدة، وغيرها، تجري ترجمتها على الأرض في حملة احتلال متجدد لسوريا العربية السنية. والأقلية العلوية تتعاون مع الأخ الإيراني الكبير ومع حزب الله اللبناني؛ من أجل خلق تغيير ديموغرافي وديني واسع النطاق، وهو ينطوي بالطبع على مغاز سياسية وأيديولوجية أيضاً، فالأيديولوجية القومية العربية التي تميزت بها سوريا المعاصرة، قد تم استبدالها عملياً من خلال مطامح سيطرة شيعية").
  3. كبح عودة ملايين اللاجئين: بالترابط مع النقطة السابقة، يؤكد موقع "ميدا" بأن "استمرار الحرب السورية على هيئة تطهير عرقي ديني ضد السنة، وإعادة تنظيم الخريطة الديموغرافية في سوريا، ترتكز بشكل أساسي على مسألة كبح عودة ملايين اللاجئين. هنالك مليون ونصف المليون من اللاجئين السوريين في أوروبا، وهم لن يعودوا إلى موطنهم، ومن المقبول الافتراض أن منازلهم لم تعد قائمة على أرض الواقع أصلاً، أو أنه سيتم هدمها في إطار مشاريع تطويرية سيبادر إليها النظام. بحسب التقديرات، تم هدم ثلث الشقق السكنية في البلد منذ العام 2011، وستخصص عمليات البناء الجديدة في أرجاء سوريا لأبناء الطائفة الشيعية الغرباء، الذين وصلوا إليها أو سيصلون لاحقاً. وعلى مدار سنوات طويلة، كانت سوريا تقف أمام التناقض الذي يتمثل في سيطرة أقلية علوية على أغلبية سنية. والآن وجدت هذه المعضلة حلاً (جزئياً) لها على هيئة تقليص وجود الغالبية السنية إلى أبعاد محتملة. وسيوفر التغيير الديمغرافي واسع النطاق، ظاهرياً، شرعية للطائفة المسيطرة، وهو أمر سعت إليه هذه الطائفة منذ أن استولت عائلة الأسد على مقاليد الحكم في البلاد منذ العام 1970. إلا أن العلويين أنفسهم من المفترض فيهم، بحسب الإملاءات الإيرانية أيضاً، أن يمروا بتغيير هوية دينية: أن يمروا بما يشبه برمجة مصطنعة ومفروضة، وكأنهم حقاً (وهم ليسوا كذلك في الحقيقة) فرع من فروع الشيعية التاريخية. وليس من الواضح إن كان أبناء الطائفة سيوافقون على الاستسلام لهذا النوع من التغيير الديني. فالعلويون مختلفون عن الشيعة الإمامية الاثني عشرية، ولربما يؤسس هذا التوتر الديني بالذات لاندلاع مواجهة عسكرية مقبلة بين الحلفاء".

في المحصلة، ترى تل أبيب أن الإيرانيين غرسوا أقدامهم بثبات في ثلاث جبهات تحيط بإسرائيل، سوريا ولبنان وقطاع غزة. وهم يقيمون بإصرار ممراً طويلاً يتيح لهم التواجد بقوة في العراق وسوريا ولبنان، ويريدونه ممراً برياً يدير مصالحهم في الدول الثلاث، ويوصلهم إلى موقع ثابت على البحر المتوسط، بشاطئه السوري.

  1.  يسعى الإيرانيون لإقامة ممر لأنبوب نفط من كركوك عبر الصحراء السورية إلى البحر المتوسط.
  2. لأن إسرائيل، بقيادتها الحالية، ترفض التنازل عن الجولان، وسوريا بقيادتها الحالية ترفض التنازل عن حقها في الجولان، فإن العلاقات بينهما هي علاقات عداء، والحدود بينهما تظل جبهة حرب تبرد وتسخن وفقاً للتطورات. قد تتغير هذه الصورة إذا تغيرت الظروف الموضوعية، ونشأت فرصة لتسوية سياسية بين البلدين.

