نُذُر صراع إقليمي في الجنوب السوري: القوى الفاعِلة واحتمالات التصعيد

مركز الإمارات للسياسات | 19 أكتوبر 2020

يشهد الجنوب السوري صراعاً متعدد المستويات تنخرط فيه أطرافٌ عديدة، ورغم المحاولات التي تبذلها الأطراف في إدارة الصراع لمنع انتشاره على نطاق أوسع، إلا أن كثافة استخدام الجنوب السوري صندوق رسائل للأطراف باتت تهدد الترتيبات الهشّة في منطقة تنطوي على تناقضات كثيرة وتتمتع بموقع استراتيجي مهم.

تُسلِّط هذه الورقة الضوءَ على تطورات المشهد في جنوب سوريا، ودينامياتها، واحتمالاتها.

المشهد الحالي في الجنوب السوري: تفاعلاته وديناميّاته

يشكل الموقع الجغرافي لجنوب سوريا أهمَّ أسباب الصراع في المنطقة وعليها، حيث تحاذي المنطقة كلاً من إسرائيل والأردن، وتتصل بلبنان عبر سلسلة جبال الحرمون، كما تُعتبر بوابة لدول الخليج العربية من معبر نصيب. وقد دفع موقعها الجغرافي الكثيرَ من اللاعبين الإقليميين والدوليين إلى الانخراط في الصراع الدائر، وذلك بالنظر إلى تأثر أمن هذه الأطراف بتطورات هذه المنطقة العسكرية والأمنية.

وقد راعت الترتيباتُ التي أشرفت روسيا على صناعتها في جنوب سوريا في عام 2018 الحساسيةَ الإقليمية، كما اضطرت روسيا إلى إشراك أكثر من طرف مباشرة بهذه الترتيبات، كالأردن وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. وفرضت هذه الترتيبات على إيران الابتعاد عن الحدود مع الأردن وإسرائيل إلى مسافة 80 كيلومتراً، وهو ما ثبت أن روسيا لم تستطع الإيفاء به، رغم الإعلان عن انسحاب إيران من المنطقة، إلا أن النشاط الإيراني أخذ أشكالاً عديدة.

وقد أنتجت الترتيبات الروسية واقعاً أمنياً يوصف بالهش في منطقة الجنوب، وتحديداً في درعا والقنيطرة، في ظل تحوّل الصراع إلى صراع أمني تنخرط فيه أطراف عديدة، محلية وإقليمية، وفي ظل استقطاب روسي إيراني حاد لهذه الأطراف، ورقابة إسرائيلية دائمة لتحركات ميليشيات إيران وأذرعها في خاصرتها الأمنية على طول الحدود مع درعا والقنيطرة.

واضطرت روسيا، في سبيل مراعاة تفاهماتها مع الأطراف الإقليمية، إلى إجراء ترتيبات للفصائل المسلحة في درعا، تقضي باحتفاظ بعض هذه الفصائل بأسلحتها الخفيفة وهياكلها، ومنع قوات النظام والميليشيات الإيرانية من الدخول إلى مناطق هذه الفصائل، وتحديداً درعا البلد وطفس، كما شكّلت اللواء الثامن التابع للفيلق الخامس، في بصرى الشام، بقيادة أحمد العودة، قائد فصيل "شباب السُّنة" سابقاً، وذلك لموازنة قوّة الميليشيات الإيرانية في المنطقة.

وفي السويداء، وانطلاقاً من وضع المحافظة المختلف حيث تعيش أقلية درزية في وسط سني، ووجود مخاطر من "داعش" الذي يتموضع على حدود المحافظة في البادية السورية، تشكّلت عشرات الفصائل والميليشيات بهدف الدفاع عن المحافظة، وأصبحت لها الكلمة العليا في السيطرة الأمنية، مع اختلاف ولاء هذه الميليشيات ومرجعيتها؛ فبعضها ليس على علاقة جيدة بالنظام السوري ويدعو إلى تحييد السويداء عن الصراع السوري، مثل فصيل "رجال الكرامة"، في حين أن جزءاً كبيراً من ميليشيات السويداء يتبع للأجهزة الأمنية السورية، كما استقطبت إيران وحزب الله اللبناني جزءاً من هذه الميليشيات المنخرطة في إطار "قوات الدفاع الوطني".

