"الاستفاقة الفرنسية" ضد الإسلام السياسي: دوافعها وتداعياتها المستقبلية

أحمد نظيف | 21 ديسمبر 2020

رغم غياب الأرقام الرسمية حول عدد المسلمين في فرنسا، لأسباب تتعلق بالموانع القانونية، إلا أن فرنسا تعتبر أكبر البلدان الأوروبية من حيث عدد المسلمين، إذ يذهب بعض التقديرات إلى وجود خمسة ملايين مسلم، بين مواطن ومقيم، الأمر الذي يجعل من هذه الكتلة الوازنة مصدر جدل عام يتجدد في كل هجمة إرهابية يشنها مسلمون، وهو الذي لا يزال جارياً منذ أكتوبر الماضي في أعقاب الهجمات التي ضربت مدينة نيس وعملية اغتيال المدرس صامويل باتي. لكن الجدل هذه المرة ترافَق مع حملة رسمية أطلق عليها البعض وصف "حرب مفتوحة ضد الإسلام السياسي"، فيما ذهب البعض الآخر إلى التقليل من شأنها باعتبارها "حملة ظرفية" حالُها حال الحملات التي قامت بها السلطات الفرنسية في الماضي.

تُسلِّط هذه الورقة الضوءَ على دوافع الاستفاقة الفرنسية الأخيرة ضد الإسلام السياسي، والإجراءات التي اتخذتها إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون، ومدى جذريتها، وتداعياتها المستقبلية المحتملة.

السياقات التاريخية لصعود الإسلاموية في فرنسا

مع أن الحضور الإسلامي قديم، بعض الشيء، في فرنسا، إلا أن استقرار الجماعات الإسلامية السياسية والحركية كان متأخراً. فقد بدأت جماعة التبليغ، منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، النشاط في أوساط العمال المغاربيين الذي جاءوا إلى فرنسا في أعقاب موجة الاستقلالات الوطنية في تونس والمغرب والجزائر. واستقرت الجماعة في الدائرة الباريسية الحادية عشر، كما أسست مسجدين في حي بلفيل ذي الكثافة المغاربية.

كانت فرنسا حينئذٍ تنظر لوجود العمال المهاجرين المسلمين باعتباره وجوداً مؤقتاً، ولذلك لم تكن قلقة بشأن وجود بيوت الصلاة في أحياء العمال، وبعض المساجد الكبيرة. في المقابل، كانت الطبيعة التنظيمية اللينة واللاسياسية لجماعة التبليغ عنصراً غير مشجع لظهور مجموعات إسلامية ذات توجه سياسي في ذلك الوقت. وإلى حدود نهاية السبعينيات كانت نشاطات المسلمين في فرنسا لا تتعدى العبادات وبعض الأعمال الدعوية الخالية تماماً من السياسة، من قَبيل تعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن وبعض الدروس الدينية. وقد زاد من ضعفها الحواجز القانونية الفرنسية التي كانت تمنع الأجانب من تأسيس الجمعيات بكل أصنافها، وبما فيها الدينية والسياسية.

لكن المُنعرَج التاريخي في تشكُّل إسلام سياسي فرنسي، بدأ مع الثورة الإسلامية الإيرانية وصعود الجماعات الإسلامية، لا سيما الإخوانية، في دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، ودخول هذه الجماعات في صِدام مع دولها أدى بقياداتها وأعضائها للهروب نحو المنافي الأوروبية ومن بينها فرنسا.

ومنذ العام 1981، تاريخ صعود الرئيس فرانسوا ميتران، إلى السلطة، وفتحهِ المجال واسعاً لتدفق موجات الهجرة العمالية والسياسية، ورفع الحواجز القانونية أمام الأجانب في تأسيس الجمعيات والاتحادات، بدأت تتشكل نواة لنشاط إسلامي حركي، بدأها الطلبة التونسيون المنتمون لحركة الاتجاه الإسلامي (النهضة حالياً) وعناصر من الفرع السوري لجماعة الإخوان المسلمين. ثم تطور نشاط الإخوان في فرنسا بشكل واسع، حتى العام 1983، تاريخ تأسيس الفرع الفرنسي للجماعة بشكل رسمي تحت اسم "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا". لاحقاً، ومع تنامي تيار الصحوة في المشرق العربي، بدأ التيار السلفي في الظهور على الساحة الفرنسية، وأسس شبكات من الجمعيات والشركات الاقتصادية والمساجد، إلى جانب استقرار تيار ثالث موالٍ للحركة الإسلامية التركية بقيادة نجم الدين أربكان في سياق الصراع مع النظام العلماني الحاكم؛ إذ وجد في أوروبا مُستقراً له.

