حلقات الحَظْر على الاقتصاد الإيراني: التأثيرات والثغرات والسيناريوهات

مركز الإمارات للسياسات | 20 أبريل 2020

يمكن النظر إلى العقوبات الأمريكية، ووضع إيران على اللائحة السوداء لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، وجائحة كورونا، باعتبارها ثلاث حلقات منفصلة، لكنها متكاملة، تُضيِّق الخناق على الاقتصاد الإيراني، وتفرض عليه شكلًا من أشكال الحظر الشامل الذي يعزل إيران عن النظام الاقتصادي الدولي؛ إذ تعمل كل من هذه الحلقات على تعميق أثر الحلقات الأخرى، على الرغم من الاختلاف القائم حول حجم تأثير كل منها.

تحاول هذه الورقة دراسة الحلقات الثلاث التي حظرت الاقتصاد الإيراني، وتسليط الضوء على الثغرات التي تركتها كل حلقة من حلقات الحظر، وتبين كيف أن المستويات الأخرى أسهمت إلى حد كبير إلى إغلاق هذه الثغرات والمنافذ التي كان الاقتصاد الإيراني يتنفَّس عبرها، وأخيرًا تُحدد الورقة المنافذ المتبقية أمام الاقتصاد الإيراني حتى الآن، وتبين ما إذا كانت هذه الثغرات تستطيع أن تكفل بقاء الاقتصاد الإيراني صامدًا لفترة أطول.

كيف فتح الاتفاق النووي النوافذ على العالم، بعد أن أغلقتها العقوبات الأممية؟

قبل الاتفاق النووي كان الاقتصاد الإيراني يواجه العقوبات الدولية المفروضة عليه بفعل قرارات أممية، وأخرى صادرة عن منظمات دولية، واقتصادات عالمية عدة؛ فبعد أن تمت إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن في مارس 2006، قام مجلس الأمن بإصدار أربعة قرارات ملزمة تحت البند السابع، يتضمن كل منها حزمة من العقوبات الملزمة لجميع أعضاء منظمة الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن غالبية العقوبات التي فرضتها تلك القرارات، كانت ذات صلة بالأشخاص والشركات والمؤسسات الناشطة ضمن البرنامجين؛ النووي، والصاروخي، إلا أن بعضها شمل قطاعات أخرى من الاقتصاد الإيراني. وتضمن القرار 1803 الذي أقره مجلس الأمن، عقوباتٍ خارج إطار البرنامج النووي والبرنامج العسكري، تضمنت حظرًا على قطاعات مهمة من الصادرات، والواردات، والمواد الخام إلى جانب النفط، والقطاع البنكي. وقام أعضاء الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على الاقتصاد الإيراني خلال الفترة (2007-2011) شملت عدة قطاعات؛ منها قطاع النقل الجوي، والنقل البحري، والأنشطة المصرفية، وقطاع النفط، والغاز. وذلك استنادا إلى قرارات الأمم المتحدة.

وفرضت الولايات المتحدة منذ عام 2006 العديد من العقوبات على النظام البنكي والتجاري الإيراني إلى جانب قيود على مبيعات النفط، استكمالًا للعقوبات الأممية المفروضة نتيجة البرنامج النووي الإيراني.

ونتيجة مجمل هذه العقوبات انخفض معدل صادرات خام النفط الإيراني من 2.85 مليون برميل في عام 2005 إلى 1.46 مليون برميل في عام 2014 إلى أن استقرت صادرات النفط الإيرانية عند 1.1 مليون برميل قبيل توقيع الاتفاق النووي [انظر الشكل رقم 1].

وشهد الناتج القومي أيضًا انخفاضًا بنسبة 28 في المئة خلال السنوات الأربعة التي تلت القرار 1803 الصادر عن مجلس الأمن، ليستقر عند 415 مليار دولار في عام 2015، بعد أن كان عند 576 مليار دولار في عام 2011. وانخفض معدل النمو في عام 2011 إلى (7.7-) في المئة، تحت وطأة هذه العقوبات. هذا في حين شهدت قيمة العملة الإيرانية انخفاضًا بنحو 116 في المئة في عام 2011 (العام الذي خضع الاقتصاد الإيراني للعقوبات الدولية)، وانخفاضًا بنحو 174 في المئة خلال الأعوام الثلاث التي تلت العقوبات. وأخيرًا فإن معدلات التضخم شهدت قفزة إلى مستويات قياسية بعد فرض تلك العقوبات؛ إذ استقر التضخم السنوي عند 40 في المئة في العام 2012، بينما قفز معدل التضخم الشهري إلى ما فوق 60 في المئة في أغسطس 2013 (على أعتاب انتقال السلطة من أحمدي نجاد إلى روحاني).

لكن الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع مجموعة دول 5+1 في أكتوبر 2015 عكس مسيرة الاقتصاد الإيراني، بفعل القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، والذي ألغيت بموجبه جميع القرارات الست السابقة التي فرضت عقوبات على إيران بموجب نشاطها النووي. واستمرارًا لتداعيات القرار 2231 الأممي، والاتفاق النووي، قامت مختلف الجهات الدولية، ومن ضمنها الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، بإلغاء العديد من العقوبات التي كانت قد فرضتها على الاقتصاد الإيراني، خصوصًا تلك المفروضة على قطاع النقل الجوي، والبحري، وقطاع مبيعات النفط.

وانعكس الاتفاق النووي على مختلف مؤشرات الاقتصاد الإيراني؛ إذ ارتفعت صادرات النفط الإيرانية لتستقر عند 2.6 مليون برميل في عام 2017 (وتلامس 2.9 مليون برميل في أبريل من العام نفسه، لتتجاوز معدلات صادرات النفط قبل العقوبات الأممية). بينما سجل معدل النمو الاقتصادي أرقاما مرتفعة مستقرًا عند 12.5 في المئة في 2016، وانخفض معدل التضخم إلى أقل من 9 في المئة في العام نفسه (أقل معدلات التضخم كانت عند 8.6 في المئة في ديسمبر 2016) في حين شهدت العملة الإيرانية ثباتًا نسبيًا في القيمة (لم تنخفض قيمة العملة الإيرانية إلى 7.8 بالمئة خلال ثلاثة أعوام؛ ما يمثل رقمًا قياسيًا في ثبات العملة طيلة العقدين الماضيين).

الحلقة الأولى من الحظر (العقوبات بحلة أمريكية)

أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، في مايو 2018، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، مؤكدًا عودة موجة من العقوبات الأمريكية ضد إيران، والمتعاونين معها، وصفتها وزارة الخارجية الأمريكية فيما بعد، بأشدّ عقوبات عرفها التاريخ. وجاءت العقوبات على دفعتين؛ إذ أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية في أغسطس 2018، الحزمة الأولى من العقوبات التي تضمنت المحاور التالية:

  1. حظر التبادل بالدولار، أو المحاولات الرسمية الإيرانية لشراء وجمع الدولار الأمريكي.
  2. حظر التبادل التجاري مع إيران بالذهب والفضة والبلاتين.
  3. عقوبات على تجارة الغرافيت، ومعادن من ضمنها الألومنيوم، والفولاذ، والبرمجيات التي تخص إنتاجها.
  4. عقوبات على التجارة بالريال الإيراني، وضد أي عملية لإقراض إيران من المؤسسات النقدية العالمية.
  5. عقوبات على قطاع السيارات.
  6. عقوبات تحظر بيع الطائرات، وقطعها إلى إيران.

وفي نوفمبر 2018، جاءت الحزمة الثانية من العقوبات، لتغطي القطاعات التالية:

  1. قطاع السفن، والشحن البحري، والموانئ الإيرانية، ومن يتعاون معها.
  2. قطاع النفط الإيراني، متمثلا في التعاون مع شركة النفط الإيرانية، والشركة الوطنية لشحن النفط.
  3. قطاع المؤسسات المالية، والبنوك، ومنها البنك المركزي الإيران.
  4. قطاع التأمين.
  5. قطاع الطاقة.

بالفعل كانت وطأة العقوبات الأمريكية التي فرضتها إدارة ترمب بعد انسحابها من الاتفاق النووي شديدة على الاقتصاد الإيراني، وفق ما يمكن ملاحظته في أداء الاقتصاد الإيراني بعد ذلك؛ فعلى صعيد النمو الاقتصادي، وبعد أن كان المعدل بلغ 12.5 في المئة في عام 2016، عكس النمو مسيرته ليستقر عند (4.8-) في المئة في العام 2018، ثم عند (9.5-) في المئة في عام 2019. أمّا التضخم الذي كان قد انخفض إلى 8.6 بعد الاتفاق النووي؛ فقد ارتفع مرة أخرى ليستقر عند 30 في المئة في 2018، وعند 36 في المئة في 2019، بينما استقر التضخم الشهري في أبريل 2019، عند 51.4 في المئة مسجلًا واحدًا من ثلاثة أرقام قياسية في إيران على مدى أربعة عقود. وعلى مستوى مبيعات النفط، فقد انخفضت المبيعات إلى نحو 120 ألف برميل فقط في نهاية 2019، بعد أن كانت قد اقتربت من 2.9 مليون برميل في أبريل 2018.

أما على صعيد الناتج القومي الذي شهد ارتفاعا بنحو 4.1 في المئة في أول عامين من بداية عهد حكومة روحاني، ليستقر عند 431.9 مليار دولار، فقد شهد في عام 2018 انخفاضًا إلى 418.9 مليار دولار، ليستقر في عام 2019 عند مستوى 382.5 مليار دولار (مسجلا مجموع انكماش بنسبة 11.5 بالمئة خلال عامين على انسحاب الإدارة الأمريكية من الاتفاق النووي).

وعلى صعيد المؤشرات الأخرى، فقد سجلت العملة الإيرانية انكماشًا بنسبة 260 في المئة مقابل العملات الدولية؛ إذ استقرت في نهاية عام 2019 عند 15500 تومان للدولار الواحد، بعد أن كانت قبل انسحاب الولايات المتحدة عند مستوى 4300 تومان للدولار. هذا فيما شهد قطاع إنتاج السيارات انكماشًا قويًا بعد تطبيق العقوبات عليه مُسجلًا نموًا سلبيًا بنحو 39 في المئة في عام 2018 مقارنة بعام 2017، ليستمر الانكماش في عام 2019 الذي سجل فيه عدد السيارات التي تم إنتاجها نموًا سلبيًا بنسبة 8 في المئة مقارنة بالعام الماضي.

وتبين هذه الأرقام، إلى جانب أرقام أخرى، مثل السيولة، والعجز في الموازنة العامة، وأرقام الإفلاس، وخط الفقر، التأثير الكبير للعقوبات الأمريكية التي شملت كُلًّا من قطاعات: الصناعة، والنفط، والقطاع المالي خلال العامين الماضيين. لكنها مع ذلك لم تقضِ على الاقتصاد الإيراني الذي استمر النشاط فيه، وإن كان نشاطه ضمن مستويات أقل، ليحول ذلك دون انهيار الاقتصاد الإيراني تحت ضغط العقوبات.

ومن أهم المجالات التي ضمنت استمرار الاقتصاد الإيراني، هو مجال التجارة الخارجية الذي لم ينخفض إلّا 11 في المئة في عام 2018، مقارنة بعام 2017، مُستقرًا عند 87 مليار دولار (مقابل 98 مليار دولار في 2017) و5.8 في عام 2019 مقارنة بعام 2018، مُستقرًا عند 81 مليار دولار، ليتبين معها أن ثمة ثغرات تركها نظام العقوبات الأمريكية استطاع الاقتصاد الإيراني استغلالها لضمان البقاء، والالتفاف على نظام العقوبات الذي بدا صارمًا في النظرة الأولى.

