دور المغرب في مواجهة التهديدات الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي: المرتكزات والتحديات والآفاق

نور الدين بيدُكان | 31 ديسمبر 2020

يعود اهتمام المغرب بمنطقة الساحل الأفريقي إلى توالي الأزمات التي شهدتها المنطقة، خاصة أزمة مالي، بالإضافة إلى تنامي نشاط الجماعات الإرهابية، فضلاً عن خطر الجريمة المنظمة العابرة للحدود، التي تأخذ عدة أشكال ولعل أبرزها تهريب المخدرات والاتجار بالبشر والأسلحة، والاختطاف. وقد أكد هذا مؤشر الإرهاب العالمي الأخير لسنة 2020 الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام بسيدني.

وأمام هذا الوضع يكون الأمن القومي المغربي، مُعرَّضاً للعديد من المخاطر والتحديات؛ فحدوده الجغرافية في تماس مباشر مع منطقة الساحل الأفريقي، التي تشكل مجالاً لامتداد هذه التهديدات، ما يفرض على المغرب أن يلعب دوراً أساسياً، بتنسيق مع دول المنطقة، في سبيل تحقيق الاستقرار وتعزيز فرص التنمية.

تُسلِّط هذه الورقة الضوءَ على طبيعة المعضلة الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي، ومضمون المقاربة المغربية لمواجهة التهديدات المتنامية في هذه المنطقة، والتحديات التي تواجهها، ومستقبل هذا الدور في ضوء المتغيرات الأخيرة. 

المعضلة الأمنية في الساحل الأفريقي

تتمتع منطقة الساحل الأفريقي بأهمية استراتيجية ظاهِرة؛ فهي تقع في مساحة شبه جافة بين الصحراء الكبرى في الشمال والسافانا في الجنوب، وتمتد غرباً من السنغال عبر موريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وشمال نيجيريا، وتشاد، والسودان حتى إثيوبيا شرقاً. وتزخر بثروات مهمة كالنفط والغاز الطبيعي واليورانيوم. ويظهر البعد الاستراتيجي لمنطقة الساحل عبر زيادة الاهتمام الدولي (لاسيما من قبل دول كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا) بهذه المنطقة التي تعيش على إيقاع تنامي التهديدات الإرهابية.

وقد عانت منطقة الساحل من عدم الاستقرار لعدة عقود، ومن صراعات داخلية، وعنف مستمر، مما أدى إلى تردّي الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، وجعلها من أكثر مناطق أفريقيا احتضاناً للإرهاب الدولي، وأرضاً خصبة للجماعات المسلحة. ولعبت الحدود الهشَّة بين تلك الدول عاملاً في تشجيع الكثير من التنظيمات الإرهابية على تنفيذ عملياتها الإجرامية، والسيطرة على بعض المساحات الصحراوية من أقاليمها، بحيث استطاعت هذه الجماعات الانتشار والتمدُّد، نظراً إلى الطبيعة الجغرافية القابلة للاختراق بين الساحل وشمال ووسط أفريقيا، وسَمَحَ غياب التنسيق وضعف التعاون العسكري الإقليمي باستمرار التهديدات الأمنية وتناميها.

وفي هذا السياق، شهد تجمع دول الساحل والصحراء عام 2013، تحولاً كبيراً، تمثل في الانتقال من "تجمُّع لمكافحة التصحر والجفاف والتغيرات المناخية"، إلى مجموعة تُكرِّس عملها لتشجيع التعاون، والتنمية المستدامة، وحفظ وتوطيد السلم والأمن والاستقرار، وتعزيز الحوار السياسي، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بجميع أشكالها. كما قرر رؤساء الدول الخمس (موريتانيا، ومالي، وبوركينافاسو، والنيجر، وتشاد)، في فبراير 2014 بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، إنشاء "مجموعة الدول الخمس في الساحل"، والتي جاءت في سياق الأزمتين الليبية والمالية، وتُعد من المبادرات القليلة التي حظيت بدعم خارجي، وهو الدعم الأوروبي بقيادة فرنسا، ونجحت في تشكيل قوة عسكرية مشتركة في 2017.

لكن رغم المبادرات الإقليمية والدولية، إلا أن منطقة الساحل لا تزال تُصنَّف ضمن أكثر مناطق العالم تعرُّضاً للمخاطر الإرهابية، باستثناء موريتانيا التي لم تُسجِّل أي عمل إرهابي خلال العام 2020. وهذا ما أوضحه التقرير السنوي حول مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2020، الذي كشف أن القارة الأفريقية تكبَّدت، في خلال الفترة الممتدة من العام 2007 إلى العام 2019، خسائر بسبب الإرهاب بلغت 171,7 مليار دولار[1]. ووفقاً لتقرير المركز الأفريقي للبحوث والدراسات حول الإرهاب، فإن القارة سجَّلت في 2019، 78 هجوماً إرهابياً. وتشير الإحصائيات إلى أن عدد العمليات التي نفذتها التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء ارتفع من 90 عملية في عام 2016 إلى 194 عملية في عام 2017، ثم زاد العدد إلى 465 عملية في 2018، وخلَّفت تلك الهجمات المئات من الضحايا[2].

وترجع الزيادة الكبيرة في وتيرة الهجمات الإرهابية إلى اندماج أبرز الجماعات المسلحة الناشطة في الساحل الأفريقي عام 2017 تحت اسم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة زعيم الطوارق المالي إياد أغ غالي، وهي: "جماعة أنصار الدين" (تأسست عام 2012 من طرف إياد أغ غالي)، و"حركة تحرير ماسينا"[3] (أسسها أمادو كوفا عام 2015)، وتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" (بقيادة عبد المالك دروكدال، الذي قتل في يونيو 2020 بشمال مالي على أيدي القوات الفرنسية).

وقد حرصت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، على تكوين علاقات قوية مع عصابات الجريمة المنظمة التي توجد في تلك المنطقة، وذلك لتحقيق هدفين:

  1. توسيع نطاق مصادر التمويل التي تستخدمها في تنفيذ عملياتها الإرهابية؛
  2. وتعزيز موقعها في مواجهة التنظيمات الإرهابية المنافسة لها، والرافضة للانضمام إليها[4].

وعقب مقتل زعيم "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، صارت ثلاث شخصيات تقود الأنشطة الإرهابية في الساحل، وهي: إياد أغ غالي، وأمادو كوفا من تنظيم القاعدة، وأبو وليد الصحراوي[5]، الذي كان عضواً في "جبهة البوليساريو"، من تنظيم "داعش"، ما يُبرز - وفق رأي مُحللين - علاقة "البوليساريو" ببعض أشكال التهديدات الأمنية في المنطقة.

وبصفة عامة، لا يزال وجود الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، والتي ينتمي معظمها إلى تنظيم "القاعدة"، يشكل تهديداً أمنياً باعثاً على القلق، ويظل التهديد الإرهابي قائماً[6]، على الرغم من المبادرات الإقليمية والوجود العسكري في المنطقة لمواجهة الإرهاب.

المصالح والأهداف المغربية في منطقة الساحل

أمام التحولات الكبرى الجارية في السياقين الإقليمي والعالمي، فإن الرهانات التي يواجهها المغرب بمنطقة الساحل تتمثل في الجوانب السياسة والأمنية والاقتصادية الآتية:

أ. على المستوى السياسي:

  • الدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب، وتوسيع رقعة الدول الأفريقية الداعمة لقضية الصحراء المغربية، في أفق الطي النهائي للنزاع حول أقاليمه الجنوبية؛
  • الحدّ من التأثير والنفوذ الجزائريينِ في المنطقة اللذين ترى الرباط أنهما يهدفان إلى استنزافها وإضعافها وتهديد مصالحها الاستراتيجية؛
  • المساهمة في دعم الحوار السياسي الداخلي ببلدان الساحل الأفريقي، وتقوية القوة الناعمة للمغرب.

ب. على المستوى الأمني:

  • احتواء التهديدات العابرة للحدود، كقضايا اللجوء والهجرة، وتهريب المخدرات والأسلحة، وشبكات الاتجار في البشر، والجماعات المسلحة والحركات التي تهدد السلم الإقليمي والدولي، وقضايا المناخ؛
  • مكافحة التطرف الديني، واعتماد مقاربة وقائية تقوم على التصدِّي للجذور الفكرية للإرهاب؛
  • المساهمة في تقوية قدرات دول الساحل والصحراء لمواجهة المخاطر الناجمة عن الحركات المسلحة والانفصالية.

ج. على المستوى الاقتصادي:

  • الحرص على بناء علاقات اقتصادية مثمرة، وتوقيع مجموعة من الاتفاقيات التجارية مع دول الساحل؛
  • السعي إلى تنويع الشركاء الاقتصاديين، والتخفيف على المدى البعيد من أثر الاعتماد على الشراكة الأوروبية فقط في تسويق المنتجات المغربية، كون منطقة الساحل وغرب أفريقيا أصبحت سوقاً استهلاكية مهمة؛
  • يطمح المغرب، الذي يقع في مفترق طرق الأسواق العالمية، إلى أن يصبح منصة إقليمية موجهة نحو أفريقيا، وفي هذا السياق يندرِج إنشاء المشروع المالي للدار البيضاء، وذلك لترسيخ دور المغرب بوصفهِ بلداً مُيسِّراً للمبادلات التجارية والمالية العالمية مع أفريقيا[7]، أي أن الهدف الرئيس من وراء خلق هذا المركز المالي هو جلب الاستثمارات للقارة الأفريقية بما فيها منطقة الساحل.

مضمون المقاربة الأمنية المغربية لمواجهة التهديدات في الساحل

نَهَجَ المغرب استراتيجية متعددة الأبعاد في مواجهة التهديدات الأمنية، وتتضمن هذه الاستراتيجية الشمولية، التي بدأ تنفيذها عام 2004، محوراً أمنياً، ومحوراً للتعاون الدولي، ومحوراً سوسيو-اقتصادياً، عبر إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية عام 2005، بالإضافة إلى محور إعادة هيكلة الحقل الديني بهدف حماية المغرب من التطرُّف والإرهاب، وحِفْظ هويته القائمة على أسس الاعتدال والانفتاح والتسامح.

وتجسَّدت جهود إصلاح الحقل الديني عبر إنشاء معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات سنة 2014، الذي يستفيد من تداريبه أئمة من تونس ومالي وغينيا وساحل العاج وفرنسا، بالإضافة إلى إحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة سنة 2015، والتي تهدف إلى توحيد وتنسيق جهود العلماء المسلمين، في كلٍّ من المغرب وباقي الدول الأفريقية، للتعريف بقيم الإسلام السمحة ونشرها وترسيخها؛ وتوطيد العلاقات التاريخية التي تجمع المغرب وباقي دول أفريقيا والعمل على تطويرها[8].

وعلى خلاف المقاربات الدولية التي يطغى عليها التركيز على الجانبين الأمني والعسكري في الساحل الأفريقي، فإن المغرب عمل على بلورة إجراءات متكاملة لمواجهة التحديات الأمنية تنبني على الاستباقية، وذلك عبر:

  • الحدّ من أشكال الفقر، وتحسين أوضاع الفئات الهشَّة؛
  • تنظيم الحقل الديني، ونشر ثقافة التسامح والسلام؛
  • إرساء حوكمة أمنية لفهم ورصد ومواجهة تهديدات الجماعات الإرهابية في إطار خطة استباقية؛
  • الدعوة إلى تنسيق التعاون الإقليمي بين دول الساحل الأفريقي والدول المجاورة له بغاية تحقيق التوافق العملياتي في الميدان.

واعترافاً بإنجازاته في هذا الجانب، وبفعالية استراتيجيته الأمنية الاستباقية، اتفقت منظمة الأمم المتحدة مع المغرب في أكتوبر 2020 على إنشاء مقر لـ "مكتب برنامج مكافحة الإرهاب والتدريب في أفريقيا".

ويعكس الدور المغربي في منطقة الساحل الأفريقي أولويات السياسة الخارجية للرباط، وينسجم مع الجهود الدولية الهادفة إلى تحقيق الاستقرار والتنمية، ويؤكد هذا المعطى ثقة باريس وواشنطن، اللذان تُعتبران أبرز الفاعلين الدوليين في المنطقة، بالمغرب.

فقد لعبت الدبلوماسية المغربية دوراً أساسياً في أزمة مالي، إذ سارعت الرباط إلى إدانة الانقلاب في شمال مالي يوم 22 مارس 2012، ودعت إلى احترام المؤسسات المنتخبة في إطار مبدأ السيادة والوحدة الترابية لمالي. ودَعَمَ المغرب، بصفته عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي في 2012/2013، قرار المجلس رقم 2056 الصادر في 3 يوليو 2012. وفي نفس السنة دعم المغرب، الذي كان يرأس مجلس الأمن في شهر ديسمبر، القرار رقم 2085 الذي تبنَّاه المجلس بالإجماع، والذي أذِنَ بنشر بعثة دعم دولية في مالي بقيادة أفريقية لفترة أولية مدتها عام واحد، للحد من تهديد التنظيمات الإرهابية، بما في ذلك تنظيم "القاعدة" و"حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا".

وبمبادرة من المغرب تم إطلاق "مجموعة أصدقاء ضد الإرهاب" سنة 2015 بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، برئاسة الممثل الدائم للمغرب لدى المنظمة الدولية، وتتكون هذه المجموعة من 30 دولة، منها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، والتي تهدف للتنسيق بين كافة المبادرات التي تم تبنِّيها في إطار الأمم المتحدة، وتعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، من خلال تبادل الخبرات وتنظيم موائد مستديرة وندوات حول مختلف أبعاد ظاهرة الإرهاب، وإيجاد جو تفاعلي مع المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية ومراكز التفكير لمواجهة هذه الظاهرة[9]. وفي هذا الإطار، اقترح المغرب، خلال القمة الـ33 للاتحاد الأفريقي في 10 فبراير 2020، خَلْق مركز للتفكير حول السلم والأمن يكون تابعاً للاتحاد من أجل صياغة تقارير حول القضايا المصيرية[10].

ولتعزيز عمل الاتحاد الأفريقي في مواجهة التدفق غير المشروع للأسلحة الخفيفة وذات العيار الصغير، وتجدُّد نشوب النزاعات، شارك المغرب في الدورة الاستثنائية للمجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي، التي انعقدت يوم 3 ديسمبر 2020 عبر تقنية الفيديو تحت شعار: "إسكات الأسلحة بأفريقيا في أفق 2022"، واقترح ثلاثة محاور أساسية:

  1. وقف تنامي الإرهاب عبر مكافحة التطرف من خلال تفعيل الآليات الثلاث (الوقاية، والتعليم، والتنمية)؛
  2. مكافحة التدفُّق غير المشروع للأسلحة الخفيفة وذات العيار الصغير عبر تعزيز الأنظمة الوطنية للرصد، وتبادل المعلومات بين المصالح ودول الجوار المعنية؛
  3. إعداد سياسة واضحة ودقيقة لعمليات دعم السلام للاتحاد الأفريقي[11].

وفي نفس الوقت، شدَّد المغرب على ضرورة إيلاء اهتمام خاص بقضية اللاجئين عند معالجة سُبُل إسكات الأسلحة، مؤكداً أن ذلك لن يتحقق في ظل استمرار وجود مخيمات معسكرة للاجئين في عدد من المناطق في أفريقيا بما فيها "مخيم تندوف" (جنوب غرب الجزائر).

وفيما يخص منطقة الساحل، أكد المغرب دعمه لإحداث كلية الدفاع لمجموعة الخمسة للساحل بنواكشوط. ويُخصِّص المغرب 203 مقاعد للدورات التكوينية كل سنة داخل المؤسسات العسكرية المغربية[12].

وكان المغرب، في سياق جائحة كورونا، قد أرسل مساعدات طبية إلى أكثر من 20 دولة أفريقية، بينها دول من الساحل الأفريقي (تشاد، وموريتانيا، والسنغال، وبوركينا فاسو، والنيجر)، وذلك تأكيداً على التزامه الدائم تجاه أفريقيا[13]. ويندرج هذا العمل التضامني في إطار تفعيل المبادرة التي أطلقها الملك محمد السادس، في 13 أبريل 2020، باعتبارها نهجاً براغماتياً وموجهاً نحو العمل لفائدة البلدان الأفريقية، تُمكِّن من تقاسُم التجارب والممارسات الفُضلى. وتُجسِّد هذه المساعدات الالتزام الأفريقي القوي والتضامن الفعال للرباط تجاه البلدان الأفريقية في إطار التعاون جنوب-جنوب.

وفيما يرتبط بموضوع الهجرة، قدَّم المغرب في القمة العادية الـ33 للاتحاد الأفريقي المنعقدة بأديس أبابا 2020 تقريراً بشأن تفعيل المرصد الأفريقي للهجرة، وهو مؤسسة تابعة للاتحاد الأفريقي، تتمثل وظائفه حول ثلاثة محاور تَهُمّ: الفهم؛ والاستباق؛ والعمل. واُفتتح مقر المرصد بالرباط في 18 ديسمبر 2020، وستسمح أنشطته بتكوين معرفة دقيقة بظاهرة الهجرة ورسم صورة أفريقية عنها والعمل على توحيد سياسة فعالة حولها.

التحديات التي تواجه دور المغرب في منطقة الساحل

تواجه الجهود المغربية في هذا الإقليم العديد من الصعوبات والتحديات، تتمثل أهمها في الآتي:

  • تنامي التهديد الإرهابي والجريمة المنظمة، والتغيرات المناخية وآثارها على الموارد المائية، والتوسّع السكاني، وتهريب المهاجرين؛
  • هشاشة الحدود بين دول الساحل بسبب عجز الحكومات المركزية، وتوسُّع النزاعات الداخلية والإثنية، وضعف مؤسّسات العمل الأفريقي المشترك؛
  • تقليص أو انسحاب القوات العسكرية الأجنبية من منطقة الساحل، وضعف التنسيق بين الفاعلين الدوليين، سينعكسان على الوضع الأمني. فبحسب مصادر عسكرية، فإن فرنسا تعتزم تقليص عدد قواتها العسكرية، البالغ قوامها 5100 جندي في المنطقة، لإفساح المجال لتعزيزات من دول أوروبية أخرى[14]؛
  • احتدام التنافس مع الجزائر بشأن المبادرات المغربية في المنطقة يُضعِف من آليات التنسيق الهادفة إلى دعم قدرة دول الساحل على ضمان أمنها. وتجدر الإشارة هنا إلى تأكيد العاهل المغربي محمد السادس، في أواخر عام 2018، استعداد بلاده لخوض حوار مباشر وصريح مع الجزائر، من أجل تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية. ولهذه الغاية، اقترح على الجزائر إحداث آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور[15].

مستقبل الدور المغربي بالساحل الأفريقي في ضوء المتغيرات الأخيرة

إن الرهانات والتحديات التي يثيرها تزايد المخاطر الإرهابية والإجرامية في الساحل وانعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على المغرب، تتطلب التعاون وتبادل الخبرات بين دول الإقليم، وقد عبَّر المغرب عن ذلك في الاجتماع الوزاري الأول للتحالف الدولي من أجل الساحل، المنعقد في 12 يونيو 2020. ويروم "التحالف من أجل الساحل"، الذي يضم حوالي 40 دولة ومنظمة إقليمية، تنسيق الجهود العسكرية والتنموية، وكذا مساعدة الدول على استعادة هيبتها.

ويُمثِّل الإعلان الأمريكي في 10 ديسمبر 2020، بالاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وفَتْح قنصلية بمدينة الداخلة، دعماً صريحاً لسياسة المغرب في المنطقة باعتباره قوة إقليمية. ومن المرجح أن يؤدي إلى تقوية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وسيدفع الكثير من الدول إلى فتح قنصليات وتمثيليات دبلوماسية بالأقاليم الجنوبية للمغرب، باعتبارها ملتقى تجارياً مهماً بين المغرب وعمقه الأفريقي، وقطباً متميزاً للتعاون جنوب-جنوب. وقد جاء هذا التطور عقِب أزمة اتهم المغرب عناصر "البوليساريو" بافتعالها، على خلفية عرقلتهم لحرك التنقل في معبر "الكركرات" الحدودي، هو الممر البري الوحيد الذي يربط المغرب بموريتانيا وإفريقيا جنوب الصحراء، وانتهت بتحرك القوات المغربية وإعادة إرساء حرية التنقل المدني والتجاري.

وكان قد سبق الخطوة الأمريكية، قرار دولة الإمارات العربية المتحدة بفتح قنصلية عامة بمدينة العيون، في 27 أكتوبر 2020، والذي يأتي تأكيداً على متانة الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين، وتجسيداً لموقف الإمارات الراسخ في الدفاع عن حقوق المغرب المشروعة وقضاياه العادلة. وفي هذا الإطار، أشاد الملك محمد السادس بعلاقة بلاده المتميزة مع دولة الإمارات، مُستشهداً بوصف الراحل الملك الحسن الثاني بأنها: "فوق العلاقات الأخوية، وفوق العلاقات البشرية؛ فهي علاقة توأمين لم يُفرِّق بينهما إلا البعد الجغرافي"[16]. وعلى المستوى الاقتصادي، تحتل الاستثمارات الإماراتية المرتبة الأولى عربياً بقيمة إجمالية تبلغ 15 مليار دولار[17].

استنتاجات وتوقُّعات

  • تزايد النشاط الخارجي المغربي في منطقة الساحل والصحراء، التي شهدت عقب 2011 حالة من عدم الاستقرار، بعد مساهمة الرباط في تسهيل الوصول إلى حل سياسي في الأزمات التي تعرفها المنطقة، خاصة الأوضاع في مالي وليبيا، وأدى ذلك إلى تثبيت موقع المغرب كوسيط محايد وشريك دبلوماسي.
  • وأسفرت السياسة الوقائية التي اعتمدتها الرباط في مجال محاربة الإرهاب والتطرف العنيف عن نتائج إيجابية، مكَّنت من وضع حدٍّ للجماعات الإرهابية، وجعلت هذه التجربة محط اهتمام دول أفريقية وأوروبية. ويتطلع المغرب إلى تصدير نموذج للإسلام المعتدل، ويساعده على ذلك خصوصية الروابط الروحية المتجذرة في التاريخ بين المغرب وغرب أفريقيا.
  • ومن المتوقع أن تفتح فرص الشراكة بين المغرب ودول الساحل الأفريقي، آفاقاً واسعة، وتُعزز التموضع الجديد للمغرب داخل أفريقيا. ويمكن القول إن المكسب الأكثر احتمالاً الذي يُمكن أن يُحقّقه المغرب من انخراطه مع دول الساحل، هو الانضمام مستقبلاً إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، التي تَقدَّم المغرب بطلب رسمي للحصول على عضوية بها في فبراير 2017، بعد فترة وجيزة من عودته إلى الاتحاد الأفريقي.
  • ومن المتوقع أن يؤدي تنامي التهديدات الأمنية في الساحل إلى تعطيل المصالح المغربية وتأخير تنفيذ المشاريع الكبرى، كمشروع إنشاء خط أنابيب الغاز من نيجيريا إلى المغرب، مروراً عبر دول غرب أفريقيا، بعد توقيع الرباط وأبوجا اتفاقية لمد أنبوب للغاز الطبيعي بين البلدين أواخر سنة 2016. ولهذا، يتعيَّن على دول الساحل والبلدان المجاورة لها، بما فيها المغرب والجزائر، بالإضافة إلى الشركاء الدوليين العمل معاً بروح من المسؤولية للتصدّي للتهديدات الأمنية، ولتلبية تطلعات سُكّانها إلى الاستقرار والتنمية.

الهوامش

[1] GLOBAL TERRORISM INDEX 2020 MEASURING THE IMPACT OF TERRORISM, Institute for Economics & Peace, Sydney, November 2020, P 34.

[2] بلغيث عبد الله، "التهديدات الأمنية الجديدة: قراءة في الخصوصية الأفريقية"، قراءات أفريقية العدد 44، أبريل 2020، ص 49.

[3] تعتبر "حركة تحرير ماسينا"، الموالية للقاعدة، من بين التنظيمات الإرهابية المسلحة المنتشرة بشكل كبير في الساحل الأفريقي، وقد أسسها "أمادو كوفا"، الذي أدرجته الولايات المتحدة على لائحة الإرهاب عام 2019، وينتمي غالبية عناصرها إلى أقلية الفولان التي تنتشر في دول غرب ووسط أفريقيا والساحل الأفريقي.

 [4] "معضلة مستمرة: لماذا لم تتراجع هجمات جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي؟"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 9 سبتمبر 2019، متاح على الرابط: https://bit.ly/2WDzzUw

[5] أُدرِج اسم عدنان أبو وليد الصحراوي في قائمة الجزاءات المفروضة على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة، عملاً بالفقرتين 2 و4 من القرار 2368 (2017)، باعتباره شخصاً مرتبطاً بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام أو تنظيم القاعدة، وبسبب "المشاركة في تمويل أعمال أو أنشطة يقوم بها".

[6] محمد بنحمو، "لا يمكن هزيمة الإرهاب إلا بالعمل الجماعي"، مجلة باