سلاسل التوريد وأزمة "كوفيد-19": المشكلات الراهنة والاتجاهات المستقبلية المحتملة

محمد فايز فرحات | 26 أبريل 2020

مثَّلت "سلاسل التوريد" إحدى الإفرازات والأبعاد الأساسية للعولمة الاقتصادية؛ فهي من ناحية، أحد مظاهر عولمة عملية الإنتاج، وهي من ناحية أخرى إحدى الآليات التي لجأ إليها المُنْتِجُون والشركات الكبرى للاستفادة من العولمة عبر الاستفادة من المزايا النسبية المتاحة في كل دولة لإنتاج مكون/ مكونات محددة في إطار عملية إنتاج السلعة النهائية، ما أدى إلى اعتماد المُنْتَجْ النهائي –على مستوى كل شركة- على مجموعة من الموردين لتوريد مجموعة من المنتجات الأولية أو الوسيطة التي تدخل في إنتاج هذا المُنْتَجْ. ويختلف حجم سلسلة الموردين من حالة إلى أخرى، ففي بعض الحالات قد تقتصر هذه السلسلة على مورد واحد فقط، بينما قد تصل في حالات أخرى إلى عشرات الموردين. كما قد يتوزع هؤلاء الموردين على أكثر من دولة.

وساهم في اتساع حجم سلاسل التوريد وتعقُّدها العديد من المعطيات والعوامل، أهمها تحول نسبة كبيرة من السلع والخدمات إلى سلع قابلة للتجارة، بسبب التطور الذي حدث في وسائل النقل والخدمات اللوجيستية، أو ما يُعرَف بخدمات التجارة. وقد نجحت الصين في الاستحواذ على نسبة كبيرة من سلاسل التوريد، لعوامل عدة، أبرزها رخص تكلفة الأيدي العاملة، والخدمات اللوجيستية المرتبطة بعمليات الإنتاج والتوريد والنقل.. إلخ.

وقد نتج عن تركُّز أزمة "كوفيد-19" في الصين، خلال الفترة من ديسمبر 2019 وحتى فبراير 2020، توقُّف العديد من هذه السلاسل عن العمل، ما أدى إلى توقف عدد من الشركات الكبرى -سواء داخل الصين أو خارجها- عن الإنتاج، الأمر الذي أثار في حينه التساؤلات حول جدوى الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية. لكن مع اتساع رقعة انتشار الفيروس وانتقاله إلى أوروبا والولايات المتحدة ومعظم الأقاليم الأخرى، اتخذت مشكلة سلاسل التوريد طابعاً عالمياً أكثر من كونها مشكلة صينية، ومن ثمّ انتقل السؤال من جدوى الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية إلى مناقشة مشكلة سلاسل التوريد بشكل عام.

وأزمة "كوفيد-19" ليست هي الأولى من نوعها التي تؤثر على عمل سلاسل التوريد، فقد سبقها خلال العقد الأخير مجموعة من الأزمات، سواء أكانت أزمات طبيعية، مثل بركان أيسلندا، وزلزال اليابان 2010 وما تبعه من أزمة تسونامي، وفيضانات تايلاند، أو أزمات ذات طبيعة اقتصادية، مثل قرار الحكومة الصينية في عام 2011 فرض حصص على صادراتها من المعادن النادرة (17 عنصراً، تدخل في بعض الصناعات المهمة، مثل الهواتف المحمولة، وبطاريات السيارات الكهربائية، ومراوح التوربينات، وأجهزة التوجيه اللاسلكي في الأسلحة)، ما أدى إلى ارتفاع أسعار هذه المواد إلى مستويات قياسية، خاصة في ظل استئثار الصين بأكثر من 90% من حجم الناتج العالمي من هذه المواد. أضف إلى ذلك، تأثير الحرب التجارية الأمريكية-الصينية خلال العامين 2018 و2019 على عمل هذه السلاسل داخل الصين.