وقد أوجدت هذه الأوضاع بؤراً خارجة عن سيطرة النظام، لكنها في الوقت نفسه مَحمية بضمانات روسية ورقابة إسرائيلية، وقد سعى النظام وإيران إلى الالتفاف على هذه الأوضاع، من خلال استقطاب آلاف عناصر الفصائل المسلحة، أو من يُطلق عليهم "عناصر التسويات" عبر أجهزة النظام، وتحديداً المخابرات الجوية والفرقة الرابعة القريبتين من إيران، فضلاً عن نشاطات "حزب الله" في تجنيد العناصر ضمن "سرايا العرين 313". 1

في المقابل ينشط أحمد العودة في استقطاب الشباب، وقد أعلن مؤخراً عن نيته تشكيل جيش حوران موحد وتحت راية واحدة، وأعلن أن قوام هذا الجيش سيبلغ أكثر من عشرين ألف عنصر، وهو مخصص لمحاربة أعداء الشعب السوري، والمقصود هنا إيران وحزب الله.2

خريطة السيطرة

تكشف خرائطُ السيطرة في جنوب سوريا المشهدَ الصراعي الدائر في المنطقة، حيث تتقاسم أطراف الصراع السيطرة على هذه المناطق وفق الشكل الآتي:

  • تسيطر فصائل المعارضة على أجزاء من مدينة درعا، أي درعا البلد وطفس، في الريف الغربي، سيطرةً كاملة، وهي محمية بالضمانة الروسية، وتحتفظ الفصائل في هذه المناطق بهيكليتها وأسلحتها الخفيفة.
  • يسيطر اللواء الثامن، التابع للفيلق الخامس، بقيادة أحمد العودة، على بصرى الشام، ويفرض سيطرته على المناطق القريبة.
  • يسيطر حزب الله على بعض مناطق اللجاة ومناطق ريف درعا الشرقي من خلال الميليشيات التي صنعها في تلك المناطق من أبناء القرى، وتشهد هذه المناطق صراعات حادة مع قوات أحمد العودة.3
  • تشهد مناطق شمال درعا، التي تتصل بريف القنيطرة، أي الحارة وجاسم وإنخل، صراعا بين الأجهزة الأمنية السورية، بدعم من "حزب الله"، والفصائل السورية المنحلة التي لا تزال تعمل بنشاط في تلك المناطق.4
  • تسيطر الفرقة الرابعة على ريف درعا الغربي وحوض اليرموك، وهي منطقة محاذية للأردن وإسرائيل، وينشط "حزب الله" في هذه المناطق.
  • تتوزع السيطرة في القنيطرة وريفها بين قوات النظام السوري وأجهزته الأمنية و"حزب الله" الذي أسس ميليشيات محلية تتبع له.
  • تتوزع السيطرة في السويداء وريفها بين أجهزة النظام والميليشيات المحلية، وخاصة "الدفاع الوطني" القريبة من إيران و"حزب الله"، وقوات "الكرامة" التي يتم تصنيفها كمعارضة للنظام.
  • تعمل جميع هذه التشكيلات ضمن خطوط تماس متداخلة إلى حد بعيد، ولا توجد أطر اتفاق واضحة لتنظيم الحركة والعمل، والتفاهمات التي عقدتها الأطراف فيما بينها تُعد هشة وغير نهائية، حيث يطالب النظام السوري، المدعوم من إيران و"حزب الله" في هذه المناطق، بفرض السيطرة المطلقة على اعتبار أنها جزء من الدولة التي يحكمها، فيما تسعى الأطراف الأخرى، خصوصاً الميليشيات في السويداء وفصائل المعارضة في درعا، إلى نوع من الاستقلال في إدارة شؤون المناطق التي تسيطر عليها.
  • في ظل عجز جميع الأطراف على الحسم (المعارضة بسبب ضعفها، والنظام المكبل بالتفاهمات الروسية والرقابة الإسرائيلية) تندلع في الجنوب حربٌ أمنية شرسة تعبّر عن نفسها من خلال عمليات الاغتيال المكثفة. وقد أشار تقرير لـ"المرصد السوري لحقوق الإنسان" إلى أن أعداد الهجمات ومحاولات الاغتيال في درعا بلغت خلال الفترة الممتدة من يونيو 2019 وحتى أواخر سبتمبر 2020 إلى أكثر من 698 هجوماً واغتيالاً، فيما وصل عدد الذين قُتلوا إثر تلك العمليات خلال الفترة ذاتها إلى 460 فرداً؛ منهم 126 مدنياً، و210 من قوات النظام والمسلحين الموالين لها والمتعاونين مع قوات الأمن، و79 من مقاتلي الفصائل ممن أجروا "تسويات ومصالحات" وباتوا في صفوف أجهزة النظام الأمنية، و23 من الميليشيات السورية التابعة لحزب الله اللبناني والقوات الإيرانية، بالإضافة إلى 22 من الفيلق الخامس.5

