مستقبل مسار المفاوضات بين الصومال و"أرض الصومال": الفُرَص والتَّحديات

أحمد عسكر | 29 يونيو 2020

استضافت جيبوتي في 14 يونيو 2020 جولة جديدة من المفاوضات بين حكومتي الصومال وأرض الصومال برعاية إقليمية ودولية بعد انقطاع دام قرابة الخمس سنوات، بهدف تحريك المياه الراكدة والمضي قُدُماً نحو تطبيع العلاقات بين الجانبين، والاتفاق حول بعض الملفات العالقة بينهما، وفي مقدمتها مسألة حصول أرض الصومال على الاستقلال عن الصومال التي ما فتئت ترفض هذا الأمر خوفًا من تداعياته المستقبلية على الداخل، الأمر الذي شكل تحدِّياً أمام نجاح المباحثات في هذه الجولة بالرغم من الاتفاق على عدد من البنود التي يمكن البناء عليها خلال الفترة المقبلة في استمرار الحوار بين الطرفين.

وجاءت جولة المفاوضات الأخيرة تلك في مرحلة فارقة تمر بها الحكومة الصومالية التي تنتظر استحقاقات انتخابية في نهاية العام الجاري. وفي ظل مساعٍ إقليمية ودولية تستهدف دعم الاستقرار الإقليمي وتعظيم مصالحها الاستراتيجية في القرن الأفريقي دونما فوز أي من الطرفين على حساب الآخر. تُلقي هذه الورقة الضوء على موقف الأطراف المحلية والدولية من استئناف المفاوضات، وأهداف الأطراف الفاعلة منها، وفرص وتحديات التوصل لاتفاق بين مقديشو وهرجيسا، وتحاول استشراف مستقبل هذا المسار وانعكاسه على المشهد الجيوسياسي في القرن الأفريقي خلال الفترة المقبلة.

دلالات التوقيت

  • تنتظر الصومال حدثاً مهماً خلال الأشهر القليلة المقبلة وهو انعقاد الانتخابات العامة الصومالية، مما يجعل مسألة تحسين العلاقات بين الحكومة المركزية وإدارة أرض الصومال ورقة انتخابية مهمة في يد الرئيس فرماجو لاسترداد جزء من شعبيته التي تراجعت بفعل سوء التعاطي مع الأزمات الداخلية، خاصة أنه يريد الظهور في مظهر الرئيس التصالحي الذي يرغب في توحيد البلاد، ويحقق وعوده الانتخابية التي أطلقها عقب توليه السلطة في 2017 بتمسكه بخيار الوحدة بين الشمال والجنوب.
  • اُستؤنفت المفاوضات بين مقديشو وهرجيسا في ظل بروز مَساعٍ إثيوبية وجيبوتية واضحة تستهدف تعزيز دورهما الإقليمي وتعظيم مصالح اقتصادية واستراتيجية وتحقيق نجاحات في ملفات إقليمية يمكن استغلالها في الداخل بهدف تعزيز شعبية نظام رئيس الوزراء آبي أحمد التي تضررت بفعل التوترات الإثنية والاضطرابات الداخلية نتيجة قرار الحكومة الإثيوبية بتأجيل الانتخابات البرلمانية لأجل غير مسمى، وتصاعد نشاط المعارضة السياسية ضد نظام الرئيس إسماعيل جيلي في جيبوتي خلال الفترة الأخيرة[1].
  • أُجريَت المفاوضات في ظل ضغوط دولية مستمرة تهدف إلى تطبيع العلاقات بين الصومال وأرض الصومال، ومطالبة واشنطن الحكومة المركزية الصومالية بالتعاون مع الولايات الفيدرالية، وهو ما أفضى إلى إعلان مقديشو اعترافها بحكومة جوبالاند بشكل مؤقت لمدة عامين. وينبغي عدم إغفال التنافس بالوكالة في الصومال، حيث تتلقى أرض الصومال دعماً خليجياً في مواجهة دعم تركي-قطري للحكومة المركزية في مقديشو، وهو ما يُصعِّد من المواجهة بين الطَّرفينِ المحليينِ، مما قد يؤدي إلى انهيار المفاوضات القادمة نظراً لشدة تباين المصالح[2].

