مستقبل الوجود الإيراني في سوريا

د. نزار عبد القادر | 24 فبراير 2021

بدأت إيران تدخلها العسكري في سوريا مع اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011، وكان الهدف الأساسي لهذا التدخل دحر الثورة وإنقاذ حكم بشار الأسد من السقوط، وبالتالي الحفاظ على" الحكم العلوي" الذي يشكّل نقطة محورية في استراتيجية الجمهورية الإسلامية البعيدة المدى، والهادفة إلى انشاء "هلال شيعي" يمتد من إيران عبر العراق وسوريا، وصولاً إلى لبنان[1].

وبعد عقد كامل على التطورات العسكرية التي شهدتها سوريا، تسعى هذه الورقة إلى استشراف مستقبل الوجود العسكري الإيراني في هذا البلد، في ظل التنافس الشديد على النفوذ الدائر بين مختلف اللاعبين الإقليميين والدوليين وخصوصاً أمريكا وروسيا، وفي ظل الضغوط العسكرية الإسرائيلية المستمرة على الوجود الإيراني لإخراجه من سوريا.

واقع وطبيعة الوجود الإيراني في سوريا

فتحت الحرب الأهلية في سوريا الباب واسعاً أمام تدخُّل إيران عسكرياً لنصرة حليفها بشار الأسد، وفي شكل يُمكّنها من تأمين ممر واسع يمُدّ نفوذها إلى الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط، والوصول كذلك إلى الحدود الإسرائيلية. وقد عززت إيران قدراتها العسكرية داخل سوريا من خلال تدخُّل حزب الله وميليشيات أخرى استقدمتها من باكستان وأفغانستان والعراق عُرِفَت بلواء "الفاطميون"، ولواء "الزينبيون". وبمرور الوقت نجحت إيران في الوجود عسكرياً على مقربة من خط الفصل في الجولان المحتل.

اعتمدت إيران مقاربات مختلفة لزيادة حجم وجودها العسكري ونفوذها في سوريا. وكانت المقاربة الأولى تركز على العمل مباشرة مع ميليشيات أجنبية، وتشكيل ميليشيات محلية موالية. وتركزت المقاربة الثانية على ضمّ الميليشيات التي شكلتها محلياً إلى التشكيلات العسكرية التابعة لنظام الأسد وأجهزته الأمنية، وذلك من أجل إعطائهم وضعاً شرعياً من جهة، وتأمين مظلة واقية لهم من عمليات قصف إسرائيلية أو أمريكية محتملة من جهة ثانية[2]. وبلغ عديد الحرس الثوري والميليشيات المذكورة وحزب الله في عام 2016 نحو 80.000 ألف مقاتل في ذروة الحرب، وقارب عديد الحرس الثوري 3000 ضابط وجندي[3].

بعد الانتصارات العسكرية التي تلت معركة حلب، ونجاح نظام الأسد في مدّ سيطرته على معظم الأراضي السورية، اعتمدت قيادة الحرس الثوري استراتيجية جديدة متعددة الأهداف، تركّز الهدف الأول فيها على التهيئة لإقامة وجود عسكري دائم "لقوة القدس" وللميليشيات التابعة لها. وقضت الخطة الإيرانية بإنشاء بنى تحتية أساسية تضم مراكز قيادات، ومجموعة من غرف العمليات وقواطع السيطرة المناطقية، ووحدات استطلاع وجمع المعلومات، وفوج للطائرات المسيّرة مع مدرج، ومخازن للأسلحة الثقيلة والصواريخ وغيرها من المنشآت اللوجستية. أما الهدف الثاني فتركَّز على إنشاء مصانع لتطوير الصواريخ وصيانتها، وقضت الخطة بتحويل عدد من هذه الصواريخ إلى صواريخ عالية الدقة وبعيدة المدى.

وشمل الجزء الثالث من هذه الاستراتيجية بناء منشآت لتسهيل وصول وعبور الأسلحة الثقيلة والتموين والأشخاص إلى سوريا عبر الجو والبر، وذلك ببناء قاعدة لوجستية في مطار دمشق الدولي، وفي مطارات أخرى، بالإضافة إلى مخازن ومنشآت تموينية على الممر البري الكائن على الحدود العراقية-السورية في منطقة البو كمال.

