المسارات المحتملة للصراع الليبي بين ضغوط التسوية واتجاهات التصعيد

بلال عبد الله | 21 يناير 2021

بعد أسابيع من الجمود، الذي أعقب تعذر التوافق بين المشاركين في ملتقى الحوار السياسي الليبي، المنعقد في نوفمبر وديسمبر 2020، حول آليات اختيار شاغلي المناصب الحكومية، وكذلك تعثُّر محاولات توحيد البرلمان المنقسم، عادت مباحثات التسوية السياسية في ليبيا مع بداية العام الجديد، بالترافق مع بعض التحركات الإقليمية والدولية الداعمة للحفاظ على الهدنة القائمة. وذلك في مقابل ظهور مؤشرات جادة على وجود حشد عسكري عالي المستوى، وهي مؤشرات تتراكم بشكل متبادل على جانبيّ الصراع؛ هذا بالإضافة إلى حدوث اشتباكات منخفضة الحدة، تتزامن مع تصعيد خطابي من قبل الأطراف العسكرية للنزاع.

ما بين جهود التوصل إلى تسوية سلمية ومؤشرات الانزلاق إلى مواجهات مسلحة واسعة النطاق، تتعدد السيناريوهات التي قد تتطور عبرها الأوضاع الراهنة في ليبيا. وتسعى الورقة الحالية إلى استعراض أبرز أبعاد الوضع الراهن، في طبيعته المتأرجحة بين التسوية والتصعيد، مع الإشارة إلى أبرز السيناريوهات المتوقعة خلال المرحلة المقبلة.

استئناف جهود التسوية

خلال انعقاد منتدى الحوار، أظهر مسار المباحثات صعوبة خلق التوافق المنشود، في ضوء المناورات التي يقوم بها الأطراف المحلية، للتعطيل وعقد صفقات تحت الطاولة، بهدف البقاء في المشهد، سواء للحفاظ على مواقعهم الحالية أو سعياً لشغل مناصب أكثر أهمية؛ ومع رهن الانتخابات بتشكيل سلطة موحدة، فإن هذه المناورات قد تؤدي إلى الإطاحة بإمكانية تنظيم الانتخابات في موعدها.

تجنباً لرهن مسار الانتخابات بمسار تشكيل سلطة موحدة، ومع فشل الأطراف المشاركة في منتدى الحوار على التوافق حول آليات اختيار شاغلي السلطة التنفيذية، أعلنت البعثة الأممية، خلال الأسبوع الثالث من ديسمبر الماضي، عن تشكيل لجنتين، واحدة قانونية والثانية استشارية. وتتكون كل لجنة من 18 عضواً، تم اختيارهم بترشيحات من قبل منتدى الحوار.

تتمثل مهام اللجنة القانونية في وضع الأطر القانونية والدستورية اللازمة لإجراء العملية الانتخابية في موعدها المقرر؛ بينما تم تكليف اللجنة الاستشارية بتقديم مقترحات بشأن آليات اختيار شاغلي السلطة التنفيذية. وقد انعقدت أولى اجتماعات اللجنة القانونية في الأسبوع الرابع من ديسمبر 2020، أما اللجنة الاستشارية فبدأت أعمالها في الأسبوع الأول من يناير الجاري.

وحرصت ستيفاني ويليامز، المبعوثة الأممية بالإنابة السابقة إلى ليبيا، على تأكيد المعنى الخاص بعدم رهن مسار الانتخابات بمسار توحيد السلطة، من خلال التشديد على مرجعية هدف إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، كنقطة استرشادية حاكمة لكافة الجهود المبذولة خلال المباحثات التي ترعاها البعثة الأممية. وعملت البعثة على إعداد مقترح أولي بالجدول الزمني للخطوات اللازمة لبلوغ هذا الهدف.

