اتفاقية إقامة مركز دعم لوجستي للبحرية الروسية في ميناء بورتسودان: الأبعاد وإمكانية التطبيق

مركز الإمارات للسياسات | 30 ديسمبر 2020

أثار الإعلان الروسي في 8 ديسمبر 2020 عن توقيع اتفاقية مع السودان على إنشاء "مركز دعم لوجستي" للقوات البحرية الروسية على الأراضي السودانية، اهتماماً متزايداً في أوساط الخبراء والمحللين، الذين ركزوا على الأهمية الخاصة لهذا التطور، لاسيما لجهة تأثيره في مساعي تعزيز انتشار القوات البحرية الروسية في البحر الأحمر، وتوسيع نطاق تحركاتها العملياتية، ولدوره في مواجهة ما وُصفت بأنها محاولات أمريكية للاستحواذ على النفوذ والسيطرة في هذه المنطقة الحيوية. لكن تُثار تساؤلات حول إمكانية ذهاب السودان إلى تطبيق هذه الاتفاقية في إثر تحسُّن علاقاته بالولايات المتحدة.

الخلفية والسياق والبنود

استكملت روسيا خلال شهر واحد، وبخطوات متسارعة، جميع الترتيبات الضرورية لتثبيت اتفاق مع الجانب السوداني على إقامة "نقطة دعم تقني-لوجستي" للأسطول الروسي في ميناء بورتسودان السوداني، المُطل على البحر الأحمر. والخطوة العلنية الأولى في هذا السياق جاءت عبر قرار وقّعه رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين، يوم 6 نوفمبر 2020، ونُشر على موقع "البوابة الرسمية للمعلومات القانونية" في 11 من الشهر نفسه. وفي ترويسته حمل القرار تعريف "اقتراح موجه إلى الرئيس الروسي" لتوقيع الاتفاقية مع السودان. ويُشير رئيس الحكومة في مستهل قراره إلى الموافقة على الاتفاقية، التي "طرحتها وزارة الدفاع، بالتوافق مع وزارة الخارجية، ومؤسسات السلطة التنفيذية المعنية، وكذلك مع المحكمة العليا والنيابة العامة ولجنة التحقيقيات الفيدرالية، مع إشارة إلى أن الاتفاقية تمت صياغتها في وقت سابق مع الجانب السوداني".

وفي 16 نوفمبر 2020، أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وافق على اقتراح الحكومة، وكلّف وزارة الدفاع الروسية توقيعَ الاتفاقية مع الجانب السوداني. وفي 8 ديسمبر 2020، نشر موقع "البوابة الرسمية للمعلومات القانونية" نصَّ الاتفاقية الموقعة من الطرفين، مع إشارة إلى أن موسكو والخرطوم وقّعتا عليها في وقت سابق.

في الديباجة، يؤكد الطرفان أن الاتفاقية جاءت "انطلاقاً من الرغبة المشتركة في تعزيز وتطوير التعاون العسكري الهادف إلى تعزيز القدرة الدفاعية للاتحاد الروسي وجمهورية السودان"، وإدراكاً من الجانبين بأن "وجودَ نقطة دعم لوجستي للبحرية الروسية على أراضي جمهورية السودان يَفي بأهداف الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة"، ويؤكدان أن ذلك الوجود "ذو طبيعة دفاعية وغير موجه ضد دول أخرى".