ثالثاً: إجراءات إسرائيلية لمواجهة إيران في سوريا

منذ بدايات الحرب في سوريا (2011) أدركت إسرائيل أن حزب الله اللبناني يقيم بنى تحتية لخلايا تستهدف تحويل الجولان إلى نقطة انطلاق لمحاربة إسرائيل، فنفذت ضربات عدة موجعة لها، واغتالت عدداً من قادة هذه الخلايا من الضباط الإيرانيين واللبنانيين، واغتالت سنة 2012 القيادي العسكري الكبير في حزب الله، عماد مغنية، في دمشق، ثم اغتالت جهاد مغنية وسمير قنطار في 2015. ومع زيادة النفوذ الإيراني، متعدد الأشكال، في سوريا، باتت إسرائيل تنظر إلى التموضع الإيراني على نحو شامل، عسكري وأمني وسياسي، ومن أشكال المواجهة التي تبنتها للتصدي لذلك:

  1. قررت إسرائيل محاربة هذا التموضع الإيراني بالقوة، فصارت تقصف ليس قوافل السلاح وحسب بل القواعد الإيرانية المنتشرة في طول وعرض الأراضي السورية. وإذا كانت في السابق قد نفذت هذه الهجمات بسرية ولم تعلن مسؤوليتها عنها، فقد أحدثت انعطافاً في هذا النهج، منذ النصف الثاني من سنة 2018 وحتى الآن، وشنت غارات مكثفة أسفرت عن مقتل العديد من عناصر جيش النظام السوري والحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني وعناصر الميليشيات الشيعية.
  2. التفاهم مع الروس لإبعاد الإيرانيين عن الحدود الإسرائيلية: فقد دخلت إسرائيل في مفاوضات غير مباشرة مع إيران، عبر الجيش الروسي، لإنهاء هذا الوجود، واتفقت بالتالي على تقليص هذا الوجود وإبعاد الإيرانيين عن الحدود الإسرائيلية بعمق 80 كيلومتراً عن الحدود في الجولان.
  3. سبق أنْ وجه وزير الشؤون الاستراتيجية في حكومة نتنياهو، يوفال شتاينتس، العضو في الكابنيت الإسرائيلي، تهديداً مباشراً بالقتل للرئيس السوري، بشار الأسد، إذا سمح لإيران بالعمل من أراضي سوريا ضد إسرائيل.
  4. وجَّهت المخابرات الإسرائيلية تهديداً للمسؤول الإيراني المكلف بالملف السوري، فكشفت اسمه على الملأ، الجنرال جواد غفاري، المعروف بلقب "جزار حلب"، بسبب العمليات الحربية الشرسة التي قادها في هذه المدينة.
  5. قامت إسرائيل بقيادة حملة دولية ضد المشروع النووي الإيراني وضد تطوير إيران للصواريخ البلايستية.
  6. سعت إسرائيل، بدعم وقبول أمريكي، لفتح العلاقات مع الدول العربية، وتشكيل تحالف مع بعض الدول العربية لمواجهة إيران، لكن إصرار تل أبيب على الجمود في الموضوع الفلسطيني يشوش عليها التقدم في تلك العلاقات.
  7.  تواصلت حملة الاغتيالات لعلماء الذرة الإيرانيين. ونفذ الموساد عملية جريئة في طهران، إذ خطف أرشيفاً من مخازن سرية، احتوت على معلومات عن المشروع النووي العسكري.
  8.  وفي إجراء ضيق ومحدود النتائج، أقام الجيش الإسرائيلي قبل سنوات علاقات مع الدروز السوريين، الذين يؤيدون نظام الأسد، ومن خلالهم أوصلت تل أبيب الرسائل للقصر في دمشق، وذلك إلى حين وصل الروس إلى سوريا في سبتمبر 2015. كما أقامت علاقات أخرى مع قوى المعارضة من جهة ثانية. وفتحت بوابة خاصة على الحدود، استقبلت من خلالها جرحى حرب سوريين، وأقام الجيش الإسرائيلي لهم مستشفى ميدانياً على الحدود. ومنذ بدأ هذا الاهتمام عولج نحو 6 آلاف جرحى في المستشفى الميداني، بينهم 4500 نقلوا إلى المستشفيات الإسرائيلية لمواصلة العلاج وتم استيعاب 3500 جريح سوري آخر نقلوا مباشرة للعلاج في المستشفيات، كما ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في 30 يونيو 2018. وكانت هذه الخطوة جزءاً من الدور الإسرائيلي لإقامة العلاقات مع التنظيمات، جميع التنظيمات، بمن فيها داعش وجبهة النصرة.