الاستثناءات والثغرات في نظام العقوبات الأمريكية

  1. الإعفاءات: تمثلت أهم الثغرات في جدار العقوبات في نظام من الإعفاءات التي أقرتها الإدارة الأمريكية. وتمثلت أهم الإعفاءات في إعفاء ثماني دول من العقوبات المفروضة على قطاع النفط؛ ما مكن إيران من بيع نحو 1.34 مليون برميل من النفط يوميًا خلال الأشهر الخمس الأولى من عام 2019 (بلغ مجموع الإيرادات النفطية لإيران في الأشهر الخمسة الأوائل من عام 2019 نحو 12.1 مليار دولار)؛ إلى جانب إعفاء العراق من بعض أهم العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة. وإذا كانت إعفاءات الدول الثمانية من العقوبات المفروضة على قطاع النفط قد انتهت في مايو 2019، وهو ما أسهم في هبوط صادرات النفط في المرحلة الأخيرة إلى أقل من 200 ألف برميل، فإن إعفاء العراق لا يزال مستمرًا إلى الآن، ليشكل ثغرة يتنفس منها الاقتصاد الإيراني من خلال صادرات ما لا يقل عن 2.8 مليار دولار من الطاقة والغاز للعراق.
  2. البتروكيماويات، والطاقة، والوقود: تُظهِر ملاحظة نظام العقوبات عن كثب وجود ثغرة أخرى، تتمثل في الصادرات البتروكيماوية، وصادرات الغاز، إلى جانب إغفال نظام العقوبات مساعي إيران للتحرك باتجاه صادرات الوقود، لتعويض التراجع في صادرات النفط. ورغم أن نظام العقوبات الأمريكي شمل أجزاءً من القطاع البتروكيماوي، إلا أن ذلك تم بشكل عابر؛ حيث اكتفى بفرض عقوبات على عدد من شركات القطاع البتروكيماوي، مثل شركة خليج فارس، والتي رغم أهميتها لم تكن الوحيدة على هذا الصعيد؛ ما ترك الباب مفتوحًا أمام تصدير المواد الكيماوية والبتروكيماوية؛ وهو ما استغلته إيران التي صدرت في العام 2018 نحو 12 مليار دولار من المواد البتروكيماوية، بينما بلغت في النصف الأول من العام 2019 نحو 5.7 مليار دولار. أما في قطاع الغاز الذي أهمله نظام العقوبات، فقامت إيران بتصدير ما مجموعه 4.4 مليار دولار إلى كل من العراق، وتركيا، فضلاً عن صادرات الغاز إلى بلدان أخرى. وأخيرا تخطط الحكومة الإيرانية ضمن موازنتها للعام المقبل لجني ما يقارب 4 مليارات دولار من تصديرها لنحو 20 مليون لتر من وقود السيارات يوميًا. وتعتبر ثغرة البتروكيماويات والوقود أهم ثغرة في نظام العقوبات؛ إذ جعلت المحللين الإيرانيين يتحدثون عن تطور إيران من بلد مستند على الإيرادات النفطية إلى بلد مستند على إيرادات الغاز والبتروكيماويات.
  3. آليات المقاومة الدولية للعقوبات؛ الـ "إنستكس" وما يشبهها: حاول الاتحاد الأوروبي مقاومة العقوبات الأمريكية، وخرقها من خلال عدة خطوات، من أهمها: "تفعيل قانون الحظر لدعم الشركات الأوروبية"، و"محاولة الارتباط عبر البنوك المركزية"، إلى جانب آلية التبادل النقدي "إنستكس". وعلى الرغم من أن المحاولات الثلاثة لم تترك -إلى الآن- أثرًا ملحوظًا، إلا أنها تمثل نزعة نحو عدم الالتزام بالعقوبات المفروضة على إيران (خلافًا لتجربة العقوبات السابقة التي شهدت تناغمًا أمريكيًا-أوروبيًا كبيرًا)؛ ما يمثل في حدّ ذاته للجانب الإيراني فرصة مهمة سياسيًا واقتصاديًا لمقاومة العقوبات. هذا إلى جانب محاولات فك الارتباط بالدولار التي قامت بها إيران، من خلال توقيع عقود ثنائية للتعامل بالعملات المحلية مع بعض البلدان، ومن ضمنها تركيا، والصين، والهند؛ فضلًا عن محاولات الانطواء تحت مظلة النظام الروسي البديل لنظام "سويفت"، واستخدامه للتعاون التجاري مع روسيا، والاتحاد الأورو آسيوي (ما أدى إلى تحريك جزئي، ولكن لافت للتبادل التجاري بين إيران وهذه البلدان). وتظهر كل تلك المحاولات بغض النظر عن مدى نجاحها وتأثيرها، رغبةً قويةً من جانب إيران وشركائها للاستفادة من الثغرات المتاحة في نظام العقوبات.
  4. آليات التبادل المتاحة خارج مظلة العقوبات: استفاد الاقتصاد الإيراني من شبكة واسعة من المؤسسات، والآليات التي تكفل له استمرار تبادله النقدي، وتعاونه التجاري مع العالم؛ من ضمنها مجموعة من البنوك الصغرى، وشركات الصرافة إلى جانب آلية المقايضة، ومنها:
  1. التعاون مع المؤسسات المالية، والبنوك، الصغرى والمحلية؛ إذا كانت البنوك الكبرى والمتوسطة في مختلف بلدان العالم تجنّبت التعاون المالي مع الاقتصاد الإيراني اتقاءً للتعرض لعقوبات أمريكية، فإن النظام الإيراني بحسب تصريحات مسؤوليه توجه نحو التعاون مع البنوك الصغرى والمحلية والمؤسسات المالية التي لا تقيم ارتباطا مع الاقتصاد الأمريكي. وتشير التقارير إلى تنمية التبادل النقدي مع مثل هذه المؤسسات ليس في الصين وروسيا والعراق فقط، وإنما في الاتحاد الأوروبي أيضًا؛ حيث مكّن ذلك إيران من مواصلة تبادلها التجاري رغم كل القيود المفروضة، والتكلفة المضافة. هذا إلى جانب التعاون مع بنوك، ومؤسسات مالية، يقوم إيرانيون، أو متعاطفون مع إيران، بتأسيسها في بعض هذه البلدان، لتكون ممرًا للتبادل النقدي مع العالم.
  2. تُبيّن التجربة أن إيران تعتمد على شبكة واسعة من شركات الصرافة (التي لم يغطيها نظام العقوبات بشكل واضح رغم أهميتها وسهولة تأسيسها) من أجل ضمان استمرار التبادل النقدي مع العالم، وذلك رغم ارتفاع كلفة نقل الأموال عبر هذه الشبكة مقارنة بالنظام البنكي.
  3. حاولت إيران إحياء نظام المقايضة لضمان استمرار التبادل التجاري مع العالم. وإذا كان نظام المقايضة الذي يتفادى التبادل النقدي بشكل كامل قد استخدمته إيران في تبادلها التجاري مع أغلب شركائها، إلا أن فاعليته ظهرت في المبادلات التجارية مع البلدان المجاورة لإيران؛ إذ كان السبب الرئيس في صعود العراق إلى صدارة شركاء إيران التجاريين، والسبب في استمرار التبادل التجاري مع تركيا، وأفغانستان رغم العقوبات.  