الاستراتيجية الإسرائيلية لإخراج إيران من سوريا

رأت القيادة الإسرائيلية أن دخول قوات "فيلق القدس" والميليشيات الشيعية وحزب الله إلى مسرح العمليات السوري يشكل تهديداً مباشراً لأمنها، خصوصاً بعد دخولها إلى المناطق الجنوبية وانتشارها على مقربة من خط الفصل في منطقة الجولان. وكانت إسرائيل قد حذرت تكراراً من مغبة تحويل الانتشار الإيراني في سوريا إلى وجود دائم، وحددت مجموعة من المخاطر والخطوط الحمراء، أبرزها:

  1. نشْر قوات إيرانية في سوريا بشكل دائم، وتحت قيادة "فيلق القدس"، يشكّل تهديداً مباشراً لأمنها.
  2. زيادة شحنات الصواريخ الدقيقة والبعيدة المدى إلى حزب الله عبر سوريا، يشكل تهديداً كبيراً للأمن الإسرائيلي، وخصوصاً لمنشآتها الحيوية والدفاعية، وللمدن الإسرائيلية.
  3. تسعى إيران إلى تحويل قواتها والميليشيات الشيعية إلى قوات قادرة على خوض حرب برّية ضد القوات الإسرائيلية المتمركزة على جبهة الجولان وجنوب لبنان.
  4. سيطرة إيران على معبر "البوكمال" على الحدود السورية-العراقية تشكل تهديداً جديداً، حيث يسرّع عملية نقل الأسلحة الثقيلة براً إلى سوريا.

وكانت إسرائيل قد أبلغت نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ومختلف الأفرقاء المشاركين في الحرب بهذه التهديدات والخطوط الحمراء المتصلة بها، ويبدو أن القيادات الايرانية لم تأخذ التحذيرات الإسرائيلية على محمل الجد، كما أنها لم تلتزم بالاقتراح الروسي بسحب قواتها إلى بعد 85 كيلومتراً من خط الجولان.

وبدا واضحاً أن التدخل الايراني في سوريا منذ عام 2011، تطوَّر من حرب بالوكالة، إلى حرب مباشرة ما بين إيران وإسرائيل، واتخذت المواجهة بينهما منذ بدايات عام 2018 مساراً تصعيدياً خطيراً، إثر قيام إسرائيل برفع وتيرة هجماتها على القواعد والقوات الإيرانية وعمليات نقل الأسلحة لحزب الله اللبناني في مناطق مختلفة من سوريا. ومع أن إسرائيل تكتمت عن مسؤوليتها عن تلك الهجمات في البداية، لكنها مع لجوئها إلى تكثيف هجماتها أخذت في الإعلان عنها، ومن ثمّ فقد أعلنت القوات الجوية الإسرائيلية في ديسمبر 2017 عن تنفيذ مائة هجوم جوي داخل سوريا خلال السنوات الست السابقة. وذكرت في سبتمبر 2018 أنها شنَّت 200 هجوم ضد أهداف ايرانية خلال عامي 2017 و2018.[4] كما أعلنت إسرائيل بعد عودة قوات الأسد إلى جنوبي سوريا أنها لن تسمح "لفيلق القدس" وحزب الله بالتمركز في هذه المناطق.

ولم يقتصر رفض إسرائيل للوجود الايراني في هذه المناطق، بل توسّع ليشمل كل سوريا. وفي الفترة الأخيرة، توسعت استراتيجية المواجهة لتبلغ إيران نفسها، وبدا هذا الأمر واضحاً من خلال التفجيرات الغامضة التي حدثت في موقع "ناتنز" النووي في يوليو 2020، والتي رأى العديد من المحللين أنها ناتجة عن عمليات تخريب إسرائيلية. وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد نسبت حينها إلى مصادر مخابراتية قولها إن الانفجار في الموقع النووي في "ناتنز" حصل جراء عمل تخريبي استهدف أجهزة الطرد المركزي، التي أعادت طهران تشغيلها بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي[5].

