مستقبل القارة الأفريقية في ضوء جائحة كوفيد-19

أحمد عسكر | 11 مايو 2020

يثير انتشار جائحة "كوفيد-19" على نطاق واسع في أفريقيا قدرًا كبيرًا من القلق حول مدى استعداد دولها لمواجهة الوباء، وحول طبيعة وحجم الخسائر التي تتكبَّدها. ويفاقم من هذا القلق أيضًا حجم التحديات التي تواجهها القارة على كافة الأصعدة، لاسيما فيما يتعلق بضعف المنظومة الصحية القارية، وما يمكن أن يترتب على الإخفاق في التصدي للوباء، مما يعظِّم من التكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية قاريًّا، وعلى نحوٍ ينعكس سلبًا على مستقبل القارة الأفريقية، ومستقبل علاقتها بالعالم الخارجي خلال المرحلة المقبلة.

ملامح انتشار الجائحة في أفريقيا: المؤشرات والدلالات

  • ظهرت أول حالة إصابة بجائحة "كوفيد-19" في أفريقيا في 15 فبراير 2020 بعد حوالي شهرين من إعلان الصين أول إصابة بها. وتنتشر الجائحة بسرعة في أفريقيا، فقد تفشَّت في 30 دولة أفريقية في أقل من 30 يومًا، ثم ما لبثت أن توسع نطاقها حتى وصلت إلى 53 دولة باستثناء ليسوتو[1].
  • ارتبطت أولى الحالات المؤكدة بالجائحة بمواطنين أوروبيين، حيث أن "المريض صفر" في أفريقيا كان مواطنًا إيطاليًا سافر إلى نيجيريا[2]، وترتب على ذلك تنشيط سلاسل انتقال العدوى في القارة.
  • وصلت عدد الإصابات في القارة الأفريقية حتى يوم 10 مايو 2020 نحو 62131 حالة (انظر الشكل البياني رقم 1)، وبلغت حالات الوفاة 2257، بينما تماثلت حوالي 21478 حالة للشفاء. وتعد النقاط الساخنة في شمال وغرب وجنوب أفريقيا، حيث تتوزع عدد الإصابات بواقع 22282 حالة في شمال أفريقيا، وتحتل مصر المرتبة الأولى في عدد الإصابات بواقع 9400، بينما أقل عدد إصابات مُسجَّل هو في ليبيا بواقع 64 إصابة. يليها منطقة غرب أفريقيا بواقع 19971 حالة، وتحتل غانا المرتبة الأولى بواقع 4263 حالة تليها مباشرة نيجيريا بواقع 4151، بينما أقل عدد إصابات سجلت في هذا الإقليم هي في موريتانيا بواقع 8 إصابات. وتأتي منطقة الجنوب الأفريقي بواقع 10081 حالة، تتصدرها جنوب أفريقيا بواقع 9420 حالة، بينما لم تسجل ليسوتو أية حالة إصابة حتى الآن. وتليها منطقة شرق أفريقيا بواقع 6955 حالة، وتتصدر فيها جيبوتي عدد الإصابات بواقع 1189 حالة، بينما أقل عدد إصابات في هذا الإقليم الأفريقي سُجِّلَت في جزر القمر بواقع 11 إصابة. وفي منطقة وسط أفريقيا وصل عدد حالات الإصابة إلى 3059 حالة، تتصدرها النيجر بواقع 815 حالة، بينما سُجِّل أقل عدد إصابات في هذا الجزء من القارة في جمهورية أفريقيا الوسطى بواقع 179 حالة[3].