رابعاً: التصدي الإسرائيلي لنشاطات إيران في العراق

مع صعود الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، إلى الرئاسة في الولايات المتحدة، وتبنيه سياسة متشددة تجاه إيران، بدأت طهران تتراجع عن بعض جوانب سياستها في سوريا، وحولّت قسماً من نشاطها إلى العراق، فراحت تبني منظومة من الصواريخ الباليستية الموجهة إلى إسرائيل. نفذت الأخيرة هجمات مباشرة على مستودعات الأسلحة التابعة للميليشيات الشيعية "الحشد الشعبي" في العراق، التي تم فيها تخزين الصواريخ الإيرانية، وإنشاء بنية تحتية لتركيب الأسلحة المتقدمة. ومن ذلك كان الهجوم على مستودع الأسلحة بالقرب من قاعدة "بلد" الجوية، في محافظة صلاح الدين (شمال بغداد) في 20 أغسطس 2019، وسبقته هجمات في قاعدة أميرلي، في 19 يوليو 2019؛ وفي قاعدة أشرف في محافظة ديالى في 28 يوليو 2019؛ وفي قاعدة الصقر في حي الدورة جنوب بغداد في 12 أغسطس 2019.

تسببت هذه الهجمات في تأجيج صراعات داخلية في العراق بين القوى السياسية المختلفة، بدا منها أن الرسالة الإسرائيلية قد وصلت. وقد كشف موقع "ميدا" اليميني للأبحاث السياسية في تل أبيب، في أغسطس 2019، أن "إسرائيل حذَّرت العراق أكثر من مرة، أيضاً بواسطة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، من أن الاستمرار في إنشاء بنى تحتية مستوحاة من إيران والتي من شأنها أن تهدد إسرائيل، سيؤدي إلى شن هجمات، على غرار ما يحدث مع التوطيد الإيراني في سوريا". وفي الوقت ذاته، نشرت إسرائيل على الملأ معلومات وكشفت أسماء لشخصيات إيرانية تعمل على بناء امتداد للنشاط الإيراني في سوريا إلى العراق، وهي طريقة معروفة لتوجيه التهديد.

خامساً: اللاعب الروسي

عندما وصل الروس بالشكل المفاجئ إلى سوريا، بقوتهم العسكرية الضاربة، دبّ الفزع في تل أبيب في البداية. فقد فهم القادة الإسرائيليون أن المحور الإيراني قد تلقى دعماً حيوياً قد يقلب الموازين في المنطقة. وأدركوا أن نشاطهم الحربي ضد إيران وميليشياتها، سيصبح محدوداً ومقيداً. ومع تقدم القتال الروسي في سوريا، انزعجوا من الخبرة التي يكتسبها الجيش السوري من أساليب القتال الروسية المميزة، وانزعجوا أكثر وهم يرون عناصر حزب الله اللبناني يحاربون هم أيضاً جنباً إلى جنب مع الجنود الروس ويستفيدون من الخبرة الروسية. كما اهتم الجيش الإسرائيلي بمعرفة ما إذا كان الروس سيتركون وراءهم، إذا ما غادروا سوريا، الأسلحة المتطورة التي جلبوها واستخدموها في الحرب (دراسة في معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب أجريت في مايو 2016 ونشرت في يوليو، بعنوان: "تجديد استراتيجي").