أوضاع الفاعلين ومواقفهم

روسيا: إدارة الصراع الداخلي والتوازنات الإقليمية

تُعتبر منطقة جنوب سوريا مسؤوليةً روسية بامتياز؛ فعلى عاتقها وقَعت مسؤولية ترتيب الصيغة الحالية، والتي أنتجت عودة سيطرة نظام الأسد إلى المنطقة، وتفكيك معظم الفصائل المسلحة فيها، فضلاً عن الالتزام بإبعاد إيران وميليشياتها عن الحدود الإسرائيلية والأردنية. وانطلاقاً من هذه المسؤولية تنخرط روسيا بين الفينة والأخرى في قضايا محلية؛ مثل تسوية المشاكل التي تبرز بسبب الاعتقالات التعسفية، أو إدارة التوترات بين قوات النظام ومجموعات المعارضة السابقة.6

بيد أن الدور الروسي لا يبدو أنه يلقى ترحيباً من النظام، الذي يعتقد أن من حقه السيطرة الكاملة على منطقة الجنوب، كما تتهم المعارضةُ روسيا بالتخلي عن الْتزاماتها ومحاباة النظام على حساب ضماناتها للمعارضة، وفي الوقت نفسه فقدت إسرائيلُ الثقة بقدرة أو رغبة روسيا في مواجهة النفوذ الإيراني في جنوب سوريا، لذا اعتمدت على جهودها في محاربة هذا الوجود عبر استهداف المواقع التي تُديرها إيران وميليشياتها، وخاصة في ريف السويداء والقنيطرة.

تتعاطى روسيا مع هذا الواقع من منظور أن هذا الوضع هو أفضل ما يمكن تحقيقه وسط التناقضات الهائلة بين مواقف ومصالح اللاعبين المتعددين، وتسعى إلى تطوير آليات لضبط هذه التناقضات، والسيطرة على الصراعات الحاصلة في المنطقة، ومن بين أهم آلياتها زيادة فعالية "الفيلق الخامس" لتحقيق التوازن مع قوات النظام والميليشيات الإيرانية، فضلاً عن التنسيق المستمر مع إسرائيل لضبط الحدود مع سورية.

نظام الأسد: مساعٍ دائمة للسيطرة على الجنوب

يحاول نظام الأسد التفلّت من الالتزامات التي يفرضها الجانب الروسي عليه، كما أنه لا يرتاح إلى الوضعية التي تشكل روسيا فيها عازلاً بينه وبين المجتمعات المحلية في الجنوب، ويرغب في إدارة هذه العلاقة بشكل مباشر من خلال أجهزته ومؤسساته، كما يرغب في الاستفادة من ورقة ضبط الجنوب وبيعها لإسرائيل، لا أن تستفرد روسيا بعوائد هذه الورقة.

