تأثير السياسات النفطية للولايات المتحدة وروسيا في مستقبل أسواق النفط

مركز الإمارات للسياسات | 19 مايو 2020

أثّرت السياسات النفطية للدول الكبرى في سوق النفط على شكل السوق واستجابته للمتغيرات المحيطة به، ففي الوقت الذي ساهمت فيه السياسة الروسية في الدخول بحرب أسعار مع السعودية في شهر مارس 2020 بما أدى إلى الهبوط الحاد لأسعار النفط الخام، فإن السياسة الأمريكية غيّرت توجهاتها على المدى القصير في سبيل الحفاظ على صناعة النفط الصخري الأمريكية عبر الدفع نحو وقف حرب الأسعار بين السعودية وروسيا وإتمام اتفاق "أوبك بلس" الجديد، المُبرَم في 12 أبريل. ويدلل ذلك على أن هناك تشابكات كثيرة في المصالح بين هذه الدول، بما أدى إلى وجود اتفاق حول بعض السياسات، بالرغم من التعارض في الأهداف الخاصة بهذه الدول في سوق النفط.

وتتركز أهداف السياسة النفطية الأمريكية في الفترة الأخيرة في منع السعودية أو روسيا من وضع أو تحديد الاستراتيجية النفطية العالمية، وعدم التأثير على صناعة النفط الصخري الأمريكية التي ساهمت في تحقيق الاستقلالية للقرار الأمريكي في سوق النفط عبر تحويلها إلى أكبر منتج عالمي، وتحقيق قدر كبير من الاكتفاء الذاتي؛ في الوقت الذي تتركز فيه أهداف السياسة النفطية الروسية في زيادة الحصة السوقية للنفط الروسي، والحفاظ على الحصص التقليدية مع تحقيق أكبر قدر من الربحية عبر دعم الأسعار، بسبب اعتماد الاقتصاد الروسي على النفط كمورد مهم من موارد دعم الخزانة الروسية، بالإضافة إلى الرغبة في إزاحة النفط الصخري الأمريكي من المنافسة وقطع الطريق عليه في الحصول على حصص سوقية جديدة تؤثر على الحصص السوقية الروسية، وخاصةً أن روسيا التزمت خلال الفترة الأخيرة باتفاق لخفض الإنتاج مع تحالف "أوبك بلس" قلل من حصصها لصالح منتجي النفط الصخري الأمريكي.

في هذا السياق ترصد هذه الورقة محددات السياستَين الروسية والأمريكية تجاه سوق النفط ودرجة مرونتها وتأثيرها، مع رسم خريطة لأهم المؤسسات التي تصنع السياسات النفطية في البلدين، والمسار المستقبلي المتوقع لهذه السياسات وأهم السيناريوهات القابلة للتحقق.

محددات السياسة النفطية الأمريكية في ضوء الأزمة الحالية

يُعتبر النفط أحد الموارد المهمة التي تعتمد عليها الولايات المتحدة الأمريكية في دعم التطور الصناعي والاقتصادي بها، لذا فإن الاقتصاد الأمريكي ومنذ فترة طويلة أصبح حساساً لأي تغير في أسعار النفط أو في كميات إنتاجه، لذلك بدأت الولايات المتحدة في تعديل سياساتها النفطية بما يسمح لها بالتحرك في السوق بدرجة من الاستقلالية عبر توفير قدر كبير من الاحتياطي الاستراتيجي، وتطوير تقنيات إنتاج يمكن أن تزيد من الإنتاج الأمريكي للنفط، وهو ما حدث بالفعل وحوّلها إلى أكبر منتج للنفط في العالم، ومع ذلك فالسياسة الأمريكية في سوق النفط لا تزال ترتبط بعدد من المحددات التي تجلت بشكل أكبر في الأزمة الأخيرة، وهذه المحددات هي:

1. مستوى الاحتياطي الاستراتيجي: أثبتت التجارب السابقة للولايات المتحدة الحاجة إلى تخزين النفط بشكل كبير للاعتماد عليه في وقت الأزمات، ويعتبر الاحتياطي الأمريكي من المحددات التي ترسم شكل سياسة الولايات المتحدة النفطية على مستوى الاستهلاك ومعدلات شراء الخام، وكذا معدلات الإنتاج المتاحة. وقد برزت أهمية الاحتياطي الاستراتيجي حين قرر الرئيس ترمب ملئه بالكامل (حوالي 75 مليون برميل) لسحب طاقة العرض في السوق وتحسين مستويات الأسعار الحالية.[1]

2. مستويات أسعار النفط العالمية: تعمل الولايات المتحدة في الوقت الحالي على الوصول إلى مستوى أسعار يحافظ على صناعة النفط الصخري الأمريكية وفي الوقت نفسه لا يُضر بمستهلكي الطاقة في الولايات المتحدة، وخاصةً مستهلكي البنزين، بما يمثله ذلك كأحد أوراق التحضير لعملية الانتخابات الرئاسية الأمريكية).[2]

3. درجة تأثر صناعة النفط الصخري الأمريكية: أصبح قطاع النفط الصخري الأمريكي من العوامل المهمة التي تتم مراعاتها في سياسة الولايات المتحدة النفطية، وخاصةً بعد أن دعم هذا القطاع الاستقلالية النفطية للولايات المتحدة عبر كميات الإنتاج الكبيرة، لذا فإن هناك حاجة دائماً للحفاظ على مستويات الأسعار العالمية فوق مستوى (40-60 دولاراً) من أجل أن يعمل هذا القطاع بشكل مربح، ويساهم في زيادة نشاط سوق العمل الأمريكي والإنتاج الصناعي كذلك.[3]

4. سلسلة إمدادات النفط: لا تُفضِّل الولايات المتحدة اللجوء إلى الاحتياطي الاستراتيجي إلا في أوقات الأزمات، لذا فإنها تعمل على توفير سلسلة من إمدادات النفط الخام محلياً وعبر الاستيراد من الحلفاء الاستراتيجيين لها، وعلى رأسهم السعودية، بما يضمن وصول النفط الخام اليومي لسد الاستهلاك الأمريكي المتزايد، وفي الوقت نفسه تعمل الولايات المتحدة عبر عدد من الأدوات العسكرية والاقتصادية (كالعقوبات) في تعطيل أو وقف الإمدادات النفطية في مناطق مختلفة في العالم، بما يضمن عدم وصول المعروض النفطي لدرجات أكبر من الطلب بما يؤثر على الأسعار ويُضر بصناعتها من النفط الصخري، إلا أن المعضلة الأمريكية تظل دائماً في العمل داخل نطاق المعادلة النفطية التي تضمن سعراً يناسب صناعة النفط الصخري، وسعراً يناسب مُستهلكي البنزين (كأحد أدوات الضغط في أي انتخابات رئاسية).

5. نسبة مساهمة النفط في مزيج الطاقة بالولايات المتحدة: فقد أدت زيادة الكفاءة في قطاعي السيارات والطاقة إلى زيادات أبطأ من المتوقع في الطلب على النفط، فيما أدى الاستخدام المتكرر للغاز الطبيعي في الإنتاج الصناعي إلى وجود منافس كبير للنفط داخل الولايات المتحدة خاصةً مع الاكتشافات الكبيرة للغاز الصخري خلال العقد الماضي، مما ساهم في تركيز السياسة الأمريكية على الغاز الطبيعي كأحد البدائل التي يمكن أن تنقذها من أزمات سوق النفط.[4]

6. مدى جودة وكفاءة الخامات الأمريكية: حيث إن الإنتاج الأمريكي الكبير لا يعني عدم الحاجة إلى استيراد نوعيات معينة من النفط تكون أكثر كفاءة من غيرها في صناعات محددة، فالسعودية مثلاً توفر واحداً من المصادر القليلة ذات الحجم الكبير لما يسمى الخام الحامض (بما في ذلك الخام العربي الثقيل المعياري)، الذي تحصل عليه الولايات المتحدة، والذي يعد أساسياً لإنتاج الديزل فيها، وهو الغرض الذي لا يفي به نفط خام غرب تكساس الوسيط، بما يجعل هناك حاجة إلى استيراد هذا النوع من النفط.[5]

7. عملية إدارة السياسة النفطية والأهداف الانتخابية: فدائماً ما يرتبط التطور في أسعار النفط والإنتاج الأمريكي منه بالصراع الانتخابي بين الجمهوريّين والديمقراطيين، وآخر ما يرغب فيه أي رئيس أمريكي في سنة الانتخابات الرئاسية هو رفع أسعار الديزل، أو إحداث نقص في الوقود، لكن الأمر هذه المرة مختلف؛ ففي الوقت الذي لا يستفيد فيه كثير من مستهلكي البنزين من انخفاض الأسعار نتيجة للإجراءات الخاصة بمواجهة فيروس كورونا، تتعثر العديد من شركات النفط الصخري بما يجعلها تواجه خطر الإفلاس، وهو ما سيعني الحاجة إلى دعم الدولة لها، إلا أن ذلك يواجه برفض شركات النفط التقليدية الكبيرة التي تحاول أن تدفع في اتجاه إفلاس هذه الشركات للاستحواذ عليها، وكذا رفض الديمقراطيين داخل الكونجرس لأي خطة دعم لهذه الشركات، لذا فإن السابقة هذه المرة أن الانخفاض في أسعار النفط لن يكون في مصلحة الرئيس في الانتخابات كما جرت العادة.[6]

 محددات السياسة النفطية الروسية في ضوء الأزمة الحالية

يعتبر النفط أحد الموارد الأساسية التي تعتمد عليها الخزانة الروسية، حيث تمثل صادرات الطاقة نحو 40% من إيرادات الميزانية الفيدرالية الروسية، لذا فإن روسيا تسعى دائماً للحفاظ على معدلات أسعار مرتفعة، وحصص سوقية متزايدة، إلا أن هناك عدداً من المحددات التي ترسم شكل السياسة النفطية الروسية، وخاصةً بعد خسارتها لحرب الأسعار ضد السعودية، وتأثيرات ذلك على قطاع النفط بها، ومن هذه المحددات الآتي:

1. درجة ارتباط الاقتصاد الروسي بسوق النفط: يتأثر الاقتصاد الروسي بشكل كبير بالتغيرات في سوق النفط العالمي، وهو ما يجعل روسيا أقل مرونة في المراوغة أو القدرة على تغيير سياساتها النفطية بشكل كبير، وذلك لحاجتها إلى الحفاظ على مستويات أسعار تدعم عُملتها المحلية، واقتصادها الذي يرتبط بشكل كبير بسوق النفط والغاز كذلك.[7]

2. حجم  التنافس على الحصص السوقية المتاحة والمستقبلية: فالسياسات الروسية في سوق النفط دائماً ما ترتبط بالمنافسة الدولية على الحصص الخاصة بها، سواء الحالية أو المستقبلية، وهو ما ظهر في أزمة حرب الأسعار الأخيرة، فتوجُّه السعودية نحو بيع الخام الخاص بها في السوق الأوروبية (التي تدخل تقليدياً ضمن الحصص الروسية) بأسعار مخفضة أثّر في القرار الروسي وعاد بها من جديد إلى اتفاق خفض الإنتاج، كما أن المنافسة الأمريكية لروسيا في سوق الغاز الطبيعي المسال المصدر لأوروبا كان أحد الأسباب التي دفعتها إلى خوض حرب الأسعار بهدف التأثير في صناعة النفط الصخري الأمريكية مثلما أثّرت الولايات المتحدة في حصة روسيا في سوق الغاز الأوروبية.[8]

3. حجم التنافس بين أنماط الإنتاج المختلفة ونوعية الإنتاج الروسي: فالإنتاج التقليدي الروسي من النفط يُعزز تنافسية النفط الروسي أمام النفط الصخري الأمريكي مرتفع التكلفة، ما يعني قدرة روسيا على التأثير في الصناعة الأمريكية عبر مستويات أسعار منخفضة، إلا أن ذلك يواجه بعائق أساسي يتمثل في عدم قدرة الاقتصاد الروسي على تحمل مستويات أسعار منخفضة من النفط لفترات طويلة.[9]

4. مصالح الشركات النفطية الروسية الكبرى: فالشركات الروسية الكبيرة، مثل شركة روزنفت وغيرها من الشركات، تمتلك عادة العديد من الاستثمارات في قطاع الطاقة على المستوى الإقليمي والدولي بما يحدد معها توجهات وسياسات روسيا تجاه الدول التي توجد فيها هذه المصالح، وكذا مصالح الشركات النفطية الروسية في سوق النفط الدولي، فحرب الأسعار التي دخلتها روسيا ضد السعودية كانت تفَسَّر بأنها تهدف إلى الانتقام من النفط الصخري الأمريكي للضغط على ترمب لإلغاء العقوبات التي فرضها على الفرع التجاري لشركة "روزنفت" الروسية، وعلى أنبوب غاز "نورد ستريم".[10]

5. مستوى أسعار النفط والتحالفات المحتملة: فمستويات الأسعار التي تحتاجها روسيا كهدف في سوق النفط الدولي يجعلها تدخل في تحالفات دولية ربما مع تكتلات منافسة لها، وهو ما حدث بانضمام روسيا إلى تحالف "أوبك بلس".[11]

درجة مرونة السياسة النفطية الأمريكية

يمكن القول إن مرونة السياسة النفطية الأمريكية في ضوء أزمة السوق حالياً هي مرونة متوسطة، وذلك وفقاً للآتي:

1. يزيد من مرونة السياسة الأمريكية عدد من العوامل، منها امتلاك الولايات المتحدة أوراق ضغط يمكن أن تؤثر بها في سوق النفط بشكل كبير، ومنها النفوذ السياسي الذي ساهم في التوصل إلى إتمام اتفاق "أوبك بلس" في 12 أبريل الماضي، وكذا ورقة الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي الذي قررت الولايات المتحدة ملئه بالكامل لسحب المعروض في سوق النفط، وكذلك التلويح بإمكانية فرض رسوم على واردات روسيا والسعودية النفطية للولايات المتحدة كوسيلة للحد من حرب الأسعار بينهما، أو التلويح بإمكانية فرض عقوبات عليهما، من خلال إقرار حزمة قوانين قد تحِد من قدرة تحالف أوبك وكذا الشركات النفطية الكبرى في السعودية وروسيا وعلى رأسها شركة أرامكو.[12]

2. يحد من مرونة السياسة الأمريكية تجاه سوق النفط عدد من العوامل منها حاجة الولايات المتحدة إلى المحافظة على صناعة النفط الصخري من خلال الحفاظ على مستويات الأسعار عند حدود معينة، وفي الوقت نفسه الحاجة إلى مستويات أسعار منخفضة للبنزين الذي يعتمد عليه المستهلك الأمريكي، بالإضافة إلى الصراع بين عدد من مؤسسات صنع السياسة النفطية الأمريكية لأغراض انتخابية وهو الصراع الدائم بين مؤسسة الرئاسة والكونجرس.

درجة مرونة السياسة النفطية الروسية

تعتبر درجة مرونة السياسة النفطية الروسية ضعيفة وذلك نتيجة للآتي:

1. بالرغم من أن تنوع الاقتصاد الروسي يضيف قدرة لروسيا على الصمود عند أسعار نفط تتراوح مستوياتها عند 40 دولاراً للبرميل، عكس دول نفطية منافسة مثل السعودية التي تحتاج إلى 80 دولاراً للبرميل، إلا أن مستويات الأسعار أدنى من 40 دولاراً يمكن أن تشكل خطراً كبيراً على الاقتصاد الروسي وقيمة العملة الروسية، بما يعني عدم قدرة روسيا على المراوغة في مستويات أقل (وهي المستويات التي تحتاجها مثلاً لإضعاف صناعة النفط الصخري الأمريكي)[13].

2. لا تستطيع روسيا تحمل المنافسة على الحصص السوقية التقليدية لها، وخاصةً السوق الأوروبية التي تعتمد عليها بشكل كبير، وبالتالي أي دخول لمنافسين جدد بها يقلل من قدرة روسيا على المراوغة في أي سياسات نفطية تنتهجها.

خريطة لأهم المؤسسات التي تصنع السياسة النفطية الأمريكية

هناك العديد من المؤسسات التي تساهم في صنع السياسة النفطية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، لكن أهم هذه المؤسسات هي:

1. مؤسسة الرئاسة (المقصود بها الرئيس وسياسات حزبه فيما يتعلق بقطاع الطاقة): حيث تعتبر توجهات الرئيس الأمريكي حاسمةً بشكل كبير في رسم شكل سياسة الولايات المتحدة النفطية، ومثال على ذلك توجهات الرئيس ترمب نحو دعم صناعة النفط الصخري الأمريكي في الوقت الذي يهتم فيه بسعر منخفض للبنزين الأمريكي، مع بناء علاقات قوية مع الحلفاء النفطيين وعلى رأسهم السعودية.

2. الكونجرس الأمريكي: حيث دائماً ما تلعب الحسابات الانتخابية دوراً في توجه الكونجرس تجاه سياسات الطاقة، إلا أن الكونجرس كان له دور في إصدار القوانين التي تحافظ على مصالح الولايات المتحدة في قطاع الطاقة وتدعم قدرات الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي، كما أن الكونجرس حالياً يلوح بورقة قانون يحظر تشكل كتلة للمنتجين والمصدّرين في قطاع النفط، وقد تعاظم الضغط على ترمب حتى يوقِع على ذلك القانون منذ اللحظة التي بدأت  فيها حرب أسعار النفط بين السعودية وروسيا (ولكنه لم يُفعَّل)، وإذا ما أُجيز مثل هذا القانون فإنه سيصبح من غير المشروع تحديد سقف إنتاج النفط (أو الغاز)، أو تحديد الأسعار بشكل مصطنع كما تفعل "أوبك" أو "أوبك بلس" أو السعودية، وسيكون من تبعات سن هذا القانون الإلغاء المباشر للحصانة السيادية التي تتمتع بها مجموعة أوبك وأعضاؤها داخل المحاكم الأمريكية، مما سيعرض دولها للمقاضاة بموجب القوانين الأمريكية.

3. المؤسسات الفنية المعنية: مثل وزارة الطاقة الأمريكية والجهات الفنية التي تقدم التوصيات بشأن سوق النفط وإنتاجه واستهلاكه إلى مؤسسة الرئاسة والكونجرس.

4. المؤسسات الاستشارية والمعلوماتية: مثل وكالة معلومات أمن الطاقة، والمراكز البحثية المعنية بأبحاث الطاقة والتي تقدم توقعات بشأن مستقبل الإنتاج الأمريكي والاستهلاك والسيناريوهات المستقبلية المتوقعة.

5. تحالف شركات النفط الأمريكي التقليدي: وهو التحالف الذي يعمل على توجيه السياسات الأمريكية في صالح الشركات النفطية الكبيرة، وعدم تمرير قوانين لدعم شركات النفط الصخري أو الشركات الكبيرة.

6. تحالف شركات النفط الصخري: وهو التحالف الذي ساهم في استقلالية القرار الأمريكي في سوق النفط، عبر زيادة الإنتاج بشكل هائل، وزيادة معدلات التشغيل والإنتاج الصناعي، لذا تعمل الدولة على حمايته وتطوير العمل في شركاته.

خريطة لأهم المؤسسات التي تصنع السياسة النفطية الروسية

من أهم المؤسسات التي ترسم السياسة النفطية الروسية، الآتي:

1. الرئاسة الروسية: حيث يرسم الرئيس الروسي بشكل كبير شكل سياسة بلاده النفطية بسبب دوره الكبير في مؤسسات صنع القرار الروسية، وهو ما ظهر في حرب الأسعار الأخيرة مع السعودية والقرار الخاص بعدم تجديد اتفاق خفض الإنتاج، ثم العودة من جديد إلى الاتفاق مرة أخرى.[14]

2. لوبي الصناعات النفطية الروسية بقيادة شركة روزنفت الروسية، حيث إن هذه الشركات تساهم في تحديد أولويات السياسة النفطية الروسية، إلا أن الشركات الكبرى في هذا اللوبي عادة ما يكون لها القدرة على التأثير في السياسة النفطية؛ فقد انتقدت شركات النفط الروسية (ما عدا "روزنفت"، أكبر شركة نفط روسية) عدم موافقة الحكومة على مشروع تخفيض إضافي للإنتاج الذي اقترحته دول أوبك وحلفاؤها من المنتجين المستقلين، كما انتقدها خبراء نفطيون وإعلاميون وأساتذة جامعات، نتيجة لاستفادة روسيا من هذا الاتفاق عبر رفع الأسعار، إلا أن هذه المعارضة لم تلق أي استجابة من جانب القيادة الروسية.

3. المؤسسات البحثية والاستشارية: مثل الجامعة الروسية للنفط والغاز وغيرها من مراكز الاستشارات في قطاع الطاقة والتي لا تعتبر بنفس قدرة وحيوية مراكز الطاقة الأمريكية فيما يتعلق بالبيانات والمعلومات الصادرة عنها أو حتى توقعاتها للأسواق ودعمها لصانع القرار.

4. المؤسسات الفنية والتنفيذية: وهي وزارة الطاقة والجهات الفنية المسئولة عن القطاع، ودورها في رسم السياسة النفطية هو دور تنفيذي فقط.

درجة تأثير السياسة النفطية الروسية والأمريكية في الأزمة الحالية

يمكن قياس درجة تأثير كل سياسة في الأزمة الحالية من خلال الآتي:

1. درجة تأثير السياسة الأمريكية في الأزمة

أ. إغراق السوق بإنتاج النفط الصخري الأمريكي وهو ما أدى إلى التقليل من فاعلية اتفاق "أوبك بلس" والدخول محل دول أوبك في الأسواق التي خسرتها بسبب خفض الإنتاج، مما أدى إلى دراسة بعض دول أوبك بلس (وعلى رأسها روسيا) عدم تمديد الاتفاق بسبب الخسائر التي حققتها.

ب. التدخل لإتمام اتفاق أوبك بلس، سواء من خلال النفوذ السياسي للرئيس ترمب والتوسط بين الرئيس الروسي بوتين وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وكذا تحمّل جزء من عملية الخفض الخاصة بالمكسيك من أجل أن توقع على الاتفاق.

ج. سحب عرض النفط من خلال تعبئة كامل الاحتياطي الاستراتيجي، حيث قرر الرئيس ترمب تعبئة حوالي 75 مليون برميل المتبقية في خزانات الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي من أجل تحسين مستوى الأسعار.

د. ضغوط لمعاقبة السعودية وروسيا، حيث خرجت بعض التحليلات التي تؤكد نية الرئيس الأمريكي استخدام كل الخيارات المتاحة لإلزام السعودية بتعويض الولايات المتحدة عن الخسارة المهولة في أسعار النفط[15]، وذلك بعد حرب الأسعار، مع إمكانية فرض رسوم على واردات السعودية من النفط، لأنها أكبر من واردات روسيا للولايات المتحدة. [16]

2. درجة تأثير السياسة الروسية في الأزمة

تتجلي درجة تأثير السياسة النفطية الروسية في الأزمة الأخيرة في الأبعاد التالية:

أ. ساهمت روسيا في البداية في إنجاح تحالف "أوبك بلس" عبر الاتفاق مع السعودية على عمليات الخفض، إلا أن التوجهات الروسية المفاجئة بعد تجديد الاتفاق أشعلت حرباً نفطية ساهمت في تردِّي الأسعار وإحداث شلل في الأسواق.

ب. عادت روسيا إلى تحالف "أوبك بلس" عبر توقيع الاتفاق الجديد الذي من شأنه إحداث انتعاشة (ليست بالكبيرة أو المضمونة) في سوق النفط، إلا أن توجهات السياسة الروسية تجاه السوق ومنتجي النفط الصخري الأمريكي لا تزال مصدرَ قلق لكثير من المحللين الذين يتوقعون عودة روسية إلى ممارسات مشابهة في المستقبل.

سيناريوهات مستقبل أسواق النفط العالمية في ظل السياسات الأمريكية والروسية

السيناريو الأول: انخفاض الأسعار على المدى القصير، وتحسنها على المديين المتوسط والطويل؛ حيث سيستمر انخفاض الطلب على النفط على المدى القصير نتيجة لضعف معدلات النمو الاقتصادي بسبب الأزمة الاقتصادية الناتجة عن جائحة كورونا، مع وجود تخمة في المعروض النفطي مما يؤدي إلى استمرار انخفاض الأسعار، فيما سينخفض العرض بشكل كبير على المديين المتوسط والطويل نتيجة لتراجع الاستثمارات في قطاع النفط، وقيام العديد من مُنتجي النفط الصخري الأمريكي بخفض الإنتاج أو الخروج من السوق نهائياً، وهو أمر سيساهم في تقليص تخمة المعروض النفطي واستعادة توازن سوق النفط بشكل تدريجي، مع وجود تحسن في الطلب نتيجة قيام بعض الدول بفتح مخزوناتها الاستراتيجية لشراء الفائض في المعروض مثل الولايات المتحدة، وتحسن المؤشرات الاقتصادية بما يساهم في تحسين الأسعار نتيجة تحسن الاقتصاد العالمي بشكل تدريجي بعد تخفيف إجراءات الإغلاق وإعادة فتح الأعمال التجارية والصناعية. كما يمكن أن تصل الأسعار إلى مستويات مرتفعة في حال حدث أي تحرك من الكونجرس الأمريكي تجاه دول أوبك، إذ إن ذلك سيُحدث ارتباكاً في سوق النفط بما سيؤثر في مستوى المعروض النفطي من جانب أوبك. ويعتبر هذا السيناريو الأقرب للحدوث، حيث ستحاول الدول النفطية تحسين مستوى الأسعار بالتحكم في العرض، مع إمكانية التنسيق مع الدول المستهلكة لتحسين الطلب بما يحسّن من وضع السوق.

السيناريو الثاني: استمرار تراجع الأسعار على المديين المتوسط والطويل مع إمكانية عودة مشكلة تخمة المعروض على المديين المتوسط والطويل، وذلك بسبب عدد من العوامل مثل احتمالية تدهور حالة الاقتصاد العالمي نتيجة احتمالات وجود موجة ثانية من انتشار فيروس كورونا، والدخول في مرحلة انكماش وكساد وتراجع الاستثمارات العالمية وهو ما سيؤثر في الاستثمارات في قطاع الطاقة، مع إمكانية عدم تجديد اتفاق "أوبك بلس" واتجاه الدول المنتجة للنفط إلى الإنتاج بأقصى طاقة بسبب التحسب لمنافسة مصادر الطاقة النظيفة والطاقة المتجددة للنفط وإمكانية تراجع دوره في مزيج الطاقة العالمي، مما يعني أن الأسعار ستظل في مستويات منخفضة، خاصةً مع توقع معظم شركات النفط أن يبلغ الطلب ذروته بين عامي 2030 و 2035، حيث يتم استبدال سيارات البنزين بالسيارات الكهربائية.

المصادر والهوامش

[1] Petroleum Marketing Monthly, available at: https://www.eia.gov/petroleum/marketing/monthly/pdf/pmmall.pdf, access on: 2-5-2020.

[2] INTERNATIONAL ENERGY OUTLOOK, available at: https://www.eia.gov/outlooks/ieo/pdf/ieo2019.pdf, access on: 2-5-2020.

[3] Weekly U.S. and regional crude oil stocks and working storage capacity, available at: https://www.eia.gov/petroleum/supply/weekly/wcrudeoilstorage_notice.php, access on: 2-5-2020.

[4] SHORT-TERM ENERGY OUTLOOK, available at: https://www.eia.gov/outlooks/steo/pdf/steo_full.pdf, access on: 2-5-2020.

[5] The US isn’t protecting oil supplies from the Middle East, it wants to control prices as foreign policy, available at: https://www.euractiv.com/section/energy/opinion/the-us-isnt-protecting-oil-supplies-from-the-middle-east-it-wants-to-control-prices-as-foreign-policy/, access on: 2-5-2020.

[6] Do COVID-19 and Crude Oil Prices Drive the US Economic Policy Uncertainty?, available at: https://www.researchgate.net/publication/340048324_Do_COVID-19_and_Crude_Oil_Prices_Drive_the_US_Economic_Policy_Uncertainty, access on: 2-5-2020.

[7] Russia Needs a New Strategy for Its Energy Sector, available at: https://www.climatescorecard.org/2020/04/russia-needs-a-new-strategy-for-its-energy-sector/, access on: 2-5-2020.

[8] Russia can reduce oil output by 10% if the U.S. joins cuts, available at: https://www.livemint.com/news/world/russia-can-reduce-oil-output-by-10-if-the-u-s-joins-cuts-report-11586015001153.html, access on: 2-5-2020.

[9] Russia's Energy Czar, Disliked And Feared, Catches Blame As Oil Prices Collapse, Venezuela Deals Crumble, available at: https://www.rferl.org/a/russia-s-energy-czar-disliked-and-feared-catches-blame-as-oil-prices-collapse-venezuela-deals-crumble/30587152.html, access on: 2-5-2020.

[10] Putin concedes defeat in the oil price war, available at: https://atlanticcouncil.org/blogs/new-atlanticist/putin-concedes-defeat-in-the-oil-price-war/, access on: 2-5-2020.

[11] Will OPEC and Russia rescue oil?, available at: https://www.politico.com/newsletters/morning-energy/2020/04/09/will-opec-and-russia-rescue-oil-786736, access on: 2-5-2020.

[12] The world can thank President Trump for the oil deal, available at: https://thehill.com/opinion/energy-environment/493614-the-world-can-thank-president-trump-for-the-oil-deal, access on: 2-5-2020.

[13] Economic Crisis Is No Reason To Push Bad Policy On The Oil Sector, available at: https://www.forbes.com/sites/daneberhart/2020/03/23/economic-crisis-is-no-reason-to-push-bad-policy-on-the-oil-sector/#25c19d5912dd, access on: 2-5-2020.

[14] Russia Is Losing the Oil War—and the Middle East, available at: https://foreignpolicy.com/2020/04/09/russia-saudi-arabia-oil-price-war-middle-east/, access on: 2-5-2020.

[15] Incredibly damaging': US oil lobby chief opposes proposal to have Texas conspire with OPEC, available at: https://www.washingtonexaminer.com/policy/energy/incredibly-damaging-us-oil-lobby-chief-opposes-proposal-to-have-texas-conspire-with-opec, access on: 2-5-2020.

[16] Trump Could Use ‘Nuclear Option’ To Make Saudi Arabia Pay For Oil War, available at: https://oilprice.com/Energy/Energy-General/Trump-Could-Use-Nuclear-Option-To-Make-Saudi-Arabia-Pay-For-Oil-War.html, access on: 2-5-2020.

 

أحدث المواضيع المميزة