خارطة القوى الإسلاموية في فرنسا

شكلت بيئة الحريات الفرنسية منذ عقود عنصر جذب للجماعات الإسلامية، حيث تنشط على الأراضي الفرنسية أغلب الجماعات الإسلامية الموجودة في الدول العربية والإسلامية، بما فيها مجموعات الأقليات بمختلف تنوعها الطائفي والمذهبي، وبشتى توجهاتها السياسية. لكن المجموعات الإسلامية الحركية ذات الثِّقَل، والتي بدأت إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون في استهدافها من خلال سياساتها الجديدة في مواجهة ما تسميه بــ"الانعزالية الإسلاموية"، هي:

1. الإخوان المسلمون

يشكل "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين، وهو أكبر فروع الجماعة خارج المنطقة العربية، حيث أصبح اليوم يضم أكثر من 250 جمعية إسلامية على كامل التراب الفرنسي، تعمل في شتى المجالات التعليمية والخيرية والاقتصادية، وحوالي 100 مسجد ومكان عبادة، إلى جانب عشرات المراكز التدريبية، ومؤسسة جامعية للتعليم الديني. وقد شكَّل الفرع الإخواني في فرنسا الثقل الأكبر للنشاط الإخواني في أوروبا منذ الثمانينيات، إذ ساهم في تأسيس "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، الذراع الأوروبي للتنظيم الدولي للإخوان منذ العام 1989.

وتنقسم المؤسسات الإخوانية في فرنسا إلى نوعين؛ أولهما، جمعيات تعمل في المجال الخيري والاقتصادي والديني وتُقدم خدمات اجتماعية لحشد التأييد وكسب قاعدة اجتماعية تمثيلية. وثانيهما، يعمل في المجالات السياسية والطلابية، يهتم بنسج علاقات مع النخب الفرنسية الجامعية والسياسية والمالية والحزبية لكسب تأييد للجماعة داخل مراكز القرار الفرنسي.

ويعتمد الفرع الفرنسي للإخوان في تمويله على تبرعات الأنصار وريع المؤسسات الاقتصادية والتجارية التي يديرها من خلال أعضائه داخل فرنسا، وخاصة في مجال تجارة "المواد الحلال"، فيما تأتي نصف ميزانيته من التمويل الخارجي القادِم أساساً من قطر وتركيا وماليزيا.

ويحاول الإخوان المسلمون في فرنسا، التماشي مع الطبيعة الصارمة للعلمانية الفرنسية من خلال لعبة الاندماج السياسي وتقديم خطاب علني يبرز نوعاً من "الإسلاموية المدنية" في تعارضٍ تامٍ مع الأدبيات والخطابات التي تُدرَّس وتُذاع في منابرهم الدينية، وفي مراكزهم، ومساجدهم. وقد نجحت "لعبة الاندماج المعلن" في لفت نظر السلطات الفرنسية للجماعة منذ نهاية التسعينيات، إذ قدموا أنفسهم بوصفهم أحد ممثلي المسلمين في فرنسا، على الرغم من أن تأثيرهم على القاعدة الاجتماعية لعموم المسلمين ضعيف جداً، وفقاً لآخر مسح قام به معهد مونتيني في العام 2018.

ومنذ تأسيس "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" في العام 2003 أصبح "اتحاد المنظمات الإسلامية"، الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين، مُمَثَّلاً في المجلس إلى جانب سبعة اتحادات إسلامية تمثل كيانات عرقية ومذهبية أخرى. فالدولة الفرنسية التي تريد وضع حد "للانعزالية الإسلاموية" ما زالت حتى اليوم تعترف بالفرع الفرنسي للإخوان كأحد ممثلي الطائفة الإسلامية في البلاد.

