حلف الناتو واستراتيجية "الاحتواء الجديدة" تجاه الصين: المحركات والتحديات والاحتمالات

أحمد دياب | 26 أغسطس 2020

شكَّل الاتحاد السوفيتي السابق التحدي الأبرز للغرب والولايات المتحدة تحديداً على الصعيدين الأيديولوجي والعسكري، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989، لكن منذ تلك اللحظة بدأت الدوائر الاستراتيجية تُرشِّح الصين لتكون هي الخطر الذي يهدد مستقبل القوة الأميركية في العالم، وقد تواترت على مدى أكثر من عام مطالب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ينس ستولتنبرغ، بضرورة أن يضطلع التحالف بدور سياسي أكبر في الشؤون العالمية، وحتى لمساعدة دول المحيطين الهندي والهادئ على التنافس مع صعود الصين.

وخلال قمة الحلف الأخيرة في لندن (3-4 ديسمبر 2019)، نص البيان الختامي بصراحة، ولأول مرة في تاريخ قمم الحلف، على اعتبار القوة العسكرية الصاعدة، الصين، عدواً جديداً محتملاً. وجاء في البيان "ندرك أن التأثير المتزايد للصين وسياستها الدولية يمثل فرصاً وتحديات في الوقت ذاته. يجب علينا كحلف التعامل معها بشكل مشترك"(1). وفي يونيو 2020، حذَّر الأمين العام لحلف الناتو، في حوار مع صحيفة "Welt am Sonntag" الألمانية، مِن الصعود القوي والسريع للصين في الفترة الأخيرة، مُحذِّراً من أن التوازن العالمي للقوى قد يتغير بشكل عنيف. وقال: إن الصين باتت على أبواب أوروبا، مُشدداً على ضرورة أن يكون التحالف الغربي مُتَّحِداً في مواجهة هذه القوة والتحديات الجديدة، وموضحاً أن الصين لا تشكل أي تهديد مباشر على أي دولة تابعة لحلف الناتو حتى الآن، إلا أنه يتم ملاحظة وجود تطورات خطيرة في منطقة بحر الصين الجنوبي، مُشيراً إلى أن بكين زادت من محاولاتها الرامية إلى تقييد حرية حركة السفن في المياه الدولية(2).

الحوافز والمحركات

1. توسُّع نفوذ الصين عالمياً

بعد تفجُّر الأزمة المالية في الغرب عام 2008، قررت بكين أن الانحدار الأمريكي قد بدأ، وأنه يمكنها التخلي عن شعار "الصعود السلمي" ومتابعة مخططاتها الإمبراطورية في بحر الصين الجنوبي والشرقي. بدأت الصين في المطالبة بهذه المياه من خلال بناء جزر اصطناعية تمس حقوق جيرانها وتتجاهل القانون الدولي، وهي سياسة ملتزمة بتحدي واشنطن(3).

ومنذ تولّي الرئيس شي جين بينغ السلطة في عام 2013، تجري إعادة النظر في عدد من محرّمات السياسة الخارجية منذ فترة طويلة في الصين، إذ أظهر سياسة خارجية جديدة أكثر حزماً. ففي أكتوبر 2013، دعم سياسة "السعي إلى تحقيق إنجاز" في الشؤون الخارجية. وفي نهاية عام 2015، أصدر قانوناً جديداً لمكافحة الإرهاب يُضفي، للمرة الأولى، الشرعية على إرسال القوات الصينية في مهمات قتالية في الخارج دون تفويض من الأمم المتحدة. وتعهَّد الرئيس الصيني أنه بحلول عام 2049 سوف تتحول الصين إلى دولة ذات ريادة عالمية، من حيث القوى الوطنية المركَّبة والنفوذ الدولي العريض، وسوف تعمل على بناء نظام دولي ينعم بالاستقرار؛ ذلك الذي يمكن من خلاله تجديد الانتعاش الصيني على الصُعُد والمجالات ذات الأهمية كافة(4).

