التأثيرات المحتملة لأزمة وباء كورونا المستجد على الاقتصاد البريطاني

مركز الإمارات للسياسات | 14 يونيو 2020

شهد الاقتصاد البريطاني خلال الربع الأول من العام الحالي انكماشاً بلغ 2% وهو الأكبر من نوعه منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، مع الأخذ في الاعتبار أن المملكة المتحدة لم تبدأ في تطبيق الإغلاق التام إلا في 23 مارس، أي مع نهاية الربع الأول من العام. بينما تتراوح التوقعات بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني بما نسبته 25-35%، بسبب ما شهده شهرا أبريل ومايو من إغلاق تام. وسيبدأ الفتح التدريجي لقطاعات الأعمال منذ بداية شهر يونيو وصولاً إلى منتصفه، حيث ستسمح الحكومة بفتح معظم قطاعات الأعمال في البلاد بحسب ما أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون.

تحاول الحكومة البريطانية تخفيف آثار أزمة كورونا على سوق العمل ومعدلات البطالة التي بلغت بداية العام 3.9%، وهو ما يمثل 1.35 مليون شخص (بزيادة 0.1% عن العام السابق تعزى إلى فترة عدم اليقين والاستقرار في الاقتصاد البريطاني جرَّاء التأخر في حسم موعد الخروج من الاتحاد الأوروبي)، إلا أن توقعات مكتب إدارة الموازنة (وهو دائرة بحوث مستقلة معتمدة لدى الحكومة البريطانية) تشير إلى أن هناك احتمالية كبيرة لارتفاع نسبة البطالة إلى ضعف معدلها الحالي، أي الى حوالي 8%، وهو ما قد يصل إلى نحو 3 ملايين شخص في نهاية الربع الثاني من العام الحالي، بينما يرى محللون أن العام الحالي قد ينتهي بفقدان نحو 6 ملايين بريطاني وظائفهم، وهذه النسب والتوقعات لا تشمل الموظفين والعاملين الذين يدخلون في برامج الحكومة البريطانية لحماية الوظائف والتعويض عن الدخل.

ويُتوقع أن تصل تكلفة الجهود الحكومية لمواجهة آثار أزمة وباء فيروس كورونا المستجد إلى حوالي 123 مليار جنيه استرليني، وهو ما سيرفع نسبة الاقتراض الحكومي السنوي لهذا العام إلى حوالي 298 مليار جنيه استرليني (منها 127 مليار جنيه استرليني كخسائر في العوائد الحكومية وبالذات من الضرائب، و119 مليار جنيه استرليني كدعم مباشر تدفعه الحكومة لدعم الاقتصاد)، أي ما نسبته 15.2% من إجمالي حجم الاقتصاد البريطاني، وهي أعلى نسبة اقتراض منذ الحرب العالمية الثانية.

ويقدر حجم الضمانات الحكومية المقدمة لبرامج القروض والمنح للشركات وقطاع الأعمال بـ 330 مليار جنيه إسترليني، أي حوالي 17% من حجم الناتج الإجمالي المحلي.

ومن المتوقع أن تلجأ الحكومة لاحقاً لتسديد قيمة هذا الاقتراض السنوي عن طريق إجراءات رفع الضرائب وزيادة التقشف في الميزانية، مما يعني معاناة أطول على المدى البعيد للاقتصاد البريطاني.

الإجراءات الحكومية الحالية لإنقاذ ودعم الاقتصاد البريطاني وتكلفتها

  • دعم سوق العمل ومكافحة البطالة المتوقعة نتيجة لأزمة وباء كورونا

أنشأت الحكومة البريطانية منذ بداية الأزمة عدة برامج لحماية الوظائف وسوق العمل شملت:

برنامج الاحتفاظ بالوظائف خلال أزمة كورونا، وتبلغ تكلفته على الخزينة البريطانية من 10-12 مليار جنيه استرليني شهرياً، ويهدف البرنامج إلى منع أصحاب الأعمال من اتخاذ إجراءات فصل موظفيهم بسبب تعثُّر أعمالهم عن طريق مساهمة الحكومة بدفع رواتبهم لتخفيف العبء المالي عن القطاعات المتأثرة بإجراءات الإغلاق. وشمل هذا البرنامج حتى الآن 8.4 ملايين وظيفة أُلزم أصحابها بالتوقف عن العمل أو بالعمل بدوام جزئي أو بالعمل من البيوت نتيجة للإجراءات الصحية أو كانوا مهددين بفقدان وظائفهم نتيجة تعثر الأعمال وإجراءات الإغلاق، حيث تدفع الحكومة 80 بالمئة من أجور العاملين المشمولين بهذا البرنامج وبحد أقصى 2500 جنيه استرليني للموظف الواحد، إضافة لدفع الحكومة مساهمات الشركات في كل من صندوقي الضمان الاجتماعي والتقاعد الواجب دفعها عن الموظف، وكانت الحكومة قد أقرَّت أن يستمر هذا البرنامج إلى نهاية يوليو 2020، ثم عادت وقرَّرت تمديده حتى نهاية شهر اكتوبر، إلا أنها مؤخراً أجرت تعديلات عليه بحيث سيتوجب على الشركات وأصحاب الأعمال دفع مساهماتها لصندوقي الضمان الاجتماعي والضمان بدلاً من الحكومة، ثم ابتداءً من شهر سبتمبر ستُساهِم الشركات وأصحاب الأعمال بدفع ما نسبته 10% من أجور الموظفين غير القادرين على الالتحاق بأعمالهم أو الذين يعملون من بيوتهم نتيجة المتطلبات الصحية للوباء، على أن ترتفع هذه النسبة إلى 20% مع بداية شهر أكتوبر، حيث ستنخفض نسبة ما تدفعه الحكومة لهؤلاء الموظفين من 80% كما هو الوضع حالياً إلى 60%.