كما أن الوجود الروسي، وبرغم تطور العلاقات الإيجابي بين موسكو وتل ابيب، ينطوي على أخطار عدة. فإسرائيل لا تثق بروسيا، وتعرف أن لديها سلم أولويات مغايراً لسلم أولويات إسرائيل، وفي كثير من الأحيان يوجد تناقض صارخ في مصالحهما. وروسيا لا تنسى للحظة ولا تسمح لإسرائيل أن تنسى بأنها الدولة العظمى بين الدولتين، والأخطر من ذلك هو أن الروس يعملون بشكل حثيث على إعادة بناء الجيش السوري.

إنّ الزيارات المتكررة لبنيامين نتنياهو إلى روسيا للقاء الرئيس فلاديمير بوتين كانت تستهدف طمأنة تل أبيب والتنسيق معها، لكنّ الروس أيضاً معنيون بعلاقات أفضل مع إسرائيل ولديهم معها مصالح لا تقل أهمية. فأولاً هم يريدون أن يتفادوا أي احتكاك عسكري مع إسرائيل؛ فمع أنهم واثقون من أنهم سيخرجون منتصرين من أي صدام، ولو بسيط، مع إسرائيل، إلا أنهم يخشون من أي خلل يظهر أفضلية الأسلحة والأداء الإسرائيليين. وهم، ثانياً، معنيون بأن تكف إسرائيل عن هجماتها العسكرية على جيش النظام السوري، وألا تُقْدم على عملٍ يقوض هذا النظام. وهم، ثالثاً، يريدون من إسرائيل أن تساعدهم في الساحة الدولية عموماً، ولدى الكونغرس الأمريكي خصوصاً، لوقف العقوبات على روسيا بسبب الأزمة مع أوكرانيا. ومنذ التدخل العسكري الروسي في سوريا في سبتمبر 2015 راح بوتين يقنع نتنياهو بأن الوجود الروسي يصب في صالح إسرائيل، كونه جاء أولاً ليقضي على داعش وجبهة النصرة وسائر قوى الإرهاب، ويعيد الاستقرار إلى سوريا، وأن نظام الأسد الذي احترم اتفاق فصل القوات لأكثر من أربعة عقود هو نظام آمن لإسرائيل. وكرر بوتين لنتنياهو أنه يتفهم المصالح الإسرائيلية الأمنية في سوريا، ومستعد لأخذها بالاعتبار في علاقاته مع حلفائه الإيرانيين.

وعليه، فقد وجد الطرفان أرضية خصبة للتعاون أكثر من التخاصم. لكن موسكو ما تزال تنظر إلى التدخل الإيراني في سوريا كأمر مشروع تماماً، مثلما هو التدخل الروسي مشروع. وبالإضافة إلى ذلك، فقد اعتُبرت إيران، من قبل روسيا، سوية مع تركيا – عاملاً ضامناً للتسوية في سوريا في إطار مفاوضات أستانا، التي تقودها روسيا. وبتقدير موسكو، فإن لدى إسرائيل قدرة على تعريض إنجازاتها في سوريا للخطر، نظراً لقدراتها العسكرية المثبتة، هذا بالإضافة الى قدرتها على الاندماج كقوة مؤثرة في المعسكر الاقليمي المناهض للنفوذ الإيراني المتصاعد في المنطقة.

سادساً: الولايات المتحدة

على الرغم من العلاقات المميزة بين إسرائيل والولايات المتحدة، والعلاقات الشخصية بين نتنياهو والرئيس ترمب بشكل خاص، فإن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وبشكل خاص في سوريا وتجاه إيران، خلخلت حسابات الحكومة الإسرائيلية وزعزعت الثقة المطلقة التي كانت وضعتها بإدارة البيت الأبيض. فالجهود التي بذلها ترمب للقاء الرئيس حسن روحاني، وإقالة مستشار الأمن القومي جون بولتون، المقرب بشكل خاص من اليمين الإسرائيلي، والقرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا والتخلي عن الأكراد والاتفاق الأمريكي مع تركيا على غزو الشمال السوري، كلها خطوات قوبلت بالانزعاج في المؤسستين الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وأعادت الى الخطاب الإسرائيلي جملة "علينا أن نعتمد فقط على أنفسنا".

وفي مقابل ذلك، نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أن "مسؤولين إسرائيليين كشفوا عن أن الإدارة الأمريكية تشعر بالإحباط وخيبة أمل بسبب السياسة الإسرائيلية الداخلية، والأزمة الحزبية التي تحول دون طرح الجزء السياسي من "صفقة القرن"، وتؤدي إلى تعطيلها منذ شهور". وقال هؤلاء المسؤولون للصحيفة إن "الأمريكيين محبطون حقًا من هذا الوضع، وأن المسؤولين الذين تحدثوا إلى الرئيس ترمب مؤخراً قالوا إنه يشعر بخيبة أمل شديدة من نتنياهو ويتحدث عنه بشكل سلبي"، بعد إخفاقه في الحصول على نصر انتخابي كاسح في انتخابات سبتمبر 2019، أمام زعيم حزب أزرق أبيض، بيني غانتس، لأن "ترمب لا يحب الخاسرين".

هذا الوضع غير المثالي في العلاقات بين الزعيمين -بسبب دينامية الأوضاع في سوريا، وما يتعلق بموضوع "صفقة القرن"- لا ينفي أن العلاقات وثيقة جداً على مستوى الدولة العميقة في الطرفين، وأنه حتى لو نشبت خلافات بسيطة بين القادة السياسيين، فإن المصالح الاستراتيجية بينهما لا تتأثر. ولتبديد أي شكوك حول هذا الأمر، ذهبت إدارة ترمب مؤخراً إلى شرعنة بناء المستوطنات الإسرائيلية

وليست علاقات إسرائيل مع الأردن ومصر في أحسن أحوالها. ومع ذلك، فقد حصل تطور إيجابي عميق في المجال الأمني مع مصر، فوافقت إسرائيل على خرق اتفاقيات كامب ديفيد والسماح للدبابات والمجنزرات والطائرات المصرية أن تعمل في جميع أنحاء سيناء، بما في ذلك المنطقتان "أ" و "ب"، اللتان تلزم الاتفاقات بإبقائهما منزوعتي السلاح. كما إن تل أبيب أوصت مصانع بناء السفن الألمانية ببيع غواصة حديثة لمصر. ومع ذلك، فإن تطبيع العلاقات ضعيف، والمصريون لا يأتون لإسرائيل، وغالبية السياح الإسرائيليين هم من المواطنين الإسرائيليين العرب، فلسطينيي 48. 

خلاصة

نظرة إسرائيل إلى سوريا بوصفها عدواً استراتيجياً شرساً، تعززت بعد الحرب الأهلية السورية، لأن العنصر الإيراني دخل فيها بقوة، وأخذ يشكل امتداداً على طول وعرض الهلال الخصيب ويتحول إلى ممر عسكري واقتصادي يهدد أمنها ووجودها، وفقاً لحسابات أجهزتها العسكرية (الجيش والاستخبارات). وإذا حققت إسرائيل مكسباً كبيراً وتغيَّر ميزان القوى أكثر لصالحها، مع تفكيك الجيش السوري، فإن عناصر جديدة دخلت مكانه وإلى جانبه، هي إيران وأذرعها من المليشيات، التي تُطوِّق إسرائيل من جبهات: سوريا ولبنان وقطاع غزة والضفة الغربية. وزاد الطين بلة، بالنسبة إليها، قرار الإدارة الأمريكية الانسحاب من الشرق الأوسط، والذي يفهمه الإسرائيليون على انه إهمال لهم وتركهم وحدهم في أرض المعركة. ودخول الروس إلى المنطقة عبر البوابة السورية، أنشأ معادلة جديدة. ورغم أن الروس يُنسِّقون معهم النشاطات والتحركات العسكرية، يشعر الإسرائيليون بقيود غير قليلة في العمل على الأرض وفي سماء سوريا.

 

أحدث المواضيع المميزة