استنتاجات عامة حول الحلقة الأولى من الحظر (العقوبات الأمريكية)

  1. عقوبات أمريكية، وليست أممية: خلافا للجولة السابقة من العقوبات التي مر بها الاقتصاد الإيراني في 2011، فإن هذه الجولة من العقوبات لم تشهد تناغمًا دوليًا وانضباطًا من بلدان العالم في الانصياع لها (دون أن يعني ذلك عدم فاعليتها)؛ مما جعل نظام العقوبات في هذه المرة يعاني من عدة ثغرات يستفيد منها النظام الإيراني لضمان بقائه ومقاومة الضغوط. ويمكن القول إن أهم الثغرات في نظام العقوبات الأمريكية تنشأ عن كون العقوبات صادرة عن الولايات المتحدة، وليست عن الأمم المتحدة (كما هو الحال مع العقوبات السابقة التي كانت قائمة بفعل قرارات عن مجلس الأمن) مما ينتج عنه عدة نتائج:
  1. قامت معض البلدان، وعلى رأسها شركاء إيران الاستراتيجيون مثل الصين وروسيا إلى جانب بلدان مثل تركيا والهند، بالميل نحو مقاومة هذه العقوبات (خلافاً للعقوبات الأممية السابقة التي شهدت انتظامًا دوليًا كبيرًا في الانصياع لها).
  2. تحركت إيران وشركاؤها باتجاه التبادل التجاري خارج مظلة الدولار، عبر توقيع عقود تبادل بالعملات المحلية. ورغم عدم اتساع هذه الآلية، إلا أنه في حال توفر رغبة من إيران وبعض شركائها، مثل روسيا والصين والهند وتركيا في التوجه نحو هذه العقود (وهي متوفرة في بعض الحالات) فإن ذلك يشكل أرضية مناسبة لتنمية هذا المجال لو استمرت العقوبات.
  3. أما النتيجة الأهم التي تنتج عن كون العقوبات أمريكية، فهي أنها تغطي فقط تلك المؤسسات والشركات التي تمتلك علاقات تجارية مع الاقتصاد الأمريكي (بحيث يجعلها مخيرة بين خسارة تجارتها الأمريكية أو تجارتها الإيرانية)، أما تلك المؤسسات التي لا تمتلك علاقات تجارية مباشرة مع الاقتصاد الأمريكي، فلا تكون ملزمة بالخضوع لهذه العقوبات. وتظهر التجربة الإيرانية أن إيران استفادت كثيرًا من هذه النقطة؛ إذ حاولت بناء علاقات تجارية مع شركات وبنوك صغرى، وشركات صرافة لا تربطها علاقات تجارية مع الولايات المتحدة، حسب تأكيد محافظ البنك المركزي الإيراني، وأعضاء في البرلمان الإيراني.
  1. محاولات أمريكية للتغلب على العقبات: قامت الإدارة الأمريكية خلال العامين الماضيين ببعض المحاولات في سبيل استكمال نظام العقوبات المفروضة على إيران، من أجل تعزيز فاعليتها؛ إذ يمكن تقسيمها إلى نمطين من المحاولات:
  1. التحديثات: قدمت الإدارة الأمريكية بالعديد من التحديثات على العقوبات الأمريكية خلال العامين الماضيين، وذلك من أجل سدّ الثغرات الموضوعية التي أضعفت من تأثير هذه العقوبات. ومن ضمن هذه التحديثات، إضافة أسماء شركات ومؤسسات اقتصادية وأشخاص على صلة بالنظام الاقتصادي الإيراني؛ واستكمال الحلقات بفرض عقوبات على شركات بتروكيماوية إيرانية (منها شركة خليج فارس القابضة للبتروكيماويات) وفرض حلقات إضافية من العقوبات على مؤسسات كانت ضمن قائمة العقوبات لأسباب مختلفة (نموذج ذلك فرض عقوبات بداعي دعم الإرهاب على البنك المركزي الإيراني الذي كان ضمن قائمة العقوبات لأسباب أخرى) وعلى مجالات كانت ضمن قائمة العقوبات (مثل فرض عقوبات جديدة على مجال الفولاذ الذي كان موجودًا ضمن قائمة العقوبات).
  2. محاولات التدويل: سعت الإدارة الأمريكية لتدويل العقوبات على إيران عبر العمل على جذب جهات دولية إلى هذا النظام، وعيا منها بأن الثغرة الأساسية في نظام العقوبات على الرغم من فاعليته هو أن العقوبات لم تكن أممية. ومن منطلق هذا الوعي، ولكي تجعل من نظام العقوبات المفروضة على إيران أكثر من كونه عقوبات أمريكية، قامت الولايات المتحدة بعدة جهود من أهمها ما يلي:
  • تدويل العقوبات من خلال عقد مؤتمرات لتدويل التحالف ضد النظام الإيراني. ويمكن اعتبار ما قامت به الإدارة الأمريكية خلال مؤتمر وارسو في فبراير 2019 والعقوبات الأمريكية الخليجية ضد مؤسسات إيرانية في أكتوبر 2019 خطوات في جعل العقوبات على إيران نظاما دوليا. (والملاحظ ضمن هذا المجال أن الإدارة الأمريكية لم تنجح عبر عقد مؤتمرات دولية في تدويل نظام العقوبات رغم أنها نجحت في ضبط ساعة التزام البلدان بالعقوبات وحيدها عن نقضها).
  • الضغط على الثلاثي الأوروبي المشارك في الاتفاق النووي من أجل الانسحاب من الاتفاق النووي، وتفعيل آلية فض الخلاف التي بموجبها تتم إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، تمهيدا لعودة العقوبات الأممية، وإعادة تفعيل قرارات مجلس الأمن التي ألغاها القرار 2231. وبذلت الولايات المتحدة جهدًا ملحوظًا في هذا المجال ونجحت جزئيًا في تحريك الملف (إذ أعلن الثلاثي الأوروبي قراره تفعيل الآلية بعد تهديد أمريكي بضغوط اقتصادية)، لكنه لم ينجح كاملًا؛ إذ عاد الاتحاد الأوروبي عن قراره تحت ضغوط من جهاز الاتحاد ومن الحكومة الألمانية.
  • الضغط على مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) من أجل إعادة إيران إلى القائمة السوداء؛ إذ أشارت مصادر إلى أن تنافُسًا جرى داخل أروقة المجموعة، بين لوبيات إيرانية حاولت ثني المجموعة عن قرار وضع إيران على القائمة السوداء، وبين لوبيات مقربة من الولايات المتحدة، لاتخاذ هذا القرار الذي ترك أثرًا جوهريًا على طبيعة العقوبات، حتى وإن لم يتجاوب معه بشكل واضح الاقتصاد الإيراني الراضخ لأزمات متعددة.