  • تبدو الجهود المبذولة من قبل المنظمات والحكومات الأفريقية لتعزيز قدراتها ضد الوباء مُشجِّعَة إلى حد ما. فقد طبَّق معظم الدول الأفريقية بعض الإجراءات الاحترازية بشكل جزئي أو كلي، واشتملت على فرض قيود على السفر، وإلغاء المئات من الرحلات الدولية، وإغلاق الحدود البرية والجوية، وفرض الحظر المنزلي، وإغلاق مؤسسات التعليم وتعليق التجمعات الدينية[4]. وأنشأت عدد من البلدان الأفريقية مثل غانا ونيجيريا وجنوب أفريقيا، وبوروندي وكينيا ورواندا وحدات اختبار مُتنقِّلة بهدف تكثيف عمليات التشخيص فيها، وهي فكرة اعتمدتها الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي التي تضم 16 دولة[5].
  • أصدر الاتحاد الأفريقي بالتعاون مع المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية، استراتيجية قارية أفريقية مشتركة بهدف الحد من انتشار الوباء وتقليل الأضرار الناتجة عنه، ويتم تنفيذها من خلال فرقة العمل الأفريقية المعنية بالفيروس، ونظام إدارة الأزمات التابع للمركز للسيطرة على الأمراض والوقاية منها[6]. وقد تعززت قدرات القارة واستعدادات أكثر من 43 دولة بفضل دعم منظمة الصحة العالمية[7].
  • واتفقت الدول الأعضاء في مكتب الاتحاد الأفريقي خلال اجتماع عقد في 26 مارس 2020 على إنشاء صندوق أفريقي لمواجهة الوباء، أسهمت فيه بنحو 12.5 مليون دولار كتمويل أولي. وتم التعهُّد بتقديم مبلغ إضافي قدره 4.5 مليارات دولار لدعم عمل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أفريقيا[8].
  • سعت الدول الأفريقية إلى تفعيل الاستراتيجية الوقائية بدلًا من الدخول في مرحلة العلاج في ظل محدودية القدرات الأفريقية في قطاع المستشفيات والصحة، فبرز عددٌ من المبادرات الأفريقية، مثل فرق العمل الرئاسية التي تشكلت في عدد من البلدان الأفريقية من بعض خبراء الصحة العامة بهدف توجيه التصدي للجائحة[9].
  • هناك عدد من العوامل الإيجابية التي تتميز بها أفريقيا في معركتها ضد الفيروس مثل متوسط الأعمار (19.4 عامًا)، وهو نصف متوسط الأعمار في أوروبا (40 عامًا)[10]، واستجابة الفيروس لدرجات الحرارة المرتفعة حسب بعض التوقعات[11]. كما تتمتع أفريقيا بخبرة في مواجهة الأمراض المعدية بما في ذلك وباء إيبولا الذي اجتاح غرب أفريقيا في الفترة من 2014-2016[12].
  • إلا أن جائحة "كوفيد-19" كشفت في نفس الوقت بعض الثغرات الخاصة بإدارة الأزمة لدى العديد من البلدان الأفريقية؛ فهناك نقاط ضعف حرجة تشكل تحديات لتدابير الاحتواء والتخفيف من انتشار الوباء، من قبيل اكتظاظ بعض المدن الأفريقية بالسكان مثل لاجوس وكينشاسا (أكثر من 10 ملايين نسمة)، وضعف فرص الحصول على المياه، وسوء مرافق الصرف الصحي والنظم الصحية الهشَّة[13]. فالقارة الأفريقية تشهد أدنى كثافة للأطباء في العالم بواقع طبيب لكل 5000 نسمة في المتوسط، ويمثل متوسط الإنفاق الصحي نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة[14]. كما أن هناك محدودية في عدد أجهزة التنفس الاصطناعي؛ ففي مالي يوجد جهاز تنفس اصطناعي واحد فقط لكل مليون شخص[15]، وهو ما يُثقِل كاهل القارة الأفريقية ويُنذِر بعواقب وخيمة في حال تَفاقُم انتشار الوباء في القارة خلال الفترة المقبلة.
  • وقد تزامن مع تفشي الجائحة انتشار جملة من المعلومات المُضللة في معظم الدول، والتي تؤثر سلبًا على ثقة المواطنين والالتزام بالتوجيهات الحكومية، يتمثل أبرزها في أن الفيروس يؤثر فقط على كبار السن أو المرضى بعلل مُزمِنَة وهو ما ثبت خطأه. كما تم الترويج لعقار "الكلوروكين" بوصفه علاجاً فعالاً ووقائياً ضد الفيروس وهو بالأساس يستخدم علاجاً لمرض الملاريا قبل أن تُسفِر الجرعات الزائدة عن وقوع وفيات في نيجيريا. فضلًا عن أن انتشار مزاعم بأن الفيروس ينتقل عن طريق البعوض، فيما هو في الواقع مرضٌ تنفسي. وزعم البعض أن الطقس الحار يقتل الفيروس، وهذه فرضية غير مؤكدة لا يزال العلماء يدرسون مدى صحتها، في الوقت الذي يبلغ متوسط درجات الحرارة في بعض البلدان الأفريقية التي ظهر فيها أكبر عدد من حالات الإصابة حوالي 40 درجة مئوية[16].
  • ويجتاح فيروس كورونا القارة الأفريقية في الوقت الذي تواجه فيه دولها أعداداً قياسية من حالات النزوح بين السكان. فهناك نحو 25 مليون شخص بين نازح ولاجئ نتيجة للصراعات الدائرة في بعض دول القارة. وبالرغم من أنه لم تَرِد تقارير حول وجود حالات إصابة بكوفيد-19 في مخيمات اللاجئين والنازحين في أفريقيا حتى الآن، إلا أن انتشار الفيروس فيها على الأرجح سيكون سريعًا وعواقبه وخيمة في ضوء ضعف الخدمات الصحية وتعذُّر الوصول إليها في كثير من الأحيان. كما أن القدرة على التباعد الاجتماعي فيها شبه مستحيل[17].

