"قانون قيصر": طبيعته وأهدافه وتداعياته المحتملة

مركز الإمارات للسياسات | 23 يونيو 2020

دخل قانون العقوبات الأمريكي ضد النظام السوري، المسمى "قانون حماية المدنيين في سوريا" الذي يُعرف اختصاراً باسم "قانون قيصر"، حيز التنفيذ في 17 يونيو 2020. ويستهدف القانون قطاعات عدة في الاقتصاد السوري، كما يعاقب وكيانات وشركات وشخصيات، إقليمية ودولية، تقدم دعماً عسكرياً واقتصادياً للنظام السوري. ويقدّر أن يكون للقانون أثرٌ كبير، اقتصادياً وسياسياً، من شأنه تغيير التوازنات بين الفاعلين في الملف السوري، وإيجاد ديناميات جديدة قد تؤثر في مخرجات الحل السياسي الموعود.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على طبيعة هذا القانون، وأهدافه، وتداعياته الاقتصادية والسياسية.

ماهيّة قانون "قيصر"

تعود تسمية القانون إلى ضابط سوري انشق عن النظام السوري وسرّب قرابة 55 ألف صورة لنحو 11 ألف معتقل قتلوا تحت التعذيب في السجون السورية، وتأكد مكتب التحقيق الفيدرالي من صحّتها. وأقر الكونغرس بمجلسيه القانون، وأُدرج ضمن قانون ميزانية الدفاع لعام 2020، ووقّع عليه الرئيس دونالد ترمب في 20 ديسمبر 2019.

1. مراحل تطبيق القانون

يمر تطبيق قانون قيصر بأكثر من مرحلة، حيث سيجري تحديث قوائم العقوبات وإضافة كيانات وشخصيات جديدة، سواء من قبل لجنة مختصة بمراقبة ومتابعة التزام الدول والشركات والأفراد، أو من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المكلّف، بعد 180 يوماً من بدء سريان القانون، بتقرير ما إذا كان المصرف المركزي السوري يشكل أداةً لغسل الأموال.

بدأت المرحلة الأولى في 17 يونيو، وفيها فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على 39 كياناً وشخصية مرتبطين بالنظام السوري. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان لها صادر في اليوم نفسه، إن العقوبات تشمل "مهندسي المعاناة"، بشار الأسد وزوجته أسماء، ومؤسِّسي "الأعمال الوحشية"، محمد حمشو ولواء "فاطميون" الميليشياوي الإيراني، إضافة إلى ماهر الأسد وفرقته الرابعة في قوات النظام، وقائديه غسان علي بلال وسامر الدانا. وتشمل العقوبات أيضاً، بشرى الأسد شقيقة بشار الأسد، ومنال الأسد زوجة ماهر الأسد، وأحمد صابر حمشو وعمر حمشو وعلي حمشو ورانيا الدباس وسمية حمشو.

ويبدأ تنفيذ المرحلة الثانية بين شهري يوليو وأغسطس المقبلين. وفي هذه المرحلة سيتم فرض عقوبات على المتعاونين مع النظام السوري، عسكرياً ومالياً واقتصادياً، كمجموعة فاغنر الروسية مثلاً، والميليشيات التابعة لإيران، وكيانات حزبية وأفراد، كما سيتم فرض عقوبات على المخالفين للقرار من دول الجوار، شركات وشخصيات. وستشمل العقوبات كل من قدَّم دعماً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً للنظام السوري منذ 19 ديسمبر 2019، تاريخ توقيع القانون.

2. القطاعات التي يستهدفها القانون

تستهدف العقوبات في "قانون قيصر" الكيانات التي تعمل لصالح نظام الأسد في أربعة قطاعات، هي: النفط والغاز الطبيعي، والطائرات العسكرية، والبناء والهندسة، والبضائع والخدمات والتكنولوجيا. ويشمل ذلك الدعم المباشر وغير المباشر للنظام، مثل دعم الميليشيات المدعومة من إيران وروسيا، العاملة في سوريا. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب القانون من إدارة ترمب تحديد ما إذا كان المصرف المركزي السوري كياناً من النوع الذي يشكل "مصدرَ قلق رئيس بشأن غسل الأموال" عملاً بالمادة 311 من القانون الوطني الأمريكي.

