العودة إلى آليات الاتفاق النووي: المحاولات الأمريكية لمنع حصول إيران على حق التسلُّح بموجب الاتفاق

مركز الإمارات للسياسات | 20 مايو 2020

من المقرر أن يشهد أكتوبر المقبل نقطة نهاية الحظر المفروض على تجارة الأسلحة التقليدية مع إيران بموجب البند الخامس من الملحق الثاني للاتفاق النووي، والذي يقضي بمنع جميع البلدان من التجارة بهذه الأسلحة مع إيران، على أن يستمر هذا الحظر لخمسة أعوام بعد يوم تطبيق الاتفاق النووي؛ حيث تنتهي الأعوام الخمسة في أكتوبر 2020. وقد بدأت المناورات السياسية من جانب مختلف أطراف الاتفاق تتكاثر هذه الأيام، إذ تبدو المواقف متعارضة بين الإدارة الأمريكية وشركاء الاتفاق فيما يتعلق بإنهاء الحظر المفروض علي إيران.

كان هذا البند إلى جانب بنود أخرى (منها البند الثالث من الملحق الثاني) من أهم الأسباب في قرار الإدارة الأمريكية الانسحاب من الاتفاق النووي. وقد عاد إلى الواجهة الآن، بعد أن تحدثت مصادر أن الإدارة الأمريكية تبحث عن طرق قانونية وفق الاتفاق النووي (وآلية فضّ الخلاف المطروحة في الاتفاق) لمنع إيران من الحصول على هذا المكتسب، ممّا أثار جدلًا واسًعا لدى مختلف الأطراف.

أهمية البند الخامس من الملحق الثاني للاتفاق النووي

اعتبرت الحكومة الإيرانية، على لسان مختلف مسؤوليها، ومن ضمنهم الرئيس حسن روحاني، البند الخامس من الملحق الثاني من الاتفاق النووي واحدًا من أهم إنجازاتها، ونقطة قوّة لصالح إيران في الاتفاق النووي. وعلى هذا الأساس استندت الحكومة في محاولتها إقناع القوى المُحافِظة، مثل الحرس الثوري، ومؤسسة بيت القائد خامنئي بالالتزام بالاتفاق، على الرغم من انسحاب الإدارة الأمريكية منه. وبالفعل فإن البند يكتسب أهمية واضحة في تغيير موازين القوى، والتأثير على المشهد السياسي الأمريكي والإقليمي على حد سواء، بحيث:

  1. يفتح البند أمام إيران إمكانية شراء وبيع مختلف الأسلحة التكتيكية، من مقاتلات ودبابات ومدفعيات ثقيلة وطائرات عمودية مقاتلة وسفن بحرية وأنظمة صواريخ، وفق قائمة منظمة الأمم المتحدة للأسلحة التقليدية. وقد أظهرت إيران رغبتها في الحصول على بعض أنواع هذه الأسلحة مع انتهاء صلاحية هذا البند، معظمها من روسيا والصين؛ إذ كان القائد السابق لبحرية الجيش قد أشار إلى رغبة إيران في شراء مقاتلات "سوخوي 30"، وإنشاء مصنع لدبابات "تي-90" الروسية، وصواريخ أرض-جو، وأرض-أرض. أما بالنسبة للصواريخ الباليستية، فإن الملحق الثاني من الاتفاق النووي، والذي أكده القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن، شدد على أن إيران ممنوعة من تجربتها حتى أكتوبر من عام 2023. وبينما يشكك كثيرون في أن تستطيع إيران الحصول على مثل هذه الأسلحة التقليدية، ليس بسبب وجود معارضة دولية لذلك فحسب، وإنما بسبب الضيق الذي تعانيه على صعيد المصادر المالية اللازمة لمثل هذه الصفقات التي تقدر مصادر أن تبلغ كلفتها نحو 8 مليارات دولار، إلا أن إيران التي أظهرت عزمًا متواصلًا للحصول على هذه الصفقة على مرّ الأعوام الماضية يمكن أن تحل مشكلة السيولة اللازمة لمثل هذه الصفقات عبر سُبُل بديلة؛ منها إشراك الصين وروسيا في تطوير حقول النفط، أو عبر الاستناد إلى مصادر البنك المركزي الإيراني من العمولة لدى بنوك هذين البلدين؛ مما يفتح أمامها الإمكانية اللازمة للحصول على تلك الأسلحة.
  2. يمكن اعتبار هذا الأمر نكسة عامة للإدارة الأمريكية التي تواجه انتخابات رئاسية في غضون شهر على انتهاء صلاحية البند المذكور. وستعمل هذه النكسة على تكثيف الهجوم الديمقراطي على قرار ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي، بوصفه قرارًا لم يؤد إلى خضوع إيران لمفاوضات شاملة، بل على العكس حرم الولايات المتحدة من استخدام إمكانات الاتفاق لردع التسلح الإيراني. هذا في حين أن انتهاء صلاحية البند الخامس، يمثل نكسة من حيث أنها تعيد أية مفاوضات مستقبلية بين إيران والولايات المتحدة إلى نقطة الصفر.
  3. في حين استطاعت الضغوط الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الأمريكية بشكل خاص، وتصعيد اللهجة الأمريكية حيال إيران تحت إدارة ترمب بوجه عام، كبح جماح القوات العسكرية الإيرانية في الخليج وبحر عمان بشكل كبير، وخَفْض وتيرة تحديث السلاح البحري والجوي في هذا البلد، فإن قائمة الأسلحة التي نشرتها مصادر مقربة من روسيا وإيران (من ضمنها طائرات "سوخوي 30" وطائرات "ياك 130" الحربية، ومروحيات "ميل مي-8"، و"مي-17"، ودبابات "تي-90"، ونظام "باستيون" (Bastion) الصاروخي المضاد للسفن المستخدم لصواريخ "بي-800 أونيكس"، وغواصات وفرقاطات روسية حديثة) يمكن أن يخل بهذا التوازن، ويمنح إيران اليد العليا في مياه الخليج وبحر عمان، لينعكس بشكل سلبي على أمن دول الخليج.

كل ذلك من شأنه أن يقدم تفسيرًا لارتفاع وتيرة التحرك الأمريكي الذي بدأه وزير خارجية الولايات المتحدة منذ عدة أشهر للتصدي لهذا البند، لمنع إيران من إمكانية الحصول على أسلحة حديثة.

وإذا تركزت جهود الولايات المتحدة حتى الآن على دفع شركائها الأوروبيين باتجاه الانسحاب من الاتفاق النووي، بغية انهياره قبل أكتوبر المقبل (وهو ما حصلت بوادره حين أعلن الثلاثي الأوروبي أنه سينسحب من الاتفاق في حال استمرار تنصُّل إيران من التزاماتها بموجب الاتفاق، دون أن يترجم قولهم على صعيد الفعل) وعلى دفع البلدان الأوروبية نحو تطبيق آلية فض الخلاف، بوصفها منفذاً يتيح القضاء على فرص إيران في بلوغ أجل أكتوبر 2020، عبر إعادة كل العقوبات الدولية التي أنهاها القرار 2231 (وهو كذلك ما أظهرت البلدان الأوروبية تحركا باتجاهه، تحت وطأة الضغوط الاقتصادية الأمريكية قبل أن يتم تجميد هذا التحرك بفعل جهود ألمانيا وجهاز الاتحاد الأوروبي) فإن مجموعة مواقف الإدارة الأمريكية خلال الأسبوعين الماضيين تظهر تغييرًا في المنهجية؛ إذ من الواضح أن الإدارة الأمريكية تنوي هذه المرة استخدام موقعها في القرار 2231 (بوصفها أحد الموقعين على القرار)، وموقعها في مجلس الأمن من أجل رفع دعوى ضد إيران بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاق أقرَّه قرار أممي (وإذا كان انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق يمنعها من تطبيق آلية فض الخلاف، فإن موقعها في القرار 2231 يخولها بالاعتراض على انتهاك إيران لالتزاماتها بموجب الاتفاق).