الحلقة الثانية من حلقات الحظر (قائمة FATF السوداء)

جاء قرار مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، بوضع إيران ضمن القائمة السوداء للمجموعة في فبراير 2020، بعد عدة محطات من الإرجاء. وعلى الرغم من أن القرار لم يترك أثرًا ملحوظًا على الاقتصاد الإيراني كما يتبين من خلال رصد المؤشرات الاقتصادية بعد القرار. لكنه مع ذلك، مثل خطوة في سبيل تعزيز نظام العقوبات، وسد الكثير من الثغرات التي كان يعاني منها. ويمكن اختصار الآثار التي تركها القرار الذي يتضمن تحذيرات عن التعامل البنكي مع البنوك الإيرانية في النقاط التالية:

  1. يعمل القرار بشكل واضح على تدويل العقوبات على النظام البنكي الإيراني، وبالتالي يمكن اعتباره قفزة في العقوبات من كونها أمريكية إلى كونها قرارات أممية، تحاول البنوك في مختلف بلدان العالم الالتزام بها. وإذا كان الاقتصاد الإيراني يستطيع قبل هذا القرار الارتباط مع جزء من النظام البنكي العالمي عبر استخدام البنوك الصغرى في بعض البلدان (ومنها بلدان أوروبية)، والبنوك التي لا تمتلك ارتباطا بالاقتصاد الأمريكي، حتى وإن كان هذا الارتباط منقوصًا، ومكلفًا، فإن قرار (FATF) الأخير بوضع إيران ضمن قائمتها السوداء يضع عقبة كبيرة على طريق هذا الارتباط، ويمثل خطوة في اتجاه تصفير الارتباط البنكي بين إيران والعالم. ويمكن رؤية مثل هذا الوعي باحتمال تصفير الارتباط البنكي بين إيران والعالم من خلال مواقف في الحكومة الإيرانية (أكد روحاني أن عدم إقرار القوانين التي تطالب بها مجموعة العمل المالي يعني تطور العقوبات إلى ظاهرة دولية، بينما أكدت مساعدته أن وضع إيران في القائمة السوداء يمنح العقوبات الأمريكية مشروعية دولية) ومن خلال المعركة داخل "مجمع تشخيص مصلحة النظام" المكلف بإقرار القوانين التي تفترضها مجموعة العمل المالي الدولية.
  2. أنهى القرار الآمال التي علقتها إيران على بعض الآليات الأوروبية الداعمة للتواصل التجاري، وعلى رأسها آلية التبادل النقدي "إنستكس"، بوصفه قرارًا ينقل العقوبات البنكية من عقوبات أمريكية، إلى عقوبات دولية، ومن منطلق التزام البنوك الأوروبية، وحتى البنوك المركزية التي حاولت مقاومة العقوبات الأمريكية بقرارات (FATF). وحتى وإن لم تكن آلية التبادل النقدي "إنستكس" تحمل عمليا أية جدوىً لتعزيز التجارة مع إيران، إلا أن انتهاءها، يمثل نهاية رمزية لكل المحاولات البنكية الأوروبية للتجارة مع إيران.
  3. وعلى صعيد متصل وإذا كانت إيران تعلق آمالاً كبيرة على التعامل بالعملة المحلية مع بعض البلدان مثل الهند والصين وروسيا وتركيا والعراق وتعلق آمالاً كذلك على التبادل النقدي مع بعض البنوك عبر النظام الروسي البديل عن السويفت (وهي آمال واقعية خلافاً لآمالها بتفعيل آلية التبادل النقدي مع الاتحاد الأوروبي) فإن قرار FATF الأخير بوضع إيران ضمن القائمة السوداء يُنهي تلك الآمال بشكل كبير من منطلق التزام كل تلك البنوك بقرارات مجموعة العمل المالي. ويمكن ملاحظة الخشية من تأثير هذا القرار على التعامل التجاري الإيراني مع شركائها عبر العملة المحلية وعبر الأنظمة البنكية البديلة في مواقف كل من الروس والصينيين الذين طالبوا المؤسسات الإيرانية بتطبيق القرارات اللازمة من أجل تفادي دخول القائمة السوداء الذي يعقد التبادل النقدي والتجاري مع إيران بشكل واضح.