وعلى الرغم من قيام مجلس الأمن، في منتصف يناير 2021، بتعيين الدبلوماسي السلوفاكي يان كوبيتش مبعوثاً أممياً جديداً، إلا أنه ليس من المتوقع أن يفضي ذلك إلى الإطاحة بالترتيبات التي عملت عليها ويليامز خلال الشهور الماضية، لاسيما وأنها كانت تحظى بدعم دولي في التحضير لمسار الانتخابات نهاية العام، وتشكيل سلطة موحدة لتنظيم إجراء الانتخابات، وعلى الأرجح سيعمل كوبيتش على البناء على التراكم والتقدم الذي تم إحرازه من قبل البعثة، على الأقل فيما يتعلق بالخطوط العريضة والمسار العام للتسوية، حيث يعد تشكيل سلطة موحدة جديدة ركناً رئيسياً في هذا الصدد.

وعلى صعيد المسار العسكري للمباحثات، ضمن إطار لجنة 5 + 5، هناك قدر من التقدم لا يمكن تجاهله، غير أن هذا التقدم يتعلق فقط بالقضايا الأقل جدلاً، مثل تبادل الأسرى بين الطرفين، وكذلك إبداء مرونة نسبية في فتح الطريق الساحلي بين شرق البلاد وغربها؛ لكن القضايا الأكثر أهمية لا تزال عالقة بين الطرفين، وعلى رأسها سحب المقاتلين من المناطق الواقعة على خط التماس، وكذلك انسحاب المقاتلين الأجانب.

وحتى على صعيد فتح الطريق الساحلي، وبغض النظر عن مواقف الأطراف الأكثر تشدداً، مثل صلاح بادي قائد لواء الصمود، الذي لا يزال متمسكاً برفض فتح الطريق، أتى موقف إبراهيم بيت المال، آمر غرفة عمليات سرت الجفرة التابعة للوفاق، بالإعلان، خلال الأسبوع الأول من يناير، عن رفض فتح الطريق ما لم تقم قوات حفتر بتسليم خرائط الألغام المزروعة حول خط التماس بين الطرفين.

مؤشرات التصعيد العسكري

ارتفعت وتيرة الحشد العسكري التركي في ليبيا، من خلال عشرات من طائرات الشحن العسكري المتوجهة إلى كل من قاعدة الوطية الجوية والكلية الجوية بمصراتة، والتي تم رصدها خلال شهريّ نوفمبر وديسمبر 2020، هذا بخلاف عدد من البوارج الحربية التركية أيضاً التي دخلت المياه الاقليمية الليبية، وتحديداً في مينائيّ مصراتة والخمس. وفي المقابل تكررت خلال الأسبوع الثاني من ديسمبر الفائت ادعاءات الناطق باسم غرفة عمليات سرت الجفرة التابعة للوفاق، عبد الهادي دراه، بهبوط طائرات شحن عسكرية في قاعدة القرضابية الجوية بسرت، تضم مرتزقة سوريين تابعين لقوات حفتر.

هذا الحشد المتبادل ترافق معه مؤشرات حول نشر قوات من قبل الطرفين على مناطق التماس الواقعة على خط سرت الجفرة، بالتوازي مع استنفار الطرفين، من خلال صدور بيانات من قبل كل من غرف العمليات التابعة للطرفين، والعاملة على خطوط التماس، تفيد برفع درجة الاستعداد لدى القوات. كما لم تنقطع الاتهامات المتبادلة بخرق الهدنة القائمة، وكان آخرها اتهام الناطق باسم غرفة عمليات سرت الجفرة التابعة للوفاق، عبد الهادي دراه، في 5 يناير الجاري، قوات حفتر بإطلاق النار على قوات الوفاق، وأن قوات حفتر تجري تحركات كبيرة في منطقة المحطة البخارية وأحياء غرب سرت.

