مقتدى الصدر والسعي إلى رئاسة الوزراء في العراق

مركز الإمارات للسياسات | 11 يناير 2021

قبل سبعة أشهر على الموعد المحدد للانتخابات البرلمانية المبكرة، في يونيو 2021، دشَّن التيار الصدري حملتَه الانتخابية بالكشف عن سعيه إلى الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان المقبل وبالتالي امتلاك الحق بتسمية رئيس الوزراء، عبر سلسلة من المواقف المنسقة لزعيم التيار مقتدى الصدر وكبار مساعديه، التي تفاعلت معها الأوساط السياسية والشعبية بمزيج من الحذر والتشكيك، نظراً لما سوف يُحدثه ذلك من تغييرات جذرية في خريطة توزيع النفوذ بين القوى الشيعية الرئيسة، وفي الموازين السياسية العراقية تالياً.

التطلع نحو القيادة  

مع قاعدة شعبية واسعة، وجناح مسلح عقائدي كبير، لم يجد مقتدى الصدر أيَّ صعوبة في فرض نفسه لاعباً أساسياً على الساحة السياسية في عراق ما بعد عام 2003، وتحوّله إلى ما يشبه "صانع الملوك" الذي يتعين على رؤساء الحكومات المتعاقبة نيل مباركته، على الرغم من تقلب آرائه وتناقض مواقفه؛ إذ يشارك في مؤسسات الحكم ويرفع راية المعارضة لها في الوقت نفسه، ويسمي ممثليه في الحكومة في حين يتنصل من المسؤولية عن سوء أدائهم وفسادهم، ويطالب بفرض سلطة القانون ويُقيم سلطةً موازية له في الآن معاً، ويدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة إلا أنه يرفض نزع سلاح ميليشياته. 

لذا فإن كشف الصدر عبر حساب صالح محمد العراقي (حساب تويتر وهمي يُعتقد بأنه عائد لزعيم التيار الصدري) عن نيته السعي إلى مضاعفة حجم كتلته البرلمانية في الانتخابات البرلمانية المبكرة، من أجل الظفر بحق تسمية المرشح لرئاسة الحكومة، وما أعقبها من إقامة صلاة الجمعة في ساحة التحرير في 27 نوفمبر الماضي، وسط حضور جماهيري كبير، ثم دعوته إلى "ترميم البيت الشيعي"؛ تؤشر جميعها إلى حصول تحول جذري في مقاربة الصدر لدوره السياسي باتجاه السعي إلى امتلاك السلطة المباشرة بدلاً من الاستمرار في محاولة التحكم بها.

المزايا والمعوقات     

رغم أن قيادات التيار الصدري سبق أن روجت في الانتخابات السابقة، وفي سياق تحفيز قواعدها الشعبية على الاقتراع بكثافة، إمكانية الفوز بأكثر من مئة مقعد في مجلس النواب (من إجمالي 329 مقعداً)، إلا أن الوضع الحالي الذي أفرزه قانون الانتخابات الجديد على أساس الدوائر المتعددة (دائرة لكل أربعة مقاعد)، وفوز أصحاب الأصوات الأعلى بغض النظر عن القائمة الانتخابية التي ترشحوا عنها أو مجموع أصوات مرشحيها أو الفائض من أصوات المرشحين الفائزين، أقنع مقتدى الصدر ومستشاريه بأن الانتخابات المبكرة هي فرصة التيار للانقضاض على حكم العراق، ولاعتبارات عدة أهمها:

  1. القاعدة الجماهيرية الكبيرة والصلبة للتيار الصدري التي نجحت بصورة كبيرة في حفاظ التيار على الحصة الأكبر من مقاعد البرلمان في الانتخابات الأخيرة في مايو 2018.
  2. نضج تجربة الماكنة الانتخابية التي أنشأها التيار، وأثبتت فاعليتها في الانتخابات البرلمانية السابقة، من خلال تقسيم الدوائر الانتخابية إلى قطاعات، واختيار المرشح الأفضل للتنافس والدعاية في كل قطاع.
  3. تركُّز جمهور التيار بكثافة في مناطق معينة تحوَّل معظمها إلى مراكز ثقل الدوائر الانتخابية الجديدة، لاسيما في العاصمة بغداد، التي تضم العدد الأكبر من المقاعد (69 مقعداً موزعة على 17 دائرة)، في مقابل توزع جمهور القوى والأحزاب الشيعية الأخرى على نطاق أوسع، لاسيما غريمه "ائتلاف دولة القانون" الذي اعتمد فوز ما بين 4 و10 من نوابه في الانتخابات السابقة على الفائض من أصوات زعيم الائتلاف نوري المالكي. 
  4. الهيمنة الأمنية لـ "سرايا السلام"، الجناح المسلح للتيار الصدري، على معظم أحياء جانب الرصافة من بغداد، الذي يضم 9 دوائر انتخابية من إجمالي دوائر العاصمة، سوف تعطي لمرشحيه أفضلية في الحركة على الأرض، ونشر دعاياتهم وعقد مؤتمراتهم الانتخابية على حساب المنافسين، هذا على فرض عدم لجوئه إلى أساليب التضييق والترهيب. 
  5. النفوذ الإداري لأتباع التيار على المكاتب الفرعية لمفوضية الانتخابات التي درجت على استخدام موظفين محليين، غالباً ما يأتون بتزكية من الحزب أو القوة المهيمنة على المنطقة، وهو ما يشكل عنصرَ قلق على نزاهة التنافس على 34 مقعداً برلمانياً، ظهرت أولى ملامحه بتكثيف فرق المفوضية الجوالة عمليات تحديث بيانات الناخبين الصدريين منزلياً، ورغم أنه إجراء قانوني إلا أنه لن يتوافر بهذه السهولة للأحزاب المنافسة.
  6. التوقعات بانخفاض نسبة التصويت بشكل أكبر مما كان عليه في انتخابات عام 2018، يعد عنصراً حاسماً في حسابات التيار، الذي ستتضاعف قيمة كل صوت من أصوات مؤيديه، وهو الأمر الذي يبدو أن الصدريين يعوّلون عليه بقوة.
  7. تقلُّص عدد القوى المرشحة للمنافسة بجدية على المركز الأول، بعد تفكك ائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي وعجزه عن مأْسسة بقايا حلفائه في كيان واضح المعالم، وتنامي التنافس داخل تحالف الفتح بين كتائب "حزب الله" و"عصائب أهل الحق".

وفي المقابل، هناك بعض التعقيدات التي تواجه تيار الصدر في تطلعاته السياسية الجديدة، منها:

  1. يرى بعض أتباع الصدر أن الأخير أفقد التيار الكثير من رموزه وقياداته على مر السنوات، من خلال معاقبتهم وإقصائهم، مثل المعاون الجهادي، أبو دعاء، ورئيس كتلته البرلمانية السابق ضياء الأسدي، ونائب رئيس الوزراء الأسبق بهاء الأعرجي وغيرهم كثير، الأمر الذي قد يؤثر في قدرة التيار على جذب الناخبين الذين لا يجدون في مرشحي الصدر الكثيرَ من الشخصيات المعروفة أو ذات الخبرة.
  2. مشاركة الكثير من أتباع الصدر في الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في أكتوبر 2019، وتشكيلهم قواعد انتخابية تدعو إلى اختيار شخصيات تنتمي لساحات الاحتجاج مثل الشيخ أسعد الناصري.
  3. افتقار التيار إلى قواعد لعب جديدة، فدعوة الإصلاح السياسي على سبيل المثال باتت العنوان الرئيس لقوى الاحتجاجات الشعبية، ودور "المقاومة الاسلامية" تستغله القوى الشيعية المنافسة للصدر، مثل ميليشيات "العصائب" و"كتائب حزب الله".

الحسابات الانتخابية 

وفقاً لقانون الانتخابات البرلمانية الجديد، فإن التيار الصدري سينزل في قرابة 43 دائرة من أصل 45 دائرة انتخابية ذات أغلبية شيعية أو تضم عدداً كبيراً من السكان الشيعة تتوزع على 13 محافظة هي: بغداد (17 دائرة)، والبصرة (6 دوائر)، وكربلاء والنجف وميسان وواسط والديوانية (3 دوائر لكل منها)، وبابل وديالى (4 دوائر لكل منهما)، وذي قار (5 دوائر)، والمثنى (دائرتان)، فضلاً عن دائرة واحدة في كلٍّ من صلاح  الدين ونينوى التي تضم 11 دائرة لا يملك الصدريون فرصة لانتزاع أيٍّ من مقاعدها بسبب الهيمنة الفعلية لفصائل الحشد الولائية في الأقضية والنواحي الشيعية فيها.

ويُنافس التيار الصدري على الفوز بما بين 163 إلى 178 مقعداً في مواجهة مجموعتين من الخصوم: المجموعة الرئيسة تضم "الفتح" بزعامة هادي العامري، و"عراقيون" بزعامة عمار الحكيم، و"دولة القانون" بزعامة نوري المالكي. أما المجموعة الثانوية فتضم "النصر" بزعامة حيدر العبادي، و"تيار المرحلة" المقرب من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، والحركات والأحزاب الجديدة المنبثقة عن "ثورة تشرين" والشخصيات العامة وزعماء العشائر.

ويكاد أن يكون هناك شبه إجماع بين المراقبين على أن التيار الصدري سوف يجدد فوزه بالانتخابات المبكرة، وفق المعطيات المتوافرة حالياً، لكن الخلاف لا يزال قائماً حول حجم هذا الفوز.

ويرى مراقبون أن معظم نقاط القوة التي يعول عليها التيار الصدري تتضمن نقيضها أيضاً، لعدة أسباب أبرزها:

  1. وجود احتمال كبير بأن يتسبب نظام الدوائر الرباعية، في ظل تركز الكتلة الصدرية الناخبة في أحياء بعينها، في حرمان التيار الصدري من القدرة على التأثير في نتائج الانتخابات على مستوى المحافظة، كما حصل في الانتخابات الماضية، لاسيما في الأحياء ذات الطبيعة المدنية المنفتحة، والأحياء المختلطة طائفياً أو التي لا تزال تضم نسبةً من السكان المسيحيين أو الأكراد.
  2. محدودية الزيادة في عدد الأصوات التي جمعها التيار في انتخابات عام 2018 التي بالكاد تجاوزت 60 ألفاً زيادة على الـ 1.4 مليون صوت التي نالها في انتخابات عام 2014، بالرغم من زيادة عدد الناخبين العراقيين المسجلين بواقع 8%.
  3. الانشقاقات داخل الصف الصدري التي نتجت عن انقلاب الصدر على حركة الاحتجاج منذ شهر فبراير 2020، بعد رفض المتظاهرين تسمية محمد توفيق علاوي مرشحاً لرئاسة الوزراء بديلاً من عادل عبد المهدي، التي رد عليها الصدريون بمحاولة فض الاعتصامات، مما أوقع العشرات من القتلى والجرحى، الأمر الذي دفع قيادةً صدرية مهمة مثل الشيخ أسعد الناصري، إمام جمعة الناصرية، إلى إعلان خلع عمامته والالتحاق بالمتظاهرين، وسط أنباء عن اعتزال الكثير من عامة الصدريين بصمت أنشطة التيار، وهو ما  لوحظ بوضوح في صلاة الجمعة في ساحة التحرير التي سجلت تراجعاً في حجم الحشود رغم تسخير موارد الدولة من حافلات وعربات لنقل أنصار الصدر من مناطق العاصمة المختلفة وبقية المحافظات.
  4. دفع خصوم التيار، لاسيما الفصائل الولائية والأحزاب المقربة من إيران وعلى رأسها ائتلاف دولة القانون وحركة عطاء بقيادة فالح الفياض، إلى التكتل في قائمة واحدة، أو إنشاء آلية للتنسيق وتبادل الدعم، وبخاصة أنها تستهدف الجمهور ذاته من الأشخاص الأكثر تأثراً بالشعارات الطائفية.
  5. بروز مؤشرات على استعداد قطاع كبير من الناخبين، الذين قاطعوا الانتخابات الماضية، لممارسة نوع من التصويت العقابي ضد التيار الصدري، الذي أيقظت ممارسته القمعية بحق المتظاهرين أحداث عامي 2006 و2008. وفي هذا الصدد يبرز اسم تحالف "عراقيون" بزعامة عمار الحكيم، منفرداً أو بالتحالف مع ائتلاف النصر، كأحد البدائل الممكنة لمواجهة مشروع مقتدى الصدر، بفضل تنظيمه الحزبي الشبابي وماكنته الانتخابية المحكمة التي حصدت له 21 مقعداً برلمانياً بالرغم من افتقاره إلى القاعدة الشعبية والكاريزما، فضلاً عن شبهات الفساد واستغلال النفوذ التي تحوم حوله.

اللجوء إلى الطائفة 

في سياق سلسلة الدعوات المثيرة للجدل التي أطلقها منذ شهر فبراير، وهدفت جميعها إلى إنهاء حركة الاحتجاجات الشعبية طبقاً للصفقة التي عقدها مع إيران بعيد اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس مطلع عام 2020، مقابل الاعتراف به زعيماً لفصائل المقاومة الإسلامية في العراق ـــ وجّه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في 2 ديسمبر 2020 دعوة إلى الكتل الشيعية بـ "الإسراع بترميم البيت الشيعي من خلال اجتماعات مكثفة لكتابة ميثاق شرف عقائدي وآخر سياسي" في تغريدة له على موقع تويتر، دون أن ينسى التعريض بالمتظاهرين الذي وصفهم بـ "ثلة صبيان لا وعي لهم ولا ورع تحاول … تشويه سمعة الثوار والإصلاح والدين والمذهب مدعومة من قوى الشر الخارجية ومن بعض الشخصيات في الداخل"، ما أثار موجةً عارمة من الانتقادات اللاذعة من قبل جمهور الحراك الاحتجاجي الذي رفع في المقابل لافتات تحمل شعار "البيت العراقي" في ساحات التظاهر، وأغرق صفحات التواصل الاجتماعي بسيل من المنشورات الساخرة من نكوص الصدر إلى الخندق الطائفي لغايات انتخابية بعد قرابة ثمانية أعوام من الاستثمار في شخصية الزعيم الوطني المتسامي فوق الانقسامات الطائفية، وممثل التيار "العراقي" الذي راهنت عليه بعض النخب الأكاديمية والصحفية والإعلامية وسوقت له كضد نوعي للتيار الطائفي الموالي لإيران.

ولم تُظهر الكتل السياسية الشيعية الرئيسة حماساً كبيراً لدعوة الصدر، على الأرجح خشية من أن تكون خطوةً أخرى في مسار محاولة فرض هيمنته على السياسات الشيعية، ولأن الدعوة اتسمت بالغموض وغياب الآلية والهدف الواضحين. ويمكن ملاحظة أن الدعوة لم تستثنِ أي طرف، بما فُسر على أنها تشمل رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، زعيم ائتلاف "دولة القانون" الذي يَعده الصدر من أبرر خصومه. ومع ذلك، لم تظهر بوادر كافية على أن الجليد قد انكسر بين الاثنين، وقد صدر عن حسين المالكي، صهر نوري المالكي وعضو ائتلافه، تصريحٌ يشير إلى أن القوى الشيعية اتفقت على إحياء اللجنة السباعية التي تضم ممثلين عنها من أجل "التهدئة والابتعاد عن التراشق الإعلامي قبل الانتخابات". لكن حتى الآن، لم تصدر تأكيدات من الأطراف الأخرى بهذا الشأن.

كذلك، لم يصدر عن تيار الحكمة بقيادة عمار الحكيم، الذي توترت علاقته السياسية بالصدر منذ انفراط عقد تحالف الإصلاح، ولا عن تحالف الفتح بزعامة هادي العامري مواقفَ واضحة استجابة لدعوة الصدر، لكن كتائب حزب الله، وهي تنظيم ميليشياوي لا يمتلك حتى الآن حزباً سياسياً يمثله، أعلنت في بيان صدر يوم 6 ديسمبر 2020 مساندتها دعوة الصدر، مُشيدة بمواقفه في "التصدي للانحرافات والدعوة إلى الدفاع عن ثوابتنا الإسلامية". ويبدو أن الكتائب تسعى منذ فترة إلى التأكيد على دور خاص ومستقل لها، ووجدت في دعوة الصدر فرصة أيضاً لتوفير غطاء آخر لضرب المحتجين "المدنيين"، خصوصاً أن بيانها استرسل بالإشارة إلى "الجهات المشبوهة" التي غررت بالشباب ودفعتهم "نحو تبني مظاهر فيها كثير من التجاوز على القيم الإسلامية وثوابت الدين."

ومن جهته. أصدر ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء الأسبق، حيدر العبادي، بياناً أعلن فيه الاستجابة لدعوة الصدر، لكنه ربطها بالبدء بحراك ممنهج لاعتماد ميثاق شرف وطني مُلزم لجميع القوى والفعاليات العراقية. ويبدو أن موقف العبادي مرتبط أيضاً بمحاولته إنعاش فرصه الانتخابية كممثل ذي مصداقية لتيار "الدولة" و"الاعتدال"، وهو ما يُسهم في تفسير إعلان العبادي في شهر ديسمبر الماضي استقالته من جميع المناصب القيادية في حزب الدعوة الإسلامية، داعياً إلى مراجعة نقدية لتجربة الحزب وتجديد قيادته وضخ الدماء الجديدة بمفاصله. ومن الواضح أن الفجوة الكبيرة بين المالكي والعبادي لعبت دوراً في هذا القرار، خصوصاً أن الأول مازال يسيطر على الجسم الأساسي لحزب الدعوة.

وفي إطار هذه الحراكات، أعلن تحالف "الفتح" عن دخوله الانتخابات ضمن قائمة موحدة، مع إضافة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي له، وتشكيل هيئة قيادية تتكون من هادي العامري وقيس الخزعلي وأحمد الأسدي وهمام حمودي. كما تم اختيار هادي العامري أميناً عاماً للتحالف. وتأتي هذه الخطوة بعد تكهنات باحتمال انفراط عقد التحالف نتيجة للتنافسات البينية، لكن يبدو أن النظام الانتخابي الجديد الذي يتطلب التصويت للمرشحين الفرديين سيسمح للتحالف بالبقاء كإطار عام، وتنظيم توزيع الكتل التصويتية بين المرشحين وفق اتفاقات القوى السياسية في التحالف.

ومن اللافت أن ائتلافي "دولة القانون" بزعامة المالكي و"عطاء" بزعامة فالح الفياض، ورغم العلاقات الوثيقة التي تربطهما بـتحالف "الفتح"، لا يزالان يفضلان عدم الاندماج بهذا التحالف، خصوصاً مع ما يمكن أن يخلقه ذلك من صراع على زعامته. وفي المقابل، أكّد الناطق باسم التيار الصدري أن تياره يميل إلى عدم الدخول بتحالفات قبل الانتخابات، لأن طبيعة النظام الانتخابي الجديد لا تتطلب هكذا تحالفات.

الاستنتاجات والتوقعات 

إلى جانب أن مسألة اختيار رئيس الوزراء في العراق، خضعت دوماً لتوافقات داخلية بين ممثلي المكونات الاجتماعية حول تقاسم السلطة، وإقليمية بين النجف وطهران، ودولية بين طهران وواشنطن، ما جعل الفوز بأغلبية المقاعد التشريعية يشكل مجرد تفصيل هامشي فيها، فإن فوز الصدريين بقرابة ثلث مقاعد البرلمان، وثلثي المقاعد الشيعية، يبدو أمراً شبه مستحيل في ظل انفضاض عقد تحالفاتهم مع القوى المدنية (الشيوعيين والناشطين المدنيين) وقوى الاعتدال الشيعي (الحكيم والعبادي)، وعدم وجود مصلحة لإيران في توجيه حلفائها لتحويل دعوة مقتدى الصدر، الحليف المشاكس الوحيد الذي يمتلك عناصر قوته الذاتية، لترميم البيت الشيعي إلى تحالف حكومي يهيمن عليه، ويمنحه السيطرة على المؤسستين الأمنية والعسكرية.

لكن هل يريد الصدر فعلاً تنصيب رئيس وزراء صدري في حال فاز أتباعه بالمقاعد المئة، وهو الذي حرص دوماً على وضع مسافة بينه وبين المسؤولية المباشرة؟ الجواب على الأرجح هو لا، لعدة اعتبارات أهمها:

  1. تفضيل الصدر، المولع بتقمُّص دور المرشد الروحي المصون من النقد والمساءلة، التحكمَ في منح رئاسة الوزراء لمن يشاء وإزاحته عنها متى شاء، بما يعني سلب إرادة رئيس الحكومة والتحكم في قراراته دون الحاجة إلى تحمل تبعاتها السياسية.
  2. توظيف قوته البرلمانية للحصول على عدد من الوزارات والمئات من المناصب العليا والدرجات الخاصة، في إطار عملية التغلغل في مفاصل الدولة التي باشرها في عهد حكومة عادل عبد المهدي.
  3. عدم المغامرة بتنصيب رئيس وزراء صدري على المدى المنظور، لاسيما في ظل الأزمة الاقتصادية التي يتوقع لها أن تدوم سنين طويلة قادمة، وخسارة شرعية استخدام الشارع كورقة ضغط على خصومه، لصالح القوى السياسية والدينية والمجتمعية المناوئة، ولاسيما المدنية التي بات التنكيل بها معنوياً ومادياً الشغل الشاغل لزعيم التيار الصدري وأتباعه، تحت شعارات محاربة الانحلال الأخلاقي والفساد الاجتماعي والإلحاد والتعدي على الذات الإلهية. 

أحدث المواضيع المميزة