وإضافة إلى ذلك فإن قرار FATF الأخير يختلف بشكل واضح مع العقوبات الأمريكية المفروضة على النظام البنكي، إذ بينما يمكن انهاء العقوبات الأمريكية من خلال قرار رئاسي قد تتخذه الإدارة الأمريكية في أسرع وقت في حال وصلت إلى اتفاق مع إيران، فإن قرارات مجموعة العمل المالي تحتاج إلى فترة أطول قد تصل إلى ثلاثة أعوام لنقضها ولخروج إيران من القائمة السوداء، ما يمثل تحدياً آخر أمام النظام البنكي والاقتصادي الإيراني.

ويمكن اعتبار الإصرار الأمريكي على وضع إيران ضمن القائمة السوداء ومكافحة الجهود بتأجيل القرار ومنح إيران مهلة جديدة دليلاً على وعي الإدارة الأمريكية بأثر مثل هذا القرار وفاعليته في تعميق أثر العقوبات وسد الثغرات التي تعاني منها من خلال إخراجها من كونها أمريكية إلى ما يشبه كونها عقوبات أممية.

ورغم أهميته في سد الثغرات وإضافة طبقة إلى العقوبات المفروضة على إيران، ورغم كونه يمثل عقبة أساسية في سبيل التبادل النقدي والتجاري بين إيران والعالم، إلا أن قرار FATF الأخير لا يسد كل تلك الثغرات التي يعاني منها نظام العقوبات الأمريكية، ولا يصفر سبل التبادل التجاري بين إيران شركائها لأنه لا يحتوي على آليات لإغلاق النوافذ التالية:

  1. الإعفاءات التي تتمتع بها بعض البلدان مثل العراق وأفغانستان في بعض المجالات مثل الطاقة والموانئ وصادرات الغاز والبتروكيماويات؛ كلها تبقى خارج إطار هذه القرارات وتستطيع إيران التعويل على الإيرادات الناجمة عنها شريطة إيجاد طرق بديلة للحصول على مستحقاتها التي تفوق 15 مليار دولار.
  2. يمثل نظام شبكات الصرافة إحدى هذه الطرق البديلة بوصفه نظاماً يقع خارج دائرة العقوبات رغم قرار FATF الأخير، والذي لا يشملها بالضرورة. ولا تشير تطورات السوق على هذا الصعيد أن أنشطة شركات الصرافة تأثرت بشكل سلبي عن القرارات الأخيرة لمجموعة العمل المالي كما هو الحال مع العقوبات الأمريكية.
  3. أهم من كل ذلك فإن نظام المقايضة التي تمارسه إيران وتستخدمه من أجل التبادل التجاري مع شركائها وخصوصا مع جيرانها لم يتأثر كثيراً بقرار FATF الأخير لأنه نظام يتفادى التبادل النقدي. ويتبين من خلال توجهات الحكومة الإيرانية (مثل الجهود في تنمية التبادل التجاري مع العراق إلى مستوى 20 مليار دولار في غضون عام واحد) أن الحكومة تخطط لتوسيع رقعة المقايضة ورفع حصتها من مجموع التبادل النقدي الإيراني لتفادي المرور عبر النظام البنكي وبقية آليات التحويل النقدي.

الحلقة الثالثة من حلقات الحظر (جائحة كورونا)

لا شك أنه كان يتعين النظر إلى جائحة كورونا باعتبارها أزمة طبيعية، وليس ضمن إطار حلقات الحظر على إيران. لكنّ الآثار الاقتصادية الناتجة عن انتشار الوباء في المنطقة، وفي إيران التي تعتبر بؤرة إقليمية للفيروس على وجه الخصوص، أضاف بالفعل حلقة جديدة إلى حلقات الحظر الذي يتعرض له الاقتصاد الإيراني تفوقت في مفعولها (على المدى القصير) على العقوبات الأمريكية. ويمكن القول بأنها استكملت حلقات الحظر على إيران بالكامل، وغطت المجالات كانت قد استطاعت أن تنجو من تأثير العقوبات الأمريكية، وتأثير وضع إيران على قائمة (FATF) السوداء، بحيث:

  1. كانت التجارة عبر الحدود قد سلِمت من تأثير الحلقتين السابقتين (العقوبات، ووضع إيران على قائمة (FATF) السوداء)؛ ما جعل إيران تُعوّل عليها من أجل الصمود، واستمرار النشاط الاقتصادي، لكن انتشار فيروس كورونا أدى إلى خلل كبير في التجارة الإيرانية مع بلدان العالم بوجه عام، وفي التجارة عبر الحدود مع الدول المجاورة بشكل خاص؛ ففي ظل تعارض واضح في الأخبار، يمكن القول إن غالبية البلدان المجاورة لإيران أعلنت إغلاق منافذها الحدودية مع إيران، ومنها العراق وتركيا. ونتيجة لذلك، انخفضت التجارة الخارجية الإيرانية في الشهر الأخير من العام الإيراني (20 فبراير - 20 مارس 2020) إلى أقل من ملياري دولار، بعد أن كان متوقعاً أن تبلغ 7 مليارات دولار.
  2. ترك توقُّف نظام المقايضة (الذي اتخذه الاقتصاد الإيراني ممرًا بديلاً للتجارة عن النظام البنكي الخاضع لعقوبات مزدوجة) أثرًا ملحوظًا على انخفاض التجارة الإيرانية مع العالم، وبفعل أزمة كورونا بات يمكن التحدث عن خروج نظام المقايضة من قائمة البدائل المتاحة لإيران على المدى القريب. ولا يوجد تصور واضح لحجم التجارة عبر نظام المقايضة، لكن يمكن تصور انخفاض بأكثر من ثلاثة أرباع في هذا المجال، في ظل توقف التبادل التجاري مع العراق، والإمارات، وتركيا.
  3. تعرّض القطاع السياحي الإيراني الواقع خارج دائرة العقوبات إلى نكسة كبيرة بفعل أزمة كورونا، وكان النظام الإيراني يعول على هذا القطاع كثيرًا في تحريك النشاط الاقتصادي الداخلي؛ إذ قدرت وزارة السياحة الإيرانية حجم الأضرار في مجال السياحة الدولية بما بين 3 و4 مليارات دولار خلال شهرين من تفشي كورونا. هذا إلى جانب الأثر السلبي لتوقف الرحلات الدولية على ما يمكن تسميته "العملة المسافرة" أو "عملة الحقائب" التي يعول الاقتصاد الإيراني عليها بشكل لافت في توفير السيولة والتوصل إلى مستحقات صادراته.
  4. ترك إغلاق المنافذ الحدودية مع البلدان المجاورة أثرًا ملحوظًا على الصادرات البتروكيماوية التي يتم تصدير جزء كبير منها عبر نظام الشحن البري إلى بلدان مجاورة.