ورغم أن ميزانية الدفاع الرسمية الصينية تُقدر بنحو 260 مليار دولار، إلا أنها يُمكن أن تخفي قوة شرائية أكبر بكثير، وربما تصل إلى 70٪ من ميزانية الدفاع الأمريكية. علاوة على ذلك، يمكن أن تصل قدرات بكين المتزايدة من الأسلحة النووية الآن إلى أوروبا(5). هذا عدا عن قدرتها الاقتصادية؛ فالصين التي كانت تمثّل 10% من الاقتصاد الأمريكي في 2001، باتت تمثّل 65% منه حالياً.

2. التصعيد الأمريكي ضد الصين

شهدت السنوات الأخيرة تحولاً سلبياً واضحاً في مواقف الولايات المتحدة تجاه الصين، وتعتقد وزارة الدفاع الأمريكية أن التعامل مع قوة الصين الصاعدة هو أحد الأهداف العسكرية الرئيسة للولايات المتحدة في العقود المقبلة. وسبب قلق الولايات المتحدة كثيراً بشأن صعود الصين، أن عدد سكانها وثقلها الاقتصادي قد يجعلانها منافساً عالمياً لها، ويشكل التهديد الذي تمثله الصين للمصالح الأمريكية، بحسب عسكريين أمريكيين، أكبر تهديد وجودي منذ الحرب العالمية الثانية، ويتجاوز التهديد السوفيتي خلال الحرب الباردة أيضاً؛ فبوصفها القوة الاقتصادية الثانية في العالم فإن لها القدرة على الوصول للحكومات والمؤسسات في الغرب بدرجة تتجاوز ما كان عليه السوفييت بكثير(6).

وفي سلسلة من الخطابات خلال هذا الصيف، وصف كبار المسئولين في إدارة الرئيس ترامب واشنطن وبكين باعتبارهما خصمين في حرب باردة جديدة. وفي حديثه إلى هيئة التجارة في أريزونا أواخر يونيو 2020، قارن روبرت أوبراين، مستشار الأمن القومي الأمريكي، الرئيس الصيني شي جين بينغ بالديكتاتور السوفييتي جوزيف ستالين إبَّان الحرب الباردة. ودعا وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، في 23 يوليو 2020، "العالم الحرّ" إلى "الانتصار" على "الطغيان الجديد" الذي تمارسه الصين الشيوعية. واتّهم الرئيس الصيني بأنّه "تابع مخلص لإيديولوجية شمولية مفلسة"(7).  

3. التوسُّع الصيني في أوروبا

لا تزال معظم دول الحلف غير مصدقة للسرعة التي نفذت بها حكومة الصين وشركاتها مئات المشروعات في أوراسيا في إطار مبادرة "الحزام والطريق" التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ في عام 2013(8)، لا سيما الزحف الصيني الواسع للاستيلاء بالمشاركة أو الشراء أو الإيجار، على عدد متزايد من الموانئ البحرية المطلة على البحر المتوسط، وبعضها من المرافئ التي يستخدمها الناتو. وعلى سبيل المثال، تسيطر الصين على ميناء بريوس اليوناني الشهير. كما تُموِّل مشروعات طرق سريعة وخطوط سكك حديدية بين دول البلقان والمجر(9). والأمر الأكثر إيلامًا للناتو هو إدراكه أن الصين قد حققت نجاحاً كبيراً في سوق الدفاع الأوروبية. وفي الآونة الأخيرة، أعلن الرئيس الصربي ألكسندر فوسيتش شراء بلاده ست طائرات من دون طيار صينية الصنع من طراز CH-92A (UCAVs)، وسيجعل هذا الجيش الصربي أول جيش أوروبي يستخدم الطائرات القتالية الصينية من دون طيار(10).