2. التيار السلفي

على عكس التيار الإخواني فإن التيار السلفي في فرنسا لا يَملِك تنظيماً هرمياً صارماً، وذلك يعود لطبيعة الحركة السلفية عموماً، والتي لا تملك تقاليد راسخة في التنظيم السياسي. لكن هذا التيار يتوزع على مئات الجمعيات والمنظمات ذات التوجهات المذهبية والسياسية المختلفة، إذ يوجد جمعيات سلفية دعوية، لا تتدخل في السياسة، ولا تُقدِّم أي مواقف، مُكتفيةً بالعمل الدعوي وإدارة المساجد، في مقابل وجود جمعيات أخرى تُعبِّر عن مواقف سياسية مناوئة للحكومة الفرنسية، وبعضها قريب من مواقف الجماعات المتطرفة. وينحدر غالبية الدعاة البارزين للسلفية في فرنسا من أصل جزائري استقروا فيها في الثمانينيات والتسعينيات، خاصةً بعد اندلاع المواجهة بين الدولة الجزائرية والجبهة الإسلامية للإنقاذ، والتي كان أحد أركانها التيار السلفي الحركي بقيادة علي بلحاج.

وتُشير تقديرات معهد مونتيني للعام 2018، إلى أن التيار السلفي في فرنسا يضم حوالي 20 ألف عضو عامل. وعلى عكس التيار الإخواني المهتم باختراق النخب الفرنسية وخلق جماعة ضغط، يُركِّز السلفيون الفرنسيون جهودهم من أجل السيطرة على المساجد لترويج سردياتهم العقائدية، لذلك فإن أبرز وجوه هذا التيار ليسوا رؤساء المنظمات أو العاملين في الحقل السياسي والطلابي كالإخوان، وإنما أئمة المساجد والدعاة ومدرسو العلوم الشرعية، الذين يعتمدون على قوة الخطابة والنص الديني أكثر من اعتمادهم على العمل السياسي. لذلك، يُمكِن وصف الظاهرة السلفية الفرنسية بالعُزْلة، ومحاولة خلق مجتمع متمايز عن الواقع الفرنسي. وبهذا، فقد بقي السلفيون بعيداً عن المؤسسات الرسمية المُمثِّلة للإسلام أمام السلطات الفرنسية.

لكن اللافت أن الصراعات التي طَبَعَت وميَّزت علاقة الإخوان بالسلفيين في فرنسا لسنوات، تَحوَّلت في السنوات الأخيرة إلى نوع من التحالف أو التقارب، خاصة في حقبة ما بعد الثورات العربية، لأسباب تتعلق بموجة الانتقادات التي بدأ قطاع واسع من النخب الفرنسية في توجهيها للتيارات الإسلامية الحركية الناشطة في فرنسا، والتي وصل بعض نظرائها في دول كتونس ومصر والمغرب للسلطة.

3. الإسلام التركي

يعود الوجود التركي في فرنسا إلى خمسينيات القرن الماضي، إذ وصل الأتراك كغيرهم من العمال للعمل في حظائر البناء في أعقاب الحرب العالمية الثانية، واستقروا في الشرق الفرنسي؛ في مدن سترازبورغ وميلوز وماتز، وأسسوا مساجد خاصة بهم لاعتبارات مذهبية ولغوية بعيداً عن بقية المسلمين من أصول مغاربية. ومع منتصف الستينيات بدأ نجم الدين أربكان في توسيع نشاط جماعته الإسلامية القريبة من الإخوان المسلمين، فأسس حركة "ميللي غوروش" في العديد من الدول الأوروبية، ومن بينها فرنسا، لحشد الجالية التركية إلى صفِّها في مواجهة النظام العلماني العسكري التركي حينذاك، حيث أصبحت تدير نحو 300 جمعية ومسجد في فرنسا اليوم.

هذا النشاط الإسلاموي جعل الدولة التركية تتحرك لحماية جاليتها من الانسياق وراء أربكان، باعتبار هذه الجالية كانت وما زالت تشكل أحد الروافد الاقتصادية لتركيا؛ فدعمت تأسيس "اللجنة التنسيقية لمسلمي تركيا في فرنسا" بالاتفاق مع الدولة الفرنسية، وهي منظمة تابعة لرئاسة الشؤون الدينية التركية، تمويلاً وإدارة، إذ تُدير حالياً نحو 350 مسجداً، وتدفع الدولة التركية رواتب 150 إماماً مبتعثاً من عندها، وتُدير جامعة لتخريج الأئمة الأتراك في مدينة ستراسبورغ شرق البلاد.

