الخطوات الروسية لتوسيع النفوذ السياسي والاقتصادي في سوريا: الأسباب والتأثيرات

مركز الإمارات للسياسات | 16 يونيو 2020

أثارت الخطوات الروسية الأخيرة في الملف السوري تساؤلاتٍ حول مغزاها والهدف منها، وخاصة أنها تتزامن مع تطورات في الملف السوري، محلية وإقليمية ودولية. فقد عيّن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 25 مايو 2020 سفيرَ روسيا في سوريا، ألكسندر يفيموف، ممثلاً رئاسياً خاصاً "لتطوير العلاقات الروسية مع سوريا"، كما وقّع بوتين في 28 من الشهر نفسه مرسوماً فوّض فيه وزارتَي الدفاع والخارجية بإجراء مفاوضات مع الحكومة السورية، وذلك بغية تسليم العسكريين الروس منشآت إضافية وتوسيع سيطرتهم البحرية في سوريا، على أن تكون هذه الترتيبات الجديدة مكمِّلة للاتفاقية التي تمّ عقدها في أغسطس 2015، والتي سمحت بوجود عسكري في سوريا.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على تلك الخطوات، واستكشاف أبعادها وتأثيرها في السياق السوري.

دلالات وأسباب القرارات الجديدة

بدا القراران اللذان اتخذهما الرئيس الروسي لافتين للنظر في شكلهما وموضوعهما؛ فمن ناحية الشكل، فإن وزارة الدفاع الروسية لن تبدأ مفاوضات مع دمشق للتوصل إلى اتفاقية جديدة بل ستقدم بروتوكولاً جاهزاً للتوقيع عليه يكون ملحقاً بالاتفاقية السابقة.1 والمعلوم أن الاتفاقية الأصلية التي يستند إليها الرئيس بوتين في قراره الجديد جرت صياغتها في ظروف استثنائية، ونتيجةً ذلك لم تأخذ طابع الندية بين دولتين مستقلتين. ومع تغير الظروف كان من الطبيعي أن تتوقف مفاعيل تلك الاتفاقية، أو أن تُعدَّل، لا أن يتم البناء عليها من أجل الحصول على مرافق لم يحدّد المرسوم الروسي ماهيتها وعددها وحجمها. كما أنه ليس من المتعارف عليه في العُرف الدبلوماسي أن يُصدر رئيس دولة مرسوماً لبدء التفاوض مع دولة أخرى لتوسيع مناطق النفوذ فيها، فعادة ما يتم ذلك الإعلان بعد التوصل إلى اتفاق بين الطرفين.2

وبالنسبة لتعيين السفير يفيموف ممثلاً رئاسياً خاصاً لتطوير العلاقات بين البلدين، فإن تطوير العلاقات الروسية-السورية لا يحتاج إلى ترفيع السفير إلى درجة ممثّل رئاسي، ومن المفترض أنّ مهام السفير تتضمن ذلك بكل الأحوال. كما أن لروسيا مبعوثَين رئاسيَّين إلى سوريا، هما: ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية والمبعوث الخاص للرئيس إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي سبق له أن أجرى عشرات اللقاءات مع ممثلي المعارضة والنظام في موسكو ودمشق وعواصم عربية وغربية؛ وألكسندر لافرنتييف المبعوث الخاص لبوتين إلى سورية، ورئيس الوفد الروسي في مفاوضات أستانة، والذي يجول على العواصم الإقليمية من أجل البحث عن حلول سياسية ومناقشة قضايا عودة اللاجئين وإعادة الإعمار، التي تركز عليها روسيا منذ منتصف 2018. 3

أما على الصعيد الموضوعي؛ فلم توضح الجهات الرسمية الروسية المقاصد الحقيقة لهذه التحركات الجديدة في الملف السوري، وما جرى ذكره، وخاصة بالنسبة لمهمة السفير يميفوف، لا يتعدى القوالب الدبلوماسية الغامضة، لكن تحليل سياق الحدث يكشف عن مقاربة روسية جديدة للوضع السوري تحاول الاتساق مع التطورات الجديدة، على اعتبار أن المقاربة التي تم العمل وفقها منذ بداية التدخل الروسي نهاية 2015، كانت ترتكز على الحرب، في حين أن الانتقال إلى مرحلة الإعمار سياسياً واقتصادياً تستدعي مقاربة جديدة. وتقف خلف هذه التغيرات أسباب عديدة:

أ. بخصوص قرار ترفيع السفير الروسي إلى مبعوث رئاسي

  1. أسباب عملانية: وتتمثل بإمكانية مساعدة الكرملين في إيجاد التوازن بين الشطرين الدبلوماسي والعسكري للفريق الروسي الذي يشرف على سورية، وهذا رأي الخبير العسكري الروسي أنطون مارداسوف الذي يرى أن منصب يفيموف الجديد يمكن اعتباره بمنزلة ثقل موازن للتأثير العسكري في السياسة الخارجية الروسية. ويمكن للمبعوث الجديد جلب عنصر اقتصادي ودبلوماسي أكثر إلى مهمة إدارة الوضع في سوريا، ومن هذه الزاوية فإن "تعيين الممثل الخاص يتعلق بمهمة إعادة بناء في سورية، وهو موضوع يتزايد بثبات على أجندة الكرملين".4
  2. أسباب تقنية: تمنح الصفة الجديدة التي اكتسبها السفير يفيموف الحقَّ بالتواصل مباشرةً في الأوقات الحرجة مع إدارة الرئيس الروسي، دون الرجوع إلى إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية،5 كما تمنحه صلاحية التواصل مع القصر الجمهوري في سوريا بشكل مباشر دون الرجوع إلى الإدارة ذات العلاقة في وزارة الخارجية السورية؛ الأمر الذي يُضفي على مهمته طابع العمل على المستوى الاستراتيجي في العلاقة بين العاصمتين، والتواصل العاجل والمباشر في حال الطوارئ.6
  3. أسباب شخصية: حيث يمتلك يفيموف تواصلاً مباشراً مع بوتين، وهو شخصية اقتصادية معروفة في روسيا، ولديه معرفة كاملة بالوضع السوري، وهو قادر على إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية ما بعد الحل السياسي وترتيبها، وجدولة الديون وتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية.7
  4. الخوف من حصول تداعيات مستقبلية: حيث يشهد الوضع السوري تطورات اقتصادية واجتماعية متسارعة، وهناك مخاوف من حصول تداعيات حادة نتيجة تطبيق قانون "قيصر" الأمريكي في منتصف يونيو الجاري مع ما ينطوي عليه من تداعيات سلبية على القطاع الاقتصادي والشركات السورية والأجنبية (بما فيها الروسية) المتعاملة مع سوريا، فضلاً عن انهيار العملة والأسواق السورية، وما قد ينتج عنها من اضطرابات في ظل صراع وتنافس اقتصادي بين مراكز نفوذ سورية؛ وكل ذلك يستدعي من الكرملين أن يكون في صورة الوضع بشكل مباشر لإمكانية اتخاذ القرارات المناسبة، دون المرور بالدورة المؤسساتية لصنع القرار.8

ب. بخصوص المرسوم الرئاسي الموجَّه إلى وزارتي الدفاع والخارجية

  1. يُعد القرار رسالةً إلى النخبة الاقتصادية الروسية بأن الكرملين يهتم بمصالحها الاقتصادية في سوريا، وهناك شكوك في أن هذه النخبة كانت وراء الحملة الإعلامية الأخيرة الموجهة ضد بشار الأسد التي انتقدته لإخفاقه في "الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام" وفي السيطرة على مقاليد الإدارة والاقتصاد، وطالبته بمراعاة المصالح الروسية ومنْح روسيا المزيد من الامتيازات الاقتصادية.9
  2. لضمان الاستثمارات الروسية والتوسع بها في سوريا، وبذلك فإن بوتين يريد منع أي جهة أجنبية أخرى من الاقتراب من الأصول المهمة، وخاصة البحرية، وعليه يُعد المرسوم رسالة إلى إيران التي تريد أن تقبض ثمن تدخلها العسكري بصفقات اقتصادية، وآخرها كان تصريح عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه، بأنه يتعين على إيران استعادة مبلغ 20-30 مليار دولار أمريكي صرفتها لدعم الأسد بعد عام 2011. 10
  3. تخوّف روسيا من حصول تطورات غير متوقعة في سوريا، يدفعها إلى التعجيل للحصول على أكبر قدر من المكاسب، بموافقة السلطات والمؤسسات التي تعتبر شرعية في نظر روسيا.11

ما المواقع المستهدفة في المرسوم الروسي؟

تضع روسيا اليد على أكثر من مئة موقع عسكري ومنشأة حيوية واقتصادية في سوريا، وتنتشر خريطة المواقع التي تسيطر عليها بين الساحل والجبال الساحلية، وريف دمشق، والبادية السورية، وصولاً إلى دير الزور والرقة. وتتفاوت هذه المناطق بين معسكرات وقواعد عسكرية، ومنشآت غاز ونفط، ومعمل الأسمدة في حمص، وميناء طرطوس؛ الأمر الذي يدفع إلى التساؤل عن ماهيّة المواقع الجديدة التي يراد السيطرة عليها من قبل روسيا، وفقاً لمرسوم الرئيس بوتين وتوجيهاته. يمكن استعراض هذه المواقع كالآتي:

  1. المناطق البحرية: إذ من الواضح أن العين الروسية مُصوبة على كامل الساحل السوري، ذلك أنه في حال بدء الإعمار فإن الساحل سيكون أكثر المناطق تنافسية بين اللاعبين المختلفين، وخاصة الصين وإيران، نظراً لأهمية الموانئ السورية في الحركة التجارية الإقليمية. وستمنح السيطرة على السواحل روسيا الحقَّ في استغلال المياه الإقليمية السورية، وأهمها التنقيب عن النفط في السواحل السورية واستخراجه.12
  2. الطرقات الدولية: يشكل الطريقان الدوليان M4 وM5 أهميةً خاصة لروسيا، وهناك حديث عن احتمال خصخصة هذين الطرقين من قبل الشركات الروسية والاستفادة من عوائد الترانزيت التي تقدر بحوالي 7 مليارات دولار سنوياً. وقد بذلت روسيا جهوداً كبيرة لتأمين السيطرة على هذين الطريقين، وقدمت تنازلات لتركيا في إدلب في سبيل ضمان سلامة الحركة والعبور عليهما.13
  3. المطارات العسكرية والمدنية في حماة وحلب والبادية، التي تقع وسط، أو على تماس، مناطق النفوذ الروسية، الاقتصادية والعسكرية، وانطلاقاً من كون هذا النفوذ سيكون طويلاً فإن روسيا تحتاج إلى تأمين مجال هذا النفوذ.14
  4. المنطقة الشرقية: وخصوصاً القامشلي والحسكة، بالنظر إلى أهمية هذه المناطق من الناحية الاقتصادية، حيث تتضمن حقول النفط والمناطق الزراعية، بالإضافة إلى المعابر الحدودية مع العراق. وتسعى روسيا إلى استئجار مطار القامشلي في محافظة الحسكة لمدة 49 عاماً، بعد أن سيطرت عليه في أواخر العام الماضي، وتعني السيطرة على المطار ربطَ الساحل السوري بالشرق السوري جواً. وفي هذا الإطار، تؤكد مصادر سورية أن روسيا تحاول تشكيل قوة لها، من العشائر العربية في المنطقة، على رأسها عشائر الجوالة والجبور والطي والشرابيين والبكارة، وذلك بهدف حماية آبار النفط في المنطقة، بعيداً عن العمليات القتالية والمعارك.15

ما تأثير هذه الخطوات على النظام السوري؟

تؤثر التحركات الروسية الأخيرة في الأوضاع السياسية والاقتصادية في سوريا بشكل مباشر، ولذلك ذهبت الكثير من التحليلات إلى وصف المنصب الجديد للسفير الروسي في دمشق بـ "الممثل السامي"، أو "بول بريمر روسيا"، وذلك للاعتقاد بأن مهمته ستقضم من مساحة الدور السياسي للنظام، وخاصة فيما يخص علاقات النظام الخارجية والداخلية التي ستكون خاضعة لتوجهات الكرملين وتقديراته.

ويمكن توضيح هذه التأثيرات في النقاط التالية:

  1. يُتيح المنصب الجديد للسفير الروسي في دمشق التواصلَ المباشر مع المعارضة الداخلية، وخاصة المنخرطة ضمن منصات القاهرة وموسكو وهيئة التنسيق الوطنية، ومتابعة تفاصيل مواقفها تجاه التحركات الروسية في ملف التسوية. وعلى الرغم من أن ملف التسوية باقٍ في يد مبعوث الرئيس بوتين، ألكسندر لافرنتييف، الذي ينسق هذا الأمر مع المبعوث الأممي "غير بيدرسون" ومع الأطراف الشريكة في مسار أستانة، تركيا وإيران، إلا أن مهمة السفير الجديدة ستكون مكمّلة لعمل لافرنتييف. ومن شأن ذلك زيادة الضغط على نظام الأسد، الذي تتهمه مصادر روسية بمحاولة التملص من استحقاقات قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015، وأعمال اللجنة الدستورية.16
  2. إضعاف هامش المناورة لدى الأسد، الذي طالما استفاد من اللعب على النفوذَين الإيراني والروسي، إذ إن تعيين الممثل الرئاسي لبوتين سيجعله تحت الرقابة المباشرة للكرملين، كما أن مساعي روسيا للسيطرة على الأصول الاستراتيجية والاقتصادية في سوريا ستحدّ من قدرة الأسد على استخدام هذه الأصول لإرضاء الإيرانيين وإسكاتهم، بعد أن بدأوا بالضغط من أجل تحصيل ديونهم التي يقدرونها بحوالي 30 مليار دولار.
  3. تكشف التحركات الروسية حجم ومدى ضعف سلطة الأسد أمام مؤيديه، وخاصة أن روسيا حصرت دوره في تشريع وجودها العسكري، والتغطية على مطامعها الاقتصادية في سوريا، وهذه الصورة سيكون لها تداعياتها في ظل الأوضاع المتردية التي تشكل حافزاً لبروز تيارات داخل النظام ترفض الهيمنة الروسية السياسية والاقتصادية بهذا الشكل. والمعلوم أن روسيا قامت بتسريح المئات من عمال مرفأ طرطوس ومعمل الأسمدة في حمص، بعد استلامها إدارة واستثمار هذه المرافق، وهو ما أفرز حالةَ احتقان لدى السوريين المؤيدين للنظام تجاه السلوك الروسي.

تأثير الخطوات الروسية في اللاعبين الآخرين

تبدو إيران هي المستهدف الأكبر من التحركات الروسية الجديدة؛ فتعيين المبعوث الرئاسي يهدف إلى الضغط على الأسد وتقليل التأثير الإيراني في السياسة السورية، من خلال مراقبة السلوك اليومي للأسد وإبلاغ الكرملين بكل خطواته، ولن يكون بوتين مضطراً لإرسال ممثل عنه، وزير الدفاع أو الخارجية، لمراجعة الأسد وتعديل مواقفه. كما أن إيران ستكون المتضرّر الأول من توجه روسيا للسيطرة على الأصول الاقتصادية في سوريا، وخاصة الساحل السوري الذي بات يرتبط بالمشروع الإيراني في المنطقة، بالإضافة إلى تكثيف روسيا مساعيها لتعزيز سيطرتها في شمال شرقي سوريا، وهي المناطق التي ترغب إيران في تمرير طريقها إلى البحر المتوسط عبرها.

تتزامن هذه التطورات مع تكثيف إسرائيل ضرباتها للمواقع الإيرانية على كامل الأراضي السورية، وغض روسيا النظر عن التصرفات الإسرائيلية، الأمر الذي يوحي بوجود رابط بين التحركات الروسية في هذا التوقيت وإعلان إسرائيل أنها ستلاحق الأهداف الإيرانية في جميع الأراضي السورية، إلى حين إخراج إيران نهائياً منها.

ومن الواضح أن روسيا، التي تراقب الانكفاء الإيراني في سوريا، على علم بمدى الضعف الذي وصلت إليه قوّة إيران، وتحاول استثمار هذا الضعف عبر تعزيز نفوذها وتحصيل أكبر قدر من المكاسب، لإدراكها أن إيران لن تستطيع في هذه الظروف مقاومة التمدّد الروسي.

ومن جهة ثانية، تستهدف التطورات الروسية تركيا أيضاً، إذ تشكّل المناطق التي تسيطر عليها تركيا في سوريا أهميةً استراتيجية لروسيا، سواء لقربها من القواعد العسكرية في ريف اللاذقية وحماة، أو مناطق شرق الفرات التي تشرف على أهم المناطق الاقتصادية السورية من حيث الثروات الزراعية والنفطية.

وتؤكد مصادر سورية أن روسيا، وبناءً على المرسوم الذي أصدره بوتين الخاص بالتفاوض مع الحكومة السورية بشأن تسليم العسكريين الروس منشآت جديدة، ستتسلم مواقع عسكرية ومطارات على طول الخط الفاصل مع المناطق التي تتمترس فيها القوات التركية في الآونة الأخيرة؛ ما يؤشر إلى تجهيز روسيا بنية تحتية لمعركة قد تكون طويلة ضد القوات التركية، بعد أن حشدت الأخيرة قواتها وبنت خطوط دفاع وتحصينات في مناطق إدلب وشرق الفرات.17

ومن جهة ثالثة، تهدف التطورات الروسية إلى محاصرة الوجود الأمريكي في محافظة الحسكة والقامشلي ثم وراثته في مرحلة لاحقة؛ فلدى روسيا رهان دائم على أن القوات الأمريكية ستنسحب من سوريا، وأن روسيا هي التي يجب أن تستفيد من الفراغ الذي سيحصل، إذ تحتوي مناطق الوجود الحالية للقوات الأمريكية على ثروات وفرص استثمارية مهمة للشركات الروسية.

خلاصات واستنتاجات

تشهد بيئة الملف السوري تغيرات بنيوية مهمة، مثل تصدع العلاقة بين مكونات الحكم في سوريا، ودخول قانون "قيصر" حيز التنفيذ، وتردي الواقع الاقتصادي بعد انهيار العملة السورية بشكل متسارع، وتنامي موجة الغلاء التي تضرب البلاد. وتسعى روسيا إلى الاستجابة لهذه المتغيرات، وليس خافياً وجود خلافات في موسكو حول أسلوب إدارة الملف السوري، بين جهات تنظر إلى العوائد الجيوسياسية بعيدة المدى لروسيا، كالجيش والمخابرات الروسية، وبين جهات تهمها العوائد الاقتصادية، وهي النخبة الاقتصادية الروسية؛ الأمر الذي يدفع بالرئيس فلاديمير بوتين إلى إيجاد مقاربات جديدة في إدارة الملف السوري تحقّق التوازن بين تلك الأطراف، وتضمن استمرار إمساك روسيا بالملف السوري وسط تشابكات معقّدة، إقليمياً ودولياً.

لكن ثمة عنصر سوري في التحركات الروسية يتعلق بانخفاض منسوب الثقة بصانع القرار السوري، بالإضافة إلى عدم شعوره بالطمأنينة تجاه توجهات الأحداث السورية، لذا ليس من المبالغة القول إن بوتين يحاول عبر مهمة سفيره في سوريا وضع النظام الحاكم تحت الرقابة، ومتابعة سياساته وتصحيحها أو توجيهها مباشرة، لضبط سلوكه مع الحلفاء والخصوم، وضمان تطبيق الأجندة الروسية المرسومة التي تبتغي روسيا من خلالها تحقيق ثمار تدخلها العسكري. ويأتي على رأس أولويات روسيا في هذه المرحلة تطبيق القرار الدولي رقم 2254 الذي تعتقد أنه سيفتح باباً جديداً لنفوذها في سوريا، ويصبح مدخلاً لتحويل انتصارها العسكري إلى انتصار سياسي يعود عليها بالفوائد الاقتصادية المرجوة.

وليس من المرجح أن تمر التحركات الروسية بسلاسة، نظراً لتأثيرها المتوقع في أطراف داخلية وخارجية، لذا ستحاول هذه الأطراف عرقلة هذه التحركات عبر وسائل شتى، وقد تترجم في الواقع السوري على شكل توترات وربما صدامات داخل السلطة وبين حلفاء القوى المنخرطة في الصراع السوري. وليس من المرجح أيضاً أن تستطيع روسيا تحريك الملفات العالقة وإنجاز التسوية السياسية في هذه المرحلة، في ظل مؤشرات عن صدامات محتملة مع تركيا في الشمال والقوات الأمريكية في الشرق.

الهوامش

  1. رائد جبر، "بوتين يبدأ خطوات توسيع الوجود العسكري في سوريا أولى ثمار تعيينه «مبعوثاً رئاسياً» في دمشق"، صحيفة الشرق الأوسط، 30 مايو 2020.
  2. ساطع نور الدين، "بوتين إذ يضبط رامي مخلوف"، موقع المدن، 31 مايو 2020.
  3. سامر إلياس، "بوتين يعين مبعوثاً في دمشق: استعداداً لسيناريوهات مختلفة"، العربي الجديد، 28 مايو 2020.
  4. "قبضة بوتين تشتد... استعجال لجني الثمار في المتغيرات السورية"، السورية نت، 31 مايو 2020، ووردت تصريحات الخبير الروسي في مقالة له في صحيفة "المونيتور".
  5. المصدر السابق.
  6. مرح البقاعي، "ألكسندر يفيموف.. إنه لا يشبه بريمر!"، صحيفة العرب اللندنية، 3 مايو 2020.
  7. "ماذا يفعل "المندوب السامي" الروسي في دمشق؟"، موقع "اقتصاد وأعمال"، 29 مايو 2020.
  8. ساطع نور الدين، مصدر سابق.
  9. سامر إلياس، مصدر سابق.
  10. إبراهيم حميدي، "دمشق والظل الدائم للقيصر"، صحيفة الشرق الأوسط، 28 مايو 2020.
  11. "قبضة بوتين تشتد"، مصدر سابق.
  12. "مرسوم بوتين لحيازة منشآت سورية: توسيع قواعد وتحصيل أتعاب"، نقلاً عن السفير السوري السابق في السويد بسام بربندي، العربي الجديد، 30 مايو 2020.
  13. "سباق مع الزمن".. هكذا تحاول روسيا الالتفاف على قانون " قيصر"، أورينت نت، 3 مايو 2020.
  14. تقرير لصحيفة "نيزافيسمايا" الروسية، متاح على الرابط: http://www.ng.ru/armies/2020-06-01/100_syr01062020.html
  15. "أنباء عن توجه روسي للسيطرة على مطار القامشلي في سورية"، القدس العربي، 1 يونيو 2020.
  16. كتب رامي الشاعر، المقرب من الكرملين، العديد من المقالات في الصحف الروسية التي تنتقد النظام السوري لمحاولات التفلت من تطبيق بنود القرار رقم 2254.
  17. أشار تقرير لوكالة ستيب الإخبارية في 16 أبريل 2020، إلى بناء روسيا مهبطاً للطائرات المروحية في قرية معدان بريف الرقة، ومحاولات لنقل مطارات كويرس في ريف حلب ومطار التيفور في البادية إلى الملْكية الروسية. انظر: https://bit.ly/30mced1

أحدث المواضيع المميزة