4. الحفاظ على وحدة الناتو

تقليدياً، تُولِّد التهديدات الخارجية تماسكاً أكبر للتحالفات. وعليه، بات بمقدور الصين أن تعمل بوصفها محركاً للتماسك داخل التحالف، الذي شهد على مدى السنوات القليلة الماضية صراعاً داخلياً بين الدول الأعضاء فيه. وكان من الممكن أن يكون اجتماع قادة الناتو في لندن، في ديسمبر 2019، كارثة؛ فالرئيس الأمريكي ترامب، الذي وصف حلف الناتو بأنه "تحالفٌ عفا عليه الزمن"، وجد أنه لا مفر من لعب دور كاهن يُشجِّع "وحدة التحالف"(11). وعلى المدى الطويل، سيكون صعود الصين بهذا الحجم، وعلى هذا القرب من المصالح الأساسية للناتو، بحيث لا يمكن لأي حليف أن يتجاهلها. وبالتالي، سوف ينظر المحللون المستقبليون إلى عام 2019 واجتماع لندن على أنهما النقطة التي قَدَّمَت فيها الصين قُبْلَة الحياة للناتو(12).

5. أزمة جائحة كورونا

ليست مصادفة أن يحتدم الصراع بين الصين والغرب فيما ينشغل العالم بفيروس كورونا الذي ظهر للمرة الأولى في الصين تحديداً. وقال مسؤول رفيع في الناتو صراحة: "لقد عززت الأزمة الصحية من قلق الناتو حيال الصين؛ فمحاولات التضليل لم تعد روسية المنشأ فقط، بل أصبحت سياسة صينية أيضاً. لقد أدركنا أنه يمكن للصين أن تؤثر على أمننا، ليس بشكل غير مباشر فحسب، بل بشكل مباشر أيضاً"(13). ورغم أن الصين تشعر بالظلم في ظل الادعاءات التي تتهمها بافتعال الوباء، وقد تأثرت أيضاً بتداعياته، حيث تضرر اقتصادها بشدة، لكن القادة في بكين يعتبرون هذه الأزمة فرصةً لتوسيع نفوذ بلادهم. وبرأيهم، فإن الصين قد تكون ضعيفة اليوم، لكنّ البلدان الأخرى أضعف منها بكثير(14). وفي نظر إدارة الرئيس ترامب، تعد المواجهة مع الصين سبيلاً وخياراً أفضل من التعاون معها لمحاولة مكافحة الوباء، وقد تم توضيح ذلك بجلاء خلال حديث ترامب المُسهَب في حديقة الورود في 14 يوليو 2020، عندما أعلن قائلاً: "نُحمِّل الصين المسؤولية الكاملة عن إخفاء الفيروس وإطلاقه على العالم؛ كان بإمكانهم إيقافه"(15).

وجاءت أزمة كورونا لتبلور التنافس الصيني-الأمريكي على نحو غير معهود؛ فصورة الولايات المتحدة دولياً بخصوص إدارة أزمة كورونا، داخلياً وخارجياً، كارثية. ولأول مرة منذ 1945، لم تلعب الولايات المتحدة دوراً رئيساً في إدارة أزمة عالمية. وإذا كانت الأزمة الحالية لا تسمح لبكين بتجاوز واشنطن، فإنها سرّعت اللحاق بها وجعلتها مرئيةً في أعين العالم برمته(16).

6. زيادة التعاون الصيني-الروسي

على خلفية الصدام الغربي مع روسيا بعد ضم الأخيرة لشبه جزيرة القرم عام 2014، تلاقت مصالح روسيا بالصين بصورة كبيرة. وفي عام 2018، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينغ، خمس مرات. وفي العام نفسه، عقدت روسيا والصين أكبر مناورات عسكرية مشتركة منذ عقود، في آسيا الوسطي والأقاليم القطبية وفي بحر البلطيق وفي البحر الأسود والبحر المتوسط. وزادت التجارة بين البلدين بأكثر من 30% عام 2018، ومن المتوقع أن تزيد أكثر(17).