لاحقاً، ومع صعود رجب طيب أردوغان إلى قمة هرم السلطة، تَحوَّل نشاط المنظمات التركية في فرنسا من الصراع إلى التحالف، حيث بدأت إدارة حزب العدالة والتنمية في توظيف هذه المنظمات كورقة في سياساتها الخارجية تجاه فرنسا، وزادت من دعمها المالي والسياسي لها. حتى أنها نجحت في ضم "اللجنة التنسيقية لمسلمي تركيا في فرنسا" إلى "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" منذ تأسيسها، ثم نجحت في تصعيد أحمد أوغراش، رجل الأعمال والعضو في حزب أردوغان إلى رئاسة المجلس في العام 2017.

دوافع الاستفاقة الفرنسية

لم تكن الهجمات الإرهابية الأخيرة التي تعرَّضت لها فرنسا، دافِعها نحو المواجهة مع "الإسلام السياسي"؛ فالتوجُّه الرسمي نحو هذه المواجهة ليس وليد الساعة، بل كان إحدى نقاط البرنامج الانتخابي للرئيس ماكرون، بإيحاء من صديقه ومستشاره السابق حكيم القروي، صاحب كتاب "إسلام فرنسي مُمكِن"، والذي صدر عن معهد مونتيني، في العام 2016، وهو أحد المراكز البحثية النافذة ذات التوجه الليبرالي.

كانت فرنسا هدفاً لأكثر الهجمات الإرهابية عنفاً في العام 2015، لذلك كان الإسلام السياسي والإرهاب أحد الملفات التي اشتغل عليها ماكرون قبل دخوله قصر الإليزيه، مُعتمِداً على تشخيص القروي للوضع، والذي يلخصه في فكرة عدم الاكتفاء بمكافحة الإرهاب بل يجب مكافحة الإيديولوجيات التي تُغذِّيه، ومن بينها وأهمها "الإسلام السياسي". ويضع القروي مجموعات من الإجراءات التي يجب إتباعها للنجاح في ذلك، بدأت تظهر تباعاً في الشهور الأخيرة ضمن سياسات ماكرون.

لذلك، فإن الاستفاقة الفرنسية في مواجهة الإسلاميين لم تكن مبنية على مجرد تخمينات أو أسباب ظرفية، بل على توصيات وتحليلات وتقارير متعددة لعدة مراكز بحثية فرنسية تعمل في تكامُل منذ سنوات عديدة مع سلطة القرار في الإليزيه، إلى جانب تقارير عمل لجان برلمانية وأخرى تتبع الوزارات، والتي كان من بينها تقرير آخر يتعلق بواقع المؤسسات التربوية وتغلغل الفكر الطائفي فيها. كُل هذه التقارير البحثية والرسمية من تحليلات المراكز الأمنية في فرنسا بَيَّنت بشكل واضح أن مشكلة التطرّف العنيف التي استهدفت فرنسا طوال السنوات الأخيرة كانت لها أسباب مباشرة تتعلق بالأحداث الآنية وأخرى غير مباشرة ترتبط أساساً بسرديات الإسلام السياسي التي أصبحت تعمل كحزامٍ ناقلٍ للتطرف والانعزال عن قيم المجتمع الفرنسي.

فقد كشفت التحقيقات أن عدداً كبيراً من الفرنسيين الذين هاجروا لسوريا للقتال مع جبهة النصرة أو تنظيم داعش نهلوا قبل هجرتهم من الدروس التي تُلقَى في مساجد الجمعيات الإسلامية الإخوانية والسلفية التي تسيطر على الضواحي، ولم يكن العنف بالنسبة لهؤلاء الشباب إلا الحلقة الأخيرة من تكوينهم المبنيّ على معاداة حقيقية للعلمانية الفرنسية والحقوق والحريات التي تُسيِّر المجتمع الفرنسي. إذ تُغذِّي السرديات الإسلاموية مشاعر تَحُضُّ على الاعتزال والمعاداة الباطنية للنموذج الفرنسي، وبالتالي رَفْض كل نمط المعيشة فيه، وصولاً إلى مناهضته بالعنف في اللحظة التي تتوفر فيها الظروف الملائمة، لأن مُبررات العنف ضد الدولة ومؤسساتها مغروسة في تفكير هؤلاء الشباب من الجيلين الثاني والثالث.

