التوتر الروسي التركي في شمال غرب سوريا: أسبابه واحتمالاته

مركز الإمارات للسياسات | 13 فبراير 2020

تتعرض العلاقات الروسية التركية لاختبار قاسٍ، حيث يهدد التوتر المتصاعد بينهما في إدلب وأرياف حلب بتقويض التعاون والتنسيق بين الطرفين على أكثر من جبهة في سوريا، فقد أحدثت التطورات العسكرية الأخيرة تحولاً خطيراً في قواعد الاشتباك بين الطرفين، وفتحت الباب أمام احتمالات حقيقية لجر الطرفين إلى اشتباكات مباشرة. وينطلق الطرفان من مواقف متناقضة في تبرير تصرفاتهما، حيث تعتبر تركيا أن الهجوم السوري المدعوم من قبل روسيا على إدلب وأرياف حلب يدفع نحو مليون سوري إلى حدود تركيا بما يهدد الأمن القومي التركي، في الوقت الذي تتمسك فيه روسيا بتطبيق اتفاق سوتشي الذي يُلزم تركيا بتفكيك التنظيمات المتطرفة، فضلاً عن عدم التزام تركيا بتسليم الطرق الدولية لنظام الأسد.

تسلط هذه الورقة الضوء على التطورات العسكرية الحاصلة في إدلب وأرياف حلب، ومدى تأثيرها في مشهد الصراع السوري، واستشراف مآلاتها وانعكاساتها على العلاقات التركية الروسية، والملف السوري بالإجمال.

التصعيد السوري-الروسي-الإيراني

 بدأت القوات العسكرية السورية، والميليشيات الإيرانية الحليفة لها، بدعم جوي روسي، هجوماً على مناطق سيطرة المعارضة في شمال غرب سوريا، في ديسمبر 2019، وكان الهدف المعلن تحرير الطريق الدولي "إم 5" الذي تم الاتفاق على تسليمه للحكومة السورية ضمن اتفاق سوتشي الموقَّع بين روسيا وتركيا في عام 2018، وهو الاتفاق الذي قضى بتشكيل منطقة منزوعة السلاح حول الطريق الدولي، إلا أن تركيا لم تنفذ الاتفاق، بالنظر إلى سيطرة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على غالبية المنطقة المشمولة بالاتفاق.

وتَركَّز الهجوم "الثلاثي" على ريف إدلب الجنوبي والجنوبي الشرقي، وريف حلب الجنوبي الغربي المجاور، حيث يمر الطريق الدولي "إم 5" الذي يصل مدينة حلب بالعاصمة دمشق، ويعبر مدناً رئيسة عدة من حماة وحمص وصولاً إلى الحدود الجنوبية مع الأردن.

وشهدت العملية تغييراً في المعادلة الاستراتيجية بعد سيطرة القوات السورية على مدينة معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي في 29 يناير 2020، ثم سيطرتها في 8 فبراير على سراقب التي تُشكل نقطة التقاء بين الطريق الدولي "إم 5" والطريق الدولي "إم 4" الذي يربط بين الساحل والشرق السوري، إضافة إلى قربها من مركز مدينة إدلب، فضلاً عن أن السيطرة عليها تُهدّد بعزل مناطق سيطرة المعارضة، وخاصة في أريحا وجسر الشغور وجبل الزاوية.

وقد دفعت هذه التطورات تركيا إلى إرسال تعزيزات عسكرية لوقف تقدم القوات السورية وحلفائها، وبناء أربع نقاط مراقبة شمال سراقب لم يتم الاتفاق عليها مع الطرف الروسي، الذي اتفق مع الأتراك سابقاً على بناء 12 نقطة مراقبة. وقد استهدفت القوات السورية نقاط المراقبة التركية في سراقب ما أدى إلى مقتل 6 جنود، وردت تركيا بقصف مواقع القوات السورية في أكثر من مكان.

ومع تقدم القوات السورية في مناطق ريفي إدلب وحلب، قامت تركيا بتعزيز مواقعها بإرسال تعزيزات عسكرية، بلغت حسب إحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان أكثر من 1400 آلية عسكرية، شملت معداث ثقيلة كالدبابات وعربات مدفعية، ونشر نحو ستة آلاف جندي، في مواقع بين سراقب ومركز مدينة إدلب، في سيرمين ومطار تفتناز ومعسكرات المسطومة وطلائع البعث. وقامت القوات السورية باستهداف مطار تفتناز وقتل خمس جنود أتراك، على خلفية محاولات فصائل المعارضة، مدعومة بقوات المشاة التركية، استعادة بعض المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام في سراقب.

