مؤتمر مستقبل أوروبا: الأهداف والمهام والتحديات

أحمد نظيف | 24 مارس 2021

قبل سنتين، وتحديداً في الرابع من مارس 2019، نَشَرَ الرئيسُ الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مقالاً[1]، وَجَّه فيه نداءً لمواطني القارة الأوروبية بالعمل على صياغة ميثاقٍ للمستقبل. وكان ذلك النداء الأرضية التي طرح من خلالها الرئيس الفرنسي فكرة إنشاء ما أصبح يعرف بـــ "مؤتمر مستقبل أوروبا"، والذي كان مقرراً أن ينعقد في مايو 2020. لكن الخلافات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي حول طبيعته ومهامه من جهة، والأزمة الصحية الخانقة التي ضربت القارة بسبب وباء كورونا المُستَجد من جهة أخرى، جعلت الأمور تتأخر حتى اليوم.

في 5 مارس 2021 صادقَ مجلس الاتحاد الأوروبي[2] على إنشاء "مؤتمر مستقبل أوروبا"، والذي من المقرر أن تبدأ أعماله خلال احتفال رسمي في 9 مايو المقبل، في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، مقرّ البرلمان الأوروبي.

تُلقي هذه الورقة الضوءَ على ماهية "مؤتمر مستقبل أوروبا"، والمهام التي سيقوم بها، والتحديات التي تعترض طريقه؛ داخلياً، على مستوى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وخارجياً على مستوى علاقة الاتحاد بالدول المكونة له، وبقية القوى الدولية المؤثرة.

ما هو مؤتمر مستقبل أوروبا؟

على خلاف ما يُوحي اسمه، لن يكون "مؤتمر مستقبل أوروبا" مؤتمراً رسمياً يحضره الرؤساء أو الخبراء في مدة زمنية محددة، كما هو حال المؤتمرات الأوروبية الأخرى، لكنه آلية عمل جديدة، ستعتمدها المؤسسات الأوروبية الدائمة الثلاث (مجلس الاتحاد، والمفوضية الأوروبية، والبرلمان الأوروبي) بصفة مؤقتة إلى أن يتوصل المؤتمر إلى استنتاجات تقدم إرشادات حول مستقبل أوروبا بحلول ربيع عام 2022، وذلك وفقاً للأجندة الاستراتيجية الأوروبية الجديدة 2019-2024، التي أقرَّها المجلس الأوروبي في يونيو 2019.[3]

ويُلخِّص الإعلان الصادر عن مجلس الاتحاد الأوروبي - وهو المؤسسة التي تمثل حكومات الدول الأعضاء- أهداف المؤتمر بأنها: "إعطاء دور أكبر للمواطنين في تشكيل سياسات الاتحاد وطموحاته المستقبلية، وتحسين مرونته"[4]، أي أن هذه الآلية المبتكرة في تنضيج توصيات ستُعتَمَد لاحقاً في وضع برنامج عمل مستقبلي للاتحاد ستكون أقرب لنموذج "الديمقراطية المباشرة"، حيث يتم صُنْع القرار من أسفل القاعدة الشعبية تصاعدياً، وسيتم ذلك – وفقاً للإعلان المشترك بين المؤسسات الثلاث - من خلال:

  • تنظيم فعاليات ومؤتمرات وحلقات نقاش في جميع أنحاء الاتحاد، وكذلك من خلال منصة رقمية تفاعلية متعددة اللغات، على مستويات مختلفة، بما في ذلك المستوى الأوروبي والوطني وعبر الوطني والإقليمي، بمشاركة قطاعات مختلفة من شبكات المجتمع المدني وأصحاب المصلحة (المهنيون، والطلبة، والفلاحون، ورجال الأعمال، والمثقفون).
  • تنظيم لجان التفكير على مستوى المؤسسات الأوروبية الرسمية (البرلمان، والمفوضية، والبنك المركزي، ...) من خلال اجتماعات رقمية (في ضوء تدابير التباعد الاجتماعي والقيود لمكافحة الوباء)، كما أن المشاركة المادية والتبادلات المباشرة ستشكل جزءاً أساسياً من فعاليات المؤتمر.
  • توسيع دائرة التنوع لدى الفئات الممثلة في جلسات النقاش والتفكير من حيث الأصل الجغرافي للمواطنين، ونوع جنسهم، وسنّهم، وخلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية أو مستوى تعليمهم. وتكريس أحداث محددة للشباب.
  • تجميع المقترحات والأفكار المنبثقة عن كل جلسات النقاش، وتقديمها للنقاش في الاجتماع العام للمؤتمر من خلال صياغة مجموعة من التوصيات التي يتعين على الاتحاد متابعتها.
  • جمع المقترحات والأفكار المنبثقة من جميع الفعاليات والجلسات المتصلة بالمؤتمر وتحليلها ونشرها للعموم عن طريق منصة رقمية متعددة اللغات. ومن خلال المنصة نفسها سيتمكن المواطنين – الذين لم يشاركوا في الفعاليات المباشرة – من وضْع أفكارهم وإرسال الطلبات عبر الإنترنت، ثم تحويل كل هذه الأفكار والمقترحات إلى توصيات ملموسة بشأن مستقبل الاتحاد الأوروبي.[5]