لكن مع أهمية هذه الأزمات تجدر الإشارة إلى ملاحظتين مهمتين. الأولى، أنها لم تكن على نطاق جغرافي واسع، حيث اقتصرت في معظمها على دول أو مناطق محددة، ومن ثمّ اقتصر تأثيرها على سلاسل التوريد العاملة داخل هذه المناطق. ومن ناحية أخرى، لم تكن أي من هذه الأزمات بنفس حدة وعمق أزمة "كوفيد-19"؛ وهذان العاملان لم يدفعا "سلاسل التوريد" إلى محاولة التأقلم مع هذه الأزمات. في المقابل، اتسمت أزمة "كوفيد-19" بالحدة والعمق، لتطال القطاعات الاقتصادية كافة، ومعظم -إن لم يكن كل- دول العالم، خاصة الاقتصادات الرئيسة الآسيوية والأوروبية والأمريكية، المُتقدِّمة والناشئة والنامية على السواء، الأمر الذي أثَّر على جانبي الطلب والعرض معاً، فضلاً عن عدم وجود أفق زمني محدد لانتهاء الأزمة. هذه الحدة والشمول الجغرافي والقطاعي كشفا عن العديد من أوجه قصور البنية الحالية لسلاسل التوريد، كما دشَّنا نقاشاً واسعاً حول ضرورة تأقلم هذه الظاهرة المهمة مع هذا النمط غير التقليدي من الأزمات.

المشكلات الأساسية لسلاسل التوريد في ضوء أزمة "كوفيد-19"

كشفت أزمة "كوفيد-19" عن عدد من نقاط الضعف التي تُعاني منها سلاسل التوريد؛ بعض هذه المشكلات كان معروفاً قبل بداية الأزمة الراهنة، ومع ذلك لم تُقْدِم معظم الشركات على معالجتها لأسباب مختلفة، لكن حدة أزمة الوباء الحالية جعلت مواجهة هذه المشكلات شديدة الأهمية.

1. غياب خرائط كافية حول سلسلة توريد كل مُنْتَجْ

في ظل غياب الأزمات الحادة من نوعية أزمة "كوفيد-19" لم يُولِ المُنْتِجُون والشركات الكبرى اهتماماً كافياً ببناء خرائط تفصيلية حول سلاسل التوريد المغذية لعملياتهم الإنتاجية. وينصرف بناء هذه الخرائط إلى ثلاثة أنواع من المعلومات الأساسية، الأول، يتعلق ببناء قواعد بيانات حول كامل حلقات سلسلة الموردين المرتبطين بالمُنْتَجْ، حيث اكتفت النسبة الغالبة من الشركات والمُنْتِجِين بمعرفة الحلقة الأولى فقط من الموردين أو الصف الأول المباشر، بينما أُهمِلَت الحلقات الخلفية المتتالية الأخرى. بمعنى آخر، فإنه رغم إدراك المُنْتِجُون اعتمادهم على سلسلة متتالية ومترابطة من المورِّدين، وأن الحلقة الأخيرة المباشرة تلك ليست سوى حلقة واحدة قبل النهائية من عملية متتالية من سلاسل التوريد، لكنهم أغفلوا ضرورة بناء قواعد بيانات كاملة حول هؤلاء الموردين بدءاً من الحلقة المباشرة وانتهاء بحلقة توريد الموارد الخاص.

ويتمثل النوع الثاني من المعلومات في بناء قاعدة بيانات حول المورِّدين الموازيين أو البديلين الذي يمكن الاعتماد عليهم في حالة تعرَّض أي من حلقات سلسلة التوريد لمشكلة ما، بما يتضمنه ذلك من معلومات حول الميزات النسبية لكل مُوَرِدْ، والأسعار، والمواصفات الفنية للمُنْتَجْ، ومدد التوريد. ويتعلق النوع الثالث ببناء قاعدة بيانات حول التوزيع الجغرافي لسلاسل التوريد؛ ففي ظل الاعتماد على التواصل الإلكتروني لم يُولِ المُنْتِجُون اهتماماً كافياً ببناء قاعدة بيانات حول هذا النمط من التوزيع.