فشل المفاوضات الروسية-التركية

أرسلت روسيا، في 8 فبراير، وفداً تفاوضياً برئاسة نائب وزير الخارجية السفير سيرغي فيرشينين، وبرفقته ألكسندر لافرنتييف المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، وترأس الوفد التركي نائب وزير الخارجية السفير سادات أونال، وقد عرض الوفد الروسي اتفاقاً محدَّثاً يرتكز على إعادة رسم منطقة خفض التصعيد خلف الطرق الدولية، لكن الوفد التركي رفض العرض، وغادر الوفد الروسي دون تحقيق أي نتيجة.

وعلى وقع تصاعد العمليات بين تركيا والقوات الروسية، عاد الوفد الروسي في 10 فبراير، ولم ينتج عن اللقاء الثاني أي تفاهم، حيث رفض الوفد الروسي المطالب التركيّة المتعلّقة بانسحاب القوات السورية إلى خلف نقاط المراقبة على حدود اتفاق "سوتشي"، مؤكّداً أن العمليات العسكرية في إدلب ستستمر إلى "حين القضاء على الإرهاب".

خريطة السيطرة

 انحسرت مناطق سيطرة المعارضة في شمال غرب سوريا التي تضم نحو ثلاثة ملايين سوري، بعد التمدد الأخير لقوات النظام، فقد خسرت المعارضة ما نسبته 35% (نحو 600 كلم مربع) من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرتها خلال العملية العسكرية الأخيرة. ومع تزايد المؤشرات على توسع القوات السورية نحو جبل الزاوية وجسر الشغور بريف إدلب الشمالي الغربي، فإن قسماً كبيراً من مناطق إدلب مُهدد بالسقوط، إلى جانب ما تبقى من ريف اللاذقية الشمالي.

أما في أرياف حلب المتصلة بإدلب، فإن القوات السورية تقترب من بسط سيطرتها على كامل ريف حلب الجنوبي، فيما تتجه أنظار ها إلى ريف حلب الغربي، وذلك لزيادة تأمين نطاق مركز مدينة حلب. وتُعتبر جبهات حلب من الجبهات الاستراتيجية للمعارضة، حيث يشكل وجودها فيها نقطة قوة، بسبب قربها من مركز مدينة حلب، ويَعتبرها البعض خاصرة رخوة للنظام.

وتُعد العديد من هذه المناطق ذات أهمية استراتيجية، إما لأنها تشكل عقدة مواصلات، مثل سراقب، او لاحتوائها على تلال ومرتفعات، مثل العيس في ريف حلب، وتكمن أهميتها في كونها تسهل عمليات السيطرة على مناطق أخرى، وتجعل الكثير منها ساقطاً عملانياً.

ورغم وجود نقاط مراقبة تركية في هذه المناطق، إلا أن أغلبها، ونتيجة الحصار، أصبح بلا فاعلية عسكرية، ويأتي إنشاء تركيا للمزيد من نقاط المراقبة بهدف رفع سقف التفاوض مع روسيا لمنعها من اجتياح مركز مدينة إدلب.

دوافع وأهداف روسيا

يمكن القول إن ما دفع روسيا إلى التصعيد العسكري في ريفي إدلب وحلب مجموعة من العوامل، من أهمها:

  1. فشل الوساطة الروسية بين تركيا والنظام السوري التي قامت بها روسيا، عبر جمع رؤساء المخابرات في البلدين (حقان فيدان وعلي مملوك) في 13 يناير في موسكو، بهدف فتح قنوات للعلاقات بينهما. ويُشكل الهجوم على مناطق إدلب محاولة لإجبار تركيا على التعاون مع النظام أمنياً وعسكرياً، لتنسيق علاقات الجيشين على خطوط التماس.
  2. فقدان التعاون الروسي والتركي في سوريا ضرورته بعد أن استنفد بوتين كل فوائده، ولم يعد لتركيا فائدة مهمة في سوريا بنظر روسيا، بعد تراجع مناطق الاشتباك والقتال في سوريا إلى ما يقارب 2%، وتحديداً فيما تبقى من إدلب. ولطالما اعتبرت روسيا التنسيق بين الطرفين في سوريا مرحلياً تُمليه ساحات الاشتباك، فالطرفان لديهما حسابات متناقضة ورؤى مختلفة حول طبيعة الحل العسكري في إدلب، ومستقبل الحل السياسي في عموم سوريا.
  3. استغلال روسيا حالة العزلة التي تعيشها تركيا، ومناخ العداء من قبل أطراف كثيرة، وهو ما يجعلها بموقف ضعيف وبحاجة دائمة إلى روسيا، الأمر الذي يجعل روسيا ترفض التعامل الندي التركي، وتُجبرها على تقديم تنازلات مؤلمة في سوريا. ويؤشر على هذا الأمر انقطاع الاتصالات بين بوتين وأردوغان، وجميع الاتصالات التي جرت بينهما منذ أشهر كانت بطلب ومبادرة وإلحاح من أردوغان.

وتهدف روسيا من التصعيد الميداني في شمال غرب سوريا إلى تحقيق الآتي:

  1. استباق بوتين لنضوج تفاهمات تركية-أمريكية قد تشكل ضغطاً عليه في سوريا، وبالتالي يسعى عبر الهجوم على مناطق نفوذ تركيا في إدلب إلى إضعاف أوراقها وتحويلها بلا فائدة في أي تفاهمات أمريكية.
  2. إلزام تركيا بقبول سوتشي جديد يأخذ في الاعتبار التحولات الميدانية والعسكرية، ومنها ضرورة سحب نقاط المراقبة التركية من المنطقة.
  3. الضغط باتجاه إلْزام قوى المعارضة السورية بقبول الوضع الميداني والعسكري الجديد لترجمته وتجييره إلى طاولة مفاوضات سياسية جديدة تلزم بقبول الحد الأدنى.

دوافع وأهداف تركيا

أما بالنسبة إلى تركيا، فإن ما دفعها إلى الرد على التصعيد الروسي-السوري، ما يأتي:

  1. اعتقاد تركيا أن تصرفات روسيا في سوريا تنطوي على قدر كبير من عدم احترام لها كضامن، وخاصة مسألة قضم المناطق وعدم احترام الهدن بين الطرفين، الأمر الذي يُحرج تركيا ويظهرها بمظهر الضامن الذي لا يمتلك أياً من أوراق القوة.
  2. ارتباك السياسة الخارجية التركية التي تحاول إظهار تركيا على أنها قوى مهيمنة في الإقليم، فيما هي تتعرض لإهانات متواصلة من جانب روسيا في سوريا، الأمر الذي سيكون له انعكاساته في ملفات أخرى وخاصة ليبيا؛ فتركيا الضعيفة والمهانة في سوريا، لن تتعامل معها القوى الإقليمية والدولية لا في ليبيا ولا في صراعاتها في البحر المتوسط بشكل جدي.
  3. تُشكل قضية اللجوء رعباً لدى حكومة حزب العدالة والتنمية، واحتمال دخول أعداد كبيرة من السوريين لتركيا نتيجة العمليات العسكرية في إدلب، سيزيد من ارتباك الحكومة في إدارة ملف اللاجئين الذي سبب لها أزمات داخلية، في ظل بيئة داخلية تركية رافضة للجوء السوري. وحتى الآن نزح نحو 586 ألف شخص من مناطق التصعيد في إدلب وحلب في اتجاه مناطق لا يشملها القصف قرب الحدود التركية، وفق الأمم المتحدة، وتعد موجة النزوح هذه بين الأكبر منذ اندلاع النزاع العام 2011.

وتتمثل أهداف الطرف التركي في الآتي:

  1. تقوية يد تركيا في المفاوضات المقبلة، وإجبار الروس على العودة إلى طاولة المفاوضات، خصوصاً أن خطوات تركيا تأتي عقب الإعلان عن فشل مفاوضات منع تقدم النظام في إدلب، ونعْي مسار أستانا، كما أتت بعد مقررات اجتماع مجلس الأمن القومي التركي قبل أيام الذي أكد على اتخاذ إجراءات أوسع لحماية المدنيين في إدلب.
  2. فرض بعض الشروط على روسيا، وخاصة ما يتعلق الأمر بمنطقة نفوذ جديدة على الشريط الحدودي شمال محافظة إدلب، بما يخلق اتصالاً برياً يمتد من ريف حلب الشمالي، ومنطقة عفرين، وصولاً إلى أبعد ما يمكن غرباً.
  3. نقل الأزمة إلى داخل سوريا، عبر اتخاذ القرار بمنع عبور قوات النظام السوري لغرب الطرق الدولية، وتشكيل ما يشبه منطقة آمنة (عسكرية) عريضة واسعة في المنطقة؛ الأمر الذي قد يدفع روسيا إلى القبول بتشكيل منطقة آمنة على الشريط الحدودي.