ورفض مسؤولون إيرانيون، منهم وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، إمكانية استناد الإدارة الأمريكية إلى آلية فض الخلاف، وإمكانيات الاتفاق النووي الأخرى لطرح الموضوع، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لم تعد شريكًا من شركاء الاتفاق، لتحق لها إمكانية الاستناد إلى آلية فض الخلاف. ووسط صمت صيني، فإن الموقف الروسي كان واضحًا في رفض إمكانية استناد الولايات المتحدة إلى هذه الآلية. أما على الصعيد الأوروبي، فإن منسق السياسة الخارجية في الاتحاد، جوزيب بوريل، رفض أن تكون الولايات المتحدة عضوًا في الاتفاق النووي، ممّا يمكنها من استخدام آلياته، إلّا أن الثلاثي الأوروبي أكّد أن الولايات المتحدة يمكنها طرح الموضوع في مجلس الأمن بوصفها عضوًا دائمًا في هذا المجلس، فيما أشار بومبيو إلى أن المقترح الأمريكي لا يهدف إلى العودة إلى الاتفاق النووي (وهو اتفاق مرفوض أمريكيًا، ويعاني مشاكل جمّة حسب قوله) وإنما يهدف إلى استخدام إمكانية القرار 2231 نفسه الذي تعدّ الولايات المتحدة أحد الموقعين عليه.

هذا في حين أشارت مصادر إلى أن الإدارة الأمريكية تعمل على رفع مشروع قرار إلى مجلس الأمن يقضي بتمديد فترة الحظر المفروض على مبيعات الأسلحة لإيران، ليتضح أن الولايات المتحدة تحاول اختبار عدة سيناريوهات متزامنة، لمنع إيران من الحصول على حقوق التجارة بالأسلحة في أكتوبر 2020.

ماذا يلوح في الأفق؟ الخطوات المتاحة للأمريكيين ومدى احتمال نجاحها

تبين متابعة المواقف على الجانب الأمريكي، أن إدارة ترمب تحاول تكثيف جهودها على عدة محاور بغية الحصول على طريقة لتجميد البند الخامس:

  1. تظهر المواقف الأمريكية في الآونة الأخيرة أن الولايات المتحدة حاولت إثارة موضوع مشاركتها في الاتفاق النووي؛ إذ أعلن مسؤولون أمريكيون أن الولايات المتحدة يحق لها العودة إلى طاولة الاتفاق النووي، لأن أي قرار لم يُنهِ مشاركتها في هذا الاتفاق. وفي حال الاقتناع باستمرار عضوية الولايات المتحدة في الاتفاق النووي، فإن ذلك يفتح أمامها إمكانية تطبيق آلية فض الخلاف، وإحالة ملف الانتهاكات الإيرانية لمجلس الأمن. وبموجب الاتفاق النووي والقرار 2231 الأممي، فإن عودة العقوبات في هذه الحالة لا يمكن أن يعارضه استخدام روسي أو صيني لحق النقض في مجلس الأمن. ورغم أن هذه الرؤية يمكن أن تجنب الولايات المتحدة مواجهة حق النقض الروسي أو الصيني المحتمل، إلا أنها تبدو مستبعدة في ظل إجماع أطراف الاتفاق النووي، بمن فيهم الأطراف الأوروبية، على أن الولايات المتحدة لم تعد من المشاركين في الاتفاق النووي بعد الإعلان الرسمي للانسحاب منه في مايو 2018.
  2. في ظل صعوبة الحل السابق، تركزت جهود إدارة الرئيس ترمب على التحرك باتجاه انتزاع قرار من مجلس الأمن، بوصفها عضوًا دائمًا فيه، يدين انتهاكات إيران للقرار 2231، ويعيد فرض العقوبات التي أكدتها قرارات أممية سابقة (من ضمنها القرارات 1737 و1747 و1835 و1929) أو يفرض عقوبات تؤجل البند الخامس من الاتفاق النووي، حتى أمد طويل. ووفق هذا التحرك فإن الولايات المتحدة، ورغم خروجها من الاتفاق النووي، تعتبر عضوًا موقعًا على القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن، ومن هذا المنطلق، يحق لها تقييم التزام الجانب الإيراني ببنود القرار 2231 (وليس ببنود الاتفاق النووي). ويؤكد مختلف الأطراف، ومنهم منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ومسؤولون أوروبيون آخرون، حق الولايات المتحدة في استخدام موقعها في كل من مجلس الأمن، والقرار 2231، لمحاولة انتزاع قرار من مجلس الأمن، يقوم بتمديد الحظر على تجارة الأسلحة مع إيران، كما يؤكد خبراء إيرانيون ذلك. وفي ظل التجارب الصاروخية التي قامت بها إيران في الفترة الماضية، وأهمها إطلاق قمر "نور" الصناعي، باستخدام صاروخ "قاصد" الباليستي (والذي يمكن اعتباره انتهاكًا للبند الثالث من المحلق الثاني للاتفاق النووي؛ إذ يقضي بمنع إيران من تجربة صواريخ باليستية في غضون ثمانية أعوام على تطبيق الاتفاق النووي) فإن المناخ الغربي يبدو منسجمًا مع الإرادة الأمريكية في انتزاع مثل هذا القرار. إلّا أن انتزاع قرار من مجلس الأمن بهذا الصدد، وخلافا لآلية فض الخلاف، يواجه خطر استخدام حق النقض، وهو أمر واردٌ جدًا في ظل الظروف الراهنة (إذ في ظل الصمت الصيني، فإن روسيا أعلنت بوضوح أنها لا ترى التجربة الإيرانية الأخيرة انتهاكا للقرارات الأممية).
  3. الطريقة الثالثة الذي جربتها الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية، هي دفع الجهات الأوروبية متمثلة في الثلاثي الأوروبي، وجهاز الاتحاد الأوروبي، باتجاه تصعيد الموقف، وتطبيق آلية فض الخلاف. وقد أخفقت هذه المحاولات الأمريكية التي استخدمت فيها ضغوطا اقتصادية بسبب مقاومة ألمانيا، والاتحاد الأوروبي؛ مما أدى إلى تجميد المحاولات الأمريكية. إلّا أن هذه الطريقة، ورغم المقاومة التي لقيتها، تبقى الطريقة الأكثر احتمالًا في تمديد الحظر على تجارة الأسلحة مع إيران، في ظل انخفاض احتمالات نجاح الحلّين السابقين.

الاستنتاجات العامة

أظهرت المحاولات الأمريكية خلال الفترة الماضية، وضوح الغاية المتمثلة في السعي نحو تمديد حظر تجارة الأسلحة مع إيران، وغياب المنهج الموحد لبلوغ هذه الغاية (نتيجة عدة أسباب منها تعدُّد المراكز المؤثرة على القرار الأمريكي حيال هذه القضية). واستنادًا إلى الإمكانات التي يقدمها الاتفاق النووي لكل الجهات، وإمكانات، ومحددات الولايات المتحدة بوصفها عضوًا في مجلس الأمن، يمكن الإشارة إلى النقاط التالية:

  • على الرغم من كل المحاولات الأمريكية لاستخدام الإمكانات التي يقدمها الاتفاق النووي، إلا أن احتمالات أن تستطيع الولايات المتحدة تطبيق آلية فض الخلاف، بوصفها عضوًا مشاركًا في الاتفاق النووي منعدمة، في ظل إجماع كامل بين أطراف الاتفاق على انسحاب الإدارة الأمريكية منه. ولذلك تبدو جهود الولايات المتحدة في تفسير القرار 2231، بما يتيح لها تطبيق آلية فض الخلاف استنادًا إلى القرار، وليس إلى الاتفاق غير مجدية أيضًا. وهو ما يدفع الإدارة الأمريكية إلى استخدام موقعها في مجلس الأمن، لاقتراح مشروع قرار على مجلس الأمن، يقضي بفرض حظر طويل الأمد على تجارة الأسلحة مع إيران. ولذلك، تحتاج الولايات المتحدة إلى الحصول على صوت أغلبية الأعضاء في مجلس الأمن شريطة ألا يواجه نقضًا من روسيا والصين. وإذا كانت الولايات المتحدة تستطيع الحصول على غالبية الأصوات في مجلس الأمن، إلا أنه من الواضح أن مثل هذا القرار سيواجه جدارًا روسيًا أو صينيًا.
  • في ظل استحالة صدور قرار أممي جديد، فإن إمكانات الاتفاق النووي، متمثلةً في آلية فض الخلاف، هي المنفذ الوحيد إلى تمديد أجل الحظر المفروض على تجارة الأسلحة التقليدية مع إيران، دون التعثر بعقبة حق النقض الروسي أو الصيني. ومن شأن ذلك، أن يقلب الموازين في كل الجهات؛ إذ ستحاول الإدارة الأمريكية دفع البلدان الأوروبية إلى البقاء ضمن الاتفاق النووي، بدلًا من محاولاتها السابقة دفعهم للخروج منه، وذلك على أمل أن تتمكن واشنطن من إقناع حلفائها الأوروبيين بتطبيق آلية فض الخلاف؛ بينما ستحاول إيران وروسيا دفع هذه البلدان نحو الخروج من الاتفاق النووي، دون أن يعني ذلك انهيار الاتفاق بكامله.
  • أظهر منحى التطورات أن الإدارة الأمريكية تحاول دفع البلدان الأوروبية نحو تطبيق آلية فض الخلاف. كما تظهر الوقائع إخفاق محاولاتها، بسبب مقاومة من داخل الاتحاد الأوروبي، تحول دون اتخاذ موقف موحد من الجانب الأوروبي. إلا أن ذلك لا يعني نهاية الآمال في استخدام هذا المنفذ؛ إذ لا يعتبر الاتفاق النووي الجهات الأوروبية الموقعة على الاتفاق جهة واحدة، بل يعتبرهم شركاء مستقلين. ويعني ذلك أن الولايات المتحدة، وإن فشلت في تعبئة الصوت الأوروبي كله، إلا أنها ما زالت قادرة على تحريك صوت أحد الأعضاء على الأقل، لضمان تطبيق آلية الزناد، فيما تبدو بريطانيا، هي الحليف الأقرب للعب مثل هذا الدور في ظل التقارب الواضح بين إدارة بوريس جونسون وإدارة ترمب. ورغم وجود صعوبات جمة أمام هذه الخطة (متمثلة في ضغوط من الشركاء الأوروبيين وروسيا والصين) إلا أن استخدام الورقة البريطانية تظل الورقة المتاحة الوحيدة التي يمكنها تمرير المطالب الأمريكية دون مواجهة عقبة حق النقض الروسي أو الصيني في مجلس الأمن.

السيناريوهات

منطلق السيناريوهات: تأتي مختلف السيناريوهات في ظل الاستنتاجات العامة التي عرضت في هذه الورقة، وانعكاساً لتلك الاستنتاجات، ويمكن تقسيمها إلى سيناريوهات ضعيفة، وأخرى أكثر احتمالاً. أما السيناريوهات الضعيفة، فهي تلك السيناريوهات التي تفترض أن الولايات المتحدة تستطيع انتزاع قرار جديد من مجلس الأمن، يفرض حظرًا طويل الأمد على تجارة الأسلحة مع إيران، أو تستطيع تطبيق آلية فض الخلاف (آلية الزناد) باعتبار واشنطن عضوًا موقعًا على القرار 2231. ورغم كل الجهود الأمريكية، إلا أن هذه السيناريوهات تبدو مستحيلةً في ظل إجماع على عدم مشاركة الولايات المتحدة في الاتفاق، وفي ظل احتمال استخدام حق النقض من جانب روسيا والصين، لإجهاض أي قرار جديد بهذا الشأن، إلا إذا استطاعت الولايات المتحدة إقناع البلدين باتخاذ موقف محايد ضمن التصويت المفترض، وهو ما يبدو احتمالاً بعيدًا. أما السيناريوهات الأكثر احتمالًا فهي:

السيناريو الأول: الولايات المتحدة تدفع بريطانيا نحو تطبيق آلية فض الخلاف؛ يتوقع هذا السيناريو أن تستطيع الولايات المتحدة تطبيق آلية فض الخلاف، ليس بنفسها، وإنما عبر شركائها الأوروبيين. وإذا كان احتمال أن تستطيع الولايات المتحدة تعبئة كل الأصوات الأوروبية وراء قرار تطبيق آلية الزناد صعبًا (رغم أنه ليس مستحيلاً، إذا أخذنا بالحسبان الظروف الناجمة عن التطورات الجديدة والضغوط الأمريكية) فإن لجوء الإدارة الأمريكية إلى حليفها الأقرب من بين الجهات الأوروبية المشاركة في الاتفاق، أي بريطانيا، يمكن أن يفتح الطريق أمام تطبيق الآلية. هذا السيناريو الذي يُجنِّب المشاركين عقبة حق النقض الروسي والصيني استناداً إلى آليات الاتفاق النووي وبنوده، ويفترض أن تقوم بريطانيا بالمطالبة بتطبيق الآلية، على أن تعود القرارات الأممية التي أنهاها القرار 2231 حاملةً معها عقوبات طويلة المدى على تجارة الأسلحة مع إيران. وفي ظل هذا السيناريو يمكن تصوُّر حلّ وسطي، يتمثل في خضوع كل من روسيا والصين لقرار تمديد الحظر على تجارة الأسلحة التقليدية مع إيران، لتجنُّب عودة كامل القرارات السابقة على القرار 2231.

السيناريو الثاني: تنجح إيران في إبقاء الاتفاق النووي حتى أكتوبر 2020؛ ويفترض أن تستطيع إيران المماطلة، وكسب مزيد من الوقت، وإبقاء الاتفاق النووي قائمًا حتى أكتوبر المقبل، لينتهي بعد ذلك الحظر على تجارة الأسلحة. بعدها تستطيع إيران وفق هذا السيناريو استخدام طرق مالية بديلة، والحصول على أسلحة روسية (وأخرى صينية) متطورة تستطيع أن تحدث تغييرًا ملموسًا في موازين القوى بين إيران ودول الخليج، خصوصًا أن العقود التي تحاول إيران الحصول عليها، تفترض حصول إيران على تقنيات متطورة لإنتاج الدبابات والطائرات. إلا أن هذا السيناريو الذي تحاول إيران تحقيقه جاهدةً، يواجه عدّة عقبات؛ منها ضغوط أمريكية، وأوروبية، واحتمال فرض عقوبات على روسيا في حال زودت إيران بتلك الأسلحة، كما أن العقوبات التي تحد من انتقال الأموال بين إيران والعالم، يمكن أن تشكل عقبة أخرى على طريق هذا السيناريو، لكنها لا تنهي احتمالاته.

السيناريو الثالث: سيناريو وسطي؛ يعتبر هذا السيناريو حلًا وسطًا للقضايا العالقة؛ إذ يفترض أن تتنازل إيران عن خطواتها التصعيدية المتمثلة في التنصل عن التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق النووي، مقابل التزام شركائها الأوروبيين بالاتفاق، والالتزام بتعويض إيران بقدر معقول عن خروج الولايات المتحدة من الاتفاق. ويمكن أن نفترض ضمن هذا السيناريو عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، مقابل تطوُّع إيراني بتأجيل فتح الأبواب أمام مبيعات السلاح. وقد ألمحت الحكومة الإيرانية إلى رغبتها بهذا السيناريو؛ ما دفع نوابًا في البرلمان الإيراني إلى المطالبة بجلسة مغلقة لمناقشة هذه الرغبة. ويواجه السيناريو عقبات بدوره تتمثل في احتمال معارضة تيارات محافظة، تخشى مناقشة ملف الأنشطة الصاروخية تحت يافطة هذا الحل، كما أنه يواجه معارضة أمريكية محتملة، بسبب تركه بعض القضايا عالقة، بما يتعارض مع رؤية الولايات المتحدة في تحقيق الحل الشامل. إلّا أنه يبقى سيناريو مرغوباً به من شركاء إيران في الاتفاق النووي، ومن جهات داخل النظام الإيراني.

أحدث المواضيع المميزة