الموقف من استئناف المفاوضات

  • رحَّبت الحكومة الفيدرالية الصومالية باستئناف الحوار مع إدارة أرض الصومال، وأعربت عن انفتاح الرئيس فرماجو على كافة الجهود التي تؤدي إلى مفاوضات مثمرة مع أرض الصومال، وأن مثل هذا اللقاء يعكس نهج فرماجو التصالحي في سبيل تدعيم توحيد الدولة الصومالية[3]. إلا أنه في ذات الوقت، أبدت مقديشو رفضها انفصال أرض الصومال خوفاً من انفراط عقد الوحدة الصومالية، كما اعترضت على بعض ما ورد في البيان الختامي للقمة مثل الحديث عن "العلاقات بين البلدين ومصالح الشعبين"، كون المحادثات ليست بين دولتين، قبل أن تتدارك الحكومة الجيبوتية الموقف وتصدر بياناً آخر راعت فيه الشواغل الصومالية[4].
  • لم تُصدِر إدارة أرض الصومال أي بيان رسمي بخصوص اللقاء، وهناك تباين في موقف الأحزاب السياسية في أرض الصومال من الاجتماع الأخير؛ فحزبٌ مُعارِض مثل حزب "وطني" رحَّب باستئناف الحوار والمباحثات بين الطرفين، بينما عارض زعيم حزب "أعد" اللقاء بين فرماجو وبيحي، واعتبر أن التوقيت كان غير مناسب، ورَفَض بدء حوار مع الحكومة الفيدرالية، لأنه - حسب رأيه - يُلحق الضرر بأرض الصومال ويمثل تنصلاً عن الاتفاقيات المبرمة سابقاً[5].
  • عارضت ولاية بونت لاند في شمال شرق الصومال انعقاد هذا الاجتماع، وأبدت عدم تفهمها لأهدافه طالما لم تشارك فيه برغم أنها تتمتع بجوار مباشر مع إقليم أرض الصومال، كما عَبَّرت عن رفضها أية نتائج تتمخض عنها المحادثات بين الجانبين ما دامت ليست جزءًا منها، خاصة بعد تجاهل الحكومة المركزية طلبها المشاركة في الاجتماع، لاسيما أن لديها نزاعاً إقليمياً مع هرجيسا على أجزاء من محافظتي سول وسناغ[6].
  • رحَّب الشركاء الدوليون للصومال[7] بالحوار بين الحكومة الفيدرالية وحكومة أرض الصومال، باعتباره خطوة مهمة في سبيل تعزيز التفاهم وتطبيع العلاقات الثنائية والتواصل، ويُشجِّع اللجنة الفنية المشتركة على تحقيق نتائج مثمرة وملموسة[8].
  • دعمت واشنطن هذا المسار، ورحَّبت بالمحادثات الثنائية بين الحكومة الفيدرالية وإدارة أرض الصومال، ودعت كافة الصوماليين إلى المشاركة في عملية السلام الداخلي[9].
  • وفي المقابل، هناك من رأى أن الاجتماع الأخير يُمثل دعوة لتفكيك الصومال وتقسيمه بهدف وأد الدعوات التي تُطالب بالصومال الكبير الذي يتسع نطاقه الجغرافي ليشمل مناطق تقع تحت سيطرة إثيوبيا وكينيا. وبالتالي، يعتقد أصحاب هذا الرأي أن هناك نية إقليمية خفية للاعتراف الضمني باستقلال أرض الصومال وعلى نحو يسمح بتجنُّب أي خلافات مع الحكومة المركزية. وقد يعزز هذا الطرح ما تضمنه بعض بنود البيان الختامي للاجتماع الأخير الخاصة بعدم تسييس المساعدات التنموية والاستثمارات، بمعنى أحقية أرض الصومال في إبرام الاتفاقيات وجذب الاستثمارات الأجنبية. كما تشير بعض العبارات الواردة في النسخة الأولى من البيان الختامي للاجتماع مثل "استئناف مفاوضات العلاقات بين البلدين" قبل أن يتم تعديلها في النسخة الثانية بعد اعتراض الحكومة الفيدرالية، واستخدام بعض الصحف الإثيوبية عبارة "عملية المصالحة بين البلدين الواقعين في شرق أفريقيا"، إلى أن ذلك يأتي بهدف قياس مدى رضا الرأي العام الصومالي أو رفضه مسألة تسوية الخلافات بالوحدة أو الانفصال[10].