خسائر قارة أفريقيا من "كوفيد-19"

يَفرِض انتشار جائحة "كوفيد-19" في أفريقيا ضغوطًا شديدة على قطاعات الصحة والاقتصاد والأمن؛ فهو يعرض الحياة في أفريقيا والاقتصادات الأفريقية إلى الخطر. كما أن الجهود المبذولة للسيطرة على المرض من المُرجَّح أن تكون تكلفتها هائلة[18].

الآثار السياسية

  • لدى الوباء قدرة على إحداث الفوضى والاضطرابات في الدول الأفريقية الهشة. ومن الممكن أن يؤدي انتشاره إلى الضغط على الاستقرار الاجتماعي في معظم دول القارة، وقد يُسهِم في اندلاع المزيد من الاضطرابات وحركات التمرد، واحتمالية السقوط في براثن الصراعات الأهلية. وبرغم التوقعات بأن العواقب الصحية والاقتصادية ستكون مدمرة، إلا أن العواقب السياسية ربما تكون أكثر تدميرًا[19].
  • ثمة مؤشرات واضحة تُبيِّن استغلال بعض الحكومات الأفريقية والقوى المعارضة لها الجائحة، ومن ثمّ محاولة تسييسها بهدف تحقيق مكاسب ظرفية أو بعيدة المدى. فقد اتخذت الحكومة الإثيوبية قرارًا بتأجيل الانتخابات العامة التي كان مقررًا عقدها في أغسطس 2020 إلى أجل غير مسمى، وهو ما قد ينظر إليه باعتباره طوق نجاة لرئيس الحكومة آبي أحمد في ضوء الاستقطاب السياسي والاضطرابات التي تشهدها البلاد على أساس عرقي. وفي أوغندا، يحاول الرئيس يوري موسيفيني الاستمرار في الحكم إلى أبعد من 2020 بمحاولة إصدار قرار بتأجيل الاستحقاقات الرئاسية في البلاد المقرر لها في 2021 لمدة خمس سنوات من أجل احتواء الفيروس[20].
  • يمثل بعض الإجراءات التي طبقتها بعض الحكومات الأفريقية مصدر تهديد للسلم المجتمعي والاستقرار السياسي في بلدانها؛ فالقرارات المتعلقة بالعفو عن آلاف السجناء للحد من انتشار الفيروس يمكن أن تتسبب في انعدام الأمن بالنسبة للمجتمعات المحلية، وهو ما قد يُنذِر بارتفاع في معدل الجريمة في المدن الأفريقية، خاصة في ظل ضعف أو عدم وجود برامج إصلاحية في معظم السجون الأفريقية[21].
  • تسببت الجائحة في تأجيل المفاوضات الدائرة بين الحكومة السودانية وبعض الحركات والقوى السياسية، والتي كان متوقعًا الانتهاء منها في أبريل 2020، فضلًا عن تعليق المحادثات بشأن أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان[22].
  • لم ينجح تفشي جائحة "كوفيد-19" في إيقاف الصراعات المستمرة في بعض دول القارة. ففي الكاميرون التي تمتلك أكبر عدد من حالات الإصابة بفيروس كورونا حتى 15 أبريل 2020 في منطقتي غرب ووسط أفريقيا، لا يزال الصراع مستمرًا بين المنطقتين الشمالية الغربية والجنوبية الغربية. كذلك الأمر بالنسبة للتنظيمات الإرهابية النشطة في شرق القارة وغربها.