وقد تَسارعت وتيرة الإجراءات التي اتخذتها إدارة الرئيس ماكرون في أعقاب حادثتي ذبح مدرس التاريخ صمويل باتي، والهجوم على كنيسة نيس في أكتوبر الماضي، إلا أن هذه الإجراءات انطلقت فعلياً منذ أشهر، مُعتمدةً على الصلاحيات الإدارية التي تتمتع بها السلطة التنفيذية، في انتظار تمرير مشروع قانون محاربة "الانعزالية الإسلاموية" في البرلمان مطلع العام المقبل، كي يتوفر لها إطار قانوني تعمل من داخله، في اتجاه مأسسة "المواجهة ضد الإسلاميين وتحصينها قانونياً"، وأهم هذه الإجراءات:

  • حلّ الجمعيات والمنظمات المتهمة بنشر خطاب متطرف أو عنصري: وقد قامت السلطات حتى الآن بحلّ منظمة سلفية (بركة سيتي)، وجمعيتين مقربتين من التيار الإخواني (تجمع الشيخ ياسين، والتجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا)، ومنظمة تركية عنصرية (الذئاب الرمادية). واستطاعت السلطات خلال السنوات الثلاث الماضية إغلاق قرابة 250 فضاءً ومَنْشَطاً إسلاموياً، بينها مدارس ومساجد، تُبشِّر بأيديولوجية انفصالية، على حد تعبيرها.
  • فَتْح تحقيقات في تمويلات المؤسسات التابعة لتيار الإسلام السياسي: إذ فتحت السلطات في يوليو الماضي تحقيقاً في شبهة التمويل الأجنبي تتعلق بتمويل المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، وهو مؤسسة غير حكومية للتعليم العالي، قريبة من جماعة الإخوان، تقوم بتدريب الأئمة على وجه الخصوص.
  • إطلاق "وحدة الخطاب الجمهوري المضاد"، وهو مشروع تابع لوزارة المواطنة، هدفه مواجهة الدعاية التي تروّجها جماعات الإسلام السياسي على الشبكات الاجتماعية والإنترنت.
  • برنامج "كَسْر التأثير الخارجي"، وهو برنامج أقرَّه مجلس الدفاع الوطني في 30 أكتوبر الماضي، ويهدف إلى كسر تأثير الدول الأجنبية على مسلمي فرنسا. وكان وزير الداخلية جيرالد دارمانان، قد كشف أن البرنامج تنفّذه أجهزة المخابرات الفرنسية بجميع مستوياتها، ويستهدف منع تأثير الدعاية الخارجية تجاه المسلمين المعتدلين الذين أصبحوا مهددين بالانزلاق نحو التطرف بعد الحملة القوية التي شنتها تركيا ضد فرنسا.
  • وَقْف جلب أئمة المساجد من الخارج: فقد أنهت السلطات اتفاقات سابقة مع المغرب والجزائر وتركيا كان يأتي بموجبها المئات من الأئمة سنوياً إلى فرنسا للقيام على شؤون المساجد. إذ يوجد نحو 151 إماماً مبتعثاً من طرف الدولة التركية، فيما يوجد 120 إماماً مبتعثين من الجزائر، و30 من المغرب. في المقابل، يتجه الرئيس ماكرون بالاتفاق مع مجلس الديانة الإسلامية نحو إنشاء "مجلس وطني للأئمة" تكون مهمته منح الاعتمادات للأئمة والدعاة وتدريبهم.
  • مشروع قانون "الانعزالية الإسلاموية": تُعاني الإدارة الفرنسية من فراغ قانوني، جعلها عاجزة أمام العديد من المنظمات والأفراد المنتمين للجماعات الإسلامية. فحتى الإجراءات العاجلة التي قامت بها يتم نقضها في الكثير من الأحيان أمام القضاء الإداري بدعوى عدم وجود نص قانوني واضح يُجرِّم ما تعتبره الإدارة تجاوزات في قضايا الخطاب المتطرف، والشبهات المتعلقة بالتمويل وغيرها. ولتجاوز هذا المأزق القانوني قدمت الحكومة مشروع قانون وصفته وزيرة المواطنة بأنه "يعالج كافة المناطق الرمادية في القوانين الموجودة، والتي لا يمكن من خلالها معاقبة المخالفين لقيم الجمهورية". وأقر مجلس الوزراء برئاسة ماكرون، في 9 ديسمبر الجاري، مشروع القانون الذي سُمّي "قانون تعزيز مبادئ الجمهورية الجديدة"، ويتكوَّن من 54 مادة. وسيبدأ البرلمان بمجلسيه (الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ) مناقشته مع انطلاق العام الجديد 2021. ويوفِّر القانون المُرتقب "القاعدة القانونية لملاحقة ومعاقبة من يخالف بنوده التي تغطي ميادين واسعة؛ تبدأ مع تعليم الأطفال في المنازل، وصولاً إلى التمويل الخارجي للمساجد وأماكن العبادة وقطع الرابط بين الجهتين، مروراً بفرض الرقابة على الجمعيات والمؤسسات الإسلامية، وملاحقة من يروج للخطاب المتطرف على شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وتوفير صلاحيات إضافية لمديري الشرطة والمحافظين".