حدود وقيود الرد الإيراني على الهجمات الإسرائيلية

تجاهلت القيادات الإيرانية الخطوط الإسرائيلية الحمراء كما أشرنا آنفاً، وقررت الاستمرار في إقامة مراكز لها في ضواحي دمشق وفي المناطق الجنوبية القريبة من خط الفصل في الجولان. وردَّت إسرائيل باستهداف هذه المواقع مراراً وتكراراً، مُعلنة أنها لن تسمح لإيران بأن تقيم حدوداً مشتركة مع إسرائيل في سوريا. وقد رفضت إيران المقترح الروسي بإبعاد قواتها عن حدود الجولان مسافة 85 كلم.

وخالف الحرس الثوري الإيراني، من خلال إصراره على التمسُّك بمواقعه في ضواحي دمشق وجنوبها، عقيدته القتالية الأساسية، وخصوصاً مبدأ اعتماد الحرب بالوكالة وتجنُّب المواجهة المباشرة مع قوة عسكرية متفوقة. وهكذا تحولت الثكنات والبنى العسكرية والقواعد والمخازن وقيادات الحرس الثوري إلى أهداف سهلة المنال بالنسبة للطيران الإسرائيلي. وأظهرت نتائج العمليات الإسرائيلية مدى انكشاف القوات والمنشآت الإيرانية. وبسبب ذلك، أضاع الحرس الثوري الإيراني وهجَ الانتصارات الكبيرة التي حققها في معاركه ضد فصائل المعارضة السورية.

ويتشارك مسؤولون في إدارة ترامب السابقة مع محللين إسرائيليين الرأي حول الأسباب التي ساهمت في إضعاف الموقف الإيراني، وأبرزها: العقوبات الأمريكية المُشددة، والضغط العسكري الإسرائيلي على إيران وحلفائها، ومقتل الجنرال قاسم سليماني، وجائحة "كورونا"، بالإضافة إلى المصاعب الاقتصادية والحركات الاحتجاجية داخل إيران. من وجهة النظر الإسرائيلية، باتت إيران تشعر بالضعف والعزلة، ويبدو أنها لن تخرج منها قريباً وفق ما صرّح به وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن يوم 28 يناير الفائت[6].

وكان نفتالي بينيت، أحد السياسيين الإسرائيليين، قد تحدَّث عن اعتماد بلاده "عقيدة الأخطبوط" التي تتضمن شن هجوم ضد منشأة نووية ايرانية، إلى جانب التركيز على الحرس الثوري، وحزب الله والميليشيات الأخرى[7]، وهذا ما يُفسِّر توسيع إسرائيل لمسرح عملياتها وصولاً إلى دير الزور والميادين والبوكمال. وتمثل الهجمات الأخيرة تطوراً بارزاً في استراتيجية الحرب الإسرائيلية، بتخليها عن "حرب الظل" والدخول في حرب مفتوحة مع إيران. ويبقى من اللافت جداً إصرار إيران على الحفاظ على وجودها وانتشارها الواسع في سوريا بالرغم من إدراكها لضعف إمكاناتها وإمكانات النظام السوري على الرد على الهجمات الإسرائيلية، هجومياً أو دفاعياً.

ومن المؤكد أن إيران تُدرك أن الحفاظ على وجودها العسكري الراهن في سوريا سيكون باهظ الأثمان، سواء من ناحية العتاد والأرواح أو البنى الأساسية التي كلفت مليارات الدولارات. وفي تقييم للدوائر الدفاعية في إسرائيل يسود اعتقاد بأن الغارات الإسرائيلية قد أضعفت الوجود العسكري الايراني في سوريا، وأجبرت طهران على سحب عدد كبير من قوات الحرس الثوري التي باتت تعدّ بالمئات بدل الآلاف، وهي تعوّض عن ذلك بتطويع مقاتلين من الشيعة المحليين والأجانب للحلول مكانهم[8].

وفي ظل توقُّع تأخر إدارة بايدن في العودة إلى الاتفاق النووي، وفي ظل التصعيد الحاصل عسكرياً، بالإضافة إلى تداعيات الهجوم على موقع "ناتنز" النووي ومقتل الجنرال قاسم سليماني والعالم النووي محسن فخري زاده، فقد حذّر الجنرال عاموس يادلين المدير الأسبق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية من إمكانية قيام إيران بتنفيذ بعض العمليات ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وذلك للثأر للهجمات الإسرائيلية والأمريكية. ونصح يادلين باتخاذ الاحتياطات اللازمة للحؤول دون ذلك[9]. ووفق ما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال" بتاريخ 21 يناير 2021، توقَّع الوزير الإسرائيلي تزاحي هنيكبي أن تستمر الهجمات الإسرائيلية ضد الوجود الايراني في سوريا في ظل إدارة بايدن "انطلاقاً من حقيقة أن اقتلاع الوجود الايراني من سوريا يشكّل مصلحة مشتركة للطرفين".