الآثار الاقتصادية

أشار معظم التوقعات إلى أن الاقتصادات الأفريقية تأثرت بشكل سلبي جرَّاء تفشي الجائحة. ويذهب بعضها إلى طرح سيناريوهات قاتمة بشأن مستقبل القارة الأفريقية على هذا الصعيد.

  • فقد طرح الاتحاد الأفريقي سيناريوهين لأزمة كوفيد-19، يتمثل أولاهما في استمرار الوباء حتى شهر يوليو 2020، في حين يذهب السيناريو الثاني إلى استمرار الوباء حتى شهر أغسطس 2020. ويرى الاتحاد الأفريقي أن معدل النمو الاقتصادي في القارة سوف ينخفض ما بين 0.8% و1.1% في الوقت الذي تنبَّأ فيه البنك الأفريقي للتنمية بمعدل نمو مقداره 3.4% لعام 2020، وقدّره البنك الدولي بحوالي 2.9% [23]. ويتوقع الاتحاد الأفريقي أن تشهد القارة انخفاضًا شديدًا في الواردات والصادرات بنسبة 35%، أي ما يقرب من 270 مليار دولار[24]. وأن نحو 20 مليون وظيفة في القطاعين الرسمي وغير الرسمي مُهدَّدة بالانهيار بسبب الجائحة، وقد يصل الرقم إلى 50 مليون وظيفة وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة[25].
  • وثمة مؤشرات أخرى تشير إلى تباطؤ الاقتصاد الأفريقي، حيث ينخفض معدل النمو بشكل حاد من 2.1 إلى -5.1% في عام 2020 [26]، ما قد يُكبِّد الاقتصادات الأفريقية خسارة تتراوح ما بين 90 و200 مليار دولار خلال عام 2020 [27]. فيما قدَّرت اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة في مارس 2020 انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا لعام 2020 من 3.2% إلى 1.8% بسبب تعطُّل سلاسل التوريد العالمية، وصدمات الطلب في قطاعات مثل الطاقة والسياحة والتحويلات المالية، وتباطؤ تدفقات الاستثمار وفقدان الوظائف ونقْص جانب العرض وضغوط التضخم. ففي نيجيريا تشير أسوأ السيناريوهات إلى انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي في البلاد من 2.5% إلى -3.4% في عام 2020 بسبب هبوط أسعار النفط. بينما تذهب المؤشرات في جنوب أفريقيا في حالة تفشي الفيروس إلى حدوث انخفاض في نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى -8.3% [28].
  • فتح الباب أمام الاقتراض من المؤسسات الدولية، إذ تسعى نيجيريا، على سبيل المثال، إلى اقتراض 6.9 مليار دولار من بعض المؤسسات الدولية لتعويض الخسائر الناجمة عن أزمة كوفيد-19 [29].
  • تشير التوقعات إلى تأثر قطاع السياحة في أفريقيا بشكل كبير، في ظل وقف نشاط النقل الجوي، إذ أشار تقرير الاتحاد الأفريقي إلى أن الخسائر في هذا القطاع تتجاوز 50 مليار دولار، بالإضافة إلى فقدان نحو مليوني فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة[30].

الآثار الصحية

  • بالرغم من أن إعلان أبوجا في عام 2001 قد طالب كل الدول الأفريقية بتخصيص ما لا يقل عن 15% من ميزانيتها للرعاية الصحية، إلا أنه لم يلق استجابة تذكر[31]. ففي دراسة أجريت في عام 2016 خلصت إلى أنه من بين البلدان الـ 25 الأكثر عرضة للأمراض المعدية على مستوى العالم، توجد 22 دولة في قارة أفريقيا[32].
  • يشير مؤشر الأمن الصحي العالمي إلى أن هناك 21 دولة أفريقية من أصل 54 دولة مُستعدة إلى حد ما للتصدي لتهديد الجائحة، في حين أن 33 دولة أفريقية غير مُجهَّزة تجهيزًا كاملًا[33]؛ فهناك نحو 2000 جهاز تنفس اصطناعي في 41 دولة أفريقية، و5000 سرير للعناية المركزة في 43 دولة أفريقية[34]، ما يُمثِّل مصدر قلق في ظل ضعف الإمكانيات والتجهيزات.
  • ثمة ترقُّب لارتفاع عدد الوفيات بسبب جائحة "كوفيد-19"، حيث يُرجَح أن تفقد أفريقيا ما بين 300 ألف إلى 3.3 ملايين شخص بسبب الوباء، ما لم تُتخذ التدابير اللازمة لوقف انتشاره[35]. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أنه في حالة فشل التدابير الاحترازية في الحد من انتشار الوباء في أفريقيا؛ سيكون هناك 29-44 مليون أفريقي مُعرَّض لخطر الإصابة بالوباء. وقد تستقبل نظم الرعاية الصحية الأفريقية ما يتراوح بين 3.6 و5.5 مليون شخص، مع احتمالية أن تحتاج 82-167 ألف حالة إلى الأكسجين، وأن يكون هناك بين 52 و107 ألف حالة حرجة قد تتطلب أجهزة التنفس[36].