ويعمل النظام من خلال أجهزته على اختراق المجتمعات المحلية عبر وسطاء من الأعضاء السابقين في حزب البعث، وضباط متقاعدين، وأعيان محليين، ومخاتير، وموظفي دولة كالمحافظين السابقين؛7 إذ يقوم هؤلاء بالترويج بأن النظام، رغم كل مساوئه، يبقى أفضل من الفوضى في ظل انعدام البدائل الأخرى، ومن جهته يحاول النظام تدعيم شرعية وجوده من خلال تقديم الخدمات للمجتمعات المحلية، من إعادة الكهرباء والماء والوقود، رغم أن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها سورية تقيّد قدرة النظام في هذا الأمر.

وبموازاة ذلك، يفرض النظام سيطرةً عسكرية وأمنية مشدّدة على المناطق غير الخاضعة للضمانات الروسية، حيث تنتشر "الفرقة الرابعة" وأجهزة الأمن، كما يحاول النظام الاستفادة من الصراع الروسي الإيراني لزيادة انتشاره ونفوذه.

إيران: اللعب على التناقضات المحلية

أدى الضغط الروسي، مترافقاً مع رقابة إسرائيلية دائمة، واعتراض أردني على استمرار الانتشار الإيراني، إلى محاولة إيران البحث عن آليات جديدة لدعم نفوذها في جنوب سوريا، وتتميز هذه الآليات بخطورتها وإمكانية تفجيرها للأوضاع في هذه المنطقة كما يأتي:

  • استقطاب قادة سابقين في فصائل المعارضة، في قرى حوران الشرقية، ودعمهم بالمال والسلاح في صناعة تشكيلات عسكرية يكون ولاؤها لإيران و"حزب الله"، ومع أن هذه التشكيلات لا تزال صغيرة إلا أن كثافة انتشارها، وقدرة إيران على تمويلها، تُنذر باحتمالات تحوّلها إلى قوّة تهدّد الاستقرار في تلك المنطقة. ويبدو أن هدفها الأساسي هو قوات "أحمد العودة" التي تعَّرضت في الآونة الأخيرة لأكثر من حادثة تفجير واغتيال لقادتها، وهو ما دفع العودة إلى المطالبة بإخراج إيران وميليشياتها من كامل حوران.8
  • اللعب على الوتر الطائفي بين السُّنة والدروز، حيث تشجع إيران ميليشيات درزية يأتي على رأسها "ميليشيا الدفاع الوطني" من أجل استهداف قوات أحمد العودة، والقيام بعمليات الخطف والاعتقال ضد أشخاص من درعا، وكان آخر هذه الجولات القتال الذي دار بين الميليشيات وقوات أحمد العودة على الحدود بين بصرى الشام في درعا والقريا في السويداء، والذي سقط خلاله أكثر من 15 عنصراً من السويداء، وتهدف إيران بدرجة كبيرة إلى استعادة بصرى الشام، التي تعد "أكبر معقل للشيعة في درعا".9

إسرائيل: مطاردة الوجود الإيراني

لا تُعتبر إسرائيل فاعلاً مباشراً في ملف الجنوب السوري، وذلك لافتقارها إلى الأدوات المحلية والحضور المباشر على الأرض؛ فإسرائيل موجودة من خلال تفاهمات ضمنية مع روسيا تقضي بإبعاد إيران وميليشياتها عن الحدود، لكن يبدو أن الطرفين، الروسي والإسرائيلي، لم يتوصلا بعدُ إلى تعريف شامل للوجود الإيراني، كما أن إيران استغلت هذه الإشكالية بتنويع مظاهر وجودها من خلال:

  • إدماج بعض ميليشياتها ضمن هياكل "الفرقة الرابعة"، مثل ميليشيا " لواء الحسين"، وقد كشف أهالي حوض اليرموك عن وجود عناصر من "حزب الله" بين صفوف قوات الفرقة الرابعة في مناطقهم التي تقع على تماسٍ مباشر مع حدود الجولان، وتحديداً في معسكر "الجزيرة" الذي استهدفته إسرائيل مؤخراً.10
  • تشكيل ميليشيات من أبناء المنطقة يديرها "حزب الله"، وذلك في مناطق قريبة من الحدود في درعا والقنيطرة.
  • أمام هذه الوقائع، تجد إسرائيل نفسها في حِل من أي التزامات تجاه روسيا في جنوب سوريا، وتعمل على إزالة المخاطر الأمنية عبر الهجمات التي تشنها على مواقع في درعا والقنيطرة والسويداء. لكن يبدو أن هذه الغارات لا تحقّق أهدافها بدرجة كبيرة؛ فبالرغم من إيقاع الخسائر بإيران إلا أن الأخيرة تَعتبر أن هذه الخسائر محتملة في سبيل تنفيذ استراتيجيتها بالتمدد في جنوب سوريا، وتَحوّلها إلى لاعب أساسي في تفاعلات هذه المنطقة ذات الموقع الاستراتيجي المهم.