ويمكن تحديد المجالات الأساسية التي ستكون تحت تهديد العقوبات بثلاثة، هي:

  •  التجارة الخارجية، من خلال منع توريد ما تحتاج إليه المؤسسات السورية من تجهيزات وقطع تبديل وسلع غير غذائية.
  • الاستثمار المحلي أو الأجنبي المشترك أو الداعم للنظام، لاسيما في مجالات البناء والهندسة والطاقة.
  • القطاعات المتعلقة بالتمويل الذي يشمل القروض والمساعدات والحوالات المالية التي تتوجه نحو مؤسسات حكومية أو تتم من خلالها.

3. الجهات المهدّدة بالعقوبات

  • كلُّ من يوفِّر، عن علم، دعماً مالياً أو مادياً أو تقنياً مهماً، أو ينخرط في صفقة كبيرة مع الحكومة السورية (بما في ذلك أيّ كيان تملكه أو تسيطر عليه) وشخصية سياسية رفيعة في الحكومة؛ وأي شخص أجنبي، مقاول عسكري أو مرتزق أو قوة شبه عسكرية، يعمل عن عمد بصفة عسكرية داخل سوريا لمصلحة الحكومة السورية أو باسمها، أو حكومة الاتحاد الروسي أو حكومة إيران.
  • مَن يبيع أو يقدِّم سلعاً أو خدمات أو تكنولوجيا أو معلومات أو دعماً مهماً أو أي دعم آخر يسهِّل صيانة أو توسيع الإنتاج المحلي للحكومة السورية للغاز الطبيعي أو النفط أو المنتجات النفطية.
  • من يبيع أو يقدِّم عن عمد قطع غيار للطائرات أو قطع الغيار التي تُستخدم لأغراض عسكرية في سوريا لمصلحة الحكومة أو نيابةً عنها أو أيّ شخص أجنبي يعمل في منطقة تخضع لسيطرة مباشرة أو غير مباشرة من الحكومة السورية أو القوات الأجنبية المرتبطة معها.

4. أهداف القانون

  • عزل نظام الأسد: فقد أوضح جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، في لقاء افتراضي مع الجالية السورية في الولايات المتحدة الأمريكية، في 8 يونيو، أن أمريكا تحاول عزل النظام، وتحرص على ألا يعامله أحد على أنه نظام طبيعي لأنه ليس كذلك. ويسعى القانون إلى حرمان الرئيس السوري بشار الأسد من أي فرصة لتحويل النصر العسكري الذي حققه على الأرض إلى رأسمال سياسي لتكريس وتعزيز فرص بقائه في السلطة إلى أجل غير مسمى.
  • دفع النظام إلى الحل السياسي: وكان جيفري أكد في مقابلة مع صحيفة "الشرق الأوسط"، في 2 مايو الماضي، أن "واشنطن ستواصل الضغط على نظام الأسد اقتصادياً، وستستمر بعزله دبلوماسياً، وبفرض العقوبات عليه وعلى داعميه، حتى التوصل إلى حل سياسي في سوريا بناءً على قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015، الذي يدعو إلى إجراء انتخابات في البلاد، والبدء بعملية دستورية جديدة". كما أن بيان وزارة الخارجية الأمريكية المشار إليه سابقاً أكد أن الولايات المتحدة لن تتوقف "قبل أن توافق الحكومة السورية على حل سياسي للصراع بحسب ما يدعو إليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254".
  • قطع طريق الإعمار على الأسد: وذلك بحرمان الأسد من الإفادة من مشاريع إعادة الإعمار التي تعتقد الولايات المتحدة بأنه سيستغلها لتعزيز موقعه في السلطة.
  • محاصرة حلفاء الأسد: إذ يسعى القانون إلى محاصرة حلفاء النظام السوري، روسيا وإيران، بغية إجباره على القبول بالحل السياسي للأزمة السورية على أساس قرار مجلس الأمن رقم 2254، وحرمانهما من الاستفادة من الامتيازات التي حصلتا عليها من ثروات سوريا وبنيتها التحتية، وتحديداً النفط والغاز.