يهدف البرنامج إلى احتواء الآثار المدمرة للإغلاق على سوق الموظفين، ومنع أي ارتفاع حاد في نسب البطالة، وتدعيم شبكة الأمان الاجتماعي، والاحتفاظ بالموارد البشرية للشركات التي ستكون خساراتها ضربة كبيرة للاقتصاد على المدى الطويل، حيث ستتأثر إنتاجية هذه الشركات في فترة التعافي وإعادة فتح الأموال في حال كانت قد تخلصت من موظفيها وستتعطل الإنتاجية بسبب الوقت اللازم لاعادة التوظيف والتدريب من جديد.

برنامج دعم أصحاب المهن الحرة العاملين لحسابهم. وقد تقدَّم للاستفادة من هذا البرنامج حوالي 2.3 مليون شخص وتضمن البرنامج دفعتين: فقد دفعت الحكومة أولاً لهؤلاء العاملين ما يعادل 80% من معدل دخلهم في ثلاثة أشهر، على ألَّا تتجاوز الدفعة لكل عامل 7500 جنيه استرليني، وبلغت تكلفة هذه الدفعة 7 مليارات جنيه استرليني. وأعلنت الحكومة عن دفعة ثانية بما يعادل 70% من معدل دخل هؤلاء العاملين في ثلاثة أشهر بحد أقصى يبلغ 6570 جنيهاً استرلينياً لكل عامل. وتُقدَّر تكلفة هذه الدفعه بنحو 6 مليارات جنيه استرليني.

  • الدعم الاقتصادي للشركات الصغيرة والمتوسطة:

أولت الحكومة البريطانية اهتماماً كبيراً في هذه الأزمة للحفاظ على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وأطلقت عدة برامج لدعمها اقتصادياً ومالياً وتجنيبها خطر الإفلاس والإغلاق وإعادة هيكلة الموظفين أو الاستغناء عنهم، ويمكن القول إن ما لا يقل عن 60% من برامج وخطط الإنقاذ الحكومي لمواجهة أزمة كورونا موجَّهة بالدرجة الأولى لدعم الأعمال المتوسطة والصغيرة، ويمكن إرجاع ذلك إلى الآتي:

  1. تنظر الحكومة البريطانية إلى الشركات المتوسطة وصغيرة الحجم والمؤسسات الفردية بصفتها رافعة الاقتصاد الحقيقي الذي تعتمد مرابحها على إنتاجية السلع والخدمات المؤثرة بشكل مباشر على الأفراد وحجم التصدير، أكثر من اعتماد مرابحها على المضاربات المالية والقطاع المصرفي والاقتصاد الموازي.
  2. تعاني هذه الشركات منذ بداية الأزمة السياسية البريطانية التي أعقبت الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بسبب حالة عدم اليقين التي سادت الاقتصاد البريطاني خلال عامي 2018-2019، وما نتج عنها من انخفاض في قيمة الجنيه الإسترليني، ممَّا أدَّى إلى إفلاس العديد منها.
  3. عادةً ما تعاني الشركات الصغيرة والمتوسطة أسوأ آثار فترات الركود الاقتصادي بصورة مباشرة، لذلك هدفت الخطط الحكومية لتخفيف العبء عنهابأسرع ما يمكن خلال هذه الأزمة غير المسبوقة.

وبالإضافة إلى استفادة الشركات الصغيرة والمتوسطة من برامج الحكومة لدعم سوق العمل ومكافحة البطالة خلال أزمة كورونا، شملت خطط الإنقاذ الحكومية التي استهدفت الشركات المتوسطة وصغيرة الحجم البرامج الآتية أيضاً:

  • برنامج التمويل الآجل: أنشأت لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي البريطاني في مارس آذار الماضي برنامج حزم دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الذي يُموَّل بسندات حكومية مسحوبة على احتياطي البنك المركزي، والذي يستمر لمدة 12 شهراً من تاريخ إنشائه، حيث يُقدِّم البرنامج تمويلاً لمدة أربع سنوات (يمكن تمديدها لمدة 6 سنوات في بعض الحالات) للبنوك ومؤسسات الإقراض بحيث لا تقل قيمة التمويل عن 10% من أي قرض تقدمه هذه البنوك والمؤسسات الإقراضية لقطاع الأعمال البريطاني، وخاصة للشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم، بشرط أن تكون فوائد القروض الممنوحة لهذه الشركات تساوي أو قريبة من فائدة البنك المركزي البريطاني (حالياً %0.1)، ومن المتوقع أن يساهم هذا البرنامج في المساعدة على نقل تأثير تخفيض فائدة البنك المركزي إلى الاقتصاد الحقيقي المنتج، وبحيث لا تتحمل البنوك والمؤسسات المصرفية الممولة للقروض عبء تخفيض الفائدة وحدها، كما يهدف البرنامج إلى تزويد البنوك ومؤسسات الإقراض المشتركة بالبرنامج بمصدر إقراض فعال من حيث التكلفة، بحيث يحفزها على إمداد قطاعات الاقتصاد الحقيقي بالسيولة النقدية لتسيير أعمالها خلال فترة الاضطراب الاقتصادي الحالية. ويتوقع البنك المركزي أن يوفر هذا البرنامج تمويلاً لقطاعات الأعمال بما مقداره 100 مليار جنيه استرليني.
  • برنامج قروض الأعمال المتعثرة بسبب وباء كورونا: وهو برنامج يُقدِّم دعماً للشركات المتوسطة والصغيرة التي تَقِل عوائدها السنوية عن 45 مليون جنيه إسترليني، من خلال تقديم دعم يبلغ في حدِّه الأقصى لكل شركة 5 مليون جنيه استرليني على شكل إما قروض طويلة الأجل وتمويل أصول (المدة ست سنوات) أو من خلال تسهيلات الحسابات جاري المدين وتمويل تخصيم الفواتير (المدة 3 سنوات)، ويقدم البرنامج قروضاً من 60 بنكاً ومؤسسة مصرفية خاصة لكن عبر بنك الأعمال البريطاني (بنك حكومي)، وستضمن الحكومة للجهات المقرِضة للشركات المتوسطة والصغيرة ما نسبته 80% من قيمة القروض. كما ستدفع الحكومة عن هذه الشركات فوائد ورسوم القروض للسنة الأولى، بهدف تشجيع المقرضين لبناء الثقة في الشركات المتوسطة والصغيرة واستمرار الاستثمار في إقراضها.
  • برنامج القروض السريعة: أطلقت الحكومة البريطانية بالتعاون مع البنوك والمؤسسات المصرفية الخاصة برنامجاً للقروض السريعة للشركات المتوسطة والصغيرة بضمانة حكومية للمقترضين تبلغ 100% من قيمة القرض، وتتراوح هذه القروض السريعة بين 2000 إلى 50000 جنيه إسترليني لكل مقترض، على أن تبلغ قيمة الفائدة على هذه القروض الفورية 2.5%.
  • برنامج دعم الأعمال الريادية الخاصة؛ وتبلغ قيمته 1.25 مليار جنيه استرليني لدعم مشاريع الابتكار في الشركات المختصة بقطاعات التكنولوجيا وعلوم الحياة والتي لا تنطبق عليها شروط الحصول على التمويل من البرامج التمويلية الأخرى خلال أزمة كورونا.
  • برنامج التمويل المستقبلي؛ وتبلغ قيمته 500 مليون جنيه استرليني ويُقدِّم الدعم من الحكومة والبنوك الخاصة عبر بنك الأعمال البريطاني للشركات الصغيرة ذات النمو السريع والتي تأثرت بسبب أزمة كورونا على أن تكون غير مدرجة في سوق بورصة لندن، وأن تكون حقَّقت عوائد استثمار في الأسهم من قبل طرف ثالث بما لا يقل عن 250 ألف جنيه استرليني خلال السنوات الخمس الماضية، وتستطيع كل شركة تنطبق عليها هذه الشروط التقدُّم لقرض يترواح من 125 ألف جنيه إسترليني إلى 5 مليون جنيه استرليني.
  • مِنَح وقروض الاستمرارية؛ وتبلغ هذه الحزمة 750 مليون جنيه استرليني على شكل منح وقروض للمؤسسات المتوسطة والصغيرة التي تركز على البحث والتطوير، تذهب 90 مليوناً منها كمنح استمرارية للشركات المهددة بتوقُّف أعمالها نتيجة نقص التمويل لأبحاثها خلال أزمة وباء كورونا، وتتراوح قيمة المنحة الواحدة بين 25 ألف جنيه إسترليني إلى 250 ألف جنيه استرليني، بينما تخصص 210 مليون جنيه إسترليني من هذا البرنامج على شكل قروض للشركات التي تمتلك مشاريع بحثية قيد التنفيذ إلا أنها باتت تعاني من صعوبات إيجاد مصادر مستمرة للتمويل بسبب هذه الأزمة، بينما يخصص الباقي كقروض تمويلية للشركات التي ستعمل على مشاريع بحثية جديدة.
  • مِنَح لبعض شركات الأعمال الصغيرة؛ وتشمل حوالي 700 ألف شركة صغيرة ممَّن لا ينطبق عليها دفع ضرائب إيجار محلات تجارية، وسيكون مقدار المنحة حوالي 10 آلاف جنيه استرليني وذلك لتغطية نفقات التشغيل مثل دفع الإيجار، وأيضاً يشمل هذا البرنامج منحاً نقدية تصل إلى 25 ألف جنيه إسترليني لشركات الأعمال من هذه الفئة التي تعمل في مجال مبيعات التجزئة وقطاع السياحة والترفيه والمطاعم ضمن مواصفات معينة.
  • برنامج تعويض الإجازات المرَضية للعاملين في الشركات المتوسطة والصغيرة؛ وتصل قيمة البرنامج إلى 2 مليار جنيه إسترليني، ويقدم للشركات التي لا يتجاوز عدد العاملين فيها أكثر من 250 شخصاً، بحيث تدفع الحكومة رواتب 14 يوماً في حال أخذ الموظف إجازة مرضية غير مرتبطة بالعزل الذاتي لوباء كورونا، ويتوقع أن يشمل هذا البرنامج 2 مليون موظف وعامل في هذه الشركات.
  • الدعم الاقتصادي للشركات الكبرى