أتت التصريحات الرسمية من قبل أعلى المستويات العسكرية لتسير في ذات الاتجاه، حيث دعا المشير حفتر خلال كلمته الملقاة بمناسبة عيد الاستقلال، في 24 ديسمبر الماضي، الليبيين لحمل السلاح لطرد المحتل التركي؛ وفي المقابل جاء رد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، من قلب العاصمة طرابلس، متوعداً باستهداف حفتر وداعميه بشكل مباشر إذا ما تم المساس بالقوات التركية في ليبيا.

ما عزز من التكهنات بقرب وقوع صدام عسكري وشيك، هو قيام قوات حفتر بالهجوم على معسكر تيندي في أوباري الواقعة أقصى جنوب غرب البلاد، في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر المنصرم، ثم إعلان السيطرة على هذا المعسكر في الأسبوع الرابع من الشهر نفسه؛ وهو المعسكر الذي تتمركز فيه القوات الموالية للواء علي كنه، الموالي لحكومة الوفاق. وتكمن أهمية أوباري في قربها من حقل الشرارة النفطي، أكبر حقول البلاد على الإطلاق. ويحيل هذا إلى ارتباط التصعيد الراهن بالصراع على المنشآت النفطية، لاسيما وأن أي هجوم مزمع من قبل قوات الوفاق على خط سرت الجفرة، وإن كان يستهدف، من زاوية النظر الأمريكية، السيطرة على قاعدتي القرضابية والجفرة اللتين تتمركز فيهما القوات الروسية، إلا أنه سيكون على الأغلب هدف أوّلي قبل الانطلاق لمحاولة السيطرة على الهلال النفطي، محط أطماع أنقرة.

على صعيد آخر، وقعت في 4 يناير 2021 اشتباكات أخرى في مدينة سبها، كبرى مدن الجنوب، بين كتيبتين تتبعان طرفي الصراع؛ وقد انتهت الاشتباكات بسيطرة قوات حفتر على مقر المصرف المركزي بالمدينة، وعلى المقار الحكومية والعسكرية الرئيسية.

على صعيد ثالث، أشار مدير إدارة التوجيه المعنوي في قوات حفتر، خالد المحجوب، خلال الأسبوع الأول من يناير الجاري، إلى أنه تم رصد قوات تابعة للمنطقة الغربية لدى حكومة الوفاق متجهة إلى غدامس، مرجحاً أن هذا التحرك يستهدف تقديم إسناد عسكري لتحرك مرتقب لقوات الوفاق باتجاه الجنوب.

مواقف أطراف الصراع

تباينت مواقف أطراف الصراع إزاء جهود البعثة الأممية لتنشيط مسارات التفاوض؛ فبالنسبة للأطراف الغربية، أعرب سفراء كل من الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة، في بيان مشترك صدر في 30 ديسمبر 2020 عقب اجتماع تم عن بُعد مع رئيس حكومة الوفاق، عن دعم كافة مسارات إنهاء الانقسام، السياسية والاقتصادية والأمنية، مع ضرورة وجود "قيادة ليبية قوية ومشتركة" قبل إجراء الانتخابات.

وفي مقابل المواقف الغربية، أتي الموقف الصادر عن موسكو، عبر تصريحات نائب وزير الخارجية فرشينين سيرجي فاسيليفيتش في 5 يناير 2021، والذي أكد على ضرورة إجراء مصالحة ليبية لا تستبعد كل من أنصار النظام السابق والمشير خليفة حفتر. ويعكس هذا الموقف رغبة موسكو في إدماج حلفائها المباشرين في أي تسوية مرتقبة ينتج عنها حكومة موحدة، في الوقت الذي يقتصر فيه مسارات المباحثات المدعومة أممياً على مجلسيّ النواب والدولة، والمؤسسات الحكومية التابعة لطرفيّ الانقسام.