أهداف الأطراف الفاعلة

الحكومة الفيدرالية: هناك اهتمام باستئناف الحوار والمباحثات مع إدارة أرض الصومال، من أجل التأكيد على رفضها التام السماح لأرض الصومال بالاستقلال والاعتراف بها دولةً مستقلةً، وتخفيف وطأة الضغوط السياسية الداخلية التي تواجه الحكومة الصومالية من قبل القوى السياسية والولايات الفيدرالية المُعارِضة. كما أنها تخشى من تداعيات حصول هرجيسا على الاستقلال، وأن أمراً كهذا سيفتح الطريق أمام تعزيز النزعات الانفصالية لدى بعض الولايات الفيدرالية المُعارِضَة. وعلى الصعيد الاقتصادي، من المتوقع أن يؤثر ميناء بربرة عند اكتمال عملية تطويره على الموانئ الصومالية الأخرى سلباً، خاصة أنه سيجذب العديد من القوى والشركات الدولية والمزيد من الاستثمارات الأجنبية. كما أن هناك رغبة لدى الرئيس محمد عبد الله فرماجو في تحقيق انتصار معنوي يُعزز من فرص إعادة انتخابه في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في نهاية عام 2020.

حكومة أرض الصومال: إن الحصول على الاعتراف الدولي هو المسعى الأبدي لحكومات أرض الصومال المتعاقبة منذ 1991، ومع ذلك فقد فشلت في نيل أي اعتراف إقليمي ودولي بكونها دولة ذات سيادة، ولا تزال جميع الدول تعتبرها مقاطعة صومالية لديها دوافع انفصالية. ومن ثمّ، فليس من السهل أن تَقبَل العودة إلى سيادة الصومال، وهدم كافة الجهود التي بذلتها خلال العقود الثلاثة الماضية في سبيل تحقيق الاستقلال التام عن مقديشو. لذلك، ترى هرجيسا في الحكومة المركزية العقبة الرئيسة أمام حصولها على الاستقلال والاعتراف الدولي. كما أنها تُمارس الضغوط عليها من خلال جلب مزيد من الدعم الدولي لها وانتهاج الحصار الاقتصادي ومنع الاستثمارات الأجنبية من الدخول إلى أرض الصومال. ومع ذلك، تقوم أرض الصومال خلال السنوات الأخيرة بعملية حشد إقليمي ودولي من أجل تعزيز موقفها في هذه القضية، وذلك من خلال فتح آفاق تعاون مع القوى الفاعلة في منطقة القرن الأفريقي. كما أنها تحاول تشبيك العلاقات والروابط الاقتصادية والاستراتيجية مع الدول المجاورة مثل إثيوبيا وكينيا وجيبوتي من أجل مساعدتها في نيل الاستقلال عن الصومال مستفيدةً من الأجواء التي تلت انفصال جنوب السودان في عام 2011.

جيبوتي: تحاول لعب دور إقليمي بارز في تعزيز عملية السلام الإقليمي في القرن الأفريقي باستضافتها الاجتماع الأخير بين الطرفين، ورعايتها للمباحثات والاجتماعات بين اللجان الفنية التي تم الاتفاق عليها وفق البيان الختامي للاجتماع. كما أنها تسعى إلى تعزيز علاقتها مع إدارة أرض الصومال بهدف زيادة التعاون في مجال الموانئ البحرية، وحتى لا يؤثر تشغيل ميناء بربرة بالسلب على إيرادات وتشغيل ميناء جيبوتي، وذلك في حال نيل هرجيسا الاستقلال.