وفي المجموع يمكن القول إن تفشي فيروس كورونا يمكن اعتباره حلقة مستكملة لحلقات الحظر التي طالت الاقتصاد الإيراني خلال العامين الأخيرين، واستهدف كورونا تلك الزوايا من الاقتصاد الإيراني التي لم تتوصل إليها أنظمة العقوبات (وهي نظام المقايضة والتجارة الحدودية والسياحة)، ويمكن القول إن الوباء عمَّق الجراح الناجمة عن نظام العقوبات.

لكن مع ذلك، ظلت بعض البدائل التي يستخدمها الاقتصاد الإيراني من أجل الاتصال بالعالم، والصمود بوجه العقوبات قائمة، منها: "نظام الصرافة" (الذي يمكن اعتباره في المرحلة الراهنة البديل الوحيد للارتباط النقدي مع العالم، في ظل عقوبات أمريكية، ثم دولية على الارتباط البنكي، وفي ظل توقف تدفق العملة المسافرة تحت وطأة العقوبات)، و"إعفاءات مجال الطاقة والغاز" (والتي تم تتعرض إلى هزة قوية بعد كل تلك الحلقات)، و"الصادرات البتروكيماوية" (التي لم تظهر الأرقام تطورًا سلبيًا كبيرًا فيها في الآونة الأخيرة في انتظار أثر انخفاض الأسعار العالمية للنفط على هذا الصعيد).

استنتاجات عامة

يمكن لنظرة فاحصة إلى مجريات الأمور على صعيد العقوبات المفروضة على الاقتصاد الإيراني هذه المرة أن تظهر الاستنتاجات التالية:

  1. عانت العقوبات الأمريكية التي فرضت بعد انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق النووي، من عدة ثغرات لم تكن تعاني منها العقوبات الأممية التي فرضت على إيران في عام 2011، وذلك على الرغم من أثر العقوبات الأمريكية الأخيرة البالغ على الاقتصاد الإيراني، والواضح على صعيد الأرقام الأساسية ضمن المجال الاقتصادي. ومن منطلق هذه الثغرات، حاول النظام الإيراني شن حملة دولية لتعبئة الرأي العام ضد هذه العقوبات، وبدى واضحًا أن الثغرات التي عانت منها العقوبات نجمت عن كون العقوبات أمريكية، وليست دولية، كما بدى واضحًا، وعي الإدارة الأمريكية لهذه النقطة؛ إذ حاولت من خلال عدة قنوات أن تطور العقوبات من عقوبات أمريكية إلى عقوبات دولية.
  2. كان وضع إيران على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF) بمثابة الخطوة الناجحة الأهم بين كل الجهود التي بذلتها الإدارة الأمريكية لتدويل العقوبات؛ حيث أضفت مشروعية دولية على حظر أحد أهم القطاعات التي كانت إدارة ترمب قد فرضت عليها عقوبات قبل ذلك، وهو القطاع البنكي الإيراني. ومن هنا يكتسب وضع إيران ضمن قائمة (FATF) السوداء أهميته، رغم أنه لم يترك أثرًا واضحًا على الاقتصاد الإيراني؛ ليمكن القول إن أثره كان رمزيًا أكثر من كونه اقتصاديًا يظهر على صعيد الأرقام.
  3. حققت إيران خلال السنتين الأخيرتين نجاحات لافتة في محاولة تأقلم الاقتصاد الإيراني مع حالة الحصار، من خلال البحث عن طرق بديلة للاتصال النقدي مع العالم، والتعويل على أنظمة مبادلة تجارية تقع خارج الأنظمة التقليدية العالمية، واستنفاذ كامل طاقة المجالات التي تقع خارج دائرة العقوبات. وضمن هذا الإطار، تحول الاقتصاد الإيراني من نظام مرتبط بالمؤسسات البنكية إلى نظام مرتبط بشركات الصيرفة، ومن نظام نفطي إلى نظام بتروكيماوي (حيث انخفضت حصة الإيرادات النفطية في الموازنة العامة لصالح الإيرادات البتروكيماوية، ومنتجات النفط التي لم تقع تحت نظام العقوبات) كما تطور من نظام التبادل التجاري العالمي، إلى نظام التبادل التجاري الإقليمي (حيث حدث تطور نوعي في خريطة شركاء إيران الأساسيين) إلى جانب إعادة ابتكار آلية المقايضة والتعويل عليها بشكل كبير.
  4. صحيح أن انتشار فيروس كورونا عمل بشكل كبير على استكمال حلقات العقوبات، من خلال سد تلك الثغرات التي لم تكن تستطيع العقوبات أن تطالها، إلا أن استمرار إغلاق هذه الثغرات بعد انتهاء تفشي كورونا سيكون مستحيلًا في ظل نظام العقوبات الراهن. وتظهر التطورات والمواقف الرسمية أن إيران ستعود إلى تلك الطرق، وتحاول تعزيز طاقتها الاستيعابية، في إطار خطة لإعادة هيكلة الاقتصاد، والتأقلم مع حالة الحصار. وستلعب البلدان المجاورة لإيران دورًا مهمًا في خطة إعادة هيكلة الاقتصاد الإيراني بعيدًا عن حدود تأثير العقوبات؛ ما يعني أن نظام العقوبات في حاجة إلى الترشيد والتطور ليطال هذه الزوايا، إن كان يراد له النجاح، وكسر صمود إيران أمام ضغوط العقوبات.
  5. لم يبق للاقتصاد الإيراني إلا قنوات تنفُّس معدودة، من بين كل الحقول التي يستطيع أن يستند عليها لضمان حياته، أهمها: الصادرات البتروكيماوية التي بقيت بمعزل عن حلقات الحظر، وإعفاءات الطاقة والغاز، وشبكة شركات الصرافة التي تضمن استمرار التبادل النقدي في ظل العقوبات على النظام البنكي ليستند الاقتصاد في هذا البلد على هذه الثلاثة إلى جانب مبيعات النفط، والوقود الداخلية (والمعرضة بدورها إلى هزات بفعل انخفاض الأسعار العالمية للنفط) والضرائب؛ ما يجعل استمرار صمود الاقتصاد الإيراني أمرًا غاية في الصعوبة.