على الصعيد الإقليمي فإن التحرك الأبرز أتى من طرف مصر، من خلال قيام وفد برئاسة اللواء أيمن بديع، مسؤول اللجنة المصرية الخاصة بليبيا، بزيارة طرابلس نهاية ديسمبر الفائت، والتقاء أبرز قيادات حكومة الوفاق، والإعلان عن قرب إعادة العمل بالسفارة المصرية للمرة الأولى منذ عام 2014. وتتمثل الدلالة المباشرة للتحرك المصري في رغبة القاهرة في تغليب لغة الحوار وتقريب المسافات مع خصومها، ومن ثمَّ رفض أي تحركات عسكرية من قبل قوات حفتر قد تؤدي إلى تأجيج الصراع وعودة المواجهات المسلحة مرة أخرى.

بالتوازي مع هذا التحرك، أفاد وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو نهاية الشهر نفسه، بأن بلاده تعمل على خارطة طريق بشأن علاقة بلاده مع مصر. ولا تعني هذه التصريحات بالضرورة تراجع مخططات التصعيد لدى أنقرة، في ظل استمرار مؤشرات الحشد العسكري التركي في ليبيا، غير أن هذا التصريح قد يعكس وجود رغبة لدى أنقرة في التوصل لتفاهمات مشتركة مع القاهرة في الملفات محل التنازع، ربما بشكل يتجاوز ليبيا نفسها. 

في سياق مغاير، واتصالاً بالمساعي الدولية للحفاظ على الهدنة الموقعة من خطر الانهيار، وفي ظل وجود أطراف غير متحمسة لمسار المباحثات القائم، قام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس باقتراح إرسال بعثة مراقبة دولية، لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار في سرت. وقد أتت التفاعلات مع هذا المقترح بشكل غير مباشر، من خلال تجنب الأطراف الخارجية إبداء موقف صريح، فيما يمكن وصفه بالترقب لتبلور المقترح، وإعطاء فرصة للنقاش بشأنه بين مختلف الأطراف، مع الاكتفاء بدفع الوكلاء المحليين بإبداء مواقف متحفظة حول هذا الشأن.

تدور التصريحات المتباينة الصادرة عن طرفي الصراع، رداً على المقترح، حول الرغبة في عدم الظهور بمظهر الطرف المعرقل، مع السعي إلى الاستفادة من هذا المقترح في تعزيز المكاسب المتحققة. وبعد أن كانت التصريحات الأولية تذهب في اتجاه رفض الفكرة، أصبح النقاش يسير في اتجاه طبيعة المهام ونوعية القوات وجنسياتها وحدود الانسحابات التي قد يضطر لها طرفي الصراع.

محلياً، فإن مواقف أطراف الصراع تعكس رغبة كل طرف في دفع الأوضاع في اتجاه يعزز من محورية دوره في الصراع، حيث تبدو الأطراف الأكثر مرونة هي الأطراف التي ترتبط أسماؤها بوجود "صفقة ما" يتم الترتيب لها، مثل عقيلة صالح وفتحي باشاغا؛ وعلى العكس من ذلك تأتي المواقف الأكثر تصلُّباً من قبل الأطراف الأكثر قابلية للتهميش في حالة إنهاء الانقسام، مثل المشير حفتر، الذي يعد الطرف الأكثر تعرُّضاً للهجوم ورفْض بقائه في المشهد من قبل معسكر الوفاق؛ ونفس الأمر بالنسبة لقادة المليشيات المعرضين لتقليص النفوذ أو التعرض للإقصاء والملاحقة، مثل صلاح بادي وبعض قادة ميليشيات طرابلس.

السيناريوهات المحتملة

تتوقف السيناريوهات المستقبلية المحتملة على التفاعل بين عدد من العوامل، وأبرزها:

  • مدى أولوية الملف الليبي لإدارة جو بايدن خلال الشهور الأولى من رئاسته.
  • إمكانية تقديم صفقة أمريكية مرضية لموسكو ضمن الترتيبات الجديدة.
  • مستوى التماسك بين الحلفاء المحليين داخل كل معسكر.
  • فرص حدوث توافق حول إدارة عائدات النفط.