الآثار الاجتماعية

  • في ظل ضعف الحماية الاجتماعية في معظم الدول الأفريقية، وفي ضوء ارتباط انتشار الوباء بتفاقم التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية، فمن شأن تلك الصعوبات أن تُفضي إلى مزيد من التوترات الاجتماعية، وتُفجِّر حالة من انعدام الأمن في القارة[37].
  • تفاقُم أزمة الأمن الغذائي في القارة في الوقت الذي يعيش فيه مواطن أفريقي من كل ثلاثة تحت خط الفقر العالمي[38]، مع احتمال انكماش الإنتاج الزراعي بين 2.6% و7% في سيناريو متفائل. كما سينخفض استيراد الأغذية بشكل كبير بسبب مزيج من ارتفاع التكلفة وانخفاض الطلب المحلي[39].
  • فقدان الثقة بين المواطنين الأفارقة والحكومات إذا فشلت إجراءاتها في التصدي للجائحة، وهو ما قد يدفع نحو موجة من الغضب الشعبي وحصول بعض الاضطرابات.

الآثار الأمنية

  • لم يَحُل وباء كوفيد-19 دون استمرار نشاط التنظيمات الإرهابية في مناطق التوتر. ففي 24 مارس 2020 استولى عناصر تابعين لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على ميناء في موزمبيق. واستهدفت جماعة بوكو حرام 92 جندياً تشادياً في منطقة بحيرة تشاد. كما تُصعِّد حركة شباب المجاهدين الصومالية من عملياتها ضد القوات العسكرية والأمنية في البلاد[40].
  • تعد قوات الأمن الأكثر عُرضة للإصابة بالفيروس خاصة في ظل الاعتماد عليها في مواجهة الجائحة، وأن الظروف لا تسمح لهم بالتباعد الاجتماعي. كما أن زيادة انتشار الوباء يفرض المزيد من القيود على عمليات بعثات حفظ السلام الأممية في القارة[41].
  • يزيد استخدام القوة المفرطة والعنف في بعض الأحيان من جانب القوات الأمنية من تصدُّع العلاقة بين أجهزة الأمن والمجتمعات الأفريقية الفقيرة التي تضررت بشدة من عمليات الإغلاق وحظر التجول.