النتائج والآفاق المحتملة

تشهد فرنسا منذ ثلاثة عقود حملات موسمية ضد الجماعات الإسلامية، وخلال هذه العقود شهدت البلاد العديد من الإجراءات من أجل تحجيم ومحاصرة ظاهرة الإسلام السياسي، غير أن هذه الاجراءات بقيت في غالبها ظرفية وتتسم بطابعها الأمني، على غرار حملة شارل باسكوا في تسعينيات القرن الماضي ضد الجمعيات الجزائرية المرتبطة بالجماعة الإسلامية المسلحة وفكر الجماعات الاسلامية التي انتشرت في فرنسا مع صعود الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، أو بعض القوانين المحدودة كقانون ستازي الذي يمنع الزي الطائفي الإسلامي والرموز الدينية في المعاهد الفرنسية. وتدفع غلبة الطابعين الظرفي والأمني المحدود على تلك الإجراءات إلى طرح سؤال بشأن جدوى الإجراءات الفرنسية الأخيرة، وخاصة مشروع قانون "الانعزالية الإسلاموية".

ورغم أن دروس التجربة التاريخية لا تكشف عن أيّ توجهات جذرية للدولة الفرنسية تجاه الإسلام السياسي، إلا أن الوضع الذي وصلت إليه الجماعات الإسلامية في الداخل الفرنسي من تمدُّد داخل الأحياء والضواحي، ومن عُمْق في العمل المدني والجمعياتي والاقتصادي، يعتبر غير مسبوق في تاريخ فرنسا، حيث أصبحت بعض الأحياء الكبيرة والمدن بُؤراً "منعزلة" عن باقي المجتمع الفرنسي. بل إن تقريراً صادراً عن لجنة تحقيق برلمانية داخل مجلس الشيوخ الفرنسي في يوليو الماضي، يقول بوضوح: "إن مؤيدي الإسلام السياسي يسعون حالياً إلى السيطرة على الإسلام في فرنسا من أجل إنشاء الخلافة، ويُغذّون في بعض المدن "نزعة انفصالية" ".

ودعت كاتبة التقرير، السيناتورة جاكلين أوستاش-برينيو، إلى "التحرُّك سريعاً"، لأن "كل مناطق فرنسا صارت متأثرة اليوم، وإلا ففي غضون سنوات قليلة، قد تخرج بعض من هذه المناطق والأحياء من الجمهورية"، على حد قولها. وهذا وضع لم تَشهده فرنسا من قبل، ويُعطي انطباعاً بأن المواجهة الأخيرة ليست ظرفية وذات طابع أمني صرْف كسابقاتها، بل مُستدامة وشاملةً للجوانب الأمنية والتعليمية والثقافية والمالية. والتتبع الدقيق للشبكات المالية والاقتصادية سيكون كفيلاً بإضعاف نشاط المجموعات الإسلامية السياسية بشكل كبير، إذ يمثل الثقل المالي أهم روافد وجود هذه المجموعات.