في إطار التفاعل بين هذه العوامل، يمكن أن تتطور الأحداث عبر عدد من المسارات، تتمثل أبرزها فيما يلي:

السيناريو الأول: توحيد السلطة الليبية واستمرار الهدنة: في هذا السيناريو تنجح الجهود الدولية القائمة في رعاية مصالحة ليبية تنهي الانقسام القائم على المستوى الحكومي، وتحافظ على الهدنة القائمة من دون انهيار.

تتمثل أبرز شروط هذا السيناريو في قدرة القاهرة على منع حفتر من تأجيج الصراع؛ وقيام الولايات المتحدة بممارسة الضغوط على مختلف الأطراف، بتوظيف قانون استقرار ليبيا، لردع الأطراف المُهَدَدَة بالاستبعاد من المشهد عن تعطيل التسوية؛ وتوفير ضمانات دولية جادة لإجراء الانتخابات في موعدها المقرر، بما يقلل من أهمية البقاء في السلطة الجديدة التي لن تُكمِل العام، وستكون مهامها محددة بتهيئة البيئة القانونية والسياسية اللازمة لإجراء الانتخابات.

تتمثل أبرز القيود على هذا السيناريو في تعدد الأطراف المتضررة من حدوث ذلك على جانبي الصراع، والتي ستلجأ إلى حِيَل تعطيلية شتى؛ فضلاً عن تضارب المصالح بين الأطراف الأوروبية نفسها. كما يمكن الإشارة إلى دور روسيا المهمش نسبياً خلال المسار الحالي، لاسيما مع استبعاد حلفائها الأقرب (أنصار النظام السابق) من المباحثات، وصعوبة قبول موسكو باستكمال الترتيبات العسكرية الداعية إلى إخراج عناصر فاجنر من ليبيا، أو إخلاء قاعدتي القرضابية والجفرة من الوجود الروسي.

السيناريو الثاني: الحفاظ على الهدنة وبقاء الانقسام: يتمثل السيناريو في استمرار التقدم الجزئي ضمن مباحثات 5 + 5، واستغراق تدابير بناء الثقة وقت أطول من دون انهيار الهدنة، مع عدم قبول الأطراف الدولية الداعمة للطرفين بصيغة التسوية المقترحة، لاسيما في ارتباط الملف الليبي بملفات إقليمية ودولية أخرى، وتقاطع ذلك مع رغبة بعض أطراف الصراع في عرقلة التوصل لتسوية، حفاظاً على مواقعها ومكاسبها الحالية. ويمثل هذا السيناريو استمراراً للأوضاع القائمة حالياً

السيناريو الثالث: انهيار الهدنة واستئناف الحرب: في هذا السيناريو يصعب التوافق بين الأطراف الدولية الداعمة للطرفين، وتنهار الهدنة الهشة القائمة حالياً على وقع رفض الأطراف الأكثر نفوذاً لدى المعسكرين تقديم تنازلات في القضايا الأكثر خلافية، مثل سحب المرتزقة الأجانب، وإخلاء القواعد العسكرية، لاسيما قاعدتي القرضابية والجفرة؛ وإعطاء الولايات المتحدة أنقرة الضوء الأخضر للهجوم على القاعدتين لإبعاد الوجود العسكري الروسي.

السيناريو الرابع: تصعيد محدود واستمرار الانقسام: خلال هذا السيناريو يستمر الانقسام القائم، من دون تحقيق اختراق جديد، سواء على مستوى توحيد السلطتين التنفيذية والتشريعية، أو على مستوى سحب المرتزقة الأجانب وإخلاء المناطق الواقعة على خطوط التماس من المسلحين؛ وفي أحسن الأحوال، قد يشهد هذا السيناريو، على وقع الضغوط الغربية، تقدماً في مسار المباحثات السياسية على مستوى التوافق على آليات اختيار شاغلي السلطة التنفيذية، من دون إمكانية الإجماع على أسماء تحظى بالدعم الكافي من كلٍ من المعسكرين لشغل هذه المناصب. ولا يتضمن السيناريو حدوث انهيار شامل للهدنة واندلاع مواجهات على خطوط التماس؛ وبدلاً من ذلك سيحدث تصعيد أقل حدة على ثلاثة مستويات؛ الأول هو العودة لاستخدام ورقة النفط، عبر قيام قوات حفتر بوقف العمل، ولو جزئياً، بالمنشآت النفطية؛ الثاني يتمثل في حدوث اشتباكات وحرب مواقع في مناطق مختلفة من الجنوب الليبي؛ والثالث هو حدوث توترات أمنية بين بعض الميليشيات التابعة للوفاق، وتحديداً ميليشيات طرابلس في مواجهة الميليشيات الموالية لوزير الداخلية فتحي باشاغا.

