الأخطار التي تُواجِه الاقتصاد التركي في 2020

مركز الإمارات للسياسات | 11 فبراير 2020

بسبب الاضطرابات الاقتصادية والمالية التي عصفت بتركيا منذ مارس 2018، بدأ الاقتصاد التركي بالانكماش والتراجع. وفي الربع الثالث من عام 2019 بدأ النمو بشكل ضعيف. وبرغم تحرُّك الأسواق والنمو إيجابياً منذ تلك الفترة إلا أن الأزمة وآثارها ما زالت باقية ومستمرة دون حل أو تصحيح حقيقي. ففي مقابل النمو الضعيف واستقرار سعر الليرة نسبياً، ما زال مستمراً ارتفاع معدل التضخم والأرقام القياسية في البطالة بشكلٍ يُؤثِّر سلباً على الاقتصاد.

وبسبب الانهيار الذي حصل في سعر الليرة التركية في أغسطس 2018، بدأت الحكومة بالتدخُّل مباشرةً في الأسواق المالية وانتقلت من مبدأ "السوق الحر" إلى "السوق الحر المُسيطَر عليه"، وبدأت الحكومة ومؤسساتها بالتدخل حتى في الآليات الصغيرة للتعاملات المالية، فبدأت بالضغط على البنوك من أجل منح قروض بأسعار فائدة أقل من السوق، وفرضت رقابة قوية على دفاتر البنوك في عمليات استبدال العملة وشراء العملات الأجنبية، وبدأت بطرح الدولار في الأسواق من أجل الحفاظ على سعر الليرة بشكل مستمر، كما منعت آلية التبادل SWAP أو ضيَّقتها إلى أبعد الحدود، من أجل منع خروج الليرة التركية إلى الأسواق الأجنبية للعمل على رفع سعرها بشكل مصطنع، وبات البنك المركزي طرفاً غير محايد في عمليات التبادل SWAP وكذلك تحديد سعر صرف الليرة مقابل الدولار.

وهذه الآليات التي تتنافى مع نظام سوق الصرف الحر الذي تعتمده تركيا منذ سنوات لا يمكن استمرارها إلى الأبد أو حتى لفترة طويلة. والتطورات الخارجية والآليات الداخلية للاقتصاد التركي ما زالت ضعيفة وغير مستقرة، بشكلٍ يُهدِّد استقرار الاقتصاد التركي. وهذه الورقة تُسلِّط الضوء على هذه المخاطر التي تتوزع إلى مخاطر ذات أسباب اقتصادية خارجية، وأخرى ذات أسباب داخلية، بالإضافة إلى أسباب سياسية داخلية وخارجية.

الأسباب الداخلية

تتمثَّل أهم الأسباب الداخلية التي تُولِّد مخاطر على الوضع المالي والاقتصادي التركي في الآتي:

1. ارتفاع نسبة الديون المعدومة أو غير المستردة في البنوك

في الرسم البياني المرفق تظهر نسبة الديون المعدمة (المتأخر تحصيلها أو المفقود الأمل في تحصيلها) لدى البنوك التركية، ويُظهِر هذا البيان الإحصائي أن الفترة الحالية عادت لتشبه ما كان عليه الوضع في تركيا بين 2004-2009. لكن هذا الرسم البياني الذي يعتمد على المصادر الرسمية الحكومية، لا يشمل ديون قطاعَيّ الطاقة والتعمير اللذين توليهما الحكومة أهمية كبيرة، وتضغط من أجل إعادة جدولة ديونهما، ممَّا يجعل الرسم البياني يعكس صورة أكثر إيجابية من الوضع الحقيقي. كما أن البنوك الحكومية تخفي النسبة الحقيقية للديون المعدومة، لأسباب سياسية؛ فالحكومة تضغط على البنوك الحكومية الموالية لها من أجل عدم مطالبة رجال الأعمال المقرَّبين من الحكومة بسداد ديونهم في الوقت المحدد وتترك لهم فترة سماح غير قانونية أطول من المعتاد. ومع ذلك يُظهِر الرسم البياني أن نسبة هذه الديون المعدومة من مجموع الديون يصل إلى 5.2%.