5. شروط وقف العقوبات

حدّد القانون مدّة استمرار العقوبات بخمس سنوات، لكن القانون منح الرئيس الأمريكي سلطة رفع العقوبات شريطة تحقيق مجموعة من المطالب: 

  • وقْف قصف المدنيين من قبل الطائرات الروسية والسورية، ووقف قصف المراكز الطبية والمدارس والمناطق السكنية والتجمعات المدنية من قبل القوات السورية والإيرانية والروسية، والمجموعات التابعة لها.
  • رفع الحصار عن المناطق المحاصرة من قبل القوات الإيرانية والروسية والسورية، والسماح بمرور المساعدات الإنسانية وتحرّك المدنيين بحرّية، والسماح بدخول منظمات حقوق الإنسان إلى السجون والمعتقلات السورية.
  • إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين، وعودة المهجّرين السوريين بطريقة آمنة إرادية محترمة.
  • مُحاسبة مرتكبي جرائم الحرب، وإحقاق العدالة لضحايا جرائم الحرب التي ارتكبها النظام.

لا يستطيع النظام السوري تطبيق هذه الشروط، وخاصة الشرط المتعلق بمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب، لأن هذه التهمة تطال كل أركان النظام، من بشار الأسد وشقيقه ماهر إلى جميع رؤساء الأجهزة الأمنية والفرق العسكرية؛ ما يعني أن يقوم النظام بتحطيم بنيته بيده.

التداعيات المحتملة لقانون قيصر

يهدّد تطبيق قانون "قيصر"، كما هو مرسوم، بإحداث تداعيات عديدة على كافة مستويات الحياة في سوريا، نذكر منها:

1. انهيار الاقتصاد

يُتوقع أن يساهم القانون في انهيار الليرة السورية بشكل كبير، في ظل تعطُّل جميع مصادر الإنتاج، وعدم توافر مصادر للدخل، وانكفاء الحلفاء، وتحديداً إيران التي كان النظام يعتمد عليها في ضخ العملات الصعبة في سوريا، نتيجة ظروفها الاقتصادية المتردية. كما أن قطاع الطاقة الذي يُعد المستهدف الأول بالعقوبات يرتبط بعدد كبير من القطاعات الإنتاجية التي ستتعطل بالتبعية، وتزيد من حدّة التدهور الاقتصادي. وكانت الليرة السورية قد فقدت نحو 70 في المئة من قيمتها منذ شهر أبريل الفائت، فقد كان سعرها أواسط الشهر الماضي نحو 1600 ليرة سورية مقابل الدولار، وتراجعت إلى حدود 3000 ليرة قبيل أيام من صدور القانون. ومع أنه يقف خلف هذا التراجع عوامل عدّة، أهمها أزمة المصارف اللبنانية التي قيدت حجم السحب من القطع الأجنبي لزبائنها، ومنهم السوريون؛ والصراع داخل النظام السوري بين بشار الأسد ورامي مخلوف الذي جعل عدداً من رجال الأعمال يهرّبون أموالهم إلى الخارج، إلا أن بدء تطبيق قانون قيصر سيؤدي إلى مزيد من الانهيار في العملة السورية، الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى تراجع القدرة الشرائية للسوريين بشكل كبير.

2. تعطُّل وظائف النظام

ستؤدي العقوبات إلى تخفيض الدخل الوطني إلى أدنى الحدود، وهذا يعني إفلاس النظام وعدم قدرته على القيام بوظائفه، حيث ستتهدّد قدرته على دفع مرتّبات لكتلة موظفيه من المدنيين والعسكريين، وسيكون لهذا الأمر انعكاسات خطيرة على مستويات عدة:

  • سيُضعف القانون قدرات النظام على إعادة إنتاج قاعدته الاجتماعية، والسيطرة على النتائج السلبية للحرب، وقد أدى انخفاض قيمة الليرة إلى جعل رواتب البيئة الموالية، علويو الساحل وأبناء الأقليات، عديمة القيمة تقريباً، ولا يوجد لدى هؤلاء مورد سوى المرتب الذي يتقاضونه، في الوقت الذي تنتظر فيه هذه البيئة الحصول على مكافأة نتيجة تضحيتها بالحرب إلى جانب النظام وفقدان آلاف الرجال والمعيلين. ويغلق قانون "قيصر" أي أمل بتغيير أوضاع الموالين في الأمد القريب والمتوسط، في وقت استنزفت الحرب مدخراتهم وباتوا أكثر فقراً. وإذ تحذّر الكثير من التحليلات من الرهان على ثورة الموالين ضد نظام الأسد، إلا أن العقوبات ستؤدي إلى تأليب الجمهور عامة على النظام، كما حصل في المظاهرات التي خرجت في الأيام الماضية في السويداء ودرعا.
  • سيؤدي القانون إلى ابتعاد المستثمرين؛ إذ من المتوقع أن ينأى رجال الأعمال والشركات عن الاستثمار في سوريا والمشاركة في أي مشاريع اقتصادية، وذلك إما بسبب الخوف من العقوبات الأمريكية التي ستطالهم، أو لأن السوق السورية لن تكون جاذبة مع تراجع القدرة الشرائية إلى أدنى حد.
  • تجبر عقوبات "قيصر" النظام على الاستمرار باتباع نمط "اقتصاد الحرب"، الذي قام بدرجة كبيرة على التهريب والاعتماد على المحسوبيات، وقد انتشر الفساد بدرجة كبيرة حيث سيطر أمراء الحرب والوسطاء على قطاعات اقتصادية محدّدة واستغلال الاحتياجات الأساسية للسكان. وثمة تقديرات بأن قانون "قيصر" سيساهم في جعل الاقتصاد السوري أكثر فساداً مما هو عليه الآن، لأن التعاملات الاقتصادية ستعتمد بشكل أكبر على الشبكات الشخصية، في ظلّ إشراف رسمي محدود أو حتى معدوم.
  • من المرجح أن تؤدي الأوضاع الاقتصادية المتردية إلى موجة نزوح من مناطق النظام واللجوء إلى لبنان، أو مناطق سيطرة المعارضة السورية، أو المناطق الواقعة تحت سيطرة الأكراد، مع وجود أكثر من 80 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر وتوقُّع الأمم المتحدة موت الكثيرين من الجوع، فقد يدفع ذلك العائلات أو الأفراد إلى البحث عن مصادر رزق في المناطق المذكورة، ما دامت الطريق إلى تركيا وأوروبا مغلقة.

الرابحون والخاسرون من القانون

يُتوقع أن يكون لقانون قيصر تأثيرٌ كبير في موازين القوى بالنسبة للفاعلين في المشهد السياسي السوري؛ فالقانون يؤسس لنمط جديد من معادلات القوّة تقوم بدرجة كبيرة على الفعالية الاقتصادية للاعبين، ويُضعف بدرجة كبيرة نمط الصراع العسكري الذي رجحت خلاله كفة نظام الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون، وتفرز هذه المعادلة رابحون وخاسرون.