نقطة التحول في الصراع الروسي-الإيراني

تشكّل معارك السويداء التي اندلعت في أواخر شهر سبتمبر الفائت بين ميليشيات تدعمها إيران والفيلق الخامس، الذي يعتبر أداةَ روسيا العسكرية الأساسية في سوريا، نقطةَ تحوّل في الصراع الروسي-الإيراني في جنوب سوريا، حيث جرى الصدام بشكل مباشر بين وكلاء الطرفين في الجنوب، وكان الصراع قبل ذلك يتخذ شكل العمليات المجهولة الفاعل، ويقتصر في الغالب على التفجيرات والاغتيالات.

ينطوي هذا التحوّل على معانٍ عديدة، أبرزها رغبة إيران في خلط الأوراق بوجه روسيا في الجنوب وإفهامها أنها طرف من الصعب إزالته بالنظر إلى انخراطها في النسيج الاجتماعي للمنطقة، وايصال رسالة إلى روسيا بأن إيران قادرة على تفجير الترتيبات الروسية في جنوب سوريا.

ويتمثل الدافع الأساس للسلوك الإيراني بالغضب من التصرفات الروسية التي تسعى إلى تضييق الخناق على النفوذ الإيراني، ليس في جنوب سوريا فحسب ولكن في شرق سورية ووسطها، كما يتمثل بما تَعتبره إيران تواطؤاً روسياً مع إسرائيل وفسح المجال لها لضرب قواعدها ومرتكزاتها في جنوب سوريا، بالإضافة إلى انحياز روسيا للسُّنة في حوران على حساب الشيعة والقبول بإخراجهم من بصرى الشام.

ومن جهتها تركت روسيا قوات "الفيلق الخامس"، وهي أكثر تنظيماً وتسليحاً من الميليشيات الإيرانية، تنقضّ على حلفاء إيران؛ ما جعل الأخيرة تَعتبر هذا التصرف مقصوداً من قبل روسيا التي كان بإمكانها إيقاف وكلاءها ومنعهم من سحق ميلشيا "الدفاع الوطني" في معركة بلدة القريّا التابعة لمحافظة السويداء.11

وتذهب الترجيحات إلى أن ما حصل في السويداء لن ينتهي عند هذا الحد، واحتمالات تطوره إلى حرب بين المحافظتين الجارتين، درعا والسويداء، أمر محتمل في ظل حالة الاستنفار الحادة التي تعيشها مجتمعات المحافظتين، فقد ثبت أن الدروز، بكافة اتجاهاتهم السياسية، وقفوا خلف فصائلهم المسلحة، كما بات أحمد العودة يمثل قطباً يستقطب شرائح واسعة من مجتمع درعا، الذي يشعر بمخاطر الوجود الإيراني ويفضّل التعاون مع الروس وأدواتهم لإخراج إيران وميليشياتها من جنوب سوريا.12

الخلاصة والاستنتاجات

من غير المحتمل تغيُّر الأوضاع للأفضل في الجنوب السوري في المستقبل المنظور؛ إذ ترجح أغلب المؤشرات استمرار التصعيد بين الأطراف المختلفة، وانتظار جولات عنف قادمة، وإذ يُصر النظام السوري، ومن خلفه إيران و"حزب الله"، على تغيير المعادلات التي صنعتها روسيا، فإن الطرف الآخر، ممثلاً بفصائل المعارضة والفيلق الخامس، ومن خلفهما روسيا، يُبدون مقاومةً واضحة، ويرفضون التنازل عما يعتبرونه حقّاً منحته لهم التسويات التي صاغتها القوى الدولية والإقليمية، كما تعتبر هذه الأطراف أنها قوى شرعية بفضل تأييد شرائح واسعة لها في جنوب سورية.