الموقفان الروسي والأمريكي

1. الموقف الروسي

 جاء تدخل روسيا في سوريا بطلب من الرئيس الأسد، وبرجاء وتشجيع إيرانيين بعد أن زارها الجنرال قاسم سليماني ليشرح للقيادة الروسية خطورة الموقف، ويحضها على التدخل لإنقاذ سلطة الأسد من الانهيار. ومنذ سبتمبر 2015 وحتى اليوم تراوحت العلاقات بين روسيا وإيران ما بين التعاون والخصومة، وذلك بسبب اختلاف المصالح والأهداف بينهما حول مختلف القضايا الاقليمية والدولية. ولكن لم تمنع التناقضات بينهما من تحقيق نتائج عسكرية باهرة.

ولم يعد سراً اليوم أن إيران تشكّل منافساً إقليمياً لروسيا، وخصماً أساسياً لكل من الولايات المتحدة وحلفائها، وعدواً لإسرائيل. وتدرك موسكو جيداً أن أجواء التوتر والعداء مرشحة للتنامي طالما بقيت إيران في سوريا. كما تدرك روسيا أيضاً تعقيدات الوضع العسكري الراهن في سوريا مع انتشار عدة جيوش على الأرض، ويفرض عليها ذلك ابتكار أساليب جديدة للتعامل مع حلفائها وخصومها، ومن ضمنهم إيران وإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة والأكراد، وما تبقّى من فصائل المعارضة السورية.

وترى روسيا أنه لا يمكن توقُّع انسحاب إيران من سوريا في المدى القريب، وذلك بسبب الاستثمارات الإيرانية الكبيرة في سوريا، والتي بدأت منذ عام 1979، وبلغت ذروتها خلال فترة الحرب، حيث تقدّر ما بين 90 و100 مليار دولار، وتتراوح الديون الرسمية ما بين خمسة وسبعة مليارات. أما على صعيد الخسائر بالأرواح فتقدّر خسائر فيلق القدس بمئات القتلى، وخسائر الميليشيات الشيعية وحزب الله بعدة آلاف، وفي المقابل لا تتعدى الديون الروسية 4 مليارات دولار، فيما الخسائر بالأرواح تبقى محدودة جداً[10].

ولم تبلُغ الخلافات وتعارُض المصالح بين روسيا وإيران مستوى الأزمة المعلنة حتى الآن، ولكن ظهرَ بعض التداعيات، التي يمكن إيجازها بالآتي:

أولاً، مع بداية التدخل الروسي تراجع الدور الايراني كحليف لنظام الأسد، حيث تحوّلت روسيا إلى الحليف الأساسي بعد أن نجحت في تغيير الوضع العسكري، بحيث استعادت دمشق السيطرة على معظم البلاد باستثناء محافظة إدلب.

ثانياً، واجهت العلاقات الروسية-الايرانية وضعاً متأزماً أثناء معركة حلب بعد سماح روسيا لتركيا بإخلاء المدنيين والمقاتلين من شرقي حلب، وذلك في نهاية 2016، وقد رفضت إيران هذا الاتفاق لأنها كانت تسعى إلى تحقيق انتصار عسكري حاسم في حلب. وظهرت أيضاً حالة من التناقض بين الموقفين عندما دعت موسكو المملكة العربية السعودية للمشاركة في المفاوضات السياسية للبحث عن حل للأزمة السورية، إذ رأت طهران أنّ مثل هذه الدعوة تتعارض كلياً مع مصالحها الاستراتيجية.

ثالثاً، حدَث تعارض قوي بين الطرفين في بداية مفاوضات أستانة، حيث سعت طهران للثأر من واشنطن بإبعادها عن المفاوضات، في الوقت الذي سعت فيه موسكو لإشراك الولايات المتحدة كعضو مراقب.