1. الرابحون

  • الولايات المتحدة: تتصدر قائمة الرابحين، إذ تخوض حربَ إنهاك ضد الأسد وحلفائه دون أن تطلق رصاصة واحدة. وبات أي مفتاح تسوية في سوريا بيد الولايات المتحدة، التي زادت من قوّة أوراقها في سوريا لدرجة تجعلها طرفاً أساسياً في شكل ومخرجات التسوية السياسية القادمة.
  • تركيا: يمنح قانون "قيصر" تركيا مزيداً من أوراق القوّة بقدر ما يخصم من أوراق خصومها (الأسد وروسيا) القدرة على استعادة المناطق التي تسيطر عليها في إدلب وشمال سوريا، كما يمنحها فرصة في زيادة منسوب "تتريك" هذه المناطق التي أعلنت عن نيتها اعتماد الليرة التركية في التعاملات اليومية، بما يساعد في ترسيخ الاحتلال التركي والسطو على ثروات المناطق، حيث بدأت تركيا بشراء محاصيل القمح والشعير والعدس في مناطق تل أبيض ورأس العين بالليرة التركية، بالإضافة إلى ضمان حصولها على التحويلات الدولارية التي يرسلها السوريون إلى ذويهم، والتي كانت تذهب إلى خزينة النظام السوري.
  • الأكراد: نظراً إلى وجود كل المواد الأولية الضرورية للحياة في شمال وشرق سوريا، من حبوب وسلع زراعية ومياه ونفط، فإن مناطق الإدارة الذاتية ستكون بعيدة عن تداعيات قانون "قيصر" الذي يستثنيها أصلاً من العقوبات، وستشكل هذه المرحلة، ونتيجة تقلص قدرة الأسد على استرجاع هذه المناطق، فرصةً للأكراد لتكريس استقلالهم عن سوريا.
  • المعارضة السورية: بينما أثير جدل داخل أوساط المعارضة حول أثر قانون قيصر في النظام السياسي، وتداعياته السلبية على الشعب السوري الذي سيتأثر بالعقوبات بشكل غير مباشر، فإن المعارضة تدرك أن القانون لن يؤدي إلى إطاحة نظام الأسد، لكنه على الأقل سيقوض القدرات الاقتصادية للنظام، وسيُضعف البنية الأمنية والعسكرية للنظام، وعليه سيكون أثره على الأمد البعيد، إذ إنه سيسهم في إضعاف موقفه التفاوضي في عملية التوصل إلى حل سياسي للصراع.   

2. الخاسرون

  • روسيا: يشكّل قانون "قيصر" ضربةً قوية للشركات الروسية التي جهّزت نفسها لقطف ثمار النصر العسكري في سوريا، حيث تقضي العقوبات على أمل روسيا في بدء حملة عالمية لإعادة البناء قبل مرحلة انتقال سياسي تُرضي الغرب. ويُضعف القانون قوّة أوراق روسيا في سوريا؛ إذ يُظهرها بمظهر العاجز أمام قوّة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد يؤدي إلى استنزاف روسيا مالياً إذا أرادت المحافظة على بنية النظام السوري من الانهيار، لكن الأخطر من ذلك أنه يحوّلها إلى عدو في نظر السوريين ساهم بوصولهم لهذا الوضع. وقد طالب المتظاهرون الذين خرجوا في السويداء في الأيام الماضية بخروج القوات الروسية من سوريا، في مؤشر واضح على وجود اتجاهات جديدة في البيئة القريبة من النظام ضد روسيا.
  • إيران وحزب الله: سعت إيران و"حزب الله" إلى منع سقوط نظام الأسد اقتصادياً، ولو على حساب انهيار الوضع الاقتصادي اللبناني، وذلك انطلاقاً من أن صمود النظام السوري وبقاءه يشكّل قصة نجاح إيرانية من غير المسموح سقوطها، بالإضافة إلى ذلك يمتلك الطرفان استثمارات ومصالح كبيرة في سوريا سيكون للعقوبات أثر مدمر عليها، فضلاً عن كون العقوبات تطالهما بشكل مباشر، الأمر الذي سينعكس على أدائهما في سوريا، ويزيد من سلة متاعبهما الاقتصادية والعسكرية في سوريا.
  • الصين: ستؤثر العقوبات الأمريكية الجديدة في جهود الصين في إطار مبادرة "الطريق والحزام"، إذ تحتل سوريا موقعاً مهماً في هذه المبادرة، كما راهنت شركاتها على الحصول على حصة معتبرة من مشاريع إعمار سوريا. والمرجح أن الشركات الصينية لن تغامر في تحدي العقوبات الأمريكية، وقد سبق لشركاتها الانسحاب من فنزويلا لتجنب العقوبات الأمريكية.

الانعكاسات المحتملة على الوضع الميداني

من غير المرجح حصول تغييرات مهمة في الوضع الميداني العسكري في المدى القريب، حيث سيتركز اهتمام الأطراف، وخاصة روسيا وإيران ونظام الأسد، على البحث عن وسائل اقتصادية وسياسية للتخفيف من حدّة العقوبات على النظام السوري ومنعه من الانهيار، وخاصة أن التفسيرات الأمريكية للقانون تشدّد على منع النظام وحلفائه من استخدام قوتهم العسكرية لتغيير الأوضاع في سوريا وخاصة في إدلب، ما يعني أن القانون يضع خطوط حمراً على أي تحرك بهذا الاتجاه.