وفي حال كان هناك شفافية ونظام سياسي لا يتدخل في عمل البنوك الحكومية، فإن خبراء الاقتصاد يتوقعون أن تكون النسبة الحقيقية بين 8-10%، وهو ما كان عليه الحال عام 2003. وفي حال استمرار الركود الاقتصادي، فإن الشركات ذات الوضع الاقتصادي الجيد قد لا تستطيع تحصيل مستحقاتها من الشركات التي تعاني مشاكل مالية، وبالتالي فإن الانهيار قد ينتشر كالعدوى، وهو وضع سبق أن حصل بسبب تعثُّر بعض القطاعات مالياً.

2. ارتفاع الديون الخارجية بالعملة الصعبة للقطاع الخاص

انتهجت حكومة العدالة والتنمية في تركيا أسلوب تخفيف الأعباء والديون عن الحكومة، وتحويلها إلى القطاع الخاص من خلال عمليات الخصخصة، وذلك من أجل الخروج أمام الناخبين بحكومة "خالية من الديون أو التبعية للخارج". وعليه أُحِيلت جميع مشاريع البنية التحتية والمشاريع الكبرى التي اعتادت الحكومة على تمويلها وبنائها بقروض أجنبية، إلى القطاع الخاص ليقترض هو بضمان توفرها وزارة الخزانة وبهامش ربح كبير ومضمون، وبالتالي تصاعدت ديون القطاع الخاص بشكل متسارع في العقد الأخير ووصلت قبل الأزمة المالية الأخيرة في فبراير 2018 إلى 223 مليار دولار، وتراجعت حالياً إلى 167 مليار دولار. وإذا أُخِذ بعين الاعتبار أن النمو في تركيا يكون دائماً من خلال الاقتراض من الخارج بسبب عدم وجود مدخرات كافية، فإنه يمكن إدراك أن انخفاض هذا الدين الخارجي جاء بسبب توقُّف الاقتراض مجدداً من الخارج في العامين السابقين، وبسبب استحواذ الحكومة على بعض الشركات الخاصة مقابل سداد ديونها الخارجية، وهو الحل الذي حال دون انهيار كبير في شركات القطاع الخاص وتفجير أزمة اقتصادية كبيرة في تركيا بشكل صادم. هذا المشهد لم يؤدِ فقط إلى تراجُع النمو في تركيا بشكل كبير، بل إلى عملية انكماش اقتصادي كبيرة، كما أن نسبة الدين الخارجي إلى الدخل القومي التركي تجاوزت نسبة 59.1% في عام 2019. ومع عودة النمو ببطء في الربع الثالث من 2019، إلا أن الوضع لا زال غير مستقر.

وعلى شركات القطاع العام أن تجد حلاً مع البنوك لسداد ديونها الخارجية، من خلال البحث عن مصدر دين خارجي أو داخلي بفوائد معقولة، وإلا فإن هذه الشركات ستكون معرَّضة للإفلاس. ولذلك فقد سعَت الحكومة قبل عامين لإنشاء ما سُمِّي بالصندوق السيادي، وهو صندوق حوَّلت إليه الحكومة ملكية جميع القطاع العام والبنوك الحكومية، ليكون مستقبلاً كضامن للاقتراض من الخارجي بفوائد مقبولة. لكن ضَم جميع شركات القطاع العام تحت إدارة واحدة تسبَّب في خسائر كبيرة في جميع هذه الشركات خلال العامين الماضيين، بسبب انتشار الفساد والمحسوبية.

3. العجز في الموازنة ودور وزارة الخزانة في سداد هذا العجز

مع انهيار سعر الليرة التركية في أزمة صيف 2018، اضطر البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة بشكل كبير بحيث وصلت إلى 24%.  ولأن وزارة الخزانة لا تريد الاقتراض بهذا السعر الكبير من الفائدة، فقد اتجهت إلى القروض قصيرة الأجل، لتخفيف عبء الفائدة المرتفعة، لكن هذا الأمر راكم على وزارة الخزانة كمية كبيرة من الديون التي سيكون عليها تدويرها خلال عام 2020، وهذا ما دفع الرئيس أردوغان للتدخل بشكل مباشر لخفض سعر الفائدة في تركيا سريعاً وبشكل يخالف كل القوانين المالية والاقتصادية. ومن المتوقع أن تحتاج وزارة الخزانة إلى اقتراض مبلغ 264 مليار ليرة تركية (45 مليار دولار حسب السعر الحالي) خلال عام 2020.