تأثير تفاقم أزمة الوباء على علاقة أفريقيا بالنظام الدولي

  • تعد قارة أفريقيا موطنًا للأوبئة، ومن ثمَّ هناك تخوُّف من إمكانية تحولها إلى بؤرة لوباء كوفيد-19 خلال الفترة المقبلة في حالة تفشيه بصورة متسارعة، الأمر الذي سيُغلِق المجال أمام أية تنقلات بين أفريقيا والعالم الخارجي خوفًا من انتقال الفيروس.
  • تحتاج أفريقيا إلى دعم مادي بقيمة 100-200 مليار دولار وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، بهدف مواجهة التحديات الصحية، وتحتاج لأضعافها لتخفيف التداعيات الاقتصادية عليها بسبب وباء "كوفيد-19" [42].
  • تواجه القارة أزمة ديون، وتسعى للتفاوض بشأن تخفيفها أو إلغائها. كما ستضطر إلى مزيد من الاستدانة من المؤسسات والقوى الدولية في ظل العجز عن سداد الديون الخارجية التي تقدر بـ 236 مليار دولار[43].
  • تتسبب جائحة "كوفيد-19" في تعطيل مشروعات البنية التحتية في أفريقيا، خاصة تلك التي تنفذها الصين تحت مظلة مبادرة الحزام والطريق. لذلك، يتوقع أن يتحول اهتمام وموارد الحكومة الصينية عن المبادرة لمواجهة "كوفيد-19" لمدة سنة كاملة على الأقل[44].
  • تأثَّرت حركة الموانئ الأفريقية بشكل كبير نتيجة الإغلاق، وتوقُّف حركة التجارة الدولية مع أفريقيا، حيث سجل ميناء ممباسا الكيني أدنى مستوى من سفن الشحن منذ فبراير 2020، إذ ألغيت 37 عملية وتوقف عمل 104 أرصفة تزامنًا مع تعطيل سلاسل التوريد[45].
  • من شأن وباء "كوفيد-19" إعاقة فرص الاستثمار الأجنبي في القارة، في ظل تضرر قطاعات عدة كالسياحة والتجارة والتعدين وغيرها. كما أن القيود المفروضة على السفر سوف تُقيِّد من حركة وحجم التجارة بين أفريقيا والعالم الخارجي[46].
  • يعد ضعف النظم الصحية في أفريقيا ومحدودية أجهزة التنفس الاصطناعي تحديًّا أمام حكوماتها، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية مساندتها للحد من تفشي وباء "كوفيد-19" في حال تزايد إجمالي حالات الإصابة في القارة.

مستقبل القارة الأفريقية في ضوء تداعيات جائحة "كوفيد-19"

  • يُتوقع أن يمثل الوباء ورقة رابحة في يد الحكومات الأفريقية والمعارضة تسعى لاستغلالها بهدف تحقيق مكاسب سياسية والبقاء في السلطة أو محاولة الوصول إليها، وهو ما يُعرِّض معظم الدول إلى اندلاع اضطرابات وصراعات سياسية في ضوء تكتل التحديات والتداعيات بسبب تفشي "كوفيد-19"، ما يُهدد المشهد السياسي القاري إجمالاً. 
  • لا تشير التوقعات إلى تراجع التحديات الأمنية في قارة أفريقيا؛ فهناك علاقة ارتباطية بين تداعيات تفشي الوباء وزعزعة الاستقرار الأمني في القارة. ولا يبدو أن يكون هناك توقف - ولو مؤقت - للصراعات الدائرة في بعض الدول الأفريقية. وينطبق الأمر على تصاعد نشاط الإرهاب في القارة، الذي يدعمه احتمالية تراجع دور القوات العسكرية والأمنية وقوات بعثات السلام بسبب التخوف من تفشي الوباء بين صفوفها.
  • يبدو الركود الاقتصادي في القارة حتميًا خلال الفترة المقبلة، في ضوء انخفاض أسعار المواد الخام التي تمثل المصدر الرئيس للتصدير في الدول الأفريقية، وتوقف بعض القطاعات بشكل كامل مثل النقل الجوي والسياحة والفندقة والتجارة، ومن هنا فإن الاقتصاد الأفريقي سوف يشهد أزمة سيولة، وتباطؤ في معدلات النمو بشكل ملفت قد يصل إلى نسبة سالبة وفقًا لبعض التقديرات. كما ستشهد القارة تأجيل تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة القارية بسبب قرارات الإغلاق البيني بين دول القارة.
  • بالرغم من تمتُّع أفريقيا بخبرة جيدة في مواجهة الأمراض المتوطنة نظرًا لكونها موطن دائم لها خلال السنوات الماضية، إلا أن القطاع الصحي افتقد التطور اللازم لمواجهة تلك الأوبئة، وربما يستمر هذا الوضع خلال الفترة المقبلة بسبب الركود الاقتصادي المحتمل للاقتصادات الأفريقية. ومن المحتمل أن تواجه أفريقيا انتشاراً واسعاً للفيروس دون إجراء اختبارات وتتبع للوباء، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تحول القارة إلى بؤرة جديدة للوباء.
  • ثمة تداعيات جيوسياسية قد تُسهِم في إعادة تشكيل المعادلة الخاصة بعلاقات أفريقيا مع القوى الدولية، وتغيير المصالح الاستراتيجية لكلٍّ من الطرفين، في ضوء تداعيات وباء "كوفيد-19" على كافة المستويات. فعلى سبيل المثال، هناك احتمالية أن تتخلى الصين عن دعمها لأفريقيا في ضوء أزمتها؛ مما قد يُمهِّد الطريق أمام خلق أدوار وفرص جديدة لقوى جديدة مثل الهند واليابان[47].