إثيوبيا: في تعاملها مع هذا الملف، تُبدي أديس أبابا حساسية شديدة؛ فهي تضغط بهدف التوصل إلى اتفاق بين الطرفين من أجل حماية مصالحها في الصومال ككل، وفي نفس الوقت تمتلك مصالح استراتيجية في أرض الصومال، إذ تأتي ضمن ثلاث دول فتحت قنصليات لها في هرجيسا إلى جانب جيبوتي وتركيا. كما أنها تمتلك حدوداً مشتركة مباشرة مع أرض الصومال التي تمثل حاجزاً لأديس أبابا يحميها من أن تكون هدفاً سهلاً لنشاط حركة شباب المجاهدين. كما يبرز الهدف الاستراتيجي الإثيوبي الأكبر في ربط ميناء بربرة اقتصادياً بإثيوبيا تخوفاً من تحوُّل العلاقات مع جيبوتي مستقبلاً بسبب التقارب الإثيوبي الإريتري، وهو ما برز في حصول أديس أبابا على حصة في الميناء بنسبة 19% في عام 2018 ضمن اتفاقية ضمَّت حكومة أرض الصومال وشركة موانئ دبي العالمية، والذي يعني في رأي بعض المراقبين اعتراف أديس أبابا بأرض الصومال ضمنياً بوصفها دولة مستقلة، ومن ثمَّ، فإن أديس أبابا لا ترغب في إضعاف أرض الصومال من قِبَل الحكومة الفيدرالية في مقديشو، وهو ما دفع الرئيس فرماجو إلى تحذير كافة الدول والشركات الأجنبية من التعدِّي على السيادة الصومالية[11].

فُرَص وتحديات التوصل لاتفاق بين الطرفين

الفُرَص

  • إمكانية تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية في المنطقة، وعلى نحو يَخدِم طموحات التكامل الاقتصادي في القرن الإفريقي، حيث يمثل ميناء بربرة منفذاً بحرياً واعداً لإثيوبيا، نظراً لما يمكن أن يُحققه من فوائد اقتصادية ضخمة لهما مثل خلق فرص عمل للشباب، وتعزيز قطاع السياحة فيهما. كما أنه يسهم في انخراط هرجيسا وأديس أبابا في تجارة متوازنة ويخدم مصالحهما المشتركة، في حال أصبحت أرض الصومال نقطة جذب واعِدة للاستثمارات الأجنبية[12].
  • يمثل الوصول إلى اتفاق بين الصومال وأرض الصومال جزءاً أساسياً من تدابير بناء الثقة الرامية لتعزيز بناء السلام والتنمية في القرن الإفريقي؛ فاستمرار المحادثات بين الطرفين بِحُسْن نية يمثل السبيل الوحيد للمضي قُدُماً من أجل تعزيز الأمن الإقليمي في المنطقة[13].
  • إن التزام الطرفين بالاتفاقات السابقة المبرمة بينهما بشأن بعض القضايا الفرعية يمكن التعويل عليه في التوصل لاتفاق بشأن القضية الرئيسية الخاصة باستقلال أرض الصومال عن الدولة الصومالية، كونه يساعد على بناء جسر من الثقة بينهما.
  • توافر الإرادة السياسية لدى الجانبين، مما يقرب وجهات النظر بينهما بشأن بعض القضايا العالقة، والدفع نحو استمرار جولات التفاوض خلال المرحلة المقبلة برغم فشل الاجتماع الأخير في التوصل لنتائج إيجابية بشأن الاعتراف بأرض الصومال.
  • استمرار مساعي التوافق وجولات التفاوض والحوار بين الطرفين قد يُمثِّل دافعاً قوياً لفتح الحوار بين مقديشو وبعض الولايات الفيدرالية المُعارِضة، خاصة أنها تُشارِك أرض الصومال في المساعي نحو نيل الاستقلال عن الدولة الصومالية.
  • توافر الدعم الإقليمي والدولي لتطبيع العلاقات بين مقديشو وهرجيسا بهدف دعم الاستقرار الداخلي في الصومال، وتعزيز السلامة الإقليمية والتعاون في منطقة القرن الأفريقي.