ورغم ارتفاع حدّة التوتر في إدلب، وخاصة في منطقة جبل الزاوية التي تشرف على الطريق الدولي M4، ورغم التوتر الحاصل بين روسيا وتركيا في الساحة الليبية، والذي عكسه تأجيل زيارة كلٍّ من وزيرَي الخارجية والدفاع الروسيَّين إلى تركيا لإجراء مباحثات حول الأوضاع في سوريا وليبيا، إلا أن روسيا ستكون حذرة في هذه المرحلة من اتخاذ خطوات تصعيدية في سوريا قبل استكشاف طبيعة التوجهات الأمريكية ما بعد سريان تطبيق "قيصر".

بيد أن ذلك لن يمنع السياسة الروسية، التي قامت على مزيج من استخدام الدبلوماسية والضربات العسكرية، من التفكير بتحريك الأوضاع، وتحديداً في إدلب، التي تعتبر أسهل من مناطق شرق الفرات، وذلك لتحقيق هدف مزدوج: فحص ردة الفعل الأمريكية في هذه المرحلة، وتذكير تركيا بحجم قوتها بعد محاولتها تجاوز الخطوط الروسية الحمر في ليبيا.

وبناءً على ذلك يرجح في المرحلة المقبلة حصول واحد أو أكثر من هذه السيناريوهات:

السيناريو الأول: لجوء روسيا إلى التفاهمات والمساومات مع الأطراف الداخلية والخارجية للحفاظ على مصالحها الجيوسياسية في سوريا، وستسعى روسيا إلى تنشيط القنوات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، إذ أكد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، مؤخراً، أنّ روسيا "مستعدة للانخراط فوراً بحوار موسع مع الولايات المتحدة حول كل الملفات التي تخص الوضع في سوريا". وفي خط مُوازٍ تعمل روسيا على إعادة إحياء مسار أستانة وتقريب وجهات النظر التركية والإيرانية، والضغط على نظام الأسد من أجل استئناف مفاوضات اللجنة الدستورية (وهنا يأتي التصريح الأخير للمبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسن، الذي أعرب عن أمله بعقد اللجنة الدستورية السورية جلستها الثالثة في أغسطس المقبل)، والانخراط بشكل جدي في مسار التسوية وتجميد القتال في إدلب، والحفاظ على الموارد لدعم الاقتصاد في المرحلة المقبلة؛ وذلك بهدف وقف حدّة انحدار الاقتصاد السوري والحفاظ على النظام السياسي في المرحلة المقبلة.

هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث يتطابق مع رغبات روسيا في تحقيق نتائج إيجابية لتدخلها العسكري في سوريا، وتجنب الغرق في مستنقع يستنزف قدراتها الاقتصادية والعسكرية.

السيناريو الثاني: استخدام القوّة العسكرية المباشرة في إدلب، أو من خلال وكلاء في مناطق شرق الفرات. وشرط تطبيق هذا السيناريو فشل تحركات روسيا الدبلوماسية وإغلاق الولايات المتحدة الباب نهائياً في وجه المساعي الروسية، ما لم يتم تطبيق الشروط التي حددتها لتخفيف العقوبات. في هذه الحال ستجد روسيا نفسها مضطرة للجوء إلى استراتيجية "حرب التحريك"، حتى لا يُصار إلى وضعها في مأزق اقتصادي وعسكري يستنزفها. وهذا السيناريو لن يتم اللجوء له قبل استنفاد كل الوسائل الدبلوماسية.

السيناريو الثالث: ترك الأمور على حالها، في حال كانت طريق الدبلوماسية وعرة وغير مجدية، وطريق الحرب مكلّفة وغير عقلانية. وفي هذه الحالة ستلجأ روسيا إلى الرهان على الانتخابات الأمريكية في نوفمبر المقبل، واحتمال مجيء إدارة ديمقراطية لا تهتم كثيراً بالشأن السوري (كإدارة أوباما الديمقراطية)، أو أن تتغير أولويات إدارة ترمب في عهدها الثاني.

أحدث المواضيع المميزة