فشلت الحكومة في فرض الانضباط المالي على ميزانيتها خلال السنوات الثلاث الماضية لأسباب سياسية، ومع دخول الأزمة الاقتصادية في تركيا على الخط منذ عامين تراجَعت مدخولات الخزانة من الضرائب، ممَّا دفع الحكومة للجوء إلى إصدار بعض القوانين التي تزيد من مدخولها (مثل البدل المالي للتجنيد، وإصدار عفو عن المباني المخالفة لقانون الإعمار مقابل دفع غرامات مالية)، لكن حالياً لا يوجد بيد الحكومة مشاريع جديدة تزيد من خلالها عائداتها المالية، ممَّا يعني أن الحكومة ستضطر إلى الاستدانة من جديد (ديون إضافية غير ديون تدوير ديونها الداخلية المذكورة في البند السابق) برقم قد يصل إلى 290-322- مليار ليرة تركية (حوالي 50-55 مليار دولار) وهو ما سيجعل عملية استدانة الحكومة خلال عام 2020 أمراً غاية في الصعوبة.

4. التدخُّل المباشر في سعر الفائدة الذي يُلجِئ المُودِعين إلى شراء الدولار

أحد الأخطار الداخلية الأخرى يتمثَّل في احتمال أن تفقد الحكومة سيطرتها على الآلية التي اخترعتها من أجل دعم سعر الليرة التركية والحفاظ عليه مستقراً، من خلال بيع الدولار إلى البنوك الحكومية سراً عن طريق صندوق السيادة. ويمكن شرح هذه الآلية في الآتي:

من المفروض أنه عندما يقوم البنك المركزي بطرح دولار للبيع في السوق المحلي، فإن عليه إعلان ذلك لجميع البنوك من خلال الإعلان عن مزايدة للبيع وفق العرض والطلب، كما أن القانون لا يسمح للبنوك الحكومية والخاصة ببيع ما يزيد عن 20% من مجموع مدخراتها من الدولار. والحاصل حالياً في هذه الآلية أن البنك المركزي يقوم بتحويل الدولار إلى الصندوق السيادي بالسعر الذي يُحدِّده البنك المركزي دون إعلان أو مزايدة، ويقوم صندوق السيادة بإيداع هذه الكميات من الدولار في حساباته في البنوك الحكومية، التي تقوم بدورها ببيع هذه الكميات من الدولار بنفس السعر حتى لو كانت هذه كميات كبيرة من الدولار تتجاوز 20% من مجموع مدخراتها بشكل يخالف القانون. لكن جميع هذه العمليات تتم بشكل سري دون الإعلان عنه. وبالتالي تتوفَّر كميات كبيرة من الدولار بسعر صرف يحدده البنك المركزي، وبالتالي يتم ضبط سعر الليرة من خلال هذه الآلية التي تُعَد تدخُّلاً مباشراً في السوق التي يفترض أن تكون حرة وأن يكون سعر الدولار محدَّداً وفق العرض والطلب. لكن من أجل أن تتم هذه العملية دون مشاكل، فإن على هذه الكميات من الدولار أن تعود مجدداً إلى البنك المركزي. وهنا فإن المواطنين أو الشركات الذين اشتروا هذه الكميات من الدولار التي تم طرحها، يقومون بإعادة إيداعها في حساباتهم في البنوك الحكومية والخاصة، فيما عدا جزء قليل يدَّخره المودعون في منازلهم أو يتم تحويله إلى الخارج. وهنا يقوم البنك المركزي بإعادة شراء هذه الكميات من الدولار من خلال عملية تبادل SWAP عمرها بين 1-12 شهراً، ويدفع للبنوك فوائد منخفضة بالليرة التركية.

تبدو هذه العملية، التي يرى فيها بعض الخبراء الاقتصاديين "تحايلاً" على النظام المالي الشفاف، جيدة ومفيدة للحفاظ على سعر الدولار، لكنها مع ذلك تعاني من مشكلتين:

الأولى، أن جزءاً من هذه الكمية من الدولارات التي يطرحها البنك المركزي للبيع بهذه الطريقة لا تعود إليه، إذ إن الذين يشترون الدولار - كما هو مذكور أعلاه - يقومون بادِّخاره في منازلهم أو يتم تحويله إلى الخارج (الشركات التركية تدفع ديونها أو فواتيرها للمشتريات من الخارج بالدولار). وحسب أرقام 2019، فإن البنك المركزي طرح بهذه الطريقة حوالي 32.8 مليار دولار للبيع، لكنه لم يستعد منها إلا 14.6 مليار دولار فقط. ما يعني أن استمرار هذه العملية يؤدي بالتدريج إلى فقدان البنك المركزي احتياطاته من الدولار، ولا يمكنه الاستمرار بهذه العملية طويلاً. ووفق الأرقام الرسمية أيضاً، فإن احتياطات البنك المركزي من الدولار والذهب بلغت 108 مليار دولار بداية عام 2020، لكن بعد طرح المبالغ التي تملكها البنوك والتي تودعها في البنك المركزي يبقى حوالي 35 مليار دولار فقط، وخلال هذا العام فإن البنك المركزي عليه أن يقوم بنفس العملية الموضَّحة أعلاه والتي ستؤدي إلى خسارته المزيد من الدولارات، ليصل احتياطي البنك المركزي التركي نهاية هذا العام إلى 20 مليار دولار فقط وهو أمر حرج للغاية.