تتمثل أبرز شروط السيناريو في استمرار استحكام الخلاف بين روسيا والأطراف الخارجية الداعمة للوفاق، مع عدم رغبة المجتمع الدولي في انهيار المباحثات، وكذلك عدم رغبة الأطراف الخارجية في حدوث تصعيد شامل، لاسيما مع وجود ملفات ذات أولوية بالنسبة للرئيس بايدن في بداية فترته الرئاسية، وانشغال الأطراف الأوروبية في إدارة تداعيات أزمة كورونا. وعلى الصعيد المحلي تزداد فرص تحقيق السيناريو في حالة عدم التوصل إلى توافقات بين الأطراف المحلية بشأن إدارة عائدات النفط، لكن مع استمرار التشققات بين الأطراف المحلية المنضوية داخل ذات المعسكر، بما يقلل من إمكانية اندلاع مواجهات على نطاق واسع بسبب تراجع الدعم المحلي. ويعد هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير.

استنتاجات وتوقُّعات

  • يعد التأرجح بين مخاطر التصعيد وإمكانية التوصل إلى توافقات جديدة هو السمة السائدة في الصراع الليبي خلال مرحلة ما بعد حرب طرابلس، ويأتي التغير الحادث في الإدارة الأمريكية ليمثل عنصراً ضاغطاً في اتجاهين متباينين، ما بين رغبة كل طرف في فرض أمر واقع جديد قبل تنصيب الرئيس الأمريكي جو بايدن، وما بين الرغبة في عدم تحمُّل مسؤولية فشل المباحثات الراهنة.
  • تدفع حالة السيولة التي تتسم بها بيئة الصراع الليبي إلى قيام مختلف الأطراف بشراء الوقت، ارتقاباً لتبلور توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة؛ وخلال ذلك فإن الحد الأدنى الذي تهدف إليه أغلب الأطراف الدولية هو الحفاظ على الهدنة القائمة من الانهيار، على الأقل حول مناطق التماس الواقعة على خط سرت الجفرة، والإبقاء على المباحثات قائمة، مع الإبقاء على الجاهزية العسكرية لحدوث أسوأ السيناريوهات.
  • على الرغم من صعوبة التوصل إلى توافق شامل حول تشكيل سلطة موحدة، إلا أن التقدم المحرز حتى الآن تكمن أهميته في التوافقات الجزئية التي يمكن البناء عليها لاحقاً بشأن آليات اختيار شاغلي المناصب التنفيذية، فضلاً عن تحرير مسار الانتخابات من الارتهان لمسار توحيد السلطتين القائمتين حالياً.
  • تتمثل أبرز التوترات الأمنية والعسكرية المرتقبة خلال الأسابيع المقبلة في نشوب مواجهات بين طرفيّ الصراع في بعض مناطق الجنوب الليبي، بالإضافة إلى احتمالية اندلاع توترات داخلية بين أطراف المعسكر الواحد، لاسيما داخل العاصمة طرابلس، بين الميليشيات المنضوية تحت سلطة حكومة الوفاق؛ وأخيراً وجود احتمالية للعودة إلى التوظيف المحدود لورقة النفط من قبل قوات حفتر.

أحدث المواضيع المميزة