وفي خطوطها العامة لا تختلف هذه الاتفاقية عن الاتفاقيات الروسية مع الحكومة السورية حول إنشاء قاعدة جوية في حميميم وأخرى بحرية في طرطوس؛ إذ تحصل روسيا بموجبها من السودان أيضاً على تسهيلات واسعة، و"أراضٍ" لإقامة "نقطة الدعم اللوجستي" في بورتسودان، من دون مقابل، لمدة 25 عاماً. وتُبقي الاتفاقية على إمكانية توسيع نقطة الدعم؛ إذ تنص في واحدة من فقراتها على إمكانية نقل الجانب السوداني مساحات إضافية إلى الروس مجاناً إذا لزم الأمر، بموجب بروتوكول مستقل. وبالنسبة للعسكريين والمتعاقدين المدنيين الروس الذين سيوجدون في "نقطة الدعم" جاء في نص الاتفاقية أن عددهم "لا يتجاوز في وقت واحد 300 شخص"، مع إبقاء إمكانية زيادة العدد، لكن بالاتفاق مع الجانب السوداني. ويحظى جميعهم بحصانة أمام القوانين والمحاكم السودانية، على أن تتم معاقبتهم ومحاسبتهم عن أي مخالفات أو انتهاكات بموجب القوانين الروسية. كما تُعفي الاتفاقية من الرسوم الجمركية وغيرها من جبايات مالية، جميعَ المواد والعتاد والذخيرة التي يقوم الجانب الروسي بنقلها إلى نقطة الدعم، التي تسمح الاتفاقية بوجود 4 سفن حربية روسية فيها في آن واحد، بما في ذلك السفن النووية، مع الالتزام بمبادئ الأمن النووي. ويلتزم الجانب الروسي إبلاغَ السلطات السودانية عن دخول سفنه إلى المياه الإقليمية السودانية قبل 12 ساعة في الحالات العادية، وقبل 6 ساعات في حالات الضرورات العملياتية. وبالنسبة للمغادرة يكون الإشعار قبل 3 ساعات، وفي حالات الضرورات العملياتية قبل ساعة واحدة من مغادرتها.

ولن يقتصر الأمر على استخدام نقطة الدعم، إذ ستتمكن روسيا من استخدام المجال الجوي لجمهورية السودان لرحلات الطائرات الروسية التي تحمل المؤن والعتاد والأسلحة إلى مركز الدعم اللوجستي. وبالنسبة لحمايته يتولى الجانب الروسي مسؤولية أمن الحدود المائية، والدفاع الجوي، وكذلك الحماية الداخلية والحفاظ على القانون والنظام على مساحة المركز، على أن يتولى الجانب السوداني الحماية الخارجية لحدوده البرية.

ومقابل هذا كله تنص الاتفاقية على أن يقدم الجانب الروسي إلى السودان "من دون مقابل"، مساعدةً في مجالات عدة بينها مكافحة التخريب تحت الماء، وتنظيم عمليات الإنقاذ في المياه الإقليمية، وتنظيم الدفاع الجوي لقاعدة بورتسودان، والمساعدة في بناء رصيف في ميناء بورتسودان للقوات البحرية السودانية، وتطوير البنية التحتية للقاعدة البحرية السودانية. ولتنفيذ هذا كله تُقدِّم روسيا مجاناً إلى السودان "أسلحة ومعدات عسكرية بالطرق وبحسب الجدول الزمني الذي تحدده الهيئات المخولة في بروتوكول مستقل".

ملاحظات على الاتفاقية

شكَّل الإعلانُ عن اتفاقية بورتسودان مفاجأةً للمراقبين، إذ لم يُعلِن أي طرف قبل ذلك عن محادثات تجري بهذا الخصوص. وكانت المرة الأولى التي دار فيها حديث حول قاعدة للروس على البحر الأحمر في ميناء بورتسودان، خلال زيارة الرئيس السوداني المعزول عمر البشير إلى موسكو عام 2017، وكُشف حينها أنه بحث هذا الأمر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ثم مع وزير الدفاع سيرغي شويغو. ولم يُبدِ الرئيس الروسي في ذلك الحين أي رد فعل واضح على اقتراح البشير، وكذلك الأمر بالنسبة لوزارة الدفاع الروسية، ودفع الصمتُ الرسمي حيال الاقتراح الخبراءَ إلى القول إن روسيا لم تُظهر قدراً كافياً من الاهتمام به، وشكَّك كثيرون في إمكانية إقامة تلك القاعدة. واقتصرت ردود الفعل على مستوى شخصيات برلمانية، منها السيناتور فرانتس كلينتسيفيتش، النائب الأول لرئيس لجنة الدفاع والأمن في المجلس الفيدرالي، الذي عبّر عن اقتناعه بأنه لا أسباب أمام روسيا لرفض هذه الفكرة، وبعد تأكيده أن القرار في قضايا كهذه يعود إلى الرئيس، أضاف: "لكن شخصياً، لا أرى أي سبب يدفع روسيا لتجاهل دعوة الجانب السوادني إذا ما تم طرحها". وعبَّر عن قناعته بأن "الوجود العسكري الروسي على أساس دائم في تلك المنطقة سيشكل عامل استقرار". في المقابل أشار خبراء إلى صعوبات جدية تعترض قبول الاقتراح السوداني، بينها التكاليف العالية "غير المبررة"، إذ لا تُمثل القاعدة من وجهة نظرهم مكسباً كبيراً، فضلاً عن ضرورة اخذ المواقف المحتملة من جانب القوى الإقليمية والدولية في الاعتبار.

وبرغم ذلك، وبعد مُضي نحو 3 سنوات على إعلان البشير، جاء توقيع هذه الاتفاقية، ويرى بعض الخبراء أن روسيا تريثت في التوقيع، ولم تُجرِ محادثات علنية حول القاعدة في عهد عمر البشير، بسبب موقف الغرب منه، لاسيما الولايات المتحدة. إلا أن آخرين يرجحون أن المحادثات بين وزارتي الدفاع في البلدين بدأت منذ عهد البشير، لكنها جرت في ظل تكتم شديد، مع إشارة إلى أن موقف الغرب من البشير لم يكن سيُعوق روسيا عن هذه الخطوة، لأن موسكو وقّعت اتفاقيات مع دمشق، وشيَّدت قواعد في سوريا برغم تشدُّد الغرب في موقفه من رأس النظام السوري، وبرز الأمر ذاته في تواصل التعاون مع النظام الفنزويلي. ولا يستبعد أصحاب هذه الرؤية أن الالتزام السوداني بتوقيع الاتفاقية جاء قبل عزل البشير، وتوقفت المحادثات بهذا الصدد قليلاً خلال الانتفاضة الشعبية، واستؤنفت لاحقاً بعد إطاحة البشير واستقرار الوضع في السودان.

ويثير الانتباه في هذا السياق أن الجانب السوادني وقّع اتفاقية مركز الدعم اللوجستي الروسي في 23 يوليو 2019، بينما لم تضع روسيا التوقيع عليها إلا في الأول من ديسمبر 2020، الأمر الذي يشير إلى أن روسيا تريَّثت في الإعلان عن الاتفاقية، بانتظار التأكد من استقرار الوضع واستتباب الأمن في السودان، وعدم نشوب نزاعات مسلحة بين الفرقاء في مرحلة ما بعد البشير. علماً أن السلطات السودانية الجديدة بعد إطاحة البشير أكدت العام الماضي تمسُّك الخرطوم بالاتفاقيات السياسية الاقتصادية والعسكرية الموقعة مع روسيا.

الأهداف الاستراتيجية لمركز الدعم اللوجستي الروسي

خلال اتخاذها قرار إنشاء مركز الدعم اللوجستي في ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، تحركت روسيا من منطلقات عدة، بعضها يرتبط بالتنافس المستمر، لاسيما في البحار العالمية مع "القوة البحرية" الأمريكية، والبعض الآخر يتصل بمساعي استعادة النفوذ الإقليمي والدولي لروسيا. ورأى خبراء عسكريون روس أن هذه الخطوة جاءت بمنزلة تكرار أو استمرار لنهج القادة العسكريين في العهد السوفيتي، الذين كانوا يرون في امتلاك الولايات المتحدة شبكةَ قواعد بحرية في عدد كبير من الدول، عاملاً رئيساً يمنح الأساطيل الأمريكية فعاليةً عالية وقدرةً على الوجود في "مسرح العمليات" بسرعة، ما يعني بالتالي تعزيز النفوذ الأمريكي. وفي المقابل لم يكن لدى السوفييت مثل تلك الشبكات الواسعة، وكان على سفنهم اجتياز رحلة طويلة حتى قواعدها الرئيسة للصيانة والتزود بالعتاد والوقود والمؤن، وهو ما حدَّ من فعالية الأسطول السوفيتي مقارنة بقدرات الأساطيل الأمريكية؛ لذلك كان هناك سعي دائم في روسيا منذ الحقبة السوفيتية، إلى توسيع شبكة مراكز الدعم للقوات البحرية في موانئ دول صديقة، بغية تعزيز القدرة العملياتية للأساطيل، بما يمكّنها من لعب دور أكثر تأثيراً في الحد من النفوذ اللامحدود تقريباً للأساطيل الأمريكية في البحار العالمية، لاسيما في المناطق الحساسة وذات الأهمية الاستراتيجية لموسكو. وتبقى هذه المسألة حيويةً حتى يومنا هذا، نظراً لاستمرار التنافس الأمريكي-الروسي.

وكان الأميرال المتقاعد فيكتور كرافشينكو، رئيس الأركان العامة السابق للبحرية الروسية، قد قال في حديث لوكالة "إنترفاكس"، إن روسيا ومن خلال النقطة البحرية في السودان ستعزز وجودَها في أفريقيا، وتوسع القدرات التشغيلية للأسطول الروسي، وأضاف أن السفن الروسية التي توجد باستمرار في تلك المنطقة تحتاج إلى نقطة دعم، وأنها ستتمكن إذا لزم الأمر من دخول نقطة الدعم في بورتسودان، للتزود بالوقود وتنفيذ عمليات صيانة.

فضلاً عن ذلك، فإن موقع مركز الدعم اللوجستي الروسي بين قناة السويس ومضيق باب المندب، وبالقرب من مناطق تشهد حالة من التوتر مثل الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، سيمنح روسيا إمكانيةَ لعب أدوار أكثر تأثيراً في أي نزاع محتمل قد ينشب إن كان بسبب الغاز في شرق المتوسط أو لأسباب أخرى، وأيضاً في حال وقوع تصعيد على شكل مواجهة مفتوحة بين الغرب وإيران، أو بين إيران والدول العربية في الخليج العربي.

إلا أن هذا، وبناءً على تقييم السياسة الروسية خلال العقدين الماضيين، لا يعني أن روسيا ستدخل طرفاً في أيٍّ من النزاعات المحتملة في المنطقة، لكن وجودها العسكري في "مسرح العمليات" أي في منطقة النزاع، سيُعزز فرصها في طرح نفسها "وسيطاً" للتهدئة بين الأطراف، لاسيما أن بعض المحللين في موسكو يرى أن الوجود العسكري في سوريا على سبيل المثال، ورغم أنه يشكل دعماً للنظام السوري، إلا أنه عامل رئيس سمح لروسيا بفرض نفسها وسيطاً في التسوية السورية، وقبول جميع الأطراف الدولية لهذا الدور الروسي. كما كان للعامل "العسكري" دور رئيس في موافقة طرفي النزاع حول إقليم ناغورني قره باغ، أي أرمينيا وأذربيجان، على الوساطة الروسية ونشر قوات "حفظ سلام" روسية في المنطقة لاحقاً. 

إضافة إلى ما سبق، لا شك في أن مركز الدعم اللوجستي سيكون له تأثير في مصالح روسيا الاقتصادية. في هذا الصدد يرى أوليغ كرينيتسين، العميد المتقاعد في الاستخبارات الروسية، ورئيس شركة "آر إس بي- غروب" العسكرية الخاصة، أن مركز الدعم الروسي يمكنه السيطرة على عبور النفط في تلك المنطقة، في إشارة منه إلى الإنتاج النفطي في دولة جنوب السودان، التي لا تمتلك منافذ بحرية لتصدير إنتاجها، وتعتمد في ذلك على خط أنابيب عبر الأراضي السودانية، ومحطة تكرير النفط في بورتسودان. ومن جانبه أشار أندريه أورلوف، الخبير بصادرات الأسلحة، إلى أن السودان، من أكبر مستوردي الأسلحة الروسية في أفريقيا، ووفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام يحتل السودان منذ عام 2000 المرتبةَ الثانية في أفريقيا، بعد الجزائر، في شراء الأسلحة الروسية، وبالتالي يمكن أن يشكل مركز الدعم "قاعدةً" لضمان تلك المصالح مجتمعة.

وإلى جانب صادرات الأسلحة، هناك مصالح اقتصادية كثيرة لروسيا في المنطقة، بينها مشروعات في مجالات عدة تنفذها شركات روسية، ويمكن أن يلعب مركز الدعم الروسي في بورتسودان دوراً في الحفاظ على تلك المصالح، وفق رؤية عبّر عنها الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية، أنطون مارداسوف، الذي قال إن  "إضفاءَ الشرعية" على الوجود العسكري الروسي في السودان هدفٌ آخر من جملة أهداف إنشاء مركز الدعم الروسي في بورتسودان، وأشار إلى أن شركات عسكرية خاصة كانت تمثل ذلك الوجود في السنوات الأخيرة، موضحاً أن العسكريين من تلك الشركات "عملوا على الحفاظ على المصالح خلال تغيير السلطة بعد إطاحة عمر البشير". وكانت تقارير صحفية ذكرت أن روسيا وقّعت منذ عام 2017 اتفاقيات مع السودان حصلت بموجبها على "امتيازات" في تعدين الذهب، وجرى الاتفاق مع شركة مرتبطة برجل الأعمال يفغيني بريغوجين، المعروف بلقب "طبَّاخ بوتين" والذي تقول تقارير عدة إن مؤسسة "فاغنر" العسكرية الروسية الخاصة تابعة له أيضاً.

دوافع ومصالح الجانب السوداني

نظراً إلى أن الحديث عن الاتفاقية مستمر على مستويات مختلفة، وغالباً خلف أبواب مغلقة منذ العام 2017، فإن الآراء تميل إلى أن الخرطوم كانت تأمل بأن يخفف الحضورُ الروسي الضغوطَ الممارسة عليها من جانب الغرب. وحتى بعد عزل النظام السابق، ظلّت الحوارات مع موسكو قائمة في إطار تنويع الخيارات أمام القيادة السودانية الجديدة، وتحسين مواقعها التفاوضية مع الأطراف المختلفة، فضلاً عن أن الاتفاقية تمنح السودان إمكانية الحصول على هبات عسكرية من روسيا تم تحديدها في الوثيقة بأنها تدخل في إطار التعاون المشترك لحماية القاعدة في بورتسودان. ومن الطبيعي أن السودان كشريك عسكري مهم لروسيا مهتمٌ بالحصول على مجالات لتعزيز تسليح جيشه، وإعادة تأهيله، إضافة إلى مواصلة عمليات الصيانة والتجديد للأسلحة والمعدات القديمة الموجودة لدى السودان.

لكن اللافت للنظر أن السلطات السودانية قابلت الإعلان الروسي عن توقيع الاتفاقية، ثم نشر الوثيقة على البوابة الإلكترونية الحكومية للوثائق الموقعة مع البلدان الأجنبية، بصمت كامل، وبدا أن التطورات الحاصلة لجهة تطوير العلاقات السودانية-الأمريكية، ورفْع الخرطوم من لائحة الإرهاب، دفعت الخرطوم إلى عدم الرغبة في إثارة جدل حول الاتفاقية. ومن الصعب تحديد أسباب الصمت الرسمي السوداني حالياً، وثمة من يقول من الخبراء الروس إن موسكو تعمَّدت نشر الوثيقة في هذا التوقيت لوضع الخرطوم أمام استحقاق تنفيذ اتفاقية موقعة، ولتحسين موقعها التفاوضي في أي تطور يتعلق بهذا الموضوع.

دلالات التطور على خلفية تحسُّن العلاقات السودانية-الأمريكية

منذ البداية كانت موسكو تنتظر عرقلةً أمريكية لتطوير التعاون العسكري مع السودان. وهذا كان بين أسباب تأخير الاستجابة للعرض الذي قدّمه الرئيس السابق عمر البشير منذ 2017. ووفقاً لآراء خبراء روس، فإن واشنطن ستعمل على محاولة وقف تنفيذ الاتفاقية برغم أنها لم تعلق رسمياً حتى الآن على الإعلان عنها. وفي هذا الإطار فإن الأنظار الروسية تتجه نحو ردة فعل الإدارة الأمريكية الجديدة، التي لم تنخرط بعد في معالجة عدد من الملفات الإقليمية المهمة، بينها العلاقة الجديدة مع السودان.

وعموماً، تشير مسارعة موسكو بالإعلان من جانب واحد عن الاتفاقية إلى رغبتها في جسّ نبض الأطراف المختلفة، وبينها الولايات المتحدة والقوى الإقليمية ذات التأثير والاهتمام.

ويرى الخبراء الروس أن واشنطن قد تعمل على احتواء التنفيذ العملي للاتفاقية عبر التأثير في الخرطوم للمماطلة في تطبيق بنود الاتفاقية. لكن مسألة الوجود في السودان ليست مرتبطة فقط وفقاً لخبراء روس بالوضع في البحر الأحمر، حيث تحاول موسكو أن تعزز حضورَها ودورها فيه، لكنه مرتبط أيضاً بالجهد الروسي لتثبيت حضور دائم في القارة الأفريقية، لذلك يبدو أن هذه المسألة ستكون بين النقاط المطروحة على أجندة الحوارات الروسية-الأمريكية في حال تم التوصل إلى تفاهمات مع الإدارة الأمريكية الجديدة لإطلاق حوار شامل من هذا النوع.

الخيارات الروسية

بالنسبة إلى موسكو فإن الخيارات المطروحة أمامها بالنسبة إلى الاتفاقية مع السودان تنحصر في الآتية:

  1. الخيار الأفضل، أن يحافظ السودان على الاتفاقية ما يمنح موسكو فرصةَ الوجود الدائم في البحر الأحمر، وبشكل يوسع النطاق العملياتي لتحركات الأسطول الروسي في كل منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. وفي هذه الحالة ستكون موسكو مستعدة لاستئناف كامل للتعاون العسكري مع السودان، وبشكل يكرر -على سبيل المثال- تجربةَ التعاون مع تركيا برغم أنها حليف أساسي لواشنطن وعضو في حلف الناتو.
  2. الخيار المقبول بدرجة أقل، هو أن توفر الاتفاقية سنداً قانونياً، كونها باتت موقَّعةً رسمياً من الطرفين، لموسكو لتحسين شروط وجودها في السودان، حتى لو تم تأخير إطلاق العمل في مركز الدعم اللوجستي للبحرية الروسية، بمعنى أن الاتفاقية توفر أرضيةً قانونية لتعزيز الموقف الروسي في الحصول على تسهيلات واسعة في الموانئ والمطارات السودانية، حتى لو دخلت معوقات خارجية على طريق التنفيذ الكامل للاتفاقية. وهذا السيناريو تم تنفيذه مثلاً مع مصر، إذ تم توقيع اتفاقية للاستخدام المتبادل للموانئ والمطارات للحاجات العسكرية بين البلدين في نهاية العام 2017، برغم أنه لم يُفعَّل حتى الآن، بمعنى أنه لم يتم استخدامه عملياً لكنه مازال قائماً.
  3. الخيار الأسوأ، هو أن تظهر مقدمات لتراجع سوداني عن الاتفاقية تحت ضغط أو تأثير الولايات المتحدة أو أطراف اخرى. وهنا قد يُشكل الصمت السوداني الرسمي مقدمةً لتطور من هذا النوع، ولا تكشف المصادر الروسية عادة آليات التحرك الممكنة في هذه الحال، لكن تعمُّد موسكو نشر الاتفاقية في هذا التوقيت يشير إلى أنها قررت اختبار مدى قدرة السودان على إقامة توازن في العلاقات بين موسكو من جانب والغرب من جانب آخر.

خلاصة واستنتاجات

  • أعلنت موسكو عن توقيع اتفاقية مع السودان على إنشاء "مركز دعم لوجستي" للقوات البحرية الروسية في ميناء بورتسودان، لمدة 25 عاماً، بحيث تتيح الاتفاقية وجود 4 سفن حربية روسية في آن واحد، بما في ذلك السفن النووية. وفي المقابل يُقدم الجانب الروسي إلى السودان مساعدةً في مجالات مكافحة التخريب تحت الماء، وتنظيم عمليات الإنقاذ في المياه الإقليمية، وتنظيم الدفاع الجوي لقاعدة بورتسودان، والمساعدة في بناء رصيف في ميناء بورتسودان للقوات البحرية السودانية، وتطوير البنية التحتية للقاعدة البحرية السودانية، إضافة إلى أسلحة ومعدات عسكرية.
  • يمنح هذا المركز اللوجستي موسكو فرصة الوجود الدائم في البحر الأحمر، وتوسيع النطاق العملياتي لتحركات الأسطول الروسي في كل منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وإمكانيةَ لعب أدوار أكثر تأثيراً في نزاعات المنطقة، وقاعدة لضمان مصالح روسيا الاقتصادية.
  • تعتقد موسكو أن واشنطن قد تعمل على احتواء التنفيذ العملي للاتفاقية عبر التأثير في الخرطوم للمماطلة في تطبيق بنود الاتفاقية، لذا سارعت إلى الإعلان من جانب واحد عن الاتفاقية ونشرها بسبب رغبتها في جس نبض الأطراف المختلفة، وبينها الولايات المتحدة والقوى الإقليمية المؤثرة، واختبار مدى قدرة السودان على إقامة توازن في العلاقات بين موسكو من جانب والغرب من جانب آخر.
  • كان لافتاً للنظر أن الخرطوم قابلت الإعلان الروسي عن توقيع الاتفاقية بصمت كامل، وبدا أن تحسُّن العلاقات السودانية-الأمريكية ورفْع الخرطوم من لائحة الإرهاب، دفعا القادة السودانيين إلى عدم الرغبة في إثارة جدل حول الاتفاقية.

أحدث المواضيع المميزة