رابعاً، شكّل توافق موسكو وأنقرة في سوتشي على خطة مشتركة لضبط الوضع في إدلب (دون مشاركة إيران) نقطة خلاف كبيرة بين موسكو وطهران.

واللافت أن الحرب الجارية بين تل أبيب وطهران لا تثير الهواجس لدى موسكو طالما أنّ إسرائيل لا تتعمّد الاضرار بالمصالح الروسية، لكن يبدو واضحاً أنّ التنافس بين موسكو وطهران يتزايد، إذ يسعى كلٌّ منهما لتأكيد دوره في تقرير مصير سوريا، وهذا ما يدفع للاعتقاد بأنّ هذه العلاقات ستكون مُعرَّضة للتدهور في المستقبل. وفي الوقت نفسه، يبدو أن موسكو مستمرة في حوارها مع تل أبيب من أجل البحث في إمكانية ترتيب اتفاق بين إسرائيل والرئيس الأسد من أجل تخفيف الضغط عليه وتعويمه من خلال وساطة تقوم بها تل أبيب مع إدارة بايدن. وسيؤدي تطور كهذا بالتأكيد إلى الإضرار بعلاقات إيران مع النظام السوري، وسيدفع إلى التساؤل حول مستقبل الوجود الإيراني في سوريا.

 2. الموقف الأمريكي

كان هدف التدخل الأمريكي في سوريا محاربة تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام، وكانت نقطة الانطلاق من مدينة كوباني في عام 2014. وتابعت واشنطن تدخلها لدحر "داعش" في الرقة ودير الزور وبقية المناطق في شمال شرق سوريا، وشكلت وحدات حماية الشعب الكردي القوة البرية الأساسية في هذه المعركة كحليف للأمريكيين.

ومع تعذُّر التوصل إلى حل كل التناقضات والمشاكل التي نتجت عن الحرب، بما فيها إيجاد حلّ سياسي وعودة اللاجئين وإعادة اعمار سوريا، وعلى نحوٍ يؤشر إلى بقاء سوريا مقسمة بين مختلف القوى المنتشرة على أراضيها، فإن هذا الواقع دفع واشنطن للإبقاء على وجودها العسكري في "التنف"، وفي المناطق الشمالية-الشرقية، وإلى ربط انسحابها بانسحاب القوات الايرانية. وينطلق هذا الموقف الأمريكي من مسلمة أنه لا يمكن القبول باستبدال المتطرفين السنة بمتطرفين من الشيعة؛ فالتطرف الشيعي بالنسبة للأمريكيين هو بنفس خطورة التطرف السني. وتؤكد واشنطن على أن بقاءها في سوريا يصبّ في خدمة مصالحها ومصالح حلفائها، كما يحقق الاستقرار في المنطقة.

وقد عانت إيران الكثير من السياسات التي اتبعها الرئيس دونالد ترامب، وخصوصاً من جراء مفاعيل نظام العقوبات "والضغوط القصوى" التي فرضها ضدها بعد إعلانه الخروج من الاتفاق النووي، وهذا ما دفعها إلى اعتماد سياسة الصبر والمراهنة على سقوط ترامب في الانتخابات الرئاسية في ظل إعلان منافسه جو بايدن عن استعداده للعودة إلى الاتفاق النووي. وبعد تسلُّم بايدن الرئاسة، وإطلاق عجلة العمل لإدارته الجديدة، بدت إيران مستعجلة لرفع العقوبات الأمريكية عنها قبل الدخول في أية مفاوضات جديدة. لكن يبدو أن الولايات المتحدة تصرّ وتلحّ على ضرورة عودة إيران عن كل الخروقات التي ارتكبتها لبنود الاتفاق النووي الأساسي قبل الدخول معها في أية عملية تفاوضية جديدة.