والمشكلة الثانية، أنه من المفترض أن مجموع الديون الخارجية التي يجب تحصيلها هذا العام من القطاعين الحكومي والخاص تبلغ 164 مليار دولار، ومع اقتراب موعد استحقاق سداد هذه المبالغ، فإن القطاعين العام والخاص سيحتاجان لشراء الدولار من البنك المركزي للدفع للخارج، وهو رقم يفوق مدخرات البنك المركزي الحالية كما رأينا، وعليه فإنه في حال عدم إيجاد حل لهذه المشكلة فإن تركيا قد تواجه مشكلة كبيرة تؤدي إلى هدم هذه الآلية بالكامل، بالإضافة إلى أزمة تطيح بسعر الليرة التركية.

5. انخفاض أرباح الفائدة على الليرة التركية

سعى الرئيس أردوغان إلى خفض سعر الفائدة بسرعة وبشكل كبير من أجل خفض أعباء الديون الداخلية على وزارة الخزانة، ومن أجل تشجيع النمو الداخلي. وخلال الأشهر الستة الأخيرة تراجَع سعر الفائدة البنكية من 24% إلى 11.25% بأوامر سياسية مباشرة وليس وفقاً لقواعد السوق المالي الحر. وكان مفترضاً وفق الخطة الاقتصادية الحكومية أن يصحب ذلك تراجُع في نسبة التضخم بشكل مواز. لكن التضخم الذي تراجعت أرقامه - من خلال التدخل الحكومي المباشر واللعب بالأرقام مجدداً وليس بشكل طبيعي - عاد ليرتفع في الشهرين الأخيرين ليصل إلى 11% تقريباً، ممَّا يعني أن الربحية على الادخار بالليرة التركية في البنوك المحلية باتت صِفْراً. فالمودع لأمواله في البنوك التركية سيحصل على فائدة قيمتها 11.25% بعد عام، لكن في نفس الوقت فإن القيمة الشرائية لليرة التركية ستتراجع بنسبة 11% خلال هذا العام، ممَّا يعني أن الحصيلة ستكون صفرية، وهذا أدى إلى سحب جزء من المودعين أموالهم بالليرة التركية وشراء الدولار كضمان. وعليه فإن المدخرات في تركيا تتحول بشكل سريع من الليرة التركية إلى الدولار، حيث بلغ مجموع المدخرات بالدولار في البنوك التركية خلال عام 2019 نحو 196 مليار دولار وهو رقم قياسي يشكل نحو 49% من مجموع المدخرات المالية في البنوك. علماً أن خبراء الاقتصاد يؤكدون أن الـ 196 مليار دولار رقم موجود نظرياً على الورق، وليس في تركيا هذه الكمية من الدولارات، بسبب تلك الآلية التي سبق توضيحها.

الأسباب الخارجية

ساعد عنصرُ زيادة الإقبال الدولي على الاستثمار في الدول ذات الاخطار العالية تركيا في العامين الماضيين على التخفيف من أزمتها الاقتصادية، خصوصاً عندما رفعت تركيا سعر الفائدة إلى 24%، فقد كان هذا الأمر جاذباً لكثير من الصناديق المالية الأجنبية التي دخلت السوق التركية للاستفادة من هذا الهامش الربحي العالي، برغم المخاطر التي تحيق بالاقتصاد التركي. وقد استفادت من هذا الإقبال دولٌ أخرى في وضع حرج مثل تركيا هي جنوب أفريقيا والبرازيل والهند وإندونيسيا، لكن تركيا كانت الأقل بين هذه الدول استفادة من هذه الصناديق الاستثمارية الأجنبية. ويوضح الجدول التالي حجم استفادة الدول الخمس من هذه الاستثمارات بشكل انعكس إيجابياً نسبيا على سعر عملاتها، ويظهر بوضوح أن الليرة التركية كانت الأقل استفادة، وأنها كانت الأكثر انهياراً في سعرها مقابل الدولار وبقية عملات هذه الدول، وذلك في الفترة ما بين مارس 2018 وحتى الآن.