التحديات

  • تلعب التهديدات الإرهابية المستمرة لحركة الشباب المجاهدين وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في بعض المناطق الصومالية دوراً مهماً في تردِّي الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في البلاد، ويمثل هذا الملف أحد أوراق الضغط الكبيرة التي تستخدمها المعارضة السياسية ضد النظام الحاكم في البلاد، لاسيما أن تلك التهديدات يمكن أن تُعطِّل التوصل إلى اتفاقات بين الحكومة وبعض الولايات الإقليمية المُعارِضة في ضوء استمرار الخلافات بينهما وتوجيه الاتهام بضعف وتراجع دور الحكومة المركزية في استعادة الاستقرار والأمن في عموم البلاد.
  • رَفْض بعض أحزاب المعارضة في أرض الصومال فكرة الحوار مع الحكومة الفيدرالية، وتصاعُد نشاط المعارضة ضد حكومة موسى بيجي من قَبيل ظهور بعض الجبهات المتمردة المسلحة مثل جبهة تحرير عوالي التي أعلنت عن نفسها في أغسطس 2019 في مدينة بورما، فضلًا عن إعلان بعض المجموعات المتمردة الأخرى أيضاً عن نفسها في منطقة لاس أنود بإقليم سول، والتي ترى في موسى بيحي مُحتكراً للسلطة، مُعلِنَةً استعدادها للحرب ضد حكومة أرض الصومال[14].
  • استمرار تمسُّك كل طرف بموقفه بشأن مسألة الانفصال، دون التوصل إلى اتفاق يراعي مصالح كافة الأطراف، وهو ما يُعقِّد المسألة ويقلل من فرص انعقاد جولات أخرى جديدة للتفاوض والحوار بين الجانبين.
  • يُشكل تفشي جائحة "كوفيد-19" تحدياً للطرفين في ضوء تأثر القطاعات الاقتصادية الرئيسة بالوباء وتداعياته في مقديشو وهرجيسا، الأمر الذي قد يُسهِم في تعطيل بعض جولات الحوار المقبلة بينهما[15].
  • وَلَّدَ تسلط الأنظمة الحاكمة السابقة ضد مواطني أرض الصومال ميراثاً تاريخياً سلبياً ضد أي نظام حكم في مقديشو، وبرغم اعتذار الحكومة الفيدرالية عما بَدَرَ من الأنظمة السابقة، إلا أن هذا الإرث لا يزال، بشكل أو بآخر، يؤدي دوراً في إعاقة جهود التوصل لاتفاق بين الطرفين[16].
  • استمرار تدخل الحكومة المركزية في شؤون أرض الصومال، وتعطيل وصول المساعدات التنموية وتنفيذ الاستثمارات الأجنبية فيها، وهو ما عكسه الخلاف بين الطرفين بخصوص ميناء بربرة[17]، وتأكيد إدارة أرض الصومال أنها ليست جزءاً من الصومال[18]، وستواصل العمل مع شركائها الإقليميين والدوليين.

السيناريوهات المحتملة لمستقبل المفاوضات بين الصومال وأرض الصومال

بالرغم من الإعلان عن فشل الاجتماع الأخير الذي احتضنته جيبوتي في التوصل لاتفاق حول القضية الرئيسة بين الطرفين، والمتمثلة في حصول أرض الصومال على الاستقلال، إلا أن آفاق تلك المفاوضات تظل مفتوحة خلال المرحلة المقبلة، ويمكن بلورة أهم السيناريوهات المتعلقة بها على النحو الآتي:

السيناريو الأول، استمرار جولات التفاوض والنجاح في التوصل إلى اتفاق بشأن بعض القضايا الفرعية، مع الاعتراف ضمنياً بأرض الصومال بحكم الواقع وليس بحكم القانون أو وفق اتفاق مبرم بين الجانبين. ويعتبر هذا السيناريو الأقوى والأكثر ترجيحاً حالياً، وذلك بسبب تمسُّك الحكومة الصومالية بوحدة البلاد، وتخوفها من انفراط عقد الدولة الصومالية، فضلًا عن غياب الرغبة الدولية والإقليمية - إلى حدٍّ ما - في زعزعة الاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي.

ويُسهِم في تحقيق هذا السيناريو الدعوات الدولية المستمرة لاستئناف حالة الحوار والتفاوض بين الصومال وأرض الصومال، وحصول الأخيرة على بعض المميزات نتيجة التفاوض، وإرجاء فكرة الحصول على الاستقلال والاعتراف لمرحلة زمنية مقبلة. لكن تحقيق هذا السيناريو سيكون صعباً إذا استمر تعنُّت الطرفين في التوصل لتسوية شاملة، مما يعني انهيار المفاوضات، وتمسُّك أرض الصومال بالحصول على الاستقلال عن الدولة الصومالية.

السيناريو الثاني، حصول أرض الصومال على الاعتراف من الحكومة المركزية الصومالية. ويعد السيناريو الأقل احتمالاً، وذلك بسبب حالة الرفض الشديدة التي تنتهجها حكومة مقديشو بخصوص هذا الشأن، وهو ما ترتب عليه فشل الاجتماع الأخير في جيبوتي، وقد يعزز من احتمالية تعثُّر استئناف المفاوضات خلال الفترة المقبلة، وعدم نجاح أرض الصومال في حشد الدعم الدولي لمساندتها في مطالبها.

