أبعاد تنافُس الولايات المتحدة والصين وتأثيره على الشرق الأوسط

أحمد أبو دوح | 17 مارس 2021

بدأت مؤشرات السياسة الأمريكية تجاه الصين تتضح. وتعكس هذه السياسة نهجاً أمريكياً قائماً على الحوار، دون التخلي عن التشدد الذي تبنته إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. وتُحلل هذه الورقة سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه الصين، ومحددات السياسة الصينية المقابلة. وتسلط الضوء على موقف دول الشرق الأوسط، لاسيما في منطقة الخليج، مع اشتداد التنافس بين القوتين الكبيرتين.

عناصر سياسة بايدن تجاه الصين

تُشير تحركات إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، منذ توليه الحكم رسمياً في يناير الماضي، إلى التركيز على بناء سياسة تجاه الصين قائمة على التحالفات. وتشمل هذه السياسة محاولة التنسيق مع حلفاء واشنطن لمواجهة سياسات الصين الخارجية، وإعادة تعزيز نفوذ الولايات المتحدة في المنظمات الدولية. ويُبيِّن هذا التوجه، في كثير من الأحيان، أن محددات سياسة الإدارة الأمريكية تجاه الصين ليست متصلة حصرياً بإدارة واشنطن للعلاقات الثنائية مع بيجين، بقدر تأثرها بإدارة علاقاتها مع الدول الأخرى أيضاً.

وتنطلق الإدارة الجديدة من موقف ضعف في منطقة شرق آسيا إثر سياسات الإدارة السابقة الانعزالية، وتأثير جائحة كورونا. وقد لفت انتباه المسؤولين والمحللين الصينيين فشل ضغوط الإدارة السابقة على كلٍّ من اليابان وكوريا الجنوبية لزيادة انفاقهما الدفاعي. وكان نجاح الصين في إقناع أغلب دول المنطقة للانضمام إلى الاتفاقية الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) ضربة للنفوذ الأمريكي.

قُرْب منتصف مارس، انعقدت قمة "كواد" التي ضمَّت زعماء الولايات المتحدة، واليابان، والهند، وأستراليا، وركَّزت نقاشاتها على الصين. وأظهرت القمة أن بايدن يرغب في توسيع نطاق التعاون بين أعضاء المجموعة، ليشمل عناصر "القوة الناعمة" بالإضافة إلى بعدها العسكري.[1] وهذا الأسبوع، وصل وزير الخارجية أنتوني بلينكن ووزير الدفاع لويد أوستين إلى اليابان في إطار زيارة تشمل كوريا الجنوبية أيضاً.[2] وقد أعلنت واشنطن عن قُرْب عقد لقاء رفيع المستوى في ألاسكا بين وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان من جهة، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي الصيني يانغ جيتشي ووزير الخارجية وانغ يي من جهة أخرى.[3]

وعلى المستوى الثنائي مع الصين، تتبنى إدارة بايدن بُعداً موازياً قائماً على التوازن بين الدبلوماسية في قضايا يتفق حيالها الطرفان، والردع في الملفات الخلافية. والهدف الاستراتيجي من هذا النهج هو تبنِّي الحوار، لكن بدرجة أقل من إدارة باراك أوباما، بالتزامن مع الإبقاء على سياسة المواجهة، لكن بدرجة أقل من إدارة ترامب.[4]

أحد أهم القضايا الخلافية التي من المتوقع أن تشغل أجندة البلدين، وتشهد اشتداد حدة التنافس بينهما، هي التكنولوجيا. ويرى وانغ دا، نائب مدير المعهد الأمريكي بجامعة جيلين الصينية، أن الولايات المتحدة "ستستمر في تبني سياسة متشددة تجاه الصين في مجالات معينة، كشبكات الجيل الخامس 5G والحوسبة الكمية والذكاء الإصطناعي، لكنها ستخفف من سياسة ‘الإنفصال’ العدوانية في مجالات أخرى أقل حساسية".

وقد تعهَّدت حملة بايدن بتخصيص 300 مليار دولار للابتكار، وسيكون ذلك المحرك الرئيس خلف سياسة الولايات المتحدة، بالتوازي مع سعي واشنطن لتقويض قدرات الصين في مجال العلوم والتكنولوجيا.[5]

وعلى الصعيد السياسي، تبدو إدارة بايدن بلا خيارات سوى التشدُّد تجاه الصين؛ فأحد أهم الأهداف الاستراتيجية للرئيس بايدن هو إنهاء الانقسام السياسي الداخلي. ويُفهَم من ذلك أن تبني نهج مغاير عن إدارة ترامب تجاه الصين قد يُعمِّق الانقسام بشكل أكبر، ويعني هذا الموقف المعقَّد بالنسبة للإدارة أنه في الوقت الذي تكاد تنعدم الملفات التي قد تنتج توافقاً بين الديمقراطيين والجمهوريين، يبدو "التهديد الصيني" القضية التوافقية الأهم على الساحة السياسية الأمريكية الآن.[6]

وتشير تقارير إلى أن من بين رُبْع إلى ثُلْث الرجال في الولايات المتحدة قد يفقدون وظائفهم بحلول منتصف هذا القرن. بالإضافة إلى ذلك، تسبب اتساع نطاق العولمة، وعملية الرقمنة المتسارعة في ضغط كبير على طبقة العمال في بعض الولايات الحاسمة (ولايات حزام الصدأ) التي حقق فيها بايدن الانتصار بشق الأنفس في الانتخابات الرئاسية الماضية، مثل بنسيلفانيا وميشيغن وويسكونسن،[7] ما يعني أن هذه الطبقة هي مَنْ سيُحدد نتيجة الانتخابات الرئاسية مرة أخرى في عام 2024. وتُعزز هذه المعادلة السياسية المركبة توجُّه بايدن لتشديد سياسة التجارة مع الصين، وتُفسِّر تأكيد إدارته على إعادة النظر في اتفاق المرحلة الأولى من المفاوضات التجارية مع الصين، وعدم التسرع في رفع العقوبات التجارية عنها.

أمنياً، أصدر البيت الأبيض قواعد إرشادية لجميع الوكالات الأمريكية الإسبوع الماضي، ذكر فيها الصين أكثر من 20 مرة. وتعهَّد بايدن بتقوية الحضور العسكري الأمريكي في منطقة الإندو-باسيفيك، ودعم اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان في مواجهة ممارسات الصين "العدائية" في شمال شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي. وإلى جانب حلف الناتو وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، باعتبارها مكونات أساسية في الحلف الأمريكي، تعهَّدت الوثيقة بتقوية "الشراكة" الامريكية مع الهند وسنغافورة والفلبين وفيتنام وباقي دول آسيان.[8]

وقد أعلنت واشنطن هذا الشهر خططاً لبناء شبكة صواريخ موجهة وعالية الدقة على طول ما يسمى بـ"سلسلة الجزر الأولى"، التي تشكل خط الدفاع الاستراتيجي الأول بالنسبة للصين، وتضم تايوان والفلبين وجزر متنازع عليها مع اليابان.[9]

كما ظهر بوضوح اتجاه الإدارة الجديدة لمضاعفة الضغوط الإعلامية والدبلوماسية على الصين فيما يتصل بانتهاكات حقوق الإنسان في هونغ كونغ وشينجيانغ والتبت، وفيما يتصل بالتحقيق الدولي الخاصة بمصدر انتشار فيروس كورونا، إلى جانب ملف حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي.

في المقابل، ثمة ملفات تلتقي حولها وجهة نظر الطرفين. من هذه الملفات الحد من التسلح النووي، والتغير المناخي، ومكافحة الأوبئة، وهي أسس لنقاط تعاون بين الجانبين، إذ ركز عليها بايدن خلال اتصاله بالرئيس الصيني شي جينبينغ في فبراير الماضي.[10]

لكن المعضلة الأساسية التي ستواجه الإدارة الجديدة تكمن في اختلاف رؤية أغلب دول جنوب شرق آسيا للصين عن الرؤية الأمريكية، وعدم قدرتها على تحمل ضغوط استراتيجية واشنطن المدعومة أساساً بتفاعلات السياسة الداخلية في الولايات المتحدة. فهذه الدول تشترك مع الصين سياسياً واقتصادياً وجغرافياً وتاريخياً بمصير مشترك. وفوق ذلك، لا ينظُر أغلبها إلى العلاقات الأمريكية-الصينية باعتبارها معادلة صفرية كما هو الحال في واشنطن. ومن ثمَّ، سيكون على الولايات المتحدة ابتكار صياغات جديدة في تعاملها مع دول المنطقة.

محددات سياسة الصين تجاه إدارة بايدن

تتشكل وجهة النظر السائدة في الصين تجاه الولايات المتحدة على ثلاثة مستويات. المستوى الأول ينبُع من قناعة مفادها أن قدرة الدول المحايدة على عدم الاختيار بين القطبين الكبيرين ستصبح ضئيلة في المستقبل، وأحد أهم القطاعات التي سيكون على هذه الدول الانحياز فيها لطرف على حساب الآخر هو "النموذج التكنولوجي". ويُشبِّه بعض الأكاديميين الصينيين هذه العملية بـ"الاختيار بين أبل وأندرويد"، بمعنى أن السباق التكنولوجي بين الجانبيبن سينتج معسكرين يقدم كلاهما تقنيات خاصة ومختلفة عن المعسكر الآخر. وسيتسبب الضغط السياسي من قبل بيجين وواشنطن، أو ما يعرف بساسية "الانفصال"، في عدم الدمج بينهما من قبل الدول المحايدة.

ويرتكز المستوى الثاني على قاعدة العلاقات الثنائية؛ فقد باتت القيادة الصينية تدرك أن بقاء العلاقات مع الولايات المتحدة عند مستويات منخفضة أمر حتمي بسبب تفاعلات السياسة في واشنطن، لكن يمكن أيضاً تشريح الدور الصيني الفعال والمساهم في خلق التوافق الداخلي الأمريكي حول التشدد تجاه الصين، وهي نقطة ترفض بيجين الحديث عنها.

وعلى الجانب الصيني، لا تختلف فلسفة النظرة الصينية الداخلية للولايات المتحدة كثيراً عن التوافق الأمريكي حول الصين؛ فالمنطلقات الأساسية للسياسة الخارجية الصينية، منذ صعود شي جينبينغ لقيادة الحزب والدولة، تتلخص في القوة وحالة "الأنا" العالية. فشي يسعى إلى تقديم نفسه للصينيين باعتباره قائداً أقوى من الزعيم دنغ شياوبينغ، وفي نفس الوقت، يحاول شي توظيف المشاعر القومية المكثفة لتصوير نفسه نموذجاً محدثاً من ماو تسي تونغ.

أما المستوى الثالث فينطلق من نظرية صينية عامة وشاملة تقترح أن نفوذ الولايات المتحدة يتراجع بسرعة، في مقابل صعود الصين. وخلال المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي، تعهد شي بـ "جعل الصين قوية وغنية"، وأن تتحول إلى القوة الأولى عالمياً بحلول عام 2050. وخلال اجتماع عقد في الأسبوع الأول من مارس الجاري، ردد شي في العلن عبارة "الشرق ينهض والغرب يتراجع" التي تحولت في الآونة الأخيرة إلى شعار موحد ضمن غالبية خطابات المسؤولين الصينيين.[11]وكشف كذلك عن رؤيته للولايات المتحدة باعتبارها "أكبر تهديد على التنمية والأمن" في الصين.

وهذه النظرة المركبة تتضمن عنصراً مهماً قد يكون أقل وضوحاً، وهو أن اعتقاد القيادة الصينية بأن "الغرب يتراجع" لا ينفي إيمانها أيضاً بأن الولايات المتحدة ما زالت هي القوة المهيمنة في العالم، وستبقى كذلك لفترات طويلة مقبلة. وتمتد هذه الواقعية الصينية استناداً إلى محدودية القدرات الصينية، وإلى قناعة بأن الصين ما زالت غير قادرة على أن تقدم بديلاً عن الولايات المتحدة.[12]   

وقد سرعت الصين، خلال عام 2020، من إجراءاتها لتعظيم القوة الصينية في مواجهة ضغوط واشنطن، وزادت كذلك من تحركاتها في المنظمات الدولية، مثل منظمتي الصحة والتجارة العالميتين، ضمن السعي للتأثير في تركيبة النظام العالمي، وأعادت توظيف آليات تعاون دولي موجودة بالفعل، من قبيل مبادرة الحزام والطريق، لكي تتناسب مع الجائحة وتحول التكنولوجيا إلى قضية مركزية في العلاقات الدولية. وكثفت الصين أيضاً تواصلها الدبلوماسي مع الدول المجاورة لها، كاليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيان. وبالإضافة إلى ذلك، اقتنصت اتفاقاً كبيراً للاستثمار الحرّ مع الاتحاد الأوروبي.

وبالتزامن، أظهرت بيجين ثقة أكبر بالنفس إزاء الانتقادات الخارجية المتعلقة بتعاملها المتشدد مع قضايا حقوق الإنسان في هونغ كونغ وشينجيانغ والتبت، وانتهاكها لسيادة تايوان، وممارساتها في بحر الصين الجنوبي.

وتوضح هذه السياسات أن الممارسات الصينية المتشددة ربما تنضوي على رغبة القيادة في القيام بها فقط من أجل الإعلان عن امتلاك بيجين القدرة على فعلها، وتحدي الغرب، وتأكيد قوتها. لكن هذا التموضع المتشدد تسبب في انتقادات للحكومة الصينية، ويقول شي ينهونغ، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة رينمين، أن "مجرد قدرة الصين على اتخاذ إجراء مضاد لا يعني أنها يجب أن تفعل ذلك دائماً".[13]

وبالنظر إلى هذه المعادلة المعقدة، يمكن استنتاج أنه لم يعد هناك حوافز أمام شي جينبينغ لتغيير سلوك الصين، بالنظر للقناعة الصينية بأن الولايات المتحدة لا ترغب في تخفيف حدة المواجهة. لكن ثمة نقطة ضعف قد تستغلها إدارة بايدن لإجبار الحزب الشيوعي على تبنّي سياسات أكثر اعتدالاً، وهي التعددية الدولية. ففي وقت تبدو فيه احتمالات تحسُّن العلاقات بسبب التواصل على المستوى الثنائي معقدة، ما زالت الصين غير قادرة على الارتقاء لمستوى النِّد مع الولايات المتحدة وحلفائها مجتمعين. وفي الوقت نفسه، لم تتمكن الصين في السنوات الماضية من تشكيل تحالفات متينة مع عدد كاف من الدول القوية التي تمكنها من بناء تحالف مضاد في وجه نزعة بايدن نحو التعددية.[14]

وتحمل سياسات التحالفات الأمريكية في طياتها خطر تصاعُد النزعة القومية في الصين، خصوصاً وسط تسويق المسؤولين ووسائل الإعلام الصينية سعي واشنطن لإعادة بناء التحالفات بوصفها خطوة موجهة ضد أمن الصين ومصالحها. لكن، نجاح بايدن في قيادة حلفاء الولايات المتحدة لرسم سياسات منسقة تجاه بيجين، بالتزامن مع تقلص خيارات قيادة الحزب الشيوعي، قد يُجبِر الصين على تقديم تنازلات مهمة على المدى البعيد. 

موقف دول الشرق الأوسط من معادلة التنافس الجديدة

تجعل معادلة التنافس بين الولايات المتحدة والصين، منذ تولي إدارة بايدن الحكم، وضع الدول المحايدة في المنتصف أكثر صعوبة. وأحد المناطق التي قد تشهد تصاعداً في حدة التنافس بين الجانبين، هي الشرق الأوسط.

ولفهم رؤية الدول الإقليمية لمصالحها مع القوتين، يجب النظر إلى المؤشرات الأولية الصادرة عن إدارة بايدن تجاه المنطقة. فقد بات واضحاً أن الإدارة الأمريكية لديها رغبة في إعادة صياغة مقاربتها تجاه المنطقة، لكن من غير الواضح بعد مدى عُمْق هذه الخطوة وتأثيرها على البنية الأمنية الإقليمية التي ترعاها الولايات المتحدة، خصوصاً في منطقة الخليج.

وقد أعلن لويد اوستين عن إجراء مراجعة استراتيجية شاملة لوضع القوات الأمريكية حول العالم. ويبدو أن المسؤولين في البنتاغون يتجهون إلى إعادة النظر في وضع القوات الأمريكية في المنطقة (ليس شرطاً تقليصها)، وزيادة حجم القوات في منطقة الإندو-باسيفيك.[15] وإلى الآن، ركزت الإدارة الجديدة على إنهاء حرب اليمن، وإعادة إحياء مسار التفاوض حول الملف النووي الإيراني، لكنها لم تُظهِر اهتماماً كبيراً بملفات محورية أخرى. وبالتوازي، قلَّص جيك سوليفان عدد خبراء الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، ورَفَع بشكل ملحوظ عدد وتراتبية خبراء الإندو-باسيفيك. وعين أوستن ثلاثة مستشارين له، جميعهم من خبراء آسيا، ولم يكن من بينهم متخصصون في قضايا الشرق الأوسط.[16]

وتعكس هذه الخطوات رؤية إدارة بايدن للعالم من منظور "صراع القوى الكبرى" الذي ساد أيام الحرب الباردة، وتراجُع الشرق الأوسط على قائمة أولوياتها. ويُفسِّر التفكير الأمريكي غياب استراتيجية واضحة إلى الآن لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة. واستمراراً لنفس نهج إدارة دونالد ترامب، فإن الولايات المتحدة تظهر اهتماماً بما لا تريد، دون أن تقدم رؤية واضحة للنتائج التي تريد الوصول إليها من هذا الصراع.

ومن أهم التطورات غير المفضلة بالنسبة لواشنطن:

1. حدوث تعطل لصادرات النفط من الخليج، انطلاقاً من رغبة الاستمرار في ضمان تدفق الطاقة كأحد أدوات الحفاظ على النظام العالمي.

2. قيام الصين بتطوير شبكات الجيل الخامس 5G وتشغيلها في دول المنطقة، وارتباط ذلك بـ"الحرب الباردة" التكنولوجية المرشحة للتفاقُم، وما يمكن أن يُحدِثه من مخاطر على التعاون الأمني بين واشنطن ودول المنطقة.

3. اتساع نطاق الموانئ الاستراتيجية التي تستفيد منها الشركات الصينية، ضمن مشاريع الحزام والطريق. وتكمُن مخاوف الولايات المتحدة من إمكانية تحول هذه الموانئ المدنية إلى قواعد عسكرية في أوقات الصراع. إلى جانب ذلك، ثمة قلق أمريكي من تعذُّر ضمان تدفق التجارة الأمريكية مع دول المنطقة والعالم بشكل عام، وهو ما قد يتسبب في ارتباك الاقتصاد الأمريكي، في أوقات حدوث أي مواجهة مع الصين.[17]

في المقابل، تبدو أهداف الصين في المنطقة أكثر وضوحاً وأقل تعقيداً. ويتركز الاهتمام الصيني على الحفاظ على أمن الممرات الملاحية، واستمرار تدفق النفط، وضمان مصالح الصين التجارية والإستثمارية الواسعة مع دول المنطقة.

وقد أظهرت إدارة بايدن التزاماً بالإبقاء على دورها كضامن للمظلة الأمنية، رغم اختلاف أدواتها في فعل ذلك عن الإدارة السابقة. ويعزز هذا الواقع الرغبة الصينية في الابتعاد عن صراعات المنطقة، التي ينظر لها في الصين باعتبارها معقدة وبعيدة. فمقاربة الصين لمشاريع مبادرة الحزام والطريق في الشرق الأوسط فريدة، وتختلف عن باقي دول العالم، إذ تمتاز بدرجة عالية من الهدوء والبعد عن الدعاية، وهو تصرف مرتبط برغبة الصين بعدم إيصال رسائل بأنها تسعى لتحدي الولايات المتحدة في المنطقة. وطالما استمر دور الولايات المتحدة الإقليمي، ستستمر الصين في الاستفادة منه في المدى المنظور، وستبقى بعيدة عن الإنخراط بشكل أعمق في قضايا الشرق الأوسط.[18]

ويمكن اعتبار الشرق الأوسط المنطقة الحيوية الوحيدة في العالم التي تلتقي فيها مصالح الصين مع الولايات المتحدة، بما فيها حرية الملاحة والاتفاق النووي الإيراني، والسعي لإنهاء "الحروب الدائمة". والسبب في ذلك ليس فقط رغبة الصين في عدم تحمُّل أعبائها مع الولايات المتحدة، لكن أيضاً تراجع مصالح الولايات المتحدة في المنطقة خلال السنوات الماضية.

ورغم ذلك، يظل التنافس التكنولوجي بين الجانبين نقطة ساخنة. وتقود المؤشرات إلى الآن للاعتقاد بأن الساحة الدولية، وفي القلب منها الشرق الأوسط، ستشهد تشكل عالم تكنولوجي ثنائي القطبية. وتُدرِك دول المنطقة أن هذا الواقع الجديد سينتج ضغوطاً كبيرة عليها في المستقبل، كما حدث مع إسرائيل فيما يخص شبكات الجيل الخامس خلال العامين الماضيين.

لكن الدول الإقليمية، وخصوصاً في منطقة الخليج، تواجه مأزق عدم امتلاك الولايات المتحدة بدائل لتقنيات استراتيجية، كشبكات الجيل الخامس والذكاء الإصطناعي، التي تشمل عنصراً أساسياً في خططها التنموية بعيدة الأمد، من قبيل رؤية 2030 في السعودية، والرؤية الاقتصادية 2030 لإمارة أبوظبي. وفي المقابل، لا تملك الصين وروسيا بدائل دبلوماسية أو عسكرية قد تتمكنان من خلالها من إزاحة الولايات المتحدة بوصفها ضامناً للمعادلة الأمنية الإقليمية.[19]

على المستوى الاقتصادي، تمر أغلب دول المنطقة بتحولات اقتصادية عميقة، تشمل تغييرات بنيوية، من قبيل التحول من الاعتماد على النفط إلى الرقمنة، وتحديث روافد الاقتصادات الوطنية. والعلاقات مع الصين في قلب هذه الخطط، إذ أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لعدد كبير من دول المنطقة منذ عام 2016، وباتت معدلات النمو الاقتصادي في عديد منها تعتمد على هذه العلاقات. فمثلاً، رغم أن الولايات المتحدة لم تقدم إلى الآن بديلاً عن مبادرة الحزام والطريق، قد تستهدف واشنطن عبر ضغوطها بعض المشاريع المرتبطة بالمبادرة في المنطقة.

وكما تحاول الصين التوازن في علاقاتها مع الخصوم في الشرق الأوسط، سيصبح على دول الشرق الأوسط، في المستقبل القريب، محاولة الموازنة في علاقاتها مع القوى الكبرى في العالم.[20] وبدأت هذه الرؤية في التبلور سريعاً؛ فقد أجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف جولة خليجية هذا الأسبوع، تشمل الإمارات والسعودية وقطر.[21] والشهر الماضي، استقبلت قطر والكويت يانغ جيتشي، التقى خلالهما زعيمي البلدين. وتهدف محاولات تنويع العلاقات تخفيف ضغط واشنطن على شركائها في الخليج، وإظهار امتلاكها خيارات واسعة، لكن دون إرسال إشارات تمسّ أسس العلاقة مع الولايات المتحدة.

لكن دول المنطقة تتردد في توسيع العلاقات الأمنية مع الصين خصوصاً. وتتصل هذه التحفظات بعدم إمكانية الوثوق بالصين التي تصر على النظر إلى دول مجلس التعاون وإيران على قدم المساواة. وفوق ذلك، تدرك الدول الإقليمية الرئيسة محدودية إمكانيات الصين، وغياب الإرادة للقيام بدور كبير في الشرق الأوسط.

ويمكن إستنتاج أن دول الخليج خصوصاً لا ترغب باستبدال الولايات المتحدة بأي قوة أخرى، لكنها ترى في اتساع نطاق دور الصين الاقتصادي والاستثماري في المنطقة عنصر ضغط على الإدارة الأمريكية لإعادة رفع مستوى التزامها بقضايا المنطقة، ودعم سياساتها.

الخلاصة والاستنتاجات

  • تعكس المؤشرات الأولية لسياسة إدارة بايدن تجاه الصين رغبة أمريكية في استئناف الحوار الثنائي، دون التخفيف من النهج المتشدد الذي تبنَّته إدارة ترامب. وتبدو إدارة بايدن بلا خيارات سوى التشدد تجاه الصين.
  • وينبئ التنافس بين الجانبين ببدء تشكل عالم تكنولوجي ثنائي القطبية، سيكون على الدول المحايدة فيه الاختيار بين نموذجين مختلفين.
  • ورغم ترديد المسؤولين الصينيين لخطاب يتمحور حول "صعود الشرق وتراجُع الغرب"، تؤمن القيادة الصينية أن الولايات المتحدة ستبقى القوة المهيمنة في العالم لعقود مقبلة، وأن الصين لا تستطيع بعد تقديم بديل لها.
  • وتملك واشنطن سلاحاً لا تستطيع الصين مضاهاته في الوقت الحالي، وهو التحالفات. فالمقاربة متعددة الأطراف تشكل خطراً استراتيجياً على بيجين قد يُجبر الرئيس شي جينبينغ على دراسة تقديم تنازلات.
  • وفي الشرق الأوسط، يبدو الموقف أكثر تعقيداً بالنسبة لدول المنطقة، التي بدأت تتعرض لضغوط أمريكية، خصوصاً فيما يتعلق بشبكات الجيل الخامس ومشاريع أخرى مرتبطة بموانئ استراتيجية.

الهوامش

[1] “In 'Historic' Summit Quad Commits to Meeting Key Indo-Pacific Challenges.” The Diplomat, 13 Mar. 2021, thediplomat.com/2021/03/in-historic-summit-quad-commits-to-meeting-key-indo-pacific-challenges/

[2] Pamuk, Humeyra, and Kiyoshi Takenaka. “Biden's Secretary of State Makes Overseas Debut with Visit to Japan, Korea.” Reuters, 15 Mar. 2021, www.reuters.com/article/us-usa-asia-blinken-japan-idUSKBN2B71C9

[3] Zheng, Sarah. “Will Alaska Meeting Reduce US-China Divide? Depends Who You Ask.” South China Morning Post, 14 Mar. 2021, www.scmp.com/news/china/diplomacy/article/3125348/china-us-relations-why-expectations-are-low-next-weeks-alaska

[4] Heydarian, Richard Javad. “Biden's China Policy: Balancing Engagement with Deterrence.” Al Jazeera, 1 Jan. 2021, www.aljazeera.com/opinions/2021/1/1/bidens-china-policy-balancing-engagement-with-deterrence

[5] “The Biden Plan to Ensure the Future Is ‘Made in All of America’ by All of America's Workers.” Joe Biden for President: Official Campaign Website, 7 Oct. 2020, joebiden.com/made-in-america/

[6] “How Biden Will Shape the US–China Relationship.” East Asia Forum, 14 Feb. 2021, www.eastasiaforum.org/2021/02/15/how-biden-will-shape-the-us-china-relationship/

[7] Summers, Lawrence. “Men Not at Work: Lawrence Summers on America's Hidden Unemployment.” Financial Times, 23 Sept. 2016, www.ft.com/content/eb0c4aa4-80b5-11e6-8e50-8ec15fb462f4

[8] Writer, Staff. “Biden Vows to Defend Allies from China in Security Guidance.” Nikkei Asia, 3 Mar. 2021, asia.nikkei.com/Politics/International-relations/Biden-s-Asia-policy/Biden-vows-to-defend-allies-from-China-in-security-guidance

[9] Writer, Staff. “US to Build Anti-China Missile Network along First Island Chain.” Nikkei Asia, 4 Mar. 2021, asia.nikkei.com/Politics/International-relations/Indo-Pacific/US-to-build-anti-China-missile-network-along-first-island-chain

[10] “US-China Relations: Details Released of Biden's First Call with Xi.” BBC News, 11 Feb. 2021, www.bbc.co.uk/news/world-56021205

[11] Chris Buckley. “'The East Is Rising': Xi Jinping Maps out China's Post-Covid Ascent.” Business Standard, 4 Mar. 2021, www.business-standard.com/article/international/the-east-is-rising-xi-jinping-maps-out-china-s-post-covid-ascent-121030500024_1.html

[12] Zheng, William. “China's Officials Play up 'Rise of the East, Decline of the West'.” South China Morning Post, 9 Mar. 2021, www.scmp.com/news/china/diplomacy/article/3124752/chinas-officials-play-rise-east-decline-west

[14] Writer, Staff. “Biden to Test Allies with More Coordinated Approach to China.” Nikkei Asia, 6 Feb. 2021, asia.nikkei.com/Spotlight/Comment/Biden-to-test-allies-with-more-coordinated-approach-to-China

[15] “Biden Deprioritizes the Middle East.” POLITICO, 22 Feb. 2021, www.politico.com/news/2021/02/22/biden-middle-east-foreign-policy-470589

[16] Ibid.

[17] “The Role of China in the Middle East and North Africa. Beyond Economic Interests? : EuroMeSCo – Euro-Mediterranean Research, Dialogue, Advocacy.” EuroMeSCo, 1 July 2020, www.euromesco.net/publication/the-role-of-china-in-the-middle-east-and-north-africa-beyond-economic-interests/

[18] Ibid.

[19] M. Dorsey, James. “Gulf States Caught in Middle of US-China Rivalry.” Asia Times, 29 June 2020, asiatimes.com/2020/06/gulf-states-caught-in-middle-of-us-china-rivalry/

[20] Boyd Anderson, Kerry. “The Challenge of Managing Great Power Rivalry in the Middle East.” Arab News, 8 Feb. 2021, www.arabnews.com/node/1806001

[21] “Lavrov in Saudi Arabia to Take Advantage of Biden's Mistakes:” The Arab Weekly, thearabweekly.com/lavrov-saudi-arabia-take-advantage-bidens-mistakes

 

أحدث المواضيع المميزة