الآليات والأدوات

في ضوء هذه التهديدات والتحديات التي يطرحها صعود الصين، فإن استجابة الغرب، والولايات المتحدة تحديداً، تتمثل في تدشين استراتيجية "احتواء جديدة" نحو الصين، تتضمن عدداً من الأدوات والآليات، أهمها الآتي:

1. توسُّع حلف "الناتو" في آسيا-الهادي

في الواقع، لم تكن القارة الآسيوية غريبة على "الناتو" قط؛ فبرنامج الصواريخ الكوري الشمالي، الذي يمكن أن يؤثر نطاقه على جزء كبير من الأراضي الأوروبية قبل الولايات المتحدة، قد وَضَع القارة بالفعل على جدول أعمال الحلف، خاصة بعد أن دعا شركاء الناتو هناك – اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية – الحلف إلى التدخل للوقوف على الملف الأمني في تلك المنطقة(18).

وفي أغسطس 2019، أعلن حلف شمال الأطلسي أنه وسَّع نطاق عملياته الأمنية، بحيث أصبح يشمل منطقة آسيا-الهادي. وسافر وزير الدفاع الأمريكي مارك ت. إسبِر وزميله وزير الخارجية مايك بومبيو إلى أستراليا في الفترة من 3-6 أغسطس 2019، وانضم إليهما الأمين العام للناتو، وناقش الجميع في كانبيرا إمكانية انضمام أستراليا إلى الحلف. وسيؤدي احتمال انضمام أستراليا إلى تغيير عميق في تركيبة ومعنى التحالف الذي اقتصر حتى الآن على ضفتي الأطلسي، كما سيُمهِّد الطريق ربما لعضوية اليابان. وقد يقوم الحلف الأطلسي بنشر صواريخ نووية متوسطة المدى حول الصين، وكان هذا هو المعنى العميق لانسحاب الولايات المتحدة من معاهدة القوات النووية متوسطة المدى مع روسيا(19).

2. استمرار سياسة التوجُّه الأمريكي نحو آسيا

في أوائل عام 2011، أطلقت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون نداءً بالتحرك في "محور آسيا Pivot to Asia"، ودعت الولايات المتحدة إلى مغادرة أوروبا والشرق الأوسط الكبير، للانتشار في الشرق الأقصى. وفي العام 2018 تحديداً قام وزير الدفاع السابق جيم ماتيس بتغيير اسم (USPACOM)، أي القيادة الأمريكية للمحيط الهادئ، مُضيفاً عليها المحيط الهندي (USINDOPACOM)(20). ولدى البنتاجون أكثر من 50 ألف جندي يتمركزون في اليابان، نصفهم في قواعد جزيرة أوكيناوا الأقرب لتايوان من طوكيو، وهي موطئ قدم محوري لواشنطن، سواء لحماية الحلفاء الآسيويين، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أو لإظهار قوة الولايات المتحدة، والقدرة على الرد على ما تسميه القيادة العسكرية الأمريكية "التحركات العسكرية العدوانية" المتزايدة من قبل الصين في المنطقة، والتهديد المستمر من كوريا الشمالية(21).

3. تشكيل التحالف الرباعي

ترى واشنطن أن أفضل طريقة للتعامل مع التحدي الصيني هي الحفاظ على توازن القوى المفرط بالحفاظ على تحالف هائل من الدول الديمقراطية يضمن التفوق على الصين رغم تزايد عدوانيتها(22). وبدأت واشنطن جهود إحياء التجمع "الرباعي" (نشأ عقب تسونامي 2004)، المكوَّن من الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان، تتسارع وتيرتها مؤخراً. والتجمع يشكل شراكة استراتيجية غير رسمية وائتلافاً ضمنياً بين مجموعة من الأنظمة الديمقراطية في مواجهة الصين. وفي الآونة الأخيرة، كانت هناك تدريبات موازية في منطقة المحيط الهادئ-الهندي، تضمَّنت تدريباً ثلاثياً بين الولايات المتحدة وأستراليا واليابان في بحر الفلبين من جانب، وتدريباً بحرياً مشتركاً بين الهند وأمريكا في المحيط الهندي على الجانب الآخر(23).

4. محاولة جَذْب روسيا للتحالف مع الغرب ضد الصين

خلال فترة الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة تستخدم الصين ورقةً دبلوماسيةً رابحةً لاحتواء الاتحاد السوفيتي. وفي المقابل، تحاول الصين الآن استخدام روسيا لكسب نفوذ دبلوماسي في مواجهة الولايات المتحدة(24). وأما الغرب، فإن الصين أصبحت عاملاً رئيساً للدول الأوروبية الكبري في حساباتها تجاه روسيا، وقد نُقِلَ عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قوله إن "دَفْع روسيا بعيداً عن أوروبا يُعد خطأً استراتيجياً عميقاً، لأننا سندفعها إما إلى عزلة تزيد التوترات، أو إلى تحالفات مع قوى كبرى أخرى مثل الصين"(25). ويرى بعض الدوائر الأمريكية أنه يمكن لروسيا أن تساعد في احتواء أو على الأقل تعقيد صعود الصين إلى الهيمنة الإقليمية في آسيا أو في المستقبل إلى الهيمنة العالمية، وذلك في حالة قيام الولايات المتحدة باتباع استراتيجية "الجار الثالث" في تعاملها مع روسيا(26).

المخاطر والتحديات

تطرح استراتيجية "الاحتواء الجديدة" تجاه الصين عدداً من المخاطر التي تجعل من عملية المقارنة التاريخية تجاه ما حدث مع الاتحاد السوفيتي السابق شيئاً مختلفاً تماماً، وتُوقِع الغرب في مقاربة "قياس تاريخي" خاطئة، كما ستوضح الورقة أدناه: 