وقد يتحقق هذا السيناريو في حالة زادت الضغوط الدولية والإقليمية على حكومة الصومال من أجل الاعتراف بأرض الصومال دولةً مستقلة، ونجاح المفاوضات المقبلة بين الطرفين في فك الارتباط بينهما. لكن ما قد يجعل تحقيق هذا السيناريو أمراً صعباً، استمرار تمسُّك الحكومة المركزية في مقديشو بخيار الوحدة خوفاً من تفكك الدولة الصومالية وصعود نزعات انفصالية أخرى في البلاد. وكذلك فشل أرض الصومال في الحصول على الدعم الدولي للاعتراف بها دولة مستقلة ذات سيادة.

السيناريو الثالث، فشل المفاوضات وتوقفها دون التوصل إلى أية اتفاقات. ويعتبر هذا السيناريو ضعيفاً، وذلك بسبب حالة الترحيب الدولي باستئناف الحوار بين الصومال وأرض الصومال، ورغبة الطرفين في تحقيق نتائج إيجابية من المفاوضات لخدمة غايات وأهداف سياسية واقتصادية مختلفة. أضف إلى ذلك، اتفاق الجانبين خلال الاجتماع الأخير على تكوين لجان مشتركة لاستمرار المباحثات بخصوص القضايا المشتركة.

وقد يتحقق هذا السيناريو في حالة التصعيد من قبل أحد الطرفين، واستمرار تمسكهما بالمواقف التي أدت لفشل اجتماع جيبوتي، فضلًا عن تراجع الإرادة الدولية عن تقديم الدعم في هذا الملف. بينما يصعب تحقيقه في حال تزايد الضغط الدولي والإقليمي على الطرفين، وتوفرت الإرادة السياسية للقيادات المؤثرة في مقديشو وهرجيسا، واستمر عمل اللجان المشتركة التي تمخَّض عنها الاجتماع الأخير بينهما.

التداعيات المحتملة على المشهد الجيوستراتيجي في القرن الأفريقي

ثمة تداعيات محتملة تعكسها التحولات الراهنة في القرن الأفريقي على مساعي إعادة هندسة المعادلة الإقليمية في المنطقة. ففي حالة الوصول إلى اتفاق بين الصومال وأرض الصومال خلال المرحلة المقبلة، فإن ذلك سيمثل سلاحاً ذا حدين؛ فمن ناحية قد يعزز من حالة الاستقرار الإقليمي في القرن الأفريقي بما يحقق المزيد من تدافع الاستثمارات الأجنبية إليها، ومن ناحية أخرى قد يفتح الباب أمام ظهور وتصاعد المزيد من النزعات الانفصالية في بعض دول المنطقة مثل الصومال وإثيوبيا.

أما في حالة عدم التوصل إلى اتفاق نهائي بين الطرفين، فإن هذا سيُنذِر باندلاع صراع بين الحكومة الفيدرالية وحكومة أرض الصومال، واستمرار تردي الأوضاع الصومالية عموماً. كما يُمكِن أن يفتح الباب أمام ظهور خلافات بين الصومال وبعض دول الجوار التي تربطها علاقات جيدة بأرض الصومال، وينعكس سلباً على جهود تعزيز الأمن وبناء الاستقرار في المنطقة.

الخلاصة

  • يمثل حسم قضية أرض الصومال أمراً غاية في الصعوبة، خاصة في هذه المرحلة التي تعاني فيها الدولة الصومالية من عدة تحديات مثل تصاعد الإرهاب واضطرابات الوضع الداخلي، وهو ربما ما يجعل الحكومة الفيدرالية في مقديشو تضطر إلى قبول استقلال هذا الإقليم بحكم الواقع وليس بحكم القانون أو نتيجة لاتفاق، وقد يستمر هذا الحال فترة زمنية طويلة.
  • من الصعب تصوُّر ما قد تُسفِر عنه المفاوضات المقبلة بين الطرفين، خاصة في ظل إصرار أرض الصومال على المطالبة بالاستقلال التام، وتشديد الحكومة في مقديشو، بالمقابل، على مسألة الوحدة الترابية للبلاد.
  • على المدى البعيد، ربما يكون الحل الأمثل بالنسبة لأرض الصومال هو القبول بالاندماج، وفي إطار درجة عالية من الحكم الذاتي، ضمن دولة صومالية اتحادية، إلا أن هرجيسا قد يكون من الصعب عليها أن تَقبَل بذلك.