ورغم توقع استمرار التصعيد، إلا أن توقعات خروجه عن السيطرة، وخاصة بين الفاعلين الخارجيين، تبقى منخفضة، ذلك أن إيران ستفضّل اتباع سياسة التغلغل الهادئ وهي سياسة تجيدها وتكسب من خلالها، حيث تراهن على تعب الأطراف الأخرى، وتَغيّر أولوياتها، كما يراهن نظام الأسد على تأكل قوّة معارضيه في الجنوب وانهيارها مع الزمن تحت ضغط حاجة المجتمعات المحلية إلى الخدمات التي تقدمها الدولة. ولا يمنع ذلك من حصول موجات عنف بين الحين والآخر، كلما وجد أحد الأطراف نفسه تحت ضغط حصار الأطراف الأخرى، بما يهدّد مصالحه ونفوذه، والمقصود هنا بالدرجة الأولى إيران.

وتبقى احتمالات اندلاع حرب إقليمية بين إسرائيل وإيران منخفضة، بسبب عدم وجود إيراني ظاهر للعيان، وانعدام الرغبة الإيرانية في محاربة إسرائيل بشكل مباشر، والأرجح استمرار الضربات الإسرائيلية، بين حين وآخر، لمواقع يتم الاشتباه بوجود نشاط إيراني فيها.

ويبقى موضوع الصراع بين محافظتي درعا والسويداء هو الخطر الأكثر إلحاحاً، نظراً للطبيعة العشائرية للمجتمعين، والاختلافات المذهبية، ومن المرجح سيادة أنماط من الانتقام والتصعيد بينهما في ظل وجود مصلحة لأطراف الصراع الآخرين باستمرار هذا الخلاف؛ إذ يراهن نظام الأسد على استثمار النزاع بين المحافظتين لاستعادة نفوذه المفقود، كما تراهن إيران على تحجيم السُّنة والقضاء على أحمد العودة وقواته.13

الهوامش

  1. سمير السعدي، ""اللواء 313" والتدخل اﻹيراني في درعا"، موقع المدن، 11 نوفمبر 2017.
  2. "درعا.. "أحمد العودة" يعلن عن تشكيل عسكري في منطقة حوران"، موقع بلدي نيوز، 23 يونيو 2020.
  3. "حرب حزب الله على أهل "حوران".. مواجهة مواربة للقوة الروسية"، موقع 24، 21 يونيو 2020.
  4. "بالخرائط.. مواقع إيران وحزب الله شمال درعا"، مؤسسة نبأ الإعلامية، 8 مايو 2020.
  5. "صراع روسي-إيراني جنوب سوريا... و"سيطرة ظاهرية" للنظام"، الشرق الأوسط، 4 أكتوبر 2020.
  6. أرميناك توكماجيان، "كيف تحوّل جنوب سوريا إلى برميل بارود إقليمي"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 5 أكتوبر 2020.
  7. المصدر السابق.
  8. "درعا تحت التسوية التوصيف والسيناريوهات الممكنة"، مركز جسور للدراسات، 11 مايو 2020.
  9. "أحمد العودة يتّهم إيران بإشعال الفتنة بين درعا والسويداء"، تلفزيون سوريا، 3 أكتوبر 2020.
  10. "مروحيات إسرائيلية تقصف ريف درعا"، عنب بلدي، 1 مايو 2020.
  11. سوسن مهنا، "تصفية حسابات روسية-إيرانية في محافظتي السويداء ودرعا السوريتين"، إنديبندنت عربية، 9 أكتوبر 2020
  12. أرميناك توكماجيان، مصدر سابق.
  13. "جنوب سوريا: "نزاع بين الأشقاء" أم عنف مدبر؟"، ترجمة زين الحمصي، أورينت نت، 8 أكتوبر 2020.

أحدث المواضيع المميزة