وعلى الرغم من صفته المؤقتة، إلا أن "مؤتمر مستقبل أوروبا"، وباعتباره آلية عمل مشترك، ستكون له هيكلية تنظيمية خاصة، شأنه شأن بقية المؤسسات الاوروبية القائمة، مع اختلاف أن المؤتمر لن يكون مستقلاً في تسييره، وقد توافقت المؤسسات القيادية الثلاث في الاتحاد بعد نقاشات دامت شهوراً على البنية التنظيمية الآتية:

  1. الرئيس: سيوضع المؤتمر تحت سلطة المؤسسات الثلاث، مُمثلة برئيس البرلمان الأوروبي، ورئيس المجلس، ورئيس المفوضية الأوروبية، بصفتها "رئيساً مشتركاً". وسيُساعِد هيكل الحوكمة الأوروبي على توجيه المؤتمر، وكفالة التمثيل المتساوي للمؤسسات الأوروبية الثلاث، كما ستكون متوازنة بين الجنسين، بين جميع مكوناتها.
  2. المجلس التنفيذي: يتألف من تمثيل متساو من البرلمان الأوروبي والمجلس والمفوضية الأوروبية، ويمثل كل منها ثلاثة ممثلين وأربعة مراقبين. وستشارك اللجنة الثلاثية للهيئات المتخصصة بشؤون المجتمع كمراقب[6]. ويجوز أيضاً دعوة لجنة الأقاليم واللجنة الاقتصادية والاجتماعية بصفة مراقب، وكذلك ممثلين لهيئات الاتحاد الأوروبي الأخرى والشركاء الاجتماعيين (مجتمع مدني، نقابات، منظمات حقوقية) عند الاقتضاء. وستشارك المؤسسات الثلاث في رئاسة المجلس التنفيذي، وسيُقدِّم تقريراً بانتظام إلى الرئاسة المشتركة. وسيكون المجلس التنفيذي مسؤولاً عن اتخاذ القرارات بتوافق الآراء، فيما يتعلق بأعمال المؤتمر وعملياته وفعالياته، والإشراف على المؤتمر مع تقدمه، والتحضير لاجتماعات الجلسات العامة للمؤتمر، بما في ذلك مدخلات المواطنين ومتابعتها.
  3. الأمانة العامة: ستكون مشتركة بين المؤسسات الثلاث وذات حجم محدود وتضمن التمثيل المتكافئ للمؤسسات الثلاث، ويتمثل دورها في مساعدة المجلس التنفيذي.
  4. المؤتمر العام: سيكفل اجتماع المؤتمر العام مناقشة التوصيات الصادرة عن المواطنين على المستوى وتلخيصها في شكل توصيات نهائية. وتجتمع الجلسة العامة للمؤتمر كل ستة أشهر على الأقل، وتتألف من ممثلين عن البرلمان الأوروبي والمجلس والمفوضية الأوروبية، فضلاً عن ممثلين من جميع البرلمانات الوطنية، وممثل عن لجنة الأقاليم واللجنة الاقتصادية والاجتماعية والشركاء الاجتماعيين والمجتمع المدني، والممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية عند مناقشة الدور الدولي للاتحاد الأوروبي. ويمكن دعوة ممثلي أصحاب المصلحة. ويستخلص المجلس التنفيذي توصيات المؤتمر العام للمؤتمر وينشرها.[7]

وقد تم خلال النقاشات الطويلة – التي دامت عاماً كاملاً – إلغاء الفكرة التي تقدم بها مجلس الاتحاد بتعيين شخصية أوروبية بارزة، يتم اختيارها من قبل المفوضية والمجلس والبرلمان، لإدارة المشروع. كما رفضت الحكومات الأوروبية بعد جدل طويل مقترحاً تقدَّم به النائب الأوروبي ورئيس الوزراء البلجيكي السابق، جي فيرهوفشتات، بتشكيل مجلس تنسيق تنفيذي "تحت قيادة البرلمان الأوروبي[8].

ورغم أن الوثائق التأسيسية للمؤتمر تُقدِّم هيكلية واضحة نسبياً للبنية التنظيمية لمؤتمر مستقبل أوروبا، تُوحي بأن النقاشات الطويلة في الكواليس قد أنضجت في النهاية آلية متماسكة يمكن أن تقدم مشروعاً استراتيجياً لمستقبل الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تركت مسألة الصلاحيات ونزاعها بين القيادة الثلاثية المشتركة للمؤتمر دون حسم وتحديد، إذ سيتم العمل منذ البداية على "أساس توافقي من خلال طرائق الإبلاغ عن نتائج مختلف الأنشطة المضطلع بها في سياق المؤتمر. وستعرض النتائج النهائية للمؤتمر في تقرير إلى الرئاسة المشتركة. وستدرس المؤسسات الثلاث كيفية متابعة هذا التقرير النهائي على نحو فعال، كلٌّ في نطاق اختصاصاته".[9]

مهام المؤتمر

سيكون هدف مؤتمر مستقبل أوروبا مناقشة وجمع وجهات نظر مواطني الاتحاد الأوروبي حول الأمور التي تهمهم بشأن مستقبل الاتحاد، إذ ستشكل هذه الآراء توصيات المؤتمر لخطة عمل الاتحاد مستقبلاً. أما المهمة الرئيسة للمؤتمر، فستكون الخروج بخارطة طريقة واضحة لمستقبل الاتحاد الأوروبي من خلال برنامج عمل وسَلَّة أهداف محددة بدقة نابعة من إرادة القاعدة الشعبية، وهم مواطني الاتحاد على امتداد 27 دولة منضوية تحت الاتحاد. لكن الإعلان المشترك للمؤسسات الأوروبية القيادية يُحدد محاور الاهتمام التي ستقوم هذه القاعدة الشعبية بنقاشها، وهي قضايا تتراوح بين تحديات ذات توجه داخلي أوروبي. وبعضها عابر للمجال الأوروبي في علاقته بالجوار وبالقوى الدولية، وقضايا أخرى تعتبر تحديات ناشئة، مثل الأزمات الصحية والاقتصادية والأمنية الحالية، وتزايُد عدم المساواة وأزمة المناخ. وأبرز هذه المحاور:

  • التحديات البيئية وأزمة المناخ، ونقاش سُبُل التزام الاتحاد الأوروبي بالحفاظ على حماية البيئة كأولوية، وضمان التنفيذ الكامل لأهداف "الصفقة الأوروبية الخضراء".[10]
  • الهجرة، كتحدٍّ لا يمكن لأوروبا تجاهله، ويمكن أن يوفر فرصاً لقارة تتميز بالتدهور الديموغرافي، وأسواق العمل التي في حاجة إلى العمال، من جهة، وصعوبات اندماج المهاجرين، من جهة أخرى.
  • السياسة الصحية الأوروبية المشتركة، واستجابة مؤسسات الاتحاد الأوروبي للأوبئة الحالية والمستقبلية.
  • دور التعليم والمهارات في التحول الأخضر والرقمي، وكذلك في تحقيق اتحاد أوروبي أكثر تكاملاً وإنصافًا.
  • مشاركة المواطنين وإصلاح النظام الانتخابي، والشفافية، وفعالية عملية صُنْع القرار، وتعزيز البرلمان ومبادئ الديمقراطية البرلمانية الأوروبية، وإنشاء نظام فعال للدفاع عن حقوق الإنسان وسيادة القانون في الاتحاد الأوروبي.
  • العدالة الاجتماعية والمساواة في الاتحاد الأوروبي، وتعزيز مبادرة "الركيزة الأوروبية للحقوق الاجتماعية"[11]، والحوكمة الاقتصادية للاتحاد.
  • تعميق الاتحاد الاقتصادي والنقدي، والتوجه بخطوات ملموسة نحو اتحاد مالي حقيقي.
  • تطوير "اتحاد دفاعي أوروبي مكتمل" كتحد لا يزال قائماً في مواجهات النزعات الوطنية القُطْرية.
  • التحديات الأمنية التي يواجهها الاتحاد (الإرهاب، واليمين المتطرف، والجريمة المنظمة، ...).
  • دور الاتحاد في العالم من خلال مناقشة دور الاتحاد على تعزيز السلام والأمن والاستقرار وإقامة علاقات مُثْلى بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ومع القوى الإقليمية والدولية الكبرى الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والصين والمملكة المتحدة، وتعزيز العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والروابط والتعاون مع دول الجوار الجنوبي (شمال أفريقيا)، والشراكة الشرقية (الجمهوريات السوفياتية سابقاً)، وتعزيز الديمقراطية وسيادة القانون خارج الحدود الأوروبية.[12]

التحديات

يواجه مشروع "مؤتمر مستقبل أوروبا" العديد من التحديات والعوائق، يتعلق جزء منها بالأزمة الذاتية للاتحاد الأوروبي، وجزء آخر بالواقع الموضوعي، وبعضها بطبيعة المشروع في حدِّ ذاته وبنائه الهيكلي. وأبرز هذه التحديات:

  • الصعوبات الإجرائية المتعلقة بتنظيم الفعاليات وجلسات النقاش في عموم مناطق الاتحاد الأوروبي، لا سيما أن القارة ما زالت تعاني من الأزمة الصحية في ظل بطء حملة التطعيم، حتى في الدول الكبرى داخل الاتحاد مثل فرنسا وألمانيا. وصعوبة إيجاد أرضية مشتركة لمقترحات ملايين المواطنين الأوروبيين في دول مختلفة الأوضاع والسياقات الاجتماعية والطموحات. وفي ظل غَرَق أوروبا في موجة جديدة من كوفيد-19، مع عواقب غير معروفة على أنظمة الصحة الوطنية والاقتصادات والديمقراطيات، لا يزال هناك قدر أكبر من عدم اليقين بشأن كيفية تأثير كل هذا على التماسك الأوروبي. وخاصة مدى اهتمام المواطنين بمستقبل الاتحاد.
  • محدودية نموذج "الديمقراطية المباشرة" المتبع في استخلاص التوصيات وتصعيدها لدوائر صُنْع القرار داخل الاتحاد، في ظل مركزية شديدة وبيروقراطية تعاني منها مؤسسات الاتحاد القيادية، خاصة أن المشروع تحول إلى نوع من "إعادة إنتاج البيروقراطية" عبر وضع بناء تنظيمي هرمي يتكون من رئاسة وأمانة عامة ومجلس تنفيذي، وبالتالي فقدت "فكرة دمقرطة القرار" روحها، ويمكن أن تفقد المقترحات المنبثقة عن النقاش المواطني معناها، إذ كان من الأجدى وضع لجنة مستقلة بدلاً من بناء هيكلي تُسيطر عليه المؤسسات الثلاث.
  • أزمة النزعات الوطنية القُطرية داخل الاتحاد، وهي من أبرز التحديات التي يواجهها المؤتمر. حيث سيكون من الصعب التفكير في المستقبل، وصياغة خارطة طريق أوروبية مستقبلية في ظل تصاعد "الأنانية الوطنية" في مقابل خفوت الحماس الوحدوي، لدى قطاعات واسعة من الأوروبيين، مواطنين وطبقة حاكمة على السواء. وقد تجلى ذلك في صعود اليمين المتطرف في أكثر من بلد في الانتخابات المحلية، وفي استطلاعات الرأي، ولعل العداء للوحدة الأوروبية أحد أهم سمات اليمين المتطرف.
  • ترهُّل السياسات الأوروبية الموحدة، وهي الحالة التي برزت منذ سنوات، فقد عجزت الدول الأوروبية على توحيد سياساتها في مواجهة وباء كورونا، وعجزت لاحقاً على الخروج بموقف موحد حول الخطة المالية المشتركة لمواجهات التداعيات الاقتصادية للأزمة الصحية، كما حدث ذلك خلال مواجهة أزمـة الـدیـون السـیادیـة فـي مـنطقة الـیورو التـي بـدأت عـام 2010 فـي أعقاب أزمـة 2008 الـمالـیة. وقبل ذلك كانت الانقسامات قد أثرت على وحدة الاتحاد خلال أزمة اللاجئين في العام 2015، وكذلك الانقسام حول الموقف من السياسات التركية؛ وخصوصاً العسكرية منها في المتوسط، وكان كل ذلك دليلاً اضافياً على ضعف الروابط السياسية داخل الاتحاد، وتنامي الانسحابات القومية.[13]
  • ضمور "السيادة الأوروبية الذاتية" في مواجهة تدخُّل قوى دولية داخل دول الاتحاد (في مقدمتها الولايات المتحدة، وروسيا، والصين) مُستغلة الترابطات غير المتكافئة في الرعاية الصحية والعلاقات الاقتصادية والتكنولوجيا الرقمية والأمن وقضايا المناخ بين دول الاتحاد، بطريقة تُقلل من قدرة أوروبا على التصرف بشكل مستقل وحماية مصالحها.

وإلى جانب حزمة التحديات الذاتية والموضوعية التي يواجهها المؤتمر، فإن نتائجه يمكن أن تكون شديدة المحدودية، ولا تمثل انتقالاً جذرياً نحو الأجندة الاستراتيجية الأوروبية الجديدة 2019-2024، لأن المؤسسات القيادية الثلاث، قد وضعت سقفاً للقضايا المطروحة للنقاش، تحاشت فيه طرح قضية "إصلاح المعاهدات الأساسية للاتحاد الأوروبي" للنقاش العام، والتي بات الكثير من الأوروبيين يعتقدون أنها أصبحت قديمة، ولا تُلبي التحولات التي شهدها الاتحاد والعالم، بل أصبحت تعتبر جزءاً أساسياً من أزمة الاتحاد[14]. ومن خلال الإعلان المشترك للمؤتمر حاولت المؤسسات الثلاث التشديد على ذلك بالقول صراحة إن نطاق المؤتمر "يجب أن يعكس المجالات التي يتمتع فيها الاتحاد الأوروبي بصلاحية التصرف أو حيث يكون عمل الاتحاد الأوروبي لصالح المواطنين الأوروبيين".[15] وعلى الرغم من أن هذه المعاهدات التأسيسية روجِعَت من قبل الدول الأعضاء في جولات عديدة من الإصلاحات، إلا أن آخر إصلاح شامل وقع في ديسمبر2009.[16]

خلاصة واستنتاجات

  • نشأت فكرة "مؤتمر مستقبل أوروبا" بعد اقتراح قدمه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في عام 2019، لكن الخلافات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي حول طبيعته ومهامه من جهة، وأزمة وباء كورونا التي ضربت القارة من جهة أخرى، جعلت الأمور تتأخر. وفي 5 مارس 2021 صادق مجلس الاتحاد الأوروبي على إنشاء "المؤتمر"، الذي من المقرر بدء أعماله في 9 مايو المقبل، في مدينة ستراسبورغ الفرنسية.
  • المؤتمر آلية عمل جديدة، ستعتمدها المؤسسات الأوروبية الدائمة الثلاث (مجلس الاتحاد، والمفوضية الأوروبية، والبرلمان الأوروبي) بصفة مؤقتة إلى أن يتوصل المؤتمر إلى استنتاجات تُقدِّم إرشادات حول مستقبل أوروبا. وسيكون هدفه مناقشة وجمع وجهات نظر مواطني الاتحاد الأوروبي حول الأمور التي تهمهم بشأن مستقبل الاتحاد، وستشكل هذه الآراء توصيات المؤتمر لخطة عمل الاتحاد مستقبلاً، من خلال نموذج أقرب "للديمقراطية المباشرة".
  • تتمثل المهمة الرئيسة للمؤتمر في الخروج بخريطة طريقة واضحة لمستقبل الاتحاد الأوروبي من خلال برنامج عمل وحُزْمة أهداف محددة بدقة. وتتلخص أبرز القضايا التي سيتم النقاش فيه داخل فعاليات المؤتمر في: الديمقراطية ومشاركة المواطنين والحقوق والقيم الأساسية، والتحديات البيئية وأزمة المناخ والأزمة الصحية، ودور الاتحاد الأوروبي في العالم، والهجرة والتحديات الأمنية والسياسات الدفاعية والمالية المشتركة.
  • يواجه مشروع "مؤتمر مستقبل أوروبا" تحديات تتعلق بطبيعته وبنائه الهيكلي، من حيث الصعوبات الإجرائية المتعلقة بتنظيم الفعاليات وجلسات النقاش في عموم مناطق الاتحاد الأوروبي في ظل الأزمة الصحية الراهنة، ومن حيث التنظيم الهيكلي البيروقراطي الذي تم وضعه لإدارة المؤتمر. كما يواجه تحديات أخرى أهمها أزمة النزعات الوطنية القُطرية داخل الاتحاد، وتَرهُّل السياسات الأوروبية الموحدة على نحوٍ أضعَف الروابط السياسية داخل الاتحاد، وأدى إلى تنامي الانسحابات القومية.
  • من المحتمل أن تكون نتائج المؤتمر محدودة في ظل تحاشي نقاش إصلاح المعاهدات الأساسية للاتحاد الأوروبي، والتي بات الكثير من الأوروبيين يعتقدون أنها أصبحت قديمة، ولا تُلبِّي التحولات التي شهدها الاتحاد والعالم، بل أصبحت تعتبر جزءاً أساسياً من أزمة الاتحاد.

الهوامش

[1] La tribune d'Emmanuel Macron aux citoyens européens, 04/03/2019. https://www.lalibre.be/international/la-tribune-d-emmanuel-macron-aux-citoyens-europeens-5c7d7bea9978e2710e91445f

[2] The Conference on the Future of Europe gets green light from the Council, Council of the EU, Press release, 5 March 2021. https://bit.ly/3bZrnGL

[3] A new strategic agenda 2019-2024, European Council, Press release, 20 June 2019. https://www.consilium.europa.eu/en/press/press-releases/2019/06/20/a-new-strategic-agenda-2019-2024/

[4] The Conference on the Future of Europe gets green light from the Council, Council of the EU, Press release, 5 March 2021. https://bit.ly/3bZrnGL

[5] Joint Declaration on the Conference on the Future of Europe, https://data.consilium.europa.eu/doc/document/ST-6796-2021-INIT/en/pdf

 [6] مؤتمر الهيئات المتخصصة في شؤون المجتمع (COSAC) هو الهيكل المسؤول داخل الاتحاد الأوروبي عن التعاون بين البرلمان الأوروبي وبرلمانات الدول الأعضاء على تطبيق معاهدة لشبونة. http://www.cosac.eu/en/

[7] Joint Declaration on the Conference on the Future of Europe, https://data.consilium.europa.eu/doc/document/ST-6796-2021-INIT/en/pdf

[8] MAÏA DE LA BAUME, What is the Conference on the Future of Europe?, Politico, March 4, 2021. https://www.politico.eu/article/what-is-the-conference-on-the-future-of-europe/

[9] Joint Declaration on the Conference on the Future of Europe, https://data.consilium.europa.eu/doc/document/ST-6796-2021-INIT/en/pdf

[10]  "الصفقة الخضراء" للاتحاد الأوروبي، خطة من أجل الانتقال البيئي والمناخي في دول الاتحاد على المدى البعيد حتى العام 2050. انظر: https://ec.europa.eu/info/strategy/priorities-2019-2024/european-green-deal_fr

[11]  الركيزة الأوروبية للحقوق الاجتماعية (الركيزة الاجتماعية) هي مبادرة أطلقتها المفوضية الأوروبية في عام 2017، لطرح حقوق اجتماعية جديدة وتحسن الحقوق الاجتماعية الحالية للمواطنين في جميع أنحاء أوروبا، وهي بمثابة بوصلة الاتحاد الأوروبي لتحقيق ظروف عمل ومعيشة أفضل في أوروبا.  https://www.socialplatform.org/

[13] أحمد نظيف، الانقسام الأوروبي حول تركيا والمسارات المحتملة للعقوبات ضدها، مركز الإمارات للسياسات، 24 فبراير 2021. https://epc.ae/ar/topic/eu-division-on-turkey-and-likely-trajectories-of-sanctions-against-ankara

[14] Treaties of the European Union, https://europa.eu/european-union/law/treaties_en

[15] Joint Declaration on the Conference on the Future of Europe, https://data.consilium.europa.eu/doc/document/ST-6796-2021-INIT/en/pdf

[16] Laura TILINDYTE-HUMBURG, How EU Treaties are changed, 20-09-2019. https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/ATAG/2019/640167/EPRS_ATA(2019)640167_EN.pdf

 

أحدث المواضيع المميزة