الهوامش

[1] سعيد معيض، "أضواء على اجتماع رئيسي الصومال وصوماليلاند في جيبوتي"، مركز مقديشو للبحوث والدراسات، 14 يونيو 2020، متاح على: https://bit.ly/2CxGTdJ

[2] Peter Fabricius, Abiy helps Somaliland put more facts on the ground, Pretoria: Institute for Security Studies, 5 June 2020, available at: https://bit.ly/3dpp0dV

[3] "الصومال وأرض الصومال.. العودة إلى مسار المفاوضات"، مركز مقديشو للبحوث والدراسات، 14 يونيو 2020، متاح على: https://bit.ly/3hR4jek

[4] "صدور بيانين ختاميين من المحادثات بين الصومال وأرض الصومال في جيبوتي"، مؤسسة الصومال الجديد للإعلام والبحوث والتنمية، 14 يونيو 2020، متاح على: https://bit.ly/3151a4z

[5] "انقسام في الصومال وأرض الصومال في اللقاء المرتقب بين فرماجو وبيحي"، مؤسسة الصومال الجديد للإعلام والبحوث والتنمية، 14 يونيو 2020، متاح على: https://bit.ly/3hRfYJV

[6] "رئيس بونت لاند يرفض أي نتائج في المفاوضات بين الصومال وأرض الصومال دون إشراك ولايته"، قراءات صومالية، 15 يونيو 2020، متاح على: https://bit.ly/2V7hNJ0

[7] تضم قائمة الشركاء الدوليين، كلاً من: بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم)، وبلجيكا، وكندا، والصين، والدنمارك، وإثيوبيا، والاتحاد الأوروبي، وفنلندا، وفرنسا، وألمانيا، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، وإيرلندا، وإيطاليا، واليابان، وكينيا، وهولندا، والنرويج، والسويد، وسويسرا، وتركيا، وأوغندا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، ومنظمة الأمم المتحدة.

[8] Horn Diplomat, International partners welcome the dialogue between Somalia and Somaliland, 16 June 2020. Available at: https://bit.ly/2NjVwTZ

[9] "الولايات المتحدة ترحب بافتتاح محادثات بين الصومال وأرض الصومال في جيبوتي"، مؤسسة الصومال الجديد للإعلام والبحوث والتنمية، 14 يونيو 2020، متاح على: https://bit.ly/3dnQwbD

[10] "اجتماع جيبوتي التشاوري .. بصيص أمل أم بداية تفكيك للصومال؟"، مؤسسة الصومال الجديد للإعلام والبحوث والتنمية، 16 يونيو 2020، متاح على: https://bit.ly/2VaWx5f

[11] Peter Fabricius, Abiy helps Somaliland put more facts on the ground, op. cit.

[12] Wendimagegn, Berbera Port first phase construction nearing completion, Addis Ababa, Ethiopian Press Agency, 12 June 2020. Available at: https://bit.ly/3eqmTrw

[13] Horn Diplomat, EU praises resumption of dialogue between Somalia and Somaliland, 16 June 2020. Available at: https://bit.ly/3er22Ef

[14] شيفا العفري، "جبهة جديدة في بورما بصوماليلاند تعلن تمردًا مسلحًا ضد الحكومة وتدعو الأجانب إلى الخروج"، صحيفة السلام، جيبوتي، 12 نوفمبر 2019، متاح على: https://bit.ly/2V8xC1Z

[15] Adam Duale Ali, Somaliland and Covid 19: Government Response and Socio-Economic impact, Horn Diplomat, 15 June 2020. Available at: https://bit.ly/2Nn3M5A

[16] Horn Diplomat, Somaliland tells Somalia to keep off DP World work at Berbera Port, 9 June 2020. Available at: https://bit.ly/37VvakD

[17] Somali Dispatch, Somalia Foreign Minister pledges to protect the Country from DP World, 9 June 2020. Available at: https://bit.ly/2NnV86S

[18] Somali Dispatch, Somaliland responds to Somalia’s threats to DP World, 9 June 2020. Available at: https://bit.ly/37QVtsl

 

أحدث المواضيع المميزة