الدور الأمريكي

يؤشر اندفاع تركيا وجرأتها في التصادم مع روسيا إلى وجود دور أمريكي مساند، فمن المعلوم أن تركيا كانت في السابق تحاسب أي فصيل يتجاوزها، خوفاً من الاصطدام بروسيا، وقد استندت روسيا على الخوف التركي لقضم مساحات واسعة من مناطق المعارضة، والتحلل من جميع تفاهماتها مع تركيا، لكن ما الذي تغير.

وتؤكد مصادر المعارضة السورية دخول الأمريكيين على خطّ الصراع في إدلب، ومحاولتهم سحب تركيا من تفاهماتها مع روسيا، واستعادة التنسيق معها بشكل أكبر في ما يخصّ شمال غرب سوريا. وهنا من المهم الإشارة إلى فحوى الرسالة التي حملها الممثل الأمريكي للشأن السوري، جيمس جيفري إلى أنقرة، وذلك على خلفية هجوم روسيا وحلفائها المستمر على إدلب، فقال جيفري: "لقد أوضحنا لأردوغان عدة مرات بأن جهوده لعقد صفقات مع الروس في شمال شرق سوريا وشمال غرب سوريا، لن تجدي نفعاً، وأنا بنفسي قلت له: لا يمكنك الوثوق ببوتين. وها هو بنفسه يرى نتائج ذلك الآن ".

يرجع سبب الاهتمام الأمريكي إلى وجود مصلحة أمريكية في إلْهاء الروس في إدلب أطول وقت ممكن ليتسنى ترتيب إجراءاتهم شرق الفرات، ولإقناع الروس أنهم طرف مؤثر في أي مستقبل للصراع وتسويته في سوريا ويجب عدم تجاوزهم.

وبالرغم من تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو التي أدان فيها التصعيد السوري-الروسي-الإيراني وأكد حق تركيا في الرد على مقتل جنودها الستة، إلا أن محللين أتراك يعتبرون أنه لا يمكن الرهان على الأمريكيين، وأن لا معطيات صلبة عن موقف أمريكي داعم لتركيا في سوريا، وأن انقرة تستفيد من الموقف الأمريكي المنتقد لروسيا ونظام الأسد، إلا أنها تتعامل بحذر مع طبيعة هذا الدعم.

السيناريوهات المحتملة بالنسبة لمستقبل الصراع في شمال غرب سوريا

السيناريو الأول: توصُّل الطرفين إلى تفاهمات جديدة بشروط محدثة، وقد كشفت وسائل الإعلام التركية أن الرئيس بوتين اقترح على أردوغان أثناء المكالمة الهاتفية التي جرت بينهما بطلب من أردوغان، رسم خطوط تماس جديدة، وفصل المعتدلين عن المتطرفين في شمال غربي سوريا. ورغم ممانعة تركيا، ومطالبتها بانسحاب قوات النظام من المناطق التي احتلتها مؤخراً، إلا أن هذا الخيار يبدو مناسباً لأنه سيُظهر تركيا بمظهر الطرف المؤثر الذي اضطُرت روسيا لأخذ موقفه في الاعتبار.

وبالنسبة لروسيا، فإنها تفضل سياسة القضم بالتدريج، وهي لا ترغب في الدخول في معركة دامية في إدلب في الوقت الراهن، لحاجتها إلى تثبيت مواقعها التي سيطرت عليها، كما تدرك أن إدلب بعد شبه الحصار الذي بات مطبقاً عليها، وانكشاف خطوط دفاعها، أصبح وضعها هشاً.

هذا السيناريو هو الأكثر قرباً للتطبيق، وخاصة مع بدء الطرفين، روسيا وتركيا، محادثات سياسية لإيجاد حل للأزمة؛ ما يعني وجود قابلية لتقبل الحلول الوسط بينهما.

السيناريو الثاني: إكمال القوات السورية الهجومَ بدعم روسي؛ إذ تؤشر التحركات العسكرية إلى أن روسيا ليست في صدد إنهاء عملية إدلب والخضوع للابتزاز التركي. وما يشجع روسيا على استكمال هذا المسار، حقيقة انهيار فصائل المعارضة وهزيمتها تحت ضربات القوات السورية المدعومة روسياً، وهي بنظر الروس فرصة لا يجوز تفويتها مع احتمال تغير المعطيات، إذا صدقت التحليلات التي تقول بإمكانية دخول الولايات المتحدة على خط مساعدة الفصائل المسلحة.

ويدعم هذا السيناريو الأطراف العسكرية والمخابراتية الروسية، التي تضغط على بوتين لإنهاء الملف السوري وتحجيم دور تركيا إلى أبعد الحدود، وهي أطراف تُكن العداء لتركيا منذ حرب الشيشان التي دعمت فيها تركيا المتمردين الشيشانيين في حربهم مع روسيا.

السيناريو الثالث: دخول الجيش التركي إلى إدلب وضم أجزاء واسعة منها، على غرار ما حدث في عفرين ومناطق شمالي سوريا، وذلك استباقاً لسيطرة الأسد على هذه المنطقة، ويعزز هذا الاحتمال التجهيزات التركية الكبيرة في مناطق الحدود السورية، وحديث تركيا المتكرر عن إقامة منطقة آمنة.

هذا السيناريو محتمل في حال فشل المفاوضات مع روسيا في الوصول إلى حل يأخذ مصالح تركيا في الاعتبار، ورغم أنه يشكل مخاطرة نظراً لأن احتمالية الصدام مع روسيا ستكون كبيرة في هذه الحالة، إلا أن تركيا ستجد نفسها مضطرة للإقدام عليها بذريعة الحفاظ على أمنها القومي الذي سيتهدد نتيجة موجات اللجوء الكبيرة نتيجة تقدم قوات الأسد.

خلاصات واستنتاجات

يُدير الطرفان الروسي والتركي لعبة معقدة وقاسية في سوريا. فبالنسبة لتركيا، تبدو خياراتها أكثر صعوبة، نظراً لفارق القوّة بينها وبين روسيا، بالإضافة إلى ذلك ترتبط تركيا بعلاقات اقتصادية مهمة مع روسيا، التي تعتبر المورّد الأكبر للطاقة، غير أن تركيا مجبرة على إبراز الصلابة في هذه المواجهة للحفاظ على هيبتها كقوّة إقليمية، لذا فإن خياراتها تنحصر بين مواصلة إرسال مزيد من القوات وخوض القتال، أو قبول الهزيمة وتحمل تداعياتها المتمثلة بلجوء مئات آلاف السوريين إلى تركيا. وتتمثل تفضيلات تركيا بإقامة منطقة آمنة في إدلب تشمل مركز المدينة إلى الحدود التركية، والحفاظ على العلاقات مع روسيا وخاصة في مجال الطاقة.

أما بالنسبة لروسيا، فإنها أمام خيارات ضاغطة في سوريا، وهي ترى أن المشكلة أبعد من تركيا، وتتعلق بوضع روسيا كلاعب دولي في مواجهة لاعبين كبار بحجم الولايات المتحدة، وبنفس القدر تواجه روسيا خيارات ليست سهلة في تصعيد التوتر مع تركيا، وخاصة مع تطور العلاقات الثنائية الاقتصادية والتجارية وحتى العسكرية، والتي جعلت روسيا تدرك أن تركيا رصيدٌ مهم واختراقٌ لا غنى عنه للجبهة الغربية المعادية لروسيا. وتقع خيارات روسيا بين الاستمرار في التصعيد وإنهاء ملف إدلب، والتفرغ لمناطق شرق الفرات، التي باتت تحتل أولوية أساسية بالنسبة لروسيا، أو انتظار الحسم لظروف أخرى، والاتفاق مع تركيا على ترتيبات جديدة. وتفضل روسيا إنهاء الحرب السورية، وإجراء تسوية سياسية تأخذ في الاعتبار وضعها كأقوى طرف فاعل في الأزمة السورية.

 

أحدث المواضيع المميزة