  • الظروف التي يجري فيها فرض الحصار على الصين تختلف جذرياً عن ظروف فرضه على الاتحاد السوفيتي السابق. فواشنطن نجحت في أن يصل الحصار إلى دول الحلف الشيوعي في كل مكان؛ فهل ينجح في الوصول إلى نحو 120 دولة شريكة للصين في عقود إعمار وطرق مواصلات وقروض واستثمارات طويلة الأجل؟(27). فخلافاً لما يوجد بين بكين وواشنطن، من "ترابط اقتصادي" و"توازن رعب مالي"، فإنه لم تكن ثمة تقريباً أي علاقة اقتصادية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، فإن الاقتصاد الصيني في القرن الحادي والعشرين مندمج في الاقتصاد العالمي بشكل كلي، خلافاً لما كان عليه الحال مع الاقتصاد السوفيتي.
  • تاريخياً، لم تُمارِس الصين سياسة إقامة تحالفات. فالصين دولة لها أصدقاء وشركاء وليس لها حلفاء، وهي لن تعتمد الأحلاف سياسةً خارجيةً لها في الأجل المنظور. وخلافاً للاتحاد السوفيتي أيضاً، فإن الصين لا تطمح إلى نشر الشيوعية على الصعيد العالمي؛ ذلك أنها عندما توقّع اتفاقيات مع بلدان أخرى، فإنها لا تفعل ذلك بهدف مساعدة حزب شيوعي محلي يأخذ السلطة لاحقاً في ذاك البلد، وإنما من أجل الدفاع عن مصالحها الاقتصادية. فالصين قوة يقودها حزب شيوعي يرتكز على القومية والرأسمالية. وطموح الصين الرئيس هو أن تصبح القوة الأولى من جديد مثلما كانت في القرن التاسع عشر، ولكن هذه المرة في عالم معولم(28).
  • لم يكن الحديث عن الصين بين أعضاء الحلف متكافئاً يوماً ما؛ فبينما يشكل الخطاب الجاد تجاه الصين أمراً أساسياً بالنسبة للأمريكيين، يبدو الأوروبيون أكثر حذراً وانقساماً حول هذا الخطاب. فالدول الشرقية من هذا الحلف لا ترغب في تشتيت انتباهه عن الخطر الروسي الرئيس بالنسبة لها، فيما انضم معظمها إلى مجموعة 17 + 1 بقيادة الصين، والتي تعدها بالمزيد من الاستثمارات. ويرى بعض البلدان أن الحلف لديه ما يكفي من المهام للقيام بها في ملفات كروسيا والإرهاب والشرق الأوسط(29).
  • في حين أن التهديد العسكري الصيني التقليدي في المحيطين الهندي والهادئ بعيدٌ كل البعد عن حدود الناتو، فإن أنشطته الهجينة تحدث في الفناء الخلفي للحلف. ومن الأمثلة الرئيسة التجسس الإلكتروني، وسرقة الملكية الفكرية، واختراق البنية التحتية الحيوية، والتلاعب بالديون، والمعلومات المضللة. وفي حين أن هذه التهديدات قد تبدو خارج نطاق اختصاص الناتو، إلا أنها تشكل مخاطر أمنية خطيرة على الحلف. وعلى سبيل المثال، قد لا تبدو رغبة الصين في الاستثمار في ميناء كلايبيدا في ليتوانيا وكأنها مشكلة لحلف الناتو ظاهرياً، لكن استثماراتها بها قيود مقلقة تمنح الصين سيطرة تشغيلية على البنية التحتية. ويمكن أن تقلل هذه السيطرة من رغبة الحلفاء في نقل قوات عسكرية عبر الميناء، بل وتعطيل التخطيط وتقليل التدريبات العسكرية، مما يُقلل من قدرة الناتو على الدفاع عن دول البلطيق أثناء أزمة مع روسيا. وقد يفتح هذا الباب أيضاً أمام تعاون عملي بين الصين وروسيا لتقويض الأمن عبر المحيط الأطلسي(30).
  • لم يتضح بعد الدور الاستراتيجي الذي سيلعبه الناتو في العقد الجديد (2020-2030)، ولا كيف يمكن للحلف أن يستجيب للصراعات الإقليمية، لا سيما فيما يتعلق بنقاط التوتر الأربعة مع الصين: مضيق تايوان، وبحر الصين الجنوبي، وشرق بحر الصين، وشبه الجزيرة الكورية. ومن المستبعد جداً أن يحشد الناتو موارده الاستراتيجية الجماعية (الترسانات التقليدية والنووية) للانخراط في أيٍّ من بؤر التوتر الأربع. وتظل الأولويات الاستراتيجية للناتو في قلب أوروبا، ولا يزال تفويضه التقليدي لردع "العدوان" الروسي. إن نشر موارد الناتو بشكل ضعيف، من خلال الانخراط عسكريًا في كلا المنطقتين - أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ - من شأنه أن يُقوِّض قدرته على احتواء النفوذ الروسي في أوروبا.  
  • في حين تتزايد مشاركة الناتو في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن هذا لا يعني تبني بعض الأولويات الاستراتيجية الجديدة تجاه هذه المنطقة. في الواقع، كان الناتو متردداً في اتخاذ إجراء عسكري باعتباره تحالفاً جماعياً ضد تدخلات الصين في بحري الصين: الجنوبي والشرقي، ومضيق تايوان. ولا يتم إجراء عمليات حرية الملاحة الحالية باسم الناتو، بل يتم إجراؤها من قبل أعضاء الناتو الفرديين مثل كندا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا. وحتى ذلك الحين، فإن هذه الجهود العسكرية، كما كشف حوار شانغريلا لعام 2019، تتم بطريقة حذرة لتجنُّب إثارة غضب الصين والتحوُّط بين الولايات المتحدة والصين(31).

الاحتمالات والتوقعات

 في ضوء هذه التحديات والاعتبارات يُرجَّح الآتي:

  • من المحتمل أن يقوم حلف الناتو بتشكيل جهود جماعية لإدارة المخاطر الأمنية غير التقليدية الناشئة عن الصين بدلاً من التعامل مع الصين بوصفها منافساً استراتيجياً تقليدياً.
  • ومن غير المحتمل الشروع في جهود أمنية كبيرة لغرض القتال أو الردع ضد الصين (وكوريا الشمالية)، ولا التدخل مباشرة في بؤر التوتر الأربعة الرئيسة في غرب المحيط الهادئ، لأن القيام بذلك سيُحوِّل الموارد والانتباه ويُشجِّع "الانتهازية الروسية" في أوروبا.
  • من المرجح أن يُعزز حلف الناتو قدرة القوى والمؤسسات الكبرى الأخرى مثل الآسيان واليابان والهند، باعتبار ذلك وسيلة لتقييد ظهور الصين كقوة عظمى إقليمية وعالمية.
  • من المرجح أن يقوم بذلك بشكل أساسي من خلال الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية مثل الاستثمارات والمساعدات، وكذلك من خلال تدابير دفاعية محدودة وغير استفزازية مصاغة تحت عنوان "دبلوماسية الدفاع" و"الأمن غير التقليدي" و"الشراكة الاستراتيجية".
  • لا يَتمثَّل هدف الناتو في أن يُصبِح قوةً في المحيطين الهندي والهادئ، وإنما جعل دول المحيطين الهندي والهادئ قادرة على توفير الأمن لمنطقتها(32).

