تنامي وجود ودور الشركات الأمنية الخاصة في أفريقيا: شركة "فاغنر" الروسية نموذجاً

أحمد عسكر | 07 يونيو 2020

أضحت الشركات العسكرية والأمنية الخاصة تلعب دورًا محوريًا في تحقيق أجندات وأهداف القوى الدولية في مناطق النفوذ لتعظيم مصالحها الاستراتيجية. ومع تعدد الأدوار التي تقوم بها تلك الشركات، زاد اعتماد بعض الحكام الأفارقة عليها خلال العقد الأخير، وهو ما أدى إلى توسُّع دورها في الدول الأفريقية وتزايد نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري.

وإذ ترتكز الاستراتيجية الروسية تجاه أفريقيا على البعد الأمني في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها معظم دول القارة؛ يتصاعد دور شركة فاغنر Wagner Group في أفريقيا ويشهد تطورًا ملحوظًا، ما يعزز الدور الروسي في القارة، وإن كان يدفع في ذات الوقت إلى الدخول في مرحلة جديدة من عسكرة القارة الأفريقية، واشتداد التنافس الدولي وتأثيراته على مستقبل أفريقيا في ضوء التنبؤ بتوسُّع نشاط تلك الشركات في المرحلة المقبلة.

طبيعة الدور والمهام

  • أضحت الاستعانة بالشركات العسكرية الخاصة خلال العقد الأخير بمثابة أداة رئيسة للسياسة الروسية لتحقيق أهداف جيوسياسية وجيوستراتيجية في بعض مناطق النفوذ الروسي[1]. وما كانت الشركة العسكرية الخاصة الروسية "فاغنر" Wagner الأداة الرئيسة في تعزيز المصالح الروسية في الخارج قبل عام 2013، إلا أن ذلك تغيَّر مع التطورات التي صاحبت الأزمة السورية منذ اندلاعها في عام 2011، وعلى الساحة الأوكرانية منذ أوائل عام 2014 مما اضطر موسكو إلى الوجود بقوة على الساحتين. ثم ما لبث أن تمدد نشاط فاغنر ليشمل أفريقيا خلال السنوات الأخيرة في إطار المساعي لتعزيز النفوذ الروسي في القارة.
  • تأسست شركة "فاغنر" في عام 2013 على يد "ديمتري أوتكين"، وهو ضابط استخبارات عسكري روسي سابق، كان قد حصل في عام 2016 على وسام الشجاعة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويمتلكها رجل الأعمال الروسي "يفغيني بريغوجين" بالرغم من إنكاره المستمر[2]. وقد سُجِّلت فاغنر في الظاهر شركة تجارية خاصة تسعى إلى تحقيق الربح، وتم تسجيلها في الأرجنتين، ولها مكاتب في كل من بطرسبرغ (المقر) وهونغ كونغ، ومعسكر تدريب في موسكو[3]. وتعد فاغنر ذراعًا سرية لقوات الأمن الروسية، وهي أقرب إلى الجيوش العسكرية الخاصة من الشركات العسكرية بشكلها التقليدي في الفكر الغربي.
  • يتباين أغلب التقديرات بخصوص أعداد قوات فاغنر، فهناك من يشير إلى أنها تتراوح ما بين 1000-5000 عنصر[4]، في حين قدَّرت مصادر أخرى أعدادها بحوالي 7000-10000 عنصر. وتبلغ ميزانية فاغنر، بما في ذلك تعويض القتلى في العمليات العسكرية، حوالي 100 مليون دولار سنويًا[5].
  • إن أهم ما يميز عناصر فاغنر استعدادهم للقتال في الصفوف الأمامية؛ فهم يقاتلون في أفريقيا الوسطى وجنوب السودان والسودان الشمالي وغيرها من دول القارة[6]. ومع ذلك، لا تمتلك عناصر فاغنر المزيد من الخبرة في التعامل مع البيئة الجغرافية الأفريقية وحروب العصابات البدائية التي تندلع في أكثر من دولة، وهو ما اتضح في مقتل أكثر من 35 عنصر تابعين لها في ليبيا وموزمبيق. فضلًا عن بعض التحديات التي تواجههم في بعض الدول لاسيما موزمبيق، مثل أزمة الثقة بينهم وبين الجنود الأفارقة[7].
  • وما استطاع بعض الشركات الأمنية الخاصة في أفريقيا مثل شركة بلاك هوك Black Hawk وOAM منافستها في بعض الدول الأفريقية لاسيما موزمبيق، نظرًا لانخفاض تكاليفها مقارنةً بهما، حيث يتراوح راتب عنصر فاغنر في المتوسط ما بين 1800-4700 دولار شهريًا، بينما يتراوح راتب الفرد في الشركات الأمنية الأفريقية الخاصة ما بين 15-25 ألف دولار شهريًا. فضلًا عن أن فاغنر تتميز بعلاقاتها السياسية المتطورة مع القادة الأفارقة[8]. كما تبرز شركة Eric Prince’s Frontier Services Group الأمريكية منافساً رئيساً لشركة فاغنر في قارة أفريقيا، وتتورط هي الأخرى في دولتي موزمبيق وجنوب السودان، كما أنها تقوم بحماية عمليات التعدين الصينية في الكونغو الديمقراطية[9].
  • تشكل مجموعة فاغنر الأمنية أداةً سياسيةً في يد الحكومة الروسية، إذ تخدم كلًا من وزارة الخارجية الروسية ووزارة الدفاع الروسية. ويتم تعبئتها في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية للمصالح الروسية بهدف تعزيز المكانة العالمية لروسيا[10]. وتضطلع شركة فاغنر بعمليات متعددة بالوكالة لصالح موسكو في أفريقيا دون الحاجة للزج بقواتها العسكرية النظامية، ودون أن تكون مضطرة لتسويغ تورُّطها[11]، وهو ما يتماشى مع توصيف الرئيس الروسي بوتين لها بكونها وسيلة لتنفيذ المصالح الوطنية دون مشاركة مباشرة من الحكومة الروسية[12].
  • إن الأساس المنطقي الذي يستند إليه الحضور الأفريقي لشركة فاغنر هو مساندتها في هزيمة التنظيمات الإرهابية والمتمردين والحيلولة دون زعزعة الاستقرار في دول القارة[13]، وهو نفس الأساس المنطقي الذي استخدمته القيادة الأمريكية الجديدة في أفريقيا AFRICOM[14]. وتتعدد المهام التي تضطلع بها شركة فاغنر في أفريقيا ما بين سياسية وعسكرية وأمنية وإعلامية؛ فإلى جانب المشاركة في عمليات القتال في الخطوط الأمامية، توفر الشركة الروسية التدريب على الأسلحة ودعم الشرطة وأجهزة الاستخبارات المدنية وعمليات التأمين الشخصي لكبار الشخصيات السياسية. ويأتي ذلك في إطار مساعي روسية من خلال انتشار قوات فاغنر واتجاهها نحو التوسُّع في إنشاء بيئات أمنية جديدة في الدول الأفريقية تُمكّن عدداً أكبر من الشركات الروسية من إقامة المزيد من المشروعات الاستثمارية في مجالات مختلفة. أضف إلى ذلك، مساندة فاغنر لبعض الأنظمة الحاكمة الأفريقية في الاستحقاقات الانتخابية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والصحف كما هو الحال في مدغشقر، إلى جانب تقديمها استشارات سياسية للحكومات الأفريقية[15].
  • وتنشط أيضًا في مجال المعلومات ومحاولة توجيه الرأي العام داخل الدول الأفريقية. وذلك من خلال استغلال تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تمتلك فاغنر 7 حسابات على Instagram و73 صفحة على Facebook بلغ عدد متابعيها أكثر 1.72 مليون حساب. وبعض تلك الصفحات يستهدف ليبيا، ويستهدف بعضها دولاً أخرى مثل أفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية ومدغشقر وموزمبيق والسودان. ففي ليبيا بدأ نشاط صفحات Facebook في ديسمبر 2018. وفي السودان بدأ في منتصف عام 2018، واستمر بعد الإطاحة بالبشير، وجاء المحتوى داعمًا للحكومة، ومُنتقدًا المتظاهرين في بعض الأحيان. وفي مدغشقر بدأ النشاط في فبراير 2019 بعد تنصيب الرئيس الجديد، وداعمًا له وللحكومة. أما في موزمبيق فبدأ النشاط في سبتمبر 2019، بحيث قدَّم الدعم للرئيس الحالي، وهاجم المعارضة السياسية[16].
  • ويعتبر توسُّع فاغنر في أفريقيا مدفوعًا بمنطق تجاري أكثر منه سياسي، مع أنه يشمله كذلك؛ فالمكاسب المالية تدفع روسيا إلى تأكيد سياسة خارجية جديدة لها في أفريقيا. وتفيد التقارير بأن شركة فاغنر أضحت تسيطر على المزيد من الحقوق والامتيازات في مجالات متعددة مثل التعدين والنفط[17]، وذلك في مقابل الخدمات التي تقدمها للبلدان الأفريقية، ومنها حماية الأنظمة الحاكمة هناك[18]، وهو ما يسوِّغ وجود فاغنر في البلدان الأفريقية التي تتميز بضعف الحكم الديمقراطي، وارتفاع مؤشرات الفساد حتى تستطيع الحصول على الحقوق والامتيازات بأقل قدر من الرقابة في تلك البلدان.
  • لذلك، فتح النشاط المتزايد للشركة الروسية في دول أفريقيا الباب على مصراعيه أمام جيلٍ ثانٍ من الشركات العسكرية الروسية الخاصة، حيث بدأت شركتان جديدتان هما باتريوت Patriot وسيو Sew للخدمات الأمنية عملياتها في أفريقيا منذ عام 2018[19]، وهو ما يعني أن روسيا تعزز من حضورها الأمني والعسكري بهدف حماية وتعظيم مصالحها ونفوذها في أفريقيا. وقد اعتبر البعض أن صعود شركة فاغنر في أفريقيا واحدٌ من أنجح عمليات الاستخبارات العسكرية الروسية. فقد كشفت صحيفة "الجارديان" البريطانية حصولها على وثائق تشير إلى أن "يفغيني بريغوجين" مَعنيٌّ بمهمة سرية تستهدف تعظيم النفوذ الروسي في أفريقيا، وتستهدف من خلالها موسكو تحويل أفريقيا إلى مركز استراتيجي لمواجهة القوى الدولية، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، ويتحقق ذلك بمساندة الحكومات الأفريقية في مكافحة حركات المعارضة والقضاء على الانتفاضات الموالية للغرب، وهو ما يشير إليه بعض التقارير التي تحدثت عن أن الفضل يرجع إلى شركة فاغنر في انتخاب رئيس مدغشقر الجديد راجولينا، وتقديم الدعم والمشورة للرئيس السوداني السابق البشير حول كيفية القضاء على احتجاجات المعارضة في الخرطوم[20].
  • ومع هذا، يشير البعض إلى محدودية قدرة شركة فاغنر على توفير قدر من الاستقرار في الدول الأفريقية، ومحدودية قدراتها على تعزيز نفوذ روسي قوي بمفردها. فقد جاء بعض المحاولات لتقديم الدعم السياسي ودعم الحملات الانتخابية في بعض البلدان الأفريقية بنتائج عكسية نتيجة الافتقار إلى المعرفة بطبيعة الأوضاع المحلية. فعلى سبيل المثال، حاولت روسيا التدخل في بعض الاستحقاقات الانتخابية في بعض البلدان الأفريقية لصالح بعض المرشحين المفضلين إلا أن النتائج كانت أقل نجاحًا، مثلما حصل في مدغشقر، حيث دعمت روسيا أكثر من مرشح لم يَفُز أيٌّ منهم في الانتخابات[21].

خريطة الانتشار ونقاط التمركز في أفريقيا

  • تنشط فاغنر في عدد من مناطق النزاع في أفريقيا، خاصة في ضوء الطلب الكبير على الأمن فيها[22]. وقد كان لصعودها الكبير في بعض دولها الدافع نحو نشر روسيا لآلاف العناصر التابعة لها في أكثر من 20 دولة أفريقية[23].
  • تتباين درجة وقوة نشاط وانخراط فاغنر في بعض دول القارة بين مستويات خمسة، أعلاها المستوى الخامس ويضم دول السودان ومدغشقر وأفريقيا الوسطى، يليها المستوى الرابع الذي يضم دول جنوب أفريقيا وزيمبابوي وليبيا، بينما يضم المستوى الثالث جنوب السودان، فيما يضم المستوى الثاني دول تشاد والكونغو الديمقراطية وزامبيا، ويشمل المستوى الأول وهو الأقل انخراطًا دول أوغندا وغينيا الاستوائية ومالي ومصر[24]. ويمكن تفصيل خريطة الانتشار وطبيعتها على النحو الآتي:
  1. أفريقيا الوسطى: تعد أولى الدول الأفريقية التي استقبلت قوات فاغنر لمواجهة التنظيمات المتطرفة في البلاد. وتنظر روسيا إليها باعتبارها بوابتها إلى القارة كونها تعد حلقة الوصل بين الشمال العربي المسلم والجنوب المسيحي. وتقوم فاغنر بتدريب الحرس الرئاسي، فضلًا عن مسؤوليتها عن الأمن الشخصي لرئيس البلاد، وكذلك حماية مناجم الذهب والماس التي تحصل على نسبة مئوية من أرباحها كمقابل[25]. ويعمل في بانغي 5 عسكريين و170 مدربًا مدنيًا روسيًا منذ عام 2018 [26]. ولعبت فاغنر - كما يُقال - دورًا في التخلص من السياسيين الموالين لفرنسا في أفريقيا الوسطى بما في ذلك بعض ممثلي البرلمان، ووزير الخارجية الذي أقيل من منصبه في ديسمبر 2018 [27].
  2. ليبيا: نشرت فاغنر في سبتمبر 2019 ما يتراوح بين 800-1200 عنصر من مقاتليها بهدف ترجيح كفة الصراع لصالح الجيش الوطني الليبي، وتعزيز النفوذ الروسي في المنطقة، وضمان لعب روسيا دورًا في أي تسوية مقبلة[28].
  3. السودان: وضعت فاغنر برنامجًا للإصلاح السياسي والاقتصادي يهدف إلى إبقاء البشير في السلطة، وتضمنت خطة لتشويه المتظاهرين ضد نظام البشير وشيطنتهم. ولا يزال عناصر فاغنر في الخرطوم بالرغم من الإطاحة بالبشير. ويقوم عناصر المجموعة منذ يناير 2018 بحماية مناجم الذهب واليورانيوم والماس[29].
  4. موزمبيق: تَعتَمِد على قوات فاغنر في مكافحة التمرد في البلاد. ويشارك 200 عنصر من فاغنر في عمليات مكافحة الإرهاب في منطقة "كابو دلغادو" الغنية بالطاقة في شمال البلاد. كما أن هناك 2700 عنصر يتمركزون على متن سفن حربية روسية قبالة سواحل موزمبيق[30].
  5. مدغشقر: تدخلت فاغنر في الانتخابات الرئاسية من أجل دعم مرشح معين بهدف تعزيز النفوذ والحصول على حقوق وامتيازات التنقيب عن المعادن.
  6. زيمبابوي: تمتلك فاغنر مكتبًا صغيرًا في زيمبابوي يضم 10 أفراد، مع احتمالية زيادة العدد[31]. وقد اتهمت المعارضة في زيمبابوي روسيا بالتدخُّل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في عام 2018 بعد مشاركة بعض الخبراء الروس المرتبطين بشركة فاغنر في الحملة الانتخابية.
  7. أوغندا: تمتلك فاغنر مكتبًا يضم نحو 10 أفراد.
  8. تنزانيا: يقوم الجيش الروسي وقوات فاغنر بتدريب الجيش التنزاني منذ أواخر عام 2018.
  9. جنوب السودان: يوجد نحو 100 فرد من قوات فاغنر في جنوب السودان لتدريب الوحدات الحكومية.
  10. الصومال: افتتحت فاغنر مكتبًا في مقديشو في أبريل 2019 يضم نحو 20 فردًا.
  11. مالي: توجَّه بعض عناصر فاغنر إلى مالي في عام 2019 لمكافحة التمرد والمشاركة في القتال ضد جماعة المرابطون الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش".
  12. إسواتيني: يقوم عناصر فاغنر بتدريب قواتها على الأنظمة الجديدة لأسلحة المشاة التي زودتها بها موسكو في فبراير 2015.
  13. الكونغو الديمقراطية: يوجد نحو 1500 من العسكريين الروس وعناصر فاغنر في البلاد.
  14. جزر القمر: سافر بعض عناصر فاغنر إلى جزر القمر عبر بيلاروسيا في عام 2018 بهدف اختبار ما إذا كان من الممكن تأجيج الخلاف بين باريس وحكومة جزر القمر.
  15. تشاد: تمتلك فاغنر مكتبًا في تشاد يعمل فيه نحو 50 فردًا.
  16. بوروندي: تشارك شركة باتريوت التابعة لشركة فاغنر في بناء قاعدة جوية في بوروندي.
  17. الكاميرون: التقت فاغنر بممثلي الرئيس بول بيا في عام 2018 وعرضت عليهم خدماتها لتوفير المعلومات لحملته الانتخابية، والعمل على تحييد الحركات الاحتجاجية في الشارع وتوفير المعلومات له[32]. كما تقدم التدريب لأجهزة الاستخبارات للمساعدة في الحرب ضد جماعة "بوكو حرام".
  18. بتسوانا: يعمل نحو 20-30 عنصر من فاغنر إلى جانب 100 عسكري روسي بوصفهم مدربين ومستشارين في البلاد.
  19. ليسوتو: يوجد مكتب لشركة فاغنر في البلاد.
  20. غينيا الاستوائية: يشارك حوالي 200 عنصر من فاغنر في حماية مسئولي الاستخبارات العسكرية الروسية في قاعدة التجسس في جزيرة Pico Basile [33].
  21. زامبيا: تشارك فاغنر في البحوث الاجتماعية تمهيدًا للانتخابات المقبلة في عام 2021.
  22. جنوب أفريقيا: خططت فاغنر من خلال خبرائها السياسيين دعم الحزب الحاكم في البلاد خلال الانتخابات الأخيرة في عام 2019.
  23. الكونغو برازفيل: يوجد أكثر من 1000 عنصر في الكونغو برازفيل[34].

الانعكاسات على الدور الروسي في أفريقيا

  • إن الدفع بقوات "فاغنر" إلى أفريقيا يأتي ضمن حملة روسية ممنهجة بهدف كسب النفوذ وتعظيم المصالح الاقتصادية في القارة على نحو ما عرضته قمة سوتشي الروسية الأفريقية في أكتوبر 2019، وتخفيف أثر العقوبات الأمريكية والغربية على روسيا عقب ضم جزيرة القرم[35]. بالإضافة إلى دعم علاقاتها مع الأنظمة الحاكمة في القارة، والتدخل في السياسة الأفريقية والتحريض على الدول الغربية مثل فرنسا، وتأمين الموارد الطبيعية من خلال الاستجابة للمصالح السياسية والاقتصادية للقادة والنخب الأفريقية الحاكمة عبر نشاطات "فاغنر"[36].
  • كما تستهدف موسكو من خلال انتشار مكاتب "فاغنر" في أنحاء أفريقيا خلق واستمالة سلسلة جديدة من النخب الأفريقية ووكلاء النفوذ وشركاء موثوقين من الموالين لروسيا، وذلك في إطار سياسة روسية رامية إلى إحياء ما يعرف بالعالم الروسي الذي يرتكز على الترويج للقوة والثقافة الروسية عالميًا، وانطلاقًا من قارة أفريقيا، في سبيل استعادة المكانة الدولية لروسيا الاتحادية[37].
  • وحيث لا توجد قاعدة عسكرية روسية في قارة أفريقيا، فإن موسكو تستغل "فاغنر" في الانخراط بشكل واسع في العديد من الصراعات المسلحة في أفريقيا، بدلًا من نشر قوات الجيش الروسي، ولضمان عدم المساءلة في الداخل والخارج في ضوء استمرار نفي موسكو أي علاقة تربطها بها، كما أن عناصر "فاغنر" لا يحسبون كأفراد عسكريين بل موظفين في شركة أمنية خاصة[38].
  • وإذ تعد روسيا من أكبر الموردين للأسلحة إلى أفريقيا، فقد وقعت اتفاقيات تعاون عسكري مع أكثر من 21 دولة أفريقية، إضافة إلى بعض الصفقات العسكرية وشراكات التدريب مع 50% من دول القارة. ومن ثمَّ، تُسهِّل هذه الشراكات مع أفريقيا انخراط وتحرك الشركات العسكرية والأمنية الخاصة الروسية في أفريقيا، لاسيما "فاغنر"[39].

الموقفان الأفريقي والدولي

الموقف الأفريقي: هناك قبول لدى بعض القادة الأفارقة بمثل هذا النوع من الدعم الذي تقدمه شركة فاغنر من أجل توطيد سلطتهم وإخماد أي حركات للتمرد والمعارضة كما حصل في السودان إبَّان حكم نظام البشير[40]. كما تستعين بعض الحكومات بها في مواجهة التنظيمات الإرهابية في ظل ضعف قدرات الجيوش العسكرية الأفريقية. وقد أعطى النفوذ السياسي الذي تتمتع به فاغنر وأسعارها الرخيصة مقارنة بنظيراتها من الشركات الأفريقية، لها الأسبقية في اعتماد بعض الحكومات الأفريقية عليها مثل موزمبيق[41].

الولايات المتحدة الأمريكية: تضع واشنطن شركة فاغنر في المرتبة الثانية بعد التنظيمات الإرهابية كتهديد لمصالحها في القارة الأفريقية[42]. وكانت قد فرضت عقوبات عليها في عام 2017 بسبب قتالها في شرق أوكرانيا إلى جانب الانفصاليين المدعومين من موسكو[43].

فرنسا: تحذر فرنسا من الوجود العسكري الروسي المتزايد في الدول الأفريقية، باعتباره يسهم في تأجيج التوترات والصراعات كما في حالة أفريقيا الوسطى. ووجهت باريس اتهامًا لشركة فاغنر في يناير 2019 بسبب ترويجها خطاباً مناهضاً لفرنسا في أفريقيا الوسطى ومنطقة الساحل والصحراء[44].

تأثير وجود شركة فاغنر على أمن واستقرار الدول الأفريقية

  • تزايد أعداد الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في أفريقيا، وهو ما يترتب عليه تضارب المصالح بين تلك الشركات الدولية والأفريقية، وقد يؤدي إلى احتمالية اندلاع حروب خاصة في بعض البلدان الأفريقية[45]
  • احتمالية التورط في انقلابات عسكرية: قد تتورط تلك الشركات في القيام بانقلابات عسكرية على الأنظمة الحاكمة الأفريقية، ففي زيمبابوي تم القبض في عام 2004 على سيمون مان، وهو ضابط سابق في القوات الخاصة البريطانية ومؤسس الشركة العسكرية والأمنية الخاصة Sandline International بتهمة التخطيط للإطاحة بالرئيس أوبيانغ[46].
  • تصاعد النزاعات والصراعات الأفريقية في ضوء انخراط قوات فاغنر في بعض الصراعات الدائرة، وهو ما يمكن أن يترتب عليه تدخل بعض الأطراف الداخلية أو الخارجية؛ مما يؤدي إلى تأزم تلك الصراعات بما ينعكس سلبًا على أمن الدول الأفريقية واستقرارها.
  • ضعف الثقة بين السلطة الحاكمة والمؤسسة العسكرية، وذلك نتيجة اعتماد بعض الحكام الأفارقة على تلك الشركات في الأمن الشخصي وتأمين المواكب الرسمية، وفي محاربة الإرهاب والمتمردين بما يؤدي إلى نشوب خلافات قد تُولّد نوعًا من الاضطرابات الداخلية وربما انقلابات عسكرية.
  • هدم النماذج الديمقراطية في أفريقيا، حيث تقوم تلك الشركات، لاسيما فاغنر، بالتدخل في بعض الانتخابات الأفريقية لدعم الحكام المُفضَّلين لموسكو، والتأثير على توجهات الرأي العام الأفريقي نحو ما يحقق المصالح الروسية دون النظر إلى مصالح الشعوب الأفريقية، وهو ما يمكن أن يترتب عليه استمرار بعض الحكام المستبدين، وخرق القواعد الديمقراطية المتعارف عليها مثل أحكام الدستور.
  • اشتداد التنافس الدولي؛ فنشاط الشركات العسكرية والأمنية الخاصة الروسية في أفريقيا من شأنه تصدير القلق للقوى الدولية تجاه تصاعد النفوذ الروسي في القارة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تحركات مضادة لمواجهة الدور الروسي في الدول الأفريقية واحتمالية الصدام بين القوى الكبرى في سبيل تعزيز النفوذ وحماية المصالح.

مستقبل نفوذ "فاغنر" في أفريقيا

  • تزداد فرص فاغنر في التوسع على نطاق واسع في أفريقيا طالما استمر الاندفاع الروسي الاستراتيجي تجاه القارة من أجل تعزيز النفوذ وتحجيم أدوار القوى الكبرى الأخرى، لاسيما واشنطن وباريس، وهو ما يجعل أفريقيا ساحة مستمرة للتنافس الدولي.
  • من المتوقع أن يوظف القادة الأفارقة شركة فاغنر على نطاق أوسع في المستقبل، ما يعزز من فرص توطيد علاقتها وربطها بالنخب الحاكمة الجديدة في الدول الأفريقية، ومِن ثمَّ تعاظم نفوذها السياسي، الذي ينعكس بالطبع على الدور الروسي في أفريقيا مستقبلًا.
  • تزداد احتمالية عسكرة القارة الأفريقية نتيجة توسع بعض الحكومات الأفريقية في الاعتماد على الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، وهو ما يمكن أن يترتب عليه دخول القارة في مرحلة جديدة من حروب الظل التي تعتمد على القوات الخاصة والمرتزقة والوكلاء. 
  • يسمح نشاط "فاغنر" المتزايد في أفريقيا بزيادة النفوذ الاقتصادي لها من خلال الحصول على المزيد من الحقوق والامتيازات في مجالات متعددة، وخصوصاً التعدين، في الدول الأفريقية الغنية بالموارد.
الهوامش

[1]. Nathaniel Reynolds, Putin’s Not-So-Secret Mercenaries: Patronage, Geopolitics, and the Wagner Group, Washington: Carnegie Endowment for International Peace, July 2019, PP. 10-20.

[2]. Irina Malkova, Anton Baev, A Private Army for the President: The Tale of Evgeny Prigozhin’s Most Delicate Mission, The Bell, 31 January 2019, available at: https://bit.ly/2XuMSH3

[3]. Alex Kassidiaris, The Wagner Group Paradox, Inside Over, 27 December 2019, available at: https://bit.ly/2Xb5KMb

[4]. Gabriella Gricius, Russia’s Wagner Group Quietly Moves into Africa, Russia: Riddle, 11 March 2019, available at: https://bit.ly/3dfEdyM

[5]. Irina Malkova, Ibid.

[6]. Daily Maverick, Russia’s shadow presence in Africa: Wagner group mercenaries in at least 20 countries aim to turn continent into strategic hub, 15 November 2019, available at: https://bit.ly/36w3UbM

[7]. Pjotr Sauer, In Push for Africa, Russia's Wagner Mercenaries Are 'Out of Their Depth' in Mozambique, The Moscow Times, 19 November 2019, available at: https://bit.ly/3daY5D0

[8]. Idem.

[9]. Daily Maverick, Ibid.

[10]. Alex Kassidiaris, Ibid.

[11]. Gabriella Gricius, Ibid.

[12]. Sean Crowley, Wagner in the C.A.R: who blesses the Russian mercenaries down in Africa?, Foreign Policy Research Institute, 27 July 2018, available at: https://bit.ly/36Lv1jm

[13].  Joseph Dana, Russia’s growing influence in Africa, Asia Times, 2 December 2019, available at: https://bit.ly/2A73X1M

[14]. Daily Maverick, Ibid.

[15]. Business Day, How hard is it for entities such as the Wagner Group to sow destabilisation in SA?, 11 December 2019, available at: https://bit.ly/2X6LxHi

[16]. Freeman Spogli Institute for International Studies, Evidence of Russia-Linked Influence Operations in Africa, 30 October 2019, available at: https://stanford.io/36Ddtpn

[17]. Daragh McDowell, Minerals for mercenaries – Russia prioritises profits over long-term influence in Africa, Verisk Maplecroft, 3 February 2020, available at: https://bit.ly/2ZM0zEm

[18]. Sergey Sukhankin, Making War Profitable Again: PMCs as Russia’s “Key” to Africa, Estonia: International Centre for Defence and Security, 17 August 2018, available at: https://bit.ly/2yIvTsq

[19]. Aaron Ross, How Russia moved into Central Africa, Reuters, 17 October 2018, available at: https://bit.ly/3er8fzU

[20]. Daily Maverick, Ibid.

[21]. Daragh McDowell, Ibid.

[22]. AR Global Security, The Wagner Group: An In-Depth Look, available at: https://bit.ly/3esqwN1

[23]. Daily Maverick, Ibid.

[24]. Joséphine Dedet, Russia-Africa: Putin’s continental strategy, The Africa Report, 19 August 2019, available at: https://bit.ly/2M727R3

[25]. Daily Maverick, Ibid.

[26]. Irina Malkova, Ibid.

[27]. Sean Crowley, Ibid.

[28]. Tarek Megerisi, Geostrategic Dimensions of Libya’s Civil War, Washington, Africa Center for Strategic Studies, 18 May 2020, available at: https://bit.ly/2yzgQ43

[29]. Gabriella Gricius, Ibid.

[30]. Daily Maverick, Ibid.

[31]. Daily Maverick, Exclusive: Advance into Africa - an audit of Russia’s growing economic and military footprint on the continent, 15 November 2019, available at: https://bit.ly/2TXEwH5

[32]. Ilya Rozhdestvensky, How Russia interfered in elections in twenty countries, Npoekt, 11 April 2019, available at: https://bit.ly/2B9Mw11

[33]. Daily Maverick, Russia’s shadow presence in Africa: …, Ibid.

[34]. Idem.

[35]. Business Day, Ibid.

[36]. Leslie Minney (and Others), Amid the Central African Republic’s search for peace, Russia steps in. Is China next?, Washington, United States Institute of Peace, 19 December 2019, available at: https://bit.ly/2X5bMhf

[37]. Luke Harding, Jason Burke, Leaked documents reveal Russian effort to exert influence in Africa, The Guardian, 11 June 2019, available at: https://bit.ly/2M7724q

[38]. ANDRÁS RÁCZ, African Comeback, Berlin Policy Journal, 11 March 2020, available at: https://bit.ly/2Xte5K6

[39]. Joseph Dana, Ibid.

[40]. Wagner group spotted. Russia using mercenaries to gain access to African resources – US DoD, Belsat, 8 February 2019, available at: https://bit.ly/3d7jCN0

[41].  Steve Balestrieri, WAGNER GROUP: RUSSIAN MERCENARIES STILL FLOUNDERING IN AFRICA, SOFREP Military Grade Content, 19 April 2020, available at: https://bit.ly/2BeUplX

[42]. Ed Reed, Insurgents shoot down helicopter in Mozambique, Energy Voice, 24 April 2020, available at: https://bit.ly/3c41ySx

[43]. Romina Mcguinness, France WARNING: Russian mercenaries PLOTTING in Africa - ‘We know you!’, 25 January 2019, available at: https://bit.ly/2AgrOfd

[44]. Eric Schmitt and Thomas Gibbons-Neff, Russia Exerts Growing Influence in Africa, Worrying Many in the West, The New York Times, 28 January 2020, available at: https://nyti.ms/36Faf4B

[45]. AR Global Security, Ibid.

[46]. Romina Mcguinness, Ibid.

 

أحدث المواضيع المميزة