نتائج واستنتاجات ختامية

  • لا تزال أفريقيا تواجه معركة شاقة ضد جائحة "كوفيد-19" نظرًا لمواردها المحدودة، وضعف نُظُمها الصحية، وأعباء الأمراض المتوطنة الأخرى، والكثافة الحضرية، والصراعات الأفريقية، ونزوح السكان. ومن المحتمل ارتفاع التكلفة البشرية لجائحة "كوفيد-19" بشكل مباشر أو غير مباشر.
  • تؤكد أزمة "كوفيد-19" ضرورة دمج الأمن الصحي في استراتيجيات الأمن القومي للدول الأفريقية.
  • تتعاظم في ظل هذه الأزمة أهمية التركيز على الاستراتيجية الوقائية أكثر من الاستراتيجية العلاجية للحد من انتشار الفيروس، نظرًا لضعف النظم الصحية واحتمالية تأخُّر اكتشاف علاج للوباء، بحيث أن كبح انتشار الجائحة يتوقف على قدرة أنظمة الصحة العامة الأفريقية، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية. كما أن الأمر يتطلب حماية العاملين في المجال الصحي كأولوية.
  • تبرز أهمية المشاركة المجتمعية وتبادل الثقة بين الحكومات والمجتمعات المحلية كجزء أساسي في طريق القضاء على الجائحة، وذلك بهدف إحداث التغيير السلوكي الذي يُسهِم في مواجهة الأزمة؛ فقد كان ذلك مفتاح احتواء وباء إيبولا في ليبيريا عام 2014.
  • هناك حاجة إلى المساعدة الدولية، إلا أنها قد تكون أبطأ وأقل وفرة مما تحتاجه أفريقيا التي من الممكن أن تكون آخر بؤرة عالمية للوباء.

الهوامش

[1]. Africa Center for Strategic Studies, Coronavirus Spreads through Africa, 5 May 2020, available at: https://bit.ly/2yK80AF

[2]. Giovanni Carbone, Camillo Casola, The Coronavirus Will Hit Africa Hard, Italian Institute for International Political Studies, Rome, 9 April 2020. Available at: https://bit.ly/35ONjQ5

[3]. من إعداد الباحث بناء على البيانات الصادرة عن حالات الإصابة في قارة أفريقيا حتى 9 مايو 2020، من موقع African Arguments وهو متاح على: https://bit.ly/3bnLWcc

[4].  Giovanni Carbone, Ibid.

[5]. Idem.  

[6]. African Union, Africa Joint Continental Strategy for COVID-19 Outbreak, 5 March 2020. Available at: https://bit.ly/3clOqcH

[7]. Giovanni Carbone, Camillo Casola, Ibid.

[8]. Institute for Security Studies, COVID-19: South Africa takes charge at home and on the continent, Pretoria, 22 April 2020, Available at: https://bit.ly/2ztCPcG

[9]. Africa Center for Strategic Studies, Africa Adaptions to the COVID-19 Response, Washington, 15 April 2020, available at: https://bit.ly/3bse7XO

[10]. Ugo Tramballi, I virus dell'Africa, Italian Institute for International Political Studies, Rome, 9 April 2020, Available at: https://bit.ly/3fFi12u

[11]. Idem.

[12]. Shannon Smith, Managing Health and Economic Priorities as the COVID-19 Pandemic Spreads in Africa, Africa Center for Strategic Studies, Washington, 30 March 2020, available at: https://bit.ly/3fD2SPr

[13]. Dr.Essa Abdi Djama, DOES SUB-SAHARAN AFRICA NECESSITATE A UNIQUE RESPONSE TO COVID-19? MORE THAN TEN AFRICAN COUNTRIES HAVE NO VENTILATORS!, Somaliland Chronicle, 28 April 2020. Available at: https://bit.ly/2zpvpr2

[14]. Giovanni Carbone, Camillo Casola, Ibid.