وفي الواقع، يظل الحلف مرتبطًا برؤيته ويرغب في تجنُّب تصوير الصين على أنها عدو عسكري صريح، وهو يترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية التعاون، كما تشهد تصريحات الأمين العام للناتو. وفي هذا السياق ستكون هناك حاجة أكبر لإنشاء مجلس الناتو والصين، على غرار ما كان للحلف مع روسيا منذ عام 1997، يكون من وظائفه، التعرُّف بشكل مباشر على نيات الصين، وتفادي الوقوع في أخطاء جسيمة من سوء الفهم والتقدير، ووضع القواعد التي تضمن أسبقية التعاون على المواجهة، وتقديم خدمة للدبلوماسية الصينية، وهي التعامل مع تسع وعشرين دولة، هم أعضاء الحلف، من خلال جهة واحدة وليس دولة مقابل دولة. فضلاً عن مناقشة الاستثمارات الصينية المعروضة على دول الحلف في اجتماعات مفتوحة، منعاً لوقوع هذه الدول فيما تسمى مصيدة الاستثمارات الصينية(33).

الهوامش

(1) "هل أسعفت قمة لندن حلف الناتو من الموت الدماغي؟!"، العرب، 2019/12/04، متاح على الرابط: https://bit.ly/31tGz9O

(2) Emil Avdaliani, China’s Effect: A Global NATO, Modern Diplomacy, August 10, 2020, available at, https://moderndiplomacy.eu/2020/08/11/chinas-effect-a-global-nato/

 (3)John Herbst, The Coming Russian-Chinese Clash, The National Interest, August 21, 2020, https://nationalinterest.org/print/feature/coming-russian-chinese-clash-167394

(4) هال براندز، "ما الذي تريده الصين حقاً؟"، الشرق الأوسط، 27 مايو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2Yytz0T

(5)  Emil Avdaliani, op. cit.

(6) ديفيد غروسمان، "الحرب التجارية الأمريكية الصينية.. ماذا تريد الولايات المتحدة من الصين؟"، بي بي سي عربي، 9 نوفمبر 2019، متاح على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/world-50349312

(7) "بومبيو يدعو إلى دحر "الطغيان الجديد" الصيني"، الشرق الأوسط، 23 يوليو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/34FNQ8i

(8) هال براندز، "موقع أوروبا في التنافس الأميركي الصيني"، الشرق الأوسط، 08 أكتوبر 2019، متاح على الرابط: https://bit.ly/2QsjxK2

(9) "أوروبا حائرة بين شعبوية ترامب ومخاطر الصعود الصيني"، العرب، 30 أكتوبر 2019، متاح على الرابط: https://bit.ly/3aWY5WW

 (10) Emil Avdaliani, op. cit.