أعلن البنك البريطاني المركزي عن فتح تسهيلات تمويلية للشركات الكبيرة عن طريق شراء الديون قصيرة الأمد لهذه الشركات (ما يعرف باسم الأوراق التجارية) كوسيلة سريعة لتوفير رأس مال تشغيلي لهذه الشركات التي تعتبر قوية مالياً لكن تعثرت لديها السيولة والتدفقات النقدية بسبب أزمة وباء كورونا، وذلك بهدف مساعدتها لدفع أجور العاملين لديها وتسديد مستحقات المزودين، على ألَّا يشمل برنامج التسهيلات هذا الشركات في القطاع المصرفي والمالي.

واشترك حتى نهاية مايو 12 بنكاً ومؤسسة إقراضية في هذا البرنامج الذي سيمنح الشركات التي تزيد عوائدها السنوية عن 45 مليون جنيه استرليني قروضاً تبلغ القيمة القصوى لكل منها 25 مليون جنيه استرليني، بينما تُمنح الشركات التي تزيد عوائدها السنوية عن 250 مليون جنيه استرليني قروضاً تبلغ القيمة القصوى لكل قرض 25% من عوائدها السنوية أو 200 مليون جنيه استرليني، أيهما أقل.

  • الدعم الاقتصادي للشركات الحيوية والمهمة استراتيجياً

أعلنت الحكومة البريطانية إطلاق مشروع Birch كخطة إنقاذ تشمل تمويلاً حكومياً لحماية الشركات التي تعتبر استراتيجية للاقتصاد البريطاني، مثل تلك العاملة في مجال صناعة الصلب والطيران وقطاع صناعة السيارات، وبرغم أن الحكومة أعلنت مبدئياً أن المشروع يتضمن منح قروض خاصة لهذه الشركات في حال استنفدت كافة الخيارات بما فيها برامج القروض السابقة لإنقاذها، إلا أن مراقبين لم يستبعدوا شراء الحكومة حصصاً في هذه الشركات "بما يشبه التأميم" لإنقاذها إذا استدعت الحاجة.

ومن الشركات المعنية التي تجري محادثات حالياً مع الحكومة البريطانية شركة الخطوط الجوية فرجين؛ إذ طالبت بـ 500 مليون جنيه استرليني لإنقاذها بسبب تأثُّر أعمالها جراء وقف الرحلات الجوية. كما تجري شركة Loganair للطيران محادثات مشابهة. وطلبت شركة Tata Steel لصناعة الصلب 500 مليون جنيه استرليني أيضاً لإنقاذها من الإفلاس، وتقدَّمت شركة صناعة السيارات "جاغوار" بطلب للمساعدة الحكومية ضمن هذا البرنامج، كما سيشمل البرنامج الشركات المزودة للطاقة التي تعاني من انخفاض الطلب على الطاقة من قبل المصانع والشركات ومن تأخُّر دفع فواتير الطاقة المستحقة على المنازل بسبب فقدان الأفراد وظائفهم وازدياد معدلات البطالة. غير أن هذا المشروع يواجه عقبات، منها:

  1. كيفية تحديد مَن هي الشركات التي تُعَد مهمة للاقتصاد البريطاني، ومعايير إعطائها الأولوية وتحديد مبلغ الإنقاذ اللازم لها، خاصة مع عدم إعلان الحكومة البريطانية عن معايير محددة لهذا البرنامج خلافاً لبرامج المساعدات الأخرى. فعلى سبيل المثال، لا يُعرَف إذا كان تحديد كون الشركة استراتيجية سيعتمد على أهمية القطاع الذي تعمل فيه أم على حجم الموظفين لديها أم على حجم صادراتها، حيث قالت الحكومة إنها ستدرس كل حالة لوحدها، ويخشى خبراء من أن يكون للتدخلات السياسية وجماعات الضغط دور في إعطاء الأولوية وتحديد حجم مبلغ المساعدة.
  2. طالت بعض الشركات مثل شركة الخطوط الجوية فيرجن وشركة Tata Steel لصناعة الصلب اتهامات بكونها تحاول استغلال برامج المساعدات الحكومية وأموال دافعي الضرائب خلال أزمة كورونا، لإنقاذ وضعها المالي المتعثر أصلاً قبل فترة الوباء، على غرار ما تُتهم به بعض البنوك التجارية التي استفادت من المساعدات الحكومية من أموال دافعي الضرائب لإنقاذها من الأزمة المالية العالمية عام 2008 رغم أن تعثرها كان ناتج عن سوء الإدارة.
  3. يُعارض كثير من السياسيين المحافظين ومؤيدي السوق الحر فكرة أن "تنزلق" بريطانيا إلى تأميم الشركات المتعثرة، كون ذلك يُعَد تحولاً راديكالياً عن السياسية الليبرالية التي ينتهجها الاقتصاد البريطاني.
  4. سيكون من الصعب أيضاً أن تقبل الشركات الخاصة التدخلات الحكومية في قراراتها في حال استحوذت الحكومة على حصص مهمة فيها، وستسعى هذه الشركات لأن تكون المساعدات الممنوحة في هذا البرنامج قروضاً ومنحاً أكثر منها شراء حصص، إلا أن تقييم المخاطر لدى جهات الإقراض قد لا يمنحها ذلك وقد تشترط الجهات المقرضة شروطاً لمراقبة إدارة هذه الشركات، وهو ما يُصعِّب مرحلة المفاوضات بين الجانبين ويطيل أمدها.
  5. تخشى النقابات العمالية في بريطانيا أن تؤدِّي إطالة المفاوضات وتأخر تقديم مساعدات فعالة تنقذ هذه الشركات إلى تسريح عشرات الآلاف من العاملين فيها، خاصة مع توقعات أن يعاني الاقتصاد البريطاني أسوأ انكماش ناتج عن فترة الإغلاق مع نهاية الربع الثاني (نهاية شهر يونيو).
  6. من المتوقع أن تعمد الحكومة في حال اضطرت إلى شراء بعض من حصص هذه الشركات الاستراتيجية، إلى بيع هذه الحصص بعد انتهاء الأزمة واكتمال خطط الإنقاذ، ولم تعلن الحكومة حتى الآن عن آلية "الخروج" من الشراكة المتوقعة، وقد أبدى حزب العمال المعارض مخاوفه من أن تكون مرحلة "الخروج" هذه فرصة للشركات للاستفادة من إعادة شراء ودمج الحصص بما يعود عليها بفوائد مالية هي أصلاً ناتجة عن أموال دافعي الضرائب.
  • دعم الجمعيات والمؤسسات الخيرية، كمراكز الإيواء ومراكز ضحايا العنف الأسري، وبلغت قيمة المنح الحكومية للجمعيات التي تأثرت من توقف التبرع خلال الأزمة حوالي 750 مليون جنيه استرليني.
  • دعم الخدمات الصحية العامة والخدمات الحكومية الأخرى؛ فقد قدمت الحكومة البريطانية لغاية نهاية شهر مايو دعماً بـ 16 مليار جنيه استرليني للقطاع الصحي والخدمات الحكومية الأخرى (مثل إدارات مجالس البلديات المحلية) التي تقدم خدمات مباشرة في مواجهة انتشار وباء كورونا.

الإجراءات المالية والسياسة النقدية خلال أزمة وباء كورونا

تخفيض سعر الفائدة:

قررت لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي البريطاني في 10 مارس الماضي تخفيض سعر الفائدة بنسبة 50%، لتصبح 0.25 %، وبعد أقل من أسبوعين قرَّرت تخفيضها مجدداً لتصبح 0.1% وهو أقل سعر فائدة في تاريخ بريطانيا على الإطلاق، ويعزى هذا القرار إلى أن اللجنة رأت أن سوق السندات الحكومية يشهد تراجعاً في ظل الظروف المالية الراهنة لبريطانيا والاقتصاد العالمي، حيث يهدف تخفيض سعر الفائدة إلى دعم الاقتصاد وثقة المستهلك عن طريق توفير التمويل وتسهيل التدفق النقدي للأعمال والأفراد. غير أن تخفيض سعر الفائدة ربما يدفع البنوك الخاصة ومؤسسات الإقراض للإحجام عن تقديم القروض لشركات الأعمال خاصة الصغيرة والمتوسطة بسبب ارتفاع حجم المخاطر، وهو ما عمدت الحكومة إلى معالجته من خلال برنامج دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الموضح أدناه.