[15]. Philip Obaji (and others), Africa's paradox: It may be the worst and best place to ride out coronavirus, USA Today, 30 March 2020. Available at: https://bit.ly/2zu1Bte

[16]. The Africa Center for Strategic Studies, Five Myths about Coronavirus in Africa, Washington, 27 March 2020, available at: https://bit.ly/2xRjEcB

[17]. Wendy Williams, COVID-19 and Africa’s Displacement Crisis, The Africa Center for Strategic Studies, Washington, 25 March 2020, available at: https://bit.ly/3cndjEO

[18]. Shannon Smith, Op.cit.

[19]. Philip Obaji (and Others), Ibid.

[20]. Judd Devermont, COVID-19 Is an African Political Crisis as Much as a Health and Economic Emergency, Center for Strategic & International Studies, 18 March 2020. Available at: https://bit.ly/2LnMNyZ

[21]. Institute for Security Studies, Towards a regional response to COVID-19 in the Horn, Pretoria, 22 April 2020, available at: https://bit.ly/3ckqtCw

[22]. Idem.

[23]. Institute for Security Studies, COVID-19 compounds security threats in West and Central Africa, Pretoria, 20 April 2020. Available at: https://bit.ly/35ZB17P

[24]. African Union, Ibid.

[25]. Brahima Coulibaly, The G20’s action on debt is an important first step; now for the hard part, The Africa Report, 20 April 2020. Available at: https://bit.ly/3cnCyXw

[26]. African Union, Ibid.

[27].  Kartik Jayaram (and Others), Tackling COVID-19 in Africa, McKinsey& Company, 1 April 2020. Available at:https://mck.co/2SRa8NG

[28].  Idem.

[29]. African Union, Ibid.

[30]. Kartik Jayaram (and Others), Idim.

[31]. Dr. Essa Abdi Djama, Op.cit,.

[32]. Shannon Smith, Op.cit,.

[33]. Chuku Chuku, STEPS TO INOCULATE AFRICAN ECONOMIES AGAINST THE IMPACT OF CORONAVIRUS, Somaliland Chronicle, 28 April 2020. Available at: https://bit.ly/3dvVMuf

[34]. Japhet Biegon, 19 years ago today, African countries vowed to spend 15% on health, African Arguments, 27 April 2020. Available at: https://bit.ly/2YQUGVN

[35]. Shannon Smith, What the Coronavirus means for Africa?, The Africa Center for Strategic Studies, Washington, 4 February 2020, available at: https://bit.ly/35UHQav

[36]. Nicholas Norbrook, Coronavirus: WHO warns of 190,000 deaths in Africa, The Africa Report, 8 May 2020. Available at: https://bit.ly/2WjbdjI

[37]. Giovanni Carbone, Il coronavirus scuote l’Africa, Italian Institute for International Political Studies, Rome, 9 April 2020. Available at: https://bit.ly/2yNPveH

[38]. Shannon Smith, Op.cit,.

[39]. Dr.Essa Abdi Djama, Op.cit,.

[40]. John Cambell, How Jihadi Groups in Africa Will Exploit COVID-19?, Council on Foreign Relations (CFR), 3 April 2020. Available at: https://on.cfr.org/2STbeIW

[41]. John Cambell, Idem.

[42]. Giovanni Carbone, Il coronavirus scuote l’Africa, Italian Institute for International Political Studies, Rome, 9 April 2020. Available at: https://bit.ly/3fIZyT5

[43]. Institute for Security Studies, The African Union’s structures and mechanisms put to the test, Pretoria, 20 April 2020. Available at: https://bit.ly/3fAWjwJ

[44].  Morné van der Merwe (and others), South Africa: The Impact of COVID-19 on Key African Sectors, Global Compliance News, 26 March 2020. Available at: https://bit.ly/3dyncQ1

[45].  Nina Callaghan and Mark Swilling, Covid-19: Economic impact on East and southern Africa, Daily Maverick, 27 March 2020. Available at: https://bit.ly/2xRk0jr

[46]. Sergio Carciotto, COVID-19 could stall Africa’s integration agenda, Pretoria, 29 April 2020. Available at: https://bit.ly/2Lf30Xm

[47]. John Cambell, How Jihadi Groups in Africa Will Exploit COVID-19?, Council on Foreign Relations (CFR), 3 April 2020. Available at: https://on.cfr.org/3fA0pFj

 

أحدث المواضيع المميزة