السيناريوهات

السيناريو الأول: خضوع إيران للحوار حول نشاطها الإقليمي. يفترض هذا السيناريو أن تعمل الحلقات الثلاثة المذكورة (العقوبات الأمريكية، والحظر الدولي الناجم عن وضع إيران على قائمة (FATF) السوداء، والضغوط الناجمة عن العزل الاقتصادي المفروض على إيران بداعي انتشار فيروس كورونا) على تحطيم آخر حصون النظام الاقتصادي الإيراني، وخضوع إيران لاستحقاقات حوار دولي حول حدود نشاطها الإقليمي. ويبدو هذا السيناريو واردًا جدًا في ظل الضغط الناجم عن تفشي كورونا، خصوصًا إذا استمر انتشار الوباء عدة أشهر، خصوصًا في ظل استمرار المضاعفات الناجمة عن انخفاض أسعار النفط، وأثر ذلك كله على تجفيف الإيرادات الحيوية التي يعول عليها الاقتصاد الإيراني للصمود. وعلى الرغم من وضوح أثر هذه الضغوط على الاقتصاد الإيراني، وانعكاسها مؤخرًا على مواقف وتصريحات بعض المسؤولين الحكوميين الإيرانيين، لكن المواقف كانت مختلفة في الأوساط الثورية، حيث المؤسسات السيادية الأكثر تأثيرًا في صنع القرار، والتي أبدت رفضًا تامًا للتراجع عن مواقفها السابقة. هذا إلى جانب أنه ليس من الواضح ما إذا كانت الضغوط الناجمة عن كورونا سوف تستمر لأكثر من شهر، وما إذا كانت إيران سوف تستطيع أن تعيد فتح النوافذ الحيوية لاقتصادها.

السيناريو الثاني: نجاح الإدارة الأمريكية في سدّ ثغرات العقوبات، وإخضاع إيران لحوار شامل. يفترض هذا السيناريو مواصلة الإدارة الأمريكية العمل وفق وعيها بثغرات نظام العقوبات القائم حاليًا، وتكثيف محاولات الضغط على المجتمع الدولي، وعلى شركاء واشنطن من أجل اتخاذ خطوات جديدة ضد النظام الإيراني من شأنها تعميق أثر العقوبات. ومن الواضح جدًا وجود إرادة أمريكية بذلك؛ حيث أكد مسؤولون أمريكيون أكثر من مرة خلال الآونة الأخيرة أنهم متجهون نحو تطبيق كامل خطة استراتيجية أقصى الضغوط، مطالبين شركائهم الأوروبيين بالانسحاب من الاتفاق النووي، وتفعيل آلية فض الخلاف؛ ما من شأنه إعادة الملف النووي الإيراني إلى أروقة مجلس الأمن، وإعادة تفعيل القرارات الأممية، وتدويل العقوبات. ويفترض السيناريو أن تنجح الإدارة الأمريكية في إعادة تدويل العقوبات؛ ما من شأنه إخضاع إيران لمفاوضات شاملة، والقبول بمطالب أمريكية، يمكن القول إنها أصبحت مطالب دولية. لكن التحدي الأساسي أمام هذا السيناريو ونجاحه، يبقى المهلة القصيرة أمام إدارة ترمب التي تقبل على انتخابات رئاسية في نوفمبر، أو أنه سيبقى مرهونًا باحتمالات إعادة انتخاب الرئيس ترمب لولاية ثانية.

السيناريو الثالث: صمود النظام الإيراني في وجه الضغوطات المتراكمة. يفترض هذا السيناريو أن يظل نظام العقوبات على ما هو عليه الآن، حيث هناك عقوبات أمريكية أضيفت إليها حالة حظر ناجمة عن قرار مجموعة العمل المالي الدولية، ليفرض مجموع ذلك ضغطاً كبيراً على الاقتصاد الإيراني، لكنه ليس ضغطا يدفع الاقتصاد الإيراني باتجاه الانهيار السريع، أو خضوعه لمطالب الإدارة الأمريكية. ورغم أن تفشي كورونا يمارس ضغطًا كبيرًا أيضًا على الاقتصاد الإيراني، إلا أن السيناريو يفترض أن ينتهي هذا الضغط في غضون شهرين على الأكثر، دون أن يترك أثرًا جوهريًا على الاقتصاد الإيراني، كما يفترض ألا تستطيع الإدارة الأمريكية إضافة حلقات جديدة إلى العقوبات، يمكن أن تترك أثرًا جوهريًا وجذريًا عليها. وفي ظل كل ذلك يتوقع السيناريو استمرار اقتصاد إيراني ضعيف دون انهياره. ورغم نقاط الضعف التي يعاني منها السيناريو إلا أنه يبقى واردًا في ظل التطورات على الصعيد الدولي، وخصوصًا على صعيد الاتحاد الأوروبي، وفي ظل اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية.

أحدث المواضيع المميزة