وكان اللافت في السياسة الأمريكية الجديدة بدء واشنطن محادثات مع حلفائها في المنطقة لتنسيق المواقف حول كامل الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، بما في ذلك مستقبل المشروع النووي والصواريخ الباليستية الإيرانية، وصولاً إلى استراتيجية إيران وسلوكيتها تجاه دول الجوار ومحاولتها السيطرة على أربع دول هي: اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان. ويبدو واضحاً أن إسرائيل إلى جانب استمرارها في الضغط العسكري على الوجود الإيراني في سوريا، فإنها تمارس الضغوط على واشنطن لإقناعها بوجهة نظرها بضرورة العمل من أجل التوصل لوقف كامل للبرنامج النووي والصاروخي الإيراني. وفي نفس السياق، تسعى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات إلى تصحيح الخطأ الذي ارتكبته إدارة أوباما بإبعادها عن المفاوضات النووية مع إيران، وهي تتوقع بالتالي تنسيقاً مستمراً مع إدارة بايدن في المفاوضات المقبلة، وتفيد المعلومات المتوافرة عن اتصالات شرعت فيها الأطراف لتنسيق المواقف.

مستقبل الوجود الإيراني في سوريا

يفترض أن تعيد إيران تقييم استراتيجيتها في سوريا لتواجه بواقعية المتغيرات الإقليمية والدولية التي طرأت خلال العام المنصرم، بحيث تتوافق مع ضرورات المواجهة مع منافسيها وخصومها، وتفعّل عمليات التنسيق مع حلفائها، إذا كانت راغبة فعلياً في الحفاظ على وجودها في سوريا.

وتواجه إيران حالياً وضعاً خطيراً في ظل التصعيد العسكري الإسرائيلي المستمر، في وقتٍ تبدو إيران مترددة وخائفة من تداعيات مواجهة الهجمات الإسرائيلية باللجوء إلى استعمال قدراتها الصاروخية البعيدة المدى، والقادرة على تحقيق إصابات دقيقة ضد الأهداف الإسرائيلية الحساسة. ويؤشر هذا التردد إلى مخاوف إيران من الانزلاق إلى حرب واسعة مع إسرائيل، مع احتمال توسُّع مسرح العمليات وتدخل الولايات المتحدة في الصراع.

وتعلَم القيادة الإيرانية أنّ انتشارها على جبهة واسعة تمتد من الخليج إلى سوريا لا يسمح لها بحشد ما يلزم من قوى عسكرية لخوض معركة متكافئة، سواء في سوريا أو على المستوى الإقليمي، مع ما سيترتب على ذلك من تداعيات في داخل إيران نفسها.

وفي إطار استشراف مستقبل الوجود العسكري الإيراني في سوريا، يمكن تصوّر السيناريوهات الآتية:

السيناريو الأول، يفترِض اتجاه إسرائيل إلى تكثيف هجماتها ضد القواعد والقوات الإيرانية والمليشيات الأجنبية التابعة لها، في ظل استمرار التواطؤ الروسي-الإسرائيلي، وعجْز النظام السوري عن المساعدة في الحد ممن نتائجها، فتُقرر إيران سحب "فيلق القدس" والإبقاء على عدد محدود من المستشارين، ووضع ميليشياتها الشيعية في تصرُّف القيادة السورية وإشرافها.

السيناريو الثاني، يفترض التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة حول الاتفاق النووي، مع التوافق على دور جديد لإيران في المنطقة تلتزم فيه طهران بروزنامة زمنية لسحب "فيلق القدس" والميليشيات الشيعية من سوريا، مع الحفاظ على استثماراتها الاقتصادية في هذا البلد.

السيناريو الثالث، وفيه ترفض إيران أية مساومة على وجودها في سوريا، وذلك انطلاقاً من التكاليف الباهظة التي دفعتها في الحرب، وتقرر ركوب مغامرة الإبقاء على وجودها العسكري، ومواجهة احتمال الدخول في حرب مفتوحة مع خصومها هناك، ولاسيما إسرائيل.

وفي الواقع، لا يزال من المبكر المُفاضَلة بين هذه السيناريوهات أو ترجيح أحدها؛ فالأمر بات يرتبط بمسار المفاوضات المقبلة مع واشنطن، خصوصاً فيما يعود لمطالب إسرائيل والدول الخليجية، والتي تريد وقفاً كاملاً للبرنامج النووي الإيراني، وتغيير السلوك الإيراني التوسعي تجاه دول المنطقة، وسحب ميليشياتها وحرسها الثوري من مناطق التدخل الراهنة الممتدة من اليمن، وعبر العراق وسوريا إلى لبنان.