شراء السندات:

  • أعلن البنك المركزي البريطاني زيادة حجم مشترياته من السندات الحكومية وسندات الشركات الاستثمارية غير المالية بما قيمته 200 مليار جنيه إسترليني، وهو ما يرفع حجم حيازة البنك المركزي البريطاني للسندات بما قيمته 645 مليار جنيه استرليني، سيتم تمويلها من خلال إصدار احتياطي البنك المركزي (طبع مزيد من العملة البريطانية من الاحتياطي المسموح به للبنك المركزي البريطاني).
  • قرَّرت الحكومة البريطانية مضاعفة حجم برنامج شراء سندات الشركات الاستثمارية غير المالية الذي أطلقته بقيمة 10 مليارات جنيه استرليني في أغسطس 2016 لضمان استقرار الاقتصاد البريطاني بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث أصبح حجم البرنامج حاليا 20 مليار جنيه استرليني، بحيث يمول شراء هذه السندات من البنك المركزي البريطاني.

ويُلاحظ أن مكتب إدارة الموازنة قد عدل من توقعاته بشأن صافي الدين العام البريطاني للعام الحالي ليبلغ 298 مليار جنيه استرليني، وهي أعلى قيمة اقتراض حكومي كنسبة من الاقتصاد منذ الحرب العالمية الثانية.

الضرائب:

  • تأجيل ضرائب القيمة المضافة للأعمال التجارية  VAT المستحقة عن الفترة ما بين 20 مارس إلى نهاية يونيو، وتُقدَّر قيمة هذه الضرائب بنحو 30 مليار جنيه استرليني، ستكون بمثابة تدفق نقدي إضافي لقطاع الأعمال.
  • تأجيل ضرائب التقييم الذاتي المستحقة على العاملين لحسابهم الخاص من يوليو 2020 إلى يناير 2021، وتُقدَّر هذه الضرائب بنحو 13 مليار جنيه استرليني.
  • منح الشركات عطلة من دفع ضرائب إيجارات المحلات التجارية، وقُدِّر هذا الإعفاء بما قيمته 11 مليار جنيه استرليني.

تقييم فعالية الإجراءات الحكومية لإنقاذ الاقتصاد

• برغم الخطة الحكومية غير المسبوقة ببرنامج إنقاذ الوظائف ومكافحة البطالة إلا أن معدلات البطالة لا تزال في ازدياد، فقد بلغ عدد المتقدمين الجدد لطلبات الإعانة من العاطلين عن العمل أكثر من 2 مليون شخص، وهو ما يمثل نسبة بطالة بـ5.7% مقارنةً بـ 3.9% مع بداية العام، وكان من المتوقع أن يكون العدد أكبر بكثير لولا أن الإجراءات الحكومية ساهمت في تخفيض وتيرة ازدياد البطالة. وتميز تأثير أزمة وباء كورونا على سوق العمل البريطاني بأن المعدل اليومي لعدد المتقدمين الجدد لطلبات الإعانة من العاطلين عن العمل خلال أزمة كورونا (من مارس حتى نهاية مايو) أكثر بـ 3 أضعاف عن مثيله خلال ذروة الأزمة المالية العالمية، وهو أحد المؤشرات التي تدل على أن آثار أزمة وباء كورونا أعمق بكثير من آثار الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد البريطاني.

وتشير توقعات مكتب إدارة الموازنة إلى أن هناك احتمالية كبيرة لارتفاع نسبة البطالة إلى ضعف معدلها الحالي، أي إلى حوالي 8% مع نهاية العام، بينما يرى محللون أن العام الحالي قد ينتهي بارتفاع نسبة البطالة إلى 16%، وقد وضعت وكالة فيتش ثلاثة سناريوهات لارتفاع البطالة في بريطانيا نتيجة أزمة وباء كورونا؛ السيناريو الأول أفضل وضع: 11%، السيناريو الثاني: الوضع المتوسط 20% والسيناريو الثالث: الوضع الأسوأ 28%.

مع ملاحظة أن هذه النسب والتوقعات لا تشمل الموظفين والعاملين الذين يدخلون في برامج الحكومة البريطانية لحماية الوظائف والتعويض عن الدخل، كما أنها تقتصر فقط على آثار أزمة وباء كورونا على معدلات البطالة دون إضافة آثار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاقية.

• يشير معظم توقعات الوكالات الحكومية والمستقلة والخبراء إلى أن تأثير أزمة وباء كورونا على الناتج المحلي أعمق بكثير من التأثير الذي شهده الاقتصاد البريطاني على الناتج المحلي الإجمالي في أسوأ أوقات الأزمة المالية العالمية، وقد شهد الاقتصاد البريطاني خلال الربع الأول من العام الحالي انكماشاً بلغ 2%، وهو الأكبر من نوعه منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المملكة المتحدة لم تبدأ في تطبيق الإغلاق التام إلا في 23 مارس، أي مع نهاية الربع الأول من العام. بينما تتراوح التوقعات باتخفاض الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني بما نسبته 25-35%، بسبب ما شهده شهرا أبريل ومايو من إغلاق تام.