(11)  Hiroshi Yuasa, ‘China Threat’ Prods NATO Toward Unity, January 8, 2020, available at: https://japan-forward.com/china-threat-prods-nato-toward-unity/?gsearch=click&gclid=EAIaIQobChMIoraj86KT6wIVGIbVCh2XhgQHEAAYASAAEgLOnfD_BwE

(12) Jens Ringsmose and Sten Rynning, China Brought NATO Closer Together, February 5, 2020, available at: https://warontherocks.com/2020/02/china-brought-nato-closer-together

(13) "بعد أزمة كورونا.. هل يتنبه حلف الأطلسي للتهديد الصيني؟"، لو فيغارو، 25 أبريل، 2020، مقالة مترجمة متاحة على الرابط: https://bit.ly/3aVcaEm

(14) "الصين تحاول ترسيخ نفوذها في العالم"، الجريدة، 2 يوليو 2020، نقلاً عن دير شبيغل الألمانية، متاح على الرابط: https://www.aljarida.com/articles/1593621370672815800/

(15) بريان كلوجلي، "بدايات الحرب الباردة الجديدة"، الخليج، 28 يوليو 2020، متاح على الرابط: http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/0f96ca7d-2b8a-42c3-92ed-fb014109482a

(16) باسكال بونيفاس، "ترامب و"كورونا" والصين"، الاتحاد، 12 أغسطس، متاح على الرابط: https://bit.ly/34zGeEo

(17) "أوروبا ليست مستعدة لمواجهة روسيا من دون أميركا"، الشرق الأوسط، 11 مايو 2019، متاح على الرابط: https://bit.ly/3hpBmp3

(18) "بعد أزمة كورونا.. هل يتنبه حلف الأطلسي للتهديد الصيني؟"، مصدر سابق.

(19) "من الممكن أن تنضم أستراليا إلى الناتو"، شبكة فولتير، 25 أغسطس 2019، ترجمة سعيد هلال الشريفي، متاح على الرابط: https://www.voltairenet.org/article207416.html

 (20) تييري ميسان، "الناتو في مواجهة الصين"، ترجمة سعيد هلال الشريفي، شبكة فولتير، 11 ديسمبر 2019، متاح على الرابط: https://www.voltairenet.org/article208526.html

(21) بريان كلوجلي، "بدايات الحرب الباردة الجديدة"، مصدر سابق.

(22) هال براندز، "المقالات الفيدرالية" ما زالت دليل أميركا لمصادر النجاح، الشرق الأوسط، 17 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2YRdIuz

(23) ذِكْرُ الرحمن، "نحو إحياء التجمع الرباعي"، الاتحاد، 1 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/34xCOlJ

(24) Jens Ringsmose and Sten Rynning, China Brought NATO Closer Together, February 5, 2020, available at: https://warontherocks.com/2020/02/china-brought-nato-closer-together

(25) "التطبيع الغربي مع روسيا يخدم أوروبا بأكملها"، ترجمة مكي معمري عن "يوراسيا ريفيو"، الإمارات اليوم، 13 أكتوبر 2019، متاح على الرابط: https://www.emaratalyoum.com/politics/reports-and-translation/2019-10-13-1.1261521

 (26) Matthew Rojansky and Michael Kimmage, The Third Neighbor: Can America Live With Putin's Russia?, The National Interest, July 3, 2020, available at:   https://nationalinterest.org/feature/third-neighbor-can-america-live-putins-russia-163806

(27) جميل مطر، "تأملات في المرحلة القادمة من العلاقات الأميركية-الصينية"، الشرق الأوسط، 21 يوليو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2FZttsH

(28) باسكال بونيفاس، "واشنطن وبكين.. ليست حرباً باردة جديدة"، الاتحاد، 15 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3lrmEAv

(29) "بعد أزمة كورونا.. هل يتنبه حلف الأطلسي للتهديد الصيني؟"، مصدر سابق.

 (30) Lauren Speranza,China Is NATO’s New Problem, July 8, 2020, available at: https://foreignpolicy.com/2020/07/08/china-nato-hybrid-threats-europe-cyber/

(31)  Tommy Chai, NATO and the Indo-Pacific in the decade ahead: taking stock, Foreign Brief , January 21, 2020, available at: https://www.foreignbrief.com/security-terrorism/nato-and-the-indo-pacific-in-the-decade-ahead-taking-stock/

(32) Idem.

(33) جميل مطر، "بحثاً عن نظرية تبرر حصار الغرب للصين"، الشرق الأوسط، 17 سبتمبر 2019، متاح على الرابط: https://bit.ly/2QqjMp

أحدث المواضيع المميزة