وعليه فإن التحسُّن المالي الطفيف الذي حصل في تركيا وحال دون انهيار كبير يبقى مرهوناً باستمرار الوضع الدولي على هذا الحال، وإقبال الصناديق الأجنبية على المجازفة والاستثمار في هذه الدول. لكن في حال تغيَّر الوضع وبدأت الصناديق الأجنبية - وخصوصاً في الولايات المتحدة - في بيع استثماراتها، فإن ذلك سيؤدي إلى أزمة مالية كبيرة في تركيا تتسبَّب في انهيار سعر الليرة التركية. كما تتأثر تركيا أيضا بمعدل المديونية العالي في الصين، ومن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبالإضافة إلى صناديق الولايات المتحدة، وديون الصين الخارجية، تبقى الأسواق التركية مرتبطة أيضاً بوضع بنك دوتشة الألماني، والبنوك الإيطالية، والوضع الاقتصادي في الارجنتين وهونغ كونغ، إذ إن هذه الأطراف هي صاحبة الاستثمارات الأكبر في تركيا حالياً.

الأخطار المتعلِّقة بسياسات تركيا الداخلية

تعرَّضت تركيا إلى العديد من الهزات السياسية الكبيرة التي أثرت على الوضع الاقتصادي في العقد الأخير كان آخرها المحاولة الانقلابية الفاشلة، بالإضافة إلى إجراء الانتخابات والاستفتاءات السياسية بكثرة في السنوات الأخيرة، ممَّا أبقى الشعور بعدم الاستقرار لدى العديد من المستثمرين. وتتوقع الحكومة التركية أن يكون هناك استقرار مدته 3 سنوات حتى موعد الانتخابات المقبلة نهاية 2023، وقد وضعت برنامجها الاقتصادي على هذا الأساس، لكن كثيراً من المؤشرات في السياسة الداخلية تشير إلى احتمال أن يكون هناك انتخابات مبكرة في أي وقت. كما أنه في حال تكاتف أحزاب المعارضة وتحالفها معاً، فإنها قد تطيح بالرئيس أردوغان وحكومته، وهو ما سيعتبر زلزالاً سياسياً كبيراً سيكون له تأثيرات عدة على الاقتصاد، خصوصاً إذا ما كشف هذا التغيير عن مشاكل أعمق في الاقتصاد كان يتم التستر عليها.

وأيضاً من المخاطر للسياسة الداخلية على الاقتصاد استمرار عدم ثقة المواطن التركي في سياسات حكومته الداخلية أو الاقتصادية؛ إذ يُظهِر مؤشر ثقة المستهلك تراجعاً منذ عامين، ففي يناير 2020 وصل 56 نقطة (بينما كان 72 نقطة في مارس 2018 قبل بداية الأزمة) وذلك مؤشر سلبي يعكس عدم ثقة المواطن بسياسات الحكومة الاقتصادية، ممَّا يؤدي إلى تراجع الاستهلاك وإحجام المواطنين عن الصرف والشركات عن الاستثمار والتوسع، وهذا كله يؤثر سلباً على محاولات الحكومة زيادة النمو الاقتصادي وتحريك السوق. وكذلك من المخاطر والمعيقات الناجمة عن السياسية الداخلية للاقتصاد التركي وجود موجة غضب شعبي إزاء سياسات الحكومة الحالية وبسبب ارتفاع الأسعار وتفشي البطالة، والكشف دورياً عن قضايا فساد كبيرة تطال الحزب الحاكم، وانتشار صور وتقارير عن حياة البذخ التي تعيشها الطبقة الحاكمة. وهذا كله يُهدِّد بخطر "انفجار" اجتماعي ورغبة مجتمعية في تغيير الطبقة السياسية الحاكمة.

الأخطار المتعلِّقة بسياسات تركيا الخارجية

كانت الأزمة السياسية مع واشنطن بسبب الراهب الأمريكي المحجوز في تركيا المفجر للأزمة المالية والاقتصادية التي عاشتها تركيا صيف 2018، وذلك بعد تهديد الرئيس دونالد ترمب بتدمير اقتصاد تركيا إن هي لم تفرج عن الراهب سريعاً. وتشير هذه الحادثة إلى ضعف بناء الاقتصاد التركي بحيث يمكن لتغريدة للرئيس الأمريكي أن تهوي بسعر الليرة التركية، كما توضح الارتباط الوثيق بين الاقتصاد التركي والصناديق والبنوك الأمريكية التي يمكنها التأثير مباشرةً على أسواق المال التركية.