لكن جذرية السياسات الرسمية في مواجهة الإسلام السياسي في فرنسا لا تعني أبداً حتمية نجاح هذه السياسات، لأسباب موضوعية تتعلق بالطرف الخصم؛ فالإسلاميون اليوم في فرنسا ليسوا مجرد جمعيات مساجد، بل شبكة ضخمة من المنظمات ودور العبادة والشركات التجارية، ويملكون دعماً داخل النخب الجامعية والسياسية الفرنسية، ولديهم علاقات خارجية قوية ودعم وتمويل خارجيان كبيران، فيما تربط دول مثل تركيا وقطر مصالحها مع فرنسا بمصالحهم، لذلك فإن الإدارة الفرنسية ستواجه ضغوطاً خارجية وداخلية في أثناء معالجة هذا الملف. وتداعيات هذه المواجهة ستشمل أيضاً علاقات فرنسا الخارجية، والتي يمكن أن تزيد تأزُّماً مع الجانب التركي، وأن تشهد فتوراً مع قطر، ومع الدول التي يشارك في حكمها إسلاميون.

وهناك أيضاً أسباب ذاتية تتصل بالبديل الذي تريد السلطات الفرنسية تقديمه، أي ما أصبح يُعرف بـ"الإسلام الفرنسي"، إذ يبدو الأمر صعباً، ويفتقد إلى البنية والأدوات والأطراف القادرة على ترويج إسلام آخر غير أيديولوجيا الإسلام السياسي المسيطرة على المساجد والجمعيات المسلمة، خاصة أن الحكومة الفرنسية ما زالت تُعوِّل على مجلس الديانة الإسلامية ليكون قاطرة هذا "الإسلام الفرنسي"، مع أن هذا المجلس يمثل مشروعاً هو نقيض المشروع الحكومي، إذ يدين كل اتحاد من اتحاداته السبعة لدولةٍ ما خارج فرنسا، بل إن أحد الاتحادات البارزة داخله هو الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين.

خلاصة واستنتاجات

  • تَسارَعت وتيرة الإجراءات التي اتخذتها إدارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أعقاب حادثتي ذبح الُمدرِّس صامويل باتي، والهجوم على كنيسة نيس في أكتوبر الماضي، وأبرز المجموعات الإسلامية الحركية التي بدأت السلطات في استهدافها، هي: الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين، والتيار السلفي، والمنظمات والجمعيات الإسلامية التركية الناشطة في فرنسا.
  • لا يبدو أن حملة إدارة ماكرون الجديدة ضد الإسلام السياسي شبيهة بالحملات التي نفذتها حكومات فرنسية سابقة؛ فالأمر هذه المرة أكثر جدية وأكثر عمقاً؛ فإلى جانب بُعْدها الأمني، تشمل المواجهة أبعاداً أخرى أهمها: التعليم بشقيه المدني والديني، والاقتصاد، والشبكات الافتراضية، والولاءات الخارجية، والتمويل الأجنبي.
  • يريد ماكرون تمرير مشروع قانون "الانعزالية الإسلامية" لإيجاد إطار قانوني صلب يواجه به الإسلاميين بدلاً من القرارات الإدارية التي تَسْقُط أمام القضاء في كل مرة، خاصة قرارات حلّ الجمعيات وطرد المتطرفين إلى الخارج وإيقاف الأئمة المتشددين عن العمل.
  • من المتوقع أن يُواجِه ماكرون وحكومته ضغوطاً داخليةً كبيرةً من طرف المجموعات الإسلامية وشبكاتها الداعمة (النخبوية، والمالية، والسياسية)، وضغوطاً خارجيةً من شبكات الإخوان المسلمين في أوروبا والدول الداعمة لها، وأهمها قطر وتركيا. وأن تُواجِه الإدارة الفرنسية مشاكل هيكلية ومنهجية في صياغة بديل للإسلام السياسي في فرنسا، أو ما تسميه "تشكيل إسلام فرنسي"؛ فهذا الأمر يحتاج نخباً دينية وإسلامية تنويرية وغير مُرتهنة لولاءات خارجية.

أحدث المواضيع المميزة