وهكذا، فقد أدى تعرُّض إحدى حلقات سلسلة التوريد لمشكلة، أو توقُّفها عن التوريد لسبب ما، إلى تعطُّل عمل باقي حلقات السلسلة، وعدم قدرة الحلقات التالية على توفير بدائل لهؤلاء المورِّدين في الوقت المناسب بسبب عدم وجود قواعد بيانات كافية حول الموردين البديلين ونمط توزُّعهم الجغرافي. فقد كشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة Resilinc في أواخر شهر يناير وأوائل شهر فبراير 2020 على عينة من 300 شركة تأثرت بتعطل سلاسل التوريد بفعل أزمة "كوفيد-19"، أن 70% من هذه الشركات لا زالت في مرحلة جمع المعلومات وتقييم الموقف، ومحاوله معرفة أي من مورِّديها يعملون في المناطق المتأثرة بالأزمة والمناطق التي تم إغلاقها في الصين حتى وقت تنفيذ الاستطلاع.

وساهمت عوامل عدة في عدم بناء هذه "الخرائط" خلال مرحلة ما قبل الأزمة؛ بعض هذه العوامل يتعلق بغياب الأزمات الحادة على غرار "كوفيد-19"، ما أدى إلى عدم تعرُّض "سلاسل التوريد" لأزمات كاشفة عن خطورة وتكاليف غياب هذه "الخرائط". وبعضها الآخر مرتبط بارتفاع تكلفة بناء هذه الخرائط التفصيلية، حيث يتطلب بناءها موارد مالية ضخمة وعناصر بشرية كثيرة. ويتعلق بعضها أيضاً بتركُّز جزء من هذه المعلومات في يد موظفي أقسام المشتريات، الذين إما أنهم لم يدركوا أهمية هذه المعلومات وأهمية بناء هذه الخرائط، أو عدم استقرارهم بسبب تَنَقُّلهمْ بين الشركات المختلفة. كما أشار بعض الشركات إلى عامل آخر مهم وهو عدم تعاون الموردين المباشرين في تقديم المعلومات الكافية حول حلقات التوريد السابقة عليهم، بسبب التخوف من الكشف عن التكاليف الحقيقية للمُنْتَجْ، وعلى نحو قد يؤثر على قدراتهم التنافسية الحقيقية. وأخيراً، يمكن الإشارة إلى عامل مهم يتعلق بمركزية متغير التكلفة في قرارات المُنْتِجِين في تحديد سلاسل التوريد، ما أدى إلى اعتمادهم على موردين ثابتين نسبياً، وإهمالهم بناء قائمة من الموردين البديلين في حالات الأزمات، بسبب ارتفاع تكاليف هؤلاء الموردين. وأدى التركيز على عامل التكلفة إلى إنتاج مشكلة أخرى، وهي الاعتماد المكثَّف على سلاسل التوريد الصينية المنشأ، ما أدى إلى تطور مشكلة التركز الجغرافي لسلاسل التوريد، على نحو ما سيتم مناقشته فيما يلي.

2. التركُّز الجغرافي لسلاسل التوريد

تطورت مشكلة التركُّز الجغرافي لبعض سلاسل التوريد نتيجة عدد من لعوامل، بعضها متصل بالميزات النسبية التي تمتعت بها بعض الأسواق، ما أدى إلى تمتُّعها بميزات تنافسية ضخمة في مواجهة المُنْتِجِين أو الموردين المنافسين. وتبرز هنا الحالة الصينية نموذجاً صارخاً لذلك، حيث تمتَّع الموردون الصينيون بميزات تنافسية ضخمة في مواجهة الموردين المنافسين من خارج الصين، بسبب انخفاض تكاليف عناصر الإنتاج بشكل عام، خاصة الأيدي العاملة وتكاليف رأس المال (الحوافز الضريبية، وحوافز الاستثمار.. إلخ)، فضلاً عن تقدُّم الخدمات اللوجيستية وعلى رأسها الخدمات المالية والنقل، ما أدى إلى تمتع الموردين الصينيين بميزات تنافسية في مواجهة الموردين المنافسين من خارج الصين، واتجاه العديد من الشركات المُنْتِجَة للعديد من السلع الوسيطة إلى بناء خطوط إنتاج لها داخل الصين.