وتشير توقعات وكالة فيتش إلى ثلاثة سيناريوهات لانخفاض الناتج الإجمالي العام لعام 2020 ككل. السيناريو الأفضل: انكماش الاقتصاد بنسبة 7.3%، والسيناريو المتوسط: 16.3%، والسيناريو الأسوأ: 25.1%.

• شهِد معدل ثقة المستهلك انخفاضاً حاداً خلال شهر من إجراءات الإغلاق وصل إلى أعلى مستوياته خلال ذروة الأزمة المالية العالمية، ويعزى السبب في ذلك إلى انعدام الشعور بالأمان الوظيفي، والتناقص في الدخل الأسري، ومن المتوقع أن يؤثر انخفاض ثقة المستهلك سلبياً على قطاع الأعمال البريطاني، وذلك بالميل نحو الادِّخار على حساب المشتريات وممارسة النشاطات الاقتصادية اليومية للفرد، ويُتوقع أن يؤثر بصورة كبيرة بالذات على قطاع صناعة السيارات الذي يُعتبر قطاعاً حيوياً للاقتصاد البريطاني، ومن المتوقع أن يعتمد تحسُّن ثقة المستهلك على مدى نجاح الحكومة في احتواء الوباء من الناحية الصحية.

• تُظهِر البيانات الأسبوعية التجارية في بريطانيا انخفاضاً تدريجياً في حجم شحن البضائع في الموانئ البحرية، بينما تأثَّرت حركة الشحن الجوي بصورة حادة حيث سجلت في نهاية ابريل انخفاضاً بما نسبته 62% عن ما كانت عليه في نفس الوقت من العام الماضي، إلا أن ذلك لا يعزى فقط إلى تأثُّر قطاع الأعمال البريطاني بإجراءات الإغلاق الحكومية، بل أيضاً إلى إغلاق المجالات الجوية للبلدان الأخرى وانخفاض حجم التبادُل التجاري العالمي، حيث قدَّرت منظمة التجارة العالمية هذا الانخفاض بما نسبته 13-32%، بينما بلغت نسبة انخفاض التبادل التجاري العالمي خلال ذروة الأزمة المالية العالمية 12%، لكن انخفاض حركة التجارة العالمية سينعكس بصورة سلبية أيضاً على نمو الإنتاجية للاقتصاد البريطاني وفقاً للعرض والطلب.

• لغاية الآن نجح مكتب إدارة الديون التابع لوزارة الخزانة (المالية) البريطانية بجمع 80 مليار جنيه استرليني من هذه القيمة عن طريق المزادات على السندات دون أي إخلال بمؤشرات الطلب في السوق، وتدل المؤشرات إلى أن الطلب على هذه السندات لا يزال في مستوى جيد.

• من الصعب حالياً تقييم فعالية برامج القروض والمنح التي أعلنتها الحكومة لدعم قطاع الأعمال والشركات، لكن من المتوقع أن تنجح هذه البرامج في إبعاد شبح الإفلاس عن كثير من الشركات المتوسطة والصغيرة، بل يرى اقتصاديون أن برامج القروض لهذه المؤسسات قد تكون بمثابة واق للصدمات لهذه الشركات في حال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون التوصل إلى اتفاقية معه. مع ذلك، فقد اعترف وزير الخزانة البريطاني ريشي سوناك خلال جلسة مساءلة في البرلمان أن برامج القروض لا يمكنها أن تنقذ جميع الشركات وأصحاب الأعمال من خطر الإفلاس.

• من المتوقع أن تثير أي خطة لأيٍّ من الشركات الاستراتيجية معارضة وجدلاً سياسياً في حال تضمَّنت مبالغ كبيرة ولم تعلن الحكومة بوضوح عن المعايير التي اعتمدتها لتقرير هذا الدعم أو عن ضمانات استخدام هذه المساعدات في إنقاذ الشركة فعلاً دون التربُّح من أسهم الشركة من قبل القائمين عليها في حال كانت على شكل قروض، أو عن خطة الخروج الحكومي من الشراكة بعد إنقاذها في حال اضطرت لشراء حصص فيها.

• من المتوقع أن يُعمِّق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاقية في حال حدوث ذلك من مشاكل الاقتصاد البريطاني، وأن يؤدِّي إلى انكماش أكبر فيه وإلى مزيد من ضعف ثقة المستهلك ونقصان معدل الإنفاق الشهري، ممَّا سيشكل ضربة أخرى لقطاع الأعمال، وقد يزيد أيضاً من مخاطر برامج الإقراض حتى بضمانات حكومية خاصة إذا شهد الجنيه الاسترليني انخفاضاً حاداً في قيمته.