وبالتالي، فإن أي أزمة حقيقية مستقبلاً في العلاقات بين أنقرة وواشنطن يمكنها أن تؤذي الاقتصاد التركي بشكل قوي، وهناك العديد من نقاط الخلاف الحالية بين البلدين تمتد من شراء تركيا صواريخ إس400 الروسية، وما سيترتب عليها من فرض عقوبات أمريكية على تركيا في إطار قانون CAATSA للعقوبات الأمريكية، بالإضافة إلى تقارُب تركيا مع روسيا، وسياسات تركيا في الشرق الأوسط عموماً، ومنها التدخُّل العسكري في سوريا وليبيا، وتصاعُد التوتر مع اليونان في شرق المتوسط واحتمال فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على تركيا في هذا الإطار. لكن تجدر الإشارة هنا إلى العلاقة المميزة بين أردوغان وترمب والتي حالت دون تدهوُر العلاقات بين البلدين، ويلاحَظ أن الأسواق المالية باتت تركز على هذه العلاقة في تحليلاتها أكثر من إطار العلاقة بين البلدين.

الخلاصة والاستنتاجات

دخلت تركيا في أزمة مالية واقتصادية عام 2018، لكنها استطاعت أن تتجاوز قاع الأزمة وأن تُخفِّف من تبعاتها، بفضل التدخُّل المباشر للحكومة التركية والتحوُّل إلى قوانين "السوق المالي المسيطَر عليه نسبياً" بدلاً من قوانين السوق الحر، وكذلك ساعدت الظروف المالية الدولية تركيا على السيطرة على زمام الأزمة. لكن تداعيات هذه الأزمة مستمرة، ولم تنته بعد، ولم يتم علاجها، واحتمالات عودة الانفجار محتملة، خصوصاً في حال تغيَّر توجُّه الصناديق المالية العالمية وتراجعت عن الاستثمار في تركيا (ضمن سياسة الاستثمار في الدول ذات المخاطر مثل الهند والأرجنتين وجنوب أفريقيا).

   وجميع محاولات الحكومة للتدخُّل المباشر في تحديد سعر الفائدة وأرقام التضخم وشراء ديون الشركات الكبيرة والضغط على البنوك لتقديم قروض مخفضة، لم تُفلح في إقناع المواطن بتحسُّن الوضع الاقتصادي، وبالتالي فشلت الحكومة حتى الآن في دفع المواطن للمشاركة في عملية توسيع ونمو الاقتصاد. وتُركِّز الحكومة حالياً على الأرقام والنتائج النظرية، لكن ذلك لا يقنع المواطن الذي يرى استمرار ارتفاع الأسعار وتفشي البطالة والفساد. وبالتالي فإن الحكومة حتى الآن تقوم باستنزاف جميع مدخراتها وممتلكاتها من أجل الإمساك بزمام الاقتصاد وإظهار أن الوضع مستقر، وهو استثمار فاشل سينتهي بأزمة كبيرة، خصوصاً أن الحكومة تتحرك وكأن الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأمد في سنداتها وصكوكها المالية ستستمر لوقت طويل، بينما في حال تغيَّرت الظروف الدولية، فإن ذلك سينسف الاستقرار الاقتصادي الحالي الهش.

   ويبقى احتمال انفجار أزمة اقتصادية ومالية في تركيا قائماً بشكل جدي خلال النصف الثاني من عام 2020 أو النصف الأول من 2021، إما من خلال تغيُّر الأوضاع الدولية والعزوف عن المضاربة والاستثمار السريع في السندات التركية، أو من خلال استنفاذ الحكومة "حيَلَها" الاقتصادية لتغيير صورة الوضع الاقتصادي الحقيقية، أو بسبب أي انتخابات داخلية أو أزمة خارجية مع الولايات المتحدة. وفقط عند وقوع هذه الأزمة سيكون الاستثمار في تركيا ممكناً للأطراف الأجنبية ومربحاً، لكن طبعاً في حال اتَّعظت الحكومة التركية واتَّخذت - بعد وقوع الأزمة المحتملة المقبلة - الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة.

 

أحدث المواضيع المميزة