استنتاجات وتوقعات

  • من المتوقع أن تبقى سوريا مقسمة إلى مناطق نفوذ تسيطر عليها مختلف القوى المنتشرة على الأرض، وأبرزها روسيا وإيران، في الوقت الذي لا يملك الرئيس الاسد أي تأثير فعلي على أيٍّ منهما؛ فهو أسير للديون الكبيرة المترتبة عليه لهما، وفي هذه الحالة ستتصرف كلٌّ من موسكو وطهران تصرُّف المالِك بمُلكِه إلى حين حصول توافق دولي على حل سياسي شامل للأزمة السورية[11].
  • تستعد إدارة الرئيس بايدن للدخول في مفاوضات جديدة مع إيران بعد أن عينت روبرت مالي مبعوثاً خاصاً، وهو الذي سبق أن فاوض إيران للتوصل إلى اتفاق 2015 في عهد الرئيس أوباما، وعلى الأرجح لن تكون المفاوضات قصيرة أو سهلة وفق ما تريدها إيران، وستجري على مراحل، وضمن روزنامة زمنية محددة، وسيجري القسم الأبرز منها بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية في يونيو المقبل.
  • ومن المتوقع أن تواجه إيران صعوبات كبيرة لتحقيق أهدافها في المفاوضات، وأن مطلبها برفع العقوبات الأمريكية فوراً مع دفْع تعويضات مالية لن يتحقق، وأن أقصى ما يمكن أن تأمُل فيه حصولها على قروض من صندوق النقد الدولي كجائزة ترضية.
  • وعليه، يَتعيَّن انتظار نتائج المفاوضات المقبلة مع واشنطن لاستشراف طبيعة واتجاهات السلوك الإيراني تجاه دول المنطقة، مع ترجيح أن مستقبل الوجود الإيراني في سوريا لن يتقرَّر قبل التوصل إلى تسوية سياسية أوسع. لكن في حال استمر الإصرار الإيراني على إبقاء قواته وميليشياته في سوريا، فإن مخاطر تحوُّل الحرب المباشرة والمحدودة بين إسرائيل وإيران إلى حرب إقليمية واسعة، تشارك فيها الولايات المتحدة، ستكون واردة، مع احتمال ألا تقتصر على المسرح السوري بل تتعداه إلى إيران نفسها.

الهوامش

[1] “Iran and the Shiite Crescent: Myth and Realities,” King Abdullah of Jordan warned about an ideological Shiite crescent in 2004.  www.belfercenter.org-publications-iran-and-shiite-crescent/

[2] Navvar Saban, “Factbox: Iranian Influence and Presence in Syria,” www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/factbox-iranian-influence/

[3] Nader Uskoni, “The Evolving Iranian Strategy in Syria: A Looming Conflict with Israel,” September 27, 2018. https://www.atlanticcouncil.org/in-depth-research-reports/issue-brief/the-evolving-iranian-strategy-in-syria-a-looming-conflict-with-israel/

[4] “Israel Says Struck Iranian Targets in Syria 200 Times in Last Two Years,” https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-israel-syria-iran-idUSKCN1LK2D7

[6] Al-Arabia Channel, Declaration made by Anthony Blinken, U.S. Secretary of State, January 28, 2021, News 20:00 hours.

[7] Dalla Dassa Kaye, “An Israeli Escalation Against Iran?”  July 15, 2020.  www.rand.org/blog/2020/07/an-israeli-escalation-against-iran/

[8] “Analysts See Little Change in Israel’s Strategy in Syria, Despite Reports of Withdrawals,” https://www.rferl.org/a/tactical-change-or-withdrawal-iran-s-syria-strategy-analyzed-amid-reports-of-force-reductions/30614695.html

[9] “Israeli Strikes Iran-Linked Targets in Syria,” Wall Street Journal, January 13, 2021.

[10] Arsalan Shahla, “Iran Has Spent as much as $30 Billion in Syria, Lawmaker Says,” May 20, 2020. https://www.bloomberg.com/news/articles/2020-05-20/iran-has-spent-as-much-as-30-billion-in-syria-lawmaker-says

[11] “How Assad Balances Competing Interests of Russia and Iran in Syria,” September 20, 2019. https://www.trtworld.com/middle-east/how-assad-balances-competing-interests-of-russia-and-iran-in-syria-29976

 

أحدث المواضيع المميزة