أوجه الاختلاف بين آثار أزمة كورونا والأزمة المالية العالمية والخروج بدون اتفاق من الاتحاد الأورروبي

• أوجدت الأزمة نهايةً مفاجئة للسياسات الحكومية البريطانية القاضية بعدم التدخُّل في الاقتصاد والتي تم اعتمادها منذ الحكومة الأولى لرئيسة الوزراء مارغريت تاتشر، ورغم التدخلات الحكومية ضيقة النطاق خلال الأزمة المالية العالمية 2007-2008، وتحضير الحكومة لخطط لمواجهة أي اضطرابات في الاقتصاد قد تنتج عن عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون التوصل إلى اتفاق، إلا أن أزمة كورونا مثَّلت حالة مختلفة في التدخل الحكومي في الاقتصاد للأسباب الآتية:

  1. اضطرت الحكومة للتدخل على نطاق واسع شمل جميع المجالات الاقتصادية في البلاد، بينما اقتصرت التدخلات السابقة على عدد محدود من قطاعات الأعمال.
  2. تأثير إجراءات الإغلاق أدَّى إلى التهديد الفوري لدخل ملايين الأشخاص بصورة مباشرة وأعمق وأسرع من أي موجة ركود اقتصادي سابقة، ولم تمنح الحكومة أو قطاعات الأعمال أي فترة انتقالية كما هي العادة خلال فترات الركود الاقتصادي.

• برغم أن كلاً من الأزمة المالية العالمية وأزمة وباء كورونا أزمات عالمية، إلا أن آثار أزمة كورونا الاقتصادية على عموم الاقتصاد الوطني في كل بلد تتفاوت بحسب مدى انتشار الوباء فيها وطريقة استجابة الحكومة لها، وهو ما خلق مستويات وسياسات متفاوتة في التعامل بين الدول، وأيضاً سياسات متفاوتة في التعامل مع القطاعات المختلفة، ممَّا أدَّى إلى عدم قدرة الحكومة على بناء توقُّعات تعتمد عليها في رسم سياسات المراحل المقبلة للتعامل مع الاقتصاد، وركَّزت على محاولات الامتصاص الآنية والاستجابة الفورية للأزمة بصورة أكبر من تركيزها على الاستراتجيات بعيدة المدى للخروج من آثارها. فمثلاً، حرص البنك المركزي البريطاني على الحفاظ على استقرار السوق المالي والعملة عن طريق آلية شراء السندات، وهو ما ساعد فعلاً في تجنيب الجنيه الاسترليني خطر النزول الحاد، إلا أن هناك مخاوف جدية ممَّا سترتبه هذه السندات على الدين العام البريطاني وتأثيره على القدرة الشرائية لدافعي الضرائب حتى للخدمات الأساسية كالكهرباء والماء على المدى البعيد.

• إحدى المشاكل التي تواجه صانعي السياسات الاقتصادية في المملكة المتحدة في مواجهة أزمة كورونا هي أن الأزمة خلقت "مناخاً جديداً" لكنه مؤقَّت، وسيكون على صانعي السياسات الاقتصادية التحرك خلال فترة الاستجابة للأزمة وفق قواعد تختلف كثيراً عن تلك التي يتوجَّب عليهم التحرك وفقاً لها خلال فترة التعافي أو إعادة بناء الاقتصاد في مرحلة ما بعد كورونا، وهو ما سيُشكِّل عقبة لهم بسبب عدم اتِّسام النظام المالي البريطاني بالمرونة بشكل عام، وميله تجاه التمسك بالقواعد المحافِظة. كما أنه سيكون من الصعب تقييم الآثار المتوقعة لأزمة الوباء على المدى المتوسط بسبب الحالات الشديدة من عدم اليقين التي يمر بها القطاع الاقتصادي البريطاني، سواء تلك المتبقية من آثار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو الناتجة بشكل مباشر من أزمة وباء كورونا، وقد انعكس ذلك فعلياً على توقعات الدوائر الحكومية والوكالات المعتمدة لدى الحكومة البريطانية في توقعاتها الأولى لمدى تأثير أزمة وباء كورونا على الناتج المحلي العام، إذ تفاوتت تلك التوقعات في تقديرها لانكماش يبلغ 5% بينما قدَّرت توقعات أخرى الانكماش بـ 14%، وهو تفاوت كبير سيجعل من الصعب على صانعي القرار رسم سياسات دقيقة مسبقة لمواجهة هذا الانكماش، ويُقدِّر الخبراء أنه في ظل هذه الحالة ستتبع السياسات منهجية اتخاذ القرار الأقل سوءاً عوضاً عن اختيار القرار الأفضل الذي سيكون من الصعب تحديده في هذه الظروف.

التوقعات

• من المتوقع أن تكون آثار أزمة كورونا الصحية والاقتصادية حاسمة في التأثير على اتجاهات الناخبين في أي استحقاق انتخابي قادم، خاصةً في ظل اتهامات كثيرة لحكومة حزب المحافظين بالتقصير، ومع صعود نجم زعيم حزب العمال الجديد السير كير ستارمر، وبداية تخلُّص حزب العمال من آثار مشاكل فترة زعامة جيرمي كوربن.

• من المتوقع أن يكون الوضع الاقتصادي ما بعد أزمة كورونا عاملاً حاسماً أكثر من قبل في توجيه السياسة الخارجية البريطانية التي ستسعى إلى إعادة تعافي الاقتصاد كأولوية وطنية.

أحدث المواضيع المميزة