وهكذا، فقد استحوذت الصين على النسبة الأكبر من سلاسل التوريد في العالم، خاصة تلك المرتبطة بصناعات السيارات والإلكترونيات، والأدوية، والمعادن، والمنتجات الطبية (ولاسيما الأقنعة وقفازات اليد). كما أدى الاعتماد على عدد محدود من الموردين إلى استفادة هؤلاء من اقتصاديات الحجم الكبير، ومن ثمّ تخفيض تكلفة إنتاج الوحدة، بشكل ساهم في تركز عمليات الإنتاج والتوريد في سلاسل محددة بالنسبة لبعض الصناعات.

لكن رغم مركزية السوق الصينية في هذا المجال، فإن هذا لم يحُل دون تركُّز بعض سلاسل التوريد النوعية المهمة في دول بعينها، بسبب حقوق الملكية الفكرية. من ذلك على سبيل المثال استحواذ تايوان على 22% من القدرات الإنتاجية العالمية للدوائر المتكاملة من أشباه الموصِلَاتْ semiconductor integrated circuit. كما تتركز 67% من هذه النسبة في يد شركة واحدة في تايوان هي "شركة تصنيع أشباه الموصِلَاتْ" Taiwan Semiconductor Manufacturing Company (TSMC)، حيث تعتمد شركة آبل، على سبيل المثال، اعتماداً كاملاً على هذه الشركة للحصول على الرقائق الإلكترونية اللازمة لتصنيع منتجاتها. الأمر نفسه فيما يتعلق بالشركة التايوانية المشار إليها، حيث تعتمد بدورها اعتماداً كاملاً على شركة وحيدة في هولندا لتوريد "أنظمة الليثوغرافيا" أو "أنظمة الطباعة الحجرية" Lithography Systems، وهي "شركة أشباه الموصِلَاتْ المتقدمة الدولية"Advanced Semiconductor Materials International (ASMI). كما تعتمد الأخيرة بدورها على شركة ألمانيا لتوريد "المحركات البصرية "optical engine، وهكذا.

هذا النمط الأخير من التركُّز الجغرافي لسلاسل التوريد يجعل من الصعب إدخال تغيير على هذه السلاسل أو إحلال موردين آخرين محل هؤلاء الموردين بسبب التخصص الدقيق وقيود حقوق الملكية الفكرية. كما يُفسِّر ذلك المبادرة الصينية "صنع في الصين 2025"، والتي تهدف إلى الارتقاء بالصناعة الصينية ومحتواها التكنولوجي المحلي، والوصول بهذا المحتوى إلى 70% بحلول عام 2025.

اتجاهات التحوُّل المحتملة في سلاسل التوريد

في ضوء المشكلات السابقة التي كشفت عنها أزمة "كوفيد-19"، بدأ نقاش بالفعل حول مستقبل "سلاسل التوريد"؛ وسيرتبط هذا المستقبل إلى حد كبير بمستقبل العولمة الاقتصادية، بالنظر إلى العلاقة القوية بين الأمرين. لكن بعيداً عن الاتجاهات المتطرفة التي ذهبت إلى نهاية العولمة وتنامي الاتجاه نحو الانغلاق والاكتفاء الذاتي، ما يعني انتهاء عولمة الإنتاج و"سلاسل التوريد"، فإن الاتجاه الأغلب هو إجراء بعض أشكال التصحيح وتأقلم العديد من الظواهر مع هذا النمط غير التقليدي من الأزمات، على نحو يقلل من الخسائر والتكاليف الاقتصادية حال تكرارها، ويصدق ذلك على "سلاسل التوريد".

وفي هذا السياق، يمكن طرح الاتجاهات المختلفة لتأقلم ظاهرة "سلاسل التوريد" في ضوء الأزمة الراهنة.

1. بناء الخرائط التفصيلية حول سلاسل التوريد

رغم الصعوبات التي واجهت عملية بناء هذه الخرائط خلال مرحلة ما قبل الأزمة، لكن من المتوقع أن تُقْدِمْ النسبة الأكبر من الشركات والمُنْتِجِين على بناء هذه الخرائط، بأبعادها الثلاثة السابق تناولها، وبصرف النظر عن تكلفتها، وقد تظهر بعض الشركات المتخصصة في بناء هذه الخرائط. كما اقترح البعض عدداً من الآليات للتغلب على مشكلة عدم إقدام بعض الموردين على مشاركة البيانات المتاحة لديهم حول حلقات التوريد السابقة عليهم، من بينها شراء هذه البيانات، والاعتماد على أنظمة تقنية تضمن عدم إتاحة هذه المعلومات لطرف ثالث.

2. التوزيع الجغرافي الواسع للمورِّدين

على الرغم من أن اتساع نطاق أزمة "كوفيد-19"، وتجاوزها الحدود الصينية، ما يعني تأثر سلاسل الإنتاج في كل الأقاليم، لكن هذا لا ينفي ما كشفت عنه الأزمة من خطورة الاعتماد على مجموعة من الموردين أو "سلسلة توريد" تتسم بالتركز الجغرافي في دولة ما أو إقليم جغرافي محدد، ومن ثمّ الاتجاه نحو الاعتماد على سلسلة توريد تنتشر على نطاق جغرافي واسع نسبياً. ومن المتوقع في هذا الإطار أن تتراجع الأهمية النسبية لمتغير التكلفة/ السعر في تحديد المُنْتجِين لسلاسل التوريد، وإعطاء وزن أكبر لعامل ضمان تدفق عمليات التوريد.

لكن هذا التوجُّه سيواجه صعوبات عدة، يتعلق بعضها بالتغيرات المتوقعة في هياكل التكاليف خاصة في حالة ارتفاع تكاليف الموردين البديلين، وسيعتمد على مدى وجود موردين بديلين في الأسواق البديلة بنفس الاشتراطات الفنية المطلوبة. بمعنى آخر، سيعتمد الأمر على درجة مرونة جانبي الطلب والعرض.

وسيظل السؤال الرئيس متعلقاً بمستقبل موقع الصين داخل أسواق "سلاسل التوريد". فقد خلقت الأزمة في مرحلتها الأولى اتجاهاً مؤيداً لضرورة تخفيف الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية بالنظر إلى غلبة الطابع الصيني على الأزمة خلال الشهور الأولى، لكن مع اتساع نطاقها ليشمل كل الاقتصادات والأقاليم تقريباً، أدى هذا إلى تراجع الهوية الصينية للأزمة. لكن مع ذلك، ليس من المتوقع استبعاد التوجه نحو تخفيف الاعتماد الكثيف على سلاسل التوريد الصينية لأسباب عدة، أبرزها:

أ. ما كشفت عنه خبرة أزمة "كوفيد-19" عموماً بشأن خطورة التركز الجغرافي لسلاسل التوريد؛ فعلى الرغم من خصوصية هذه الأزمة، لكن سيظل التوزيع الجغرافي لسلاسل التوريد أحد دروسها الأساسية.

ب. ما كشفت عنه الأزمة إزاء خطورة تركز سلاسل توريد بعينها داخل الصين، خاصة تلك المرتبطة بالقطاع الصحي. فقد كشفت أزمة وباء كورونا عن حالة الانكشاف التي يعاني منها هذا القطاع في أوروبا بشكل خاص، بسبب اعتماده الكثيف على سلاسل التوريد الصينية، على نحو ما سَيُشَارْ إليه لاحقاً.

ج. ما ارتبط بالأزمة نتيجة تنامي حالة الاستقطاب السياسي بين الولايات المتحدة والصين، وما تلاها من جدل بين هذه الأخيرة وبعض الدول الأوروبية، حول حجم مسئولية الصين عن اتساع نطاق أزمة "كوفيد-19" عالمياً بسبب تعمُّدها إخفاء بعض الحقائق والمعلومات حول طبيعة الفيروس ومعدلات وطرق انتشاره، فضلاً عن تأثيرها – كما جادلت الإدارة الأمريكية - على أداء منظمة الصحة العالمية. ومن المتوقع أن يدشِّن هذا الاستقطاب استئناف الحرب التجارية الأمريكية-الصينية. وفي هذه الحالة من المتوقع أن تمثل سلاسل التوريد - أخذاً في الاعتبار كل المعطيات السابقة - ساحة مهمة لهذه الحرب.

لكن مع أهمية كل هذه الاعتبارات فإن تراجع حجم الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية لن يكون سهلاً؛ فحتى في حال اتخذت قرارات سياسية بتخفيف الاعتماد على هذه السلاسل، فإن الأمر سيعتمد في التحليل الأخير على جملة من المتغيرات والمحددات سبق الإشارة إليها. أضف إلى ذلك، امتلاك سلاسل التوريد الصينية عدد من الميزات التنافسية المهمة، سواء ذات الصلة بمناخ الأعمال بشكل عام، أو تلك المرتبطة بهيمنة الصين على سوق المعادن النادرة، كما أشرنا آنفاً. وبعيداً عن حالة الصين، فإن سلاسل التوريد الاحتكارية المستندة إلى حقوق الملكية الفكرية سيكون من الصعب تجاوزها.

وبمعنى آخر، فإنه على الرغم من الأهمية التي كشفت عنها أزمة "كوفيد-19" لتفكيك مشكلة التركز الجغرافي لسلاسل التوريد، فإن الوصول إلى هذا الهدف سيتطلب فترة زمنية ليست قليلة، وسيعتمد ذلك على جملة من المتغيرات.

3. الاتجاه إلى الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات

بعيداً عن الدوافع والحسابات الاقتصادية، قد يلجأ بعض الحكومات إلى اتخاذ قرارات استراتيجية بعدم الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية، والخارجية بشكل عام، في بعض القطاعات التي قد تُصنَّفْ على أنها قطاعات "استراتيجية"، ويأتي القطاع الصحة والمنتجات الطبية على رأس هذه القطاعات. وقد عبَّر عن هذا التوجه وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي برونو لي ميرBruno Le Maire  الذي أشار صراحة في 21 فبراير الماضي إلى خطورة الاعتماد على الصين وآسيا في توفير الكثير من السلع (90% من البطاريات، 80% من المواد الفعالة اللازمة لصناعة الأدوية)، ودعا إلى دراسة تفصيلية لنقاط الضعف الاستراتيجية في مختلف القطاعات الصناعية الفرنسية، الناتجة عن الاعتمادية المكثفة على سلاسل التوريد الخارجية في الصين وآسيا، والعمل على إصلاح هذه المشكلات. لكن الوصول إلى هذا الهدف أو معدلات الاعتمادية المطلوبة أو الآمنة سيأخذ وقتاً بكل تأكيد.

5. بناء مخزون استراتيجي من السلع الوسيطة

كشفت الأزمة الراهنة عن أهمية بناء مخزون أكبر آمِن من السلع الوسيطة أو النهائية يكفي لاستمرار العملية الإنتاجية أو وجود المُنْتَجْ في الأسواق لحين تجاوز الأزمة أو للتحول إلى موردين بديلين، وعلى نحو يسمح بتخفيف الضغوط الواقعة على المُنْتجِين أثناء إدارة الأزمات المتوقعة مستقبلاً. وسيَتْبَع هذا التوجه التوسُّع في بناء هذه المخزونات الضخمة وتوزيعها على مناطق جغرافية مختلفة.

وأخيراً، يمكن الإشارة إلى تزايد احتمالات "رقمنة" سلاسل التوريد؛ وستأخذ هذه "الرقمنة" أبعاداً عدة، بدءاً من بناء قواعد البيانات الرقمية حول هذه السلاسل، وانتهاء بزيادة حجم الاعتماد على تقنيات "الطباعة الثلاثية" والإنسان الآلي (الروبوت) في تنفيذ العمليات الإنتاجية لتخفيف الاعتماد على العامل البشري وقت الأزمات.

وهكذا، يتضح أن الاتجاهات الرئيسة لتأقلم "سلاسل التوريد" تتركز بالأساس في طريقة إدارتها أكثر منها في إعادة النظر فيها كآلية أو نمط لإدارة الإنتاج "المُعَوَلمْ".

استنتاجات وتوقُّعات

في ضوء التحليل السابق، سوف تشهد الفترة المقبلة مزيداً من الجدال حول مستقبل "سلاسل التوريد"، كجزء من الجدال المتوقع حول مستقبل العولمة الاقتصادية، وبعيداً عن الآراء المتطرفة في هذا الإطار، يُمكِن طرح عدد من الملاحظات حول مستقبل هذه سلاسل التوريد، وذلك على النحو الآتي:

  • كشفت أزمة "كوفيد-19" عن عدد من مظاهر ضعف سلاسل التوريد وعملياتها وطرائق إدارتها. ورغم تعرض هذه السلاسل لعدد من الأزمات خلال العقد الأخير، لكن القائمين على سلاسل التوريد، والمستفيدين منها، لم يستخلصوا من تلك الأزمات دروساً كافية للتعاطي مع أزمات مستقبلية أشد حدة من قبيل أزمة وباء فيروس كورونا المستجد.
  • رغم ظهور اتجاه يدعو إلى مراجعة العولمة الاقتصادية والعودة إلى بناء اقتصادات وطنية تُعلِي من مبدأ الاكتفاء الذاتي، لكن الاتجاه الأغلب يرى عدم تأثر العولمة والظواهر والعمليات المرتبطة بها هيكلياً، بما في ذلك "سلاسل التوريد". لكن هذا لن يحول دون مراجعة هذه المسألة ومعالجة مظاهر ضعفها الأساسية، خاصة مشكلتي غياب الخرائط التفصيلية حول سلاسل التوريد، والتركز الجغرافي.
  • من بين مظاهر الإصلاح الرئيسة المتوقعة بعد أزمة "كوفيد-19"، التوجُّه نحو نشر سلاسل التوريد على نطاق جغرافي أوسع، وتراجع الأهمية النسبية لمعيار التكلفة/ السعر بوصفه معياراً وحيداً في اختيار الشركات والمُنْتجِين لسلاسل التوريد الخاصة بها، واحتمال التخلِّي عن بعض سلاسل التوريد الصينية، وهو ما يعني وجود فرصة مهمة لدى الاقتصادات الناشئة للاستفادة من هذا التحوُّل. لكن حجم هذه الاستفادة سيعتمد على عوامل كثيرة، أهمها قدرة سلاسل التوريد داخل هذه الاقتصادات على المنافسة، وعلى حجم القرارات المركزية من جانب المُنْتجِين للتحول بعيداً عن السوق الصينية، وهي قرارات لن تكون سهلة.
  • سوف يتأثر نصيب الصين من حجم سلاسل التوريد على المستوى العالمي بلا شك، لكن حجم هذا التأثر يظل موضوع جدال، والعديد من العوامل لا تزال تعمل لمصلحة السوق الصينية في هذا المجال. ورغم حدة الأزمة الراهنة، إلا أن التقييم الأخير لحجم تأثيرها على سلاسل التوريد العالمية، وحجم قرارات التحوُّل عن سلاسل التوريد الصينية ستحكمه عوامل عدة سبق تناولها بالتفصيل. أضف إلى ذلك، فإن الحكومة الصينية نفسها تأخذ هذه التحدي في الاعتبار، الأمر الذي قد يستتبعه المزيد من دعمها للقدرات التنافسية لسلاسل التوريد في مرحلة ما بعد الأزمة الراهنة.
  • هناك بعض الصناعات سيتراجع فيها الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية، والخارجية بشكل عام، في شكل أكثر وضوحاً، خاصة قطاع الدواء والمنتجات الطبية، والقطاعات التي سيتم تصنيفها لاحقاً على أنها قطاعات "استراتيجية"، لكن هذا التحول سيأخذ وقتاً بالنظر إلى ارتفاع نسبة الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية في بعض هذه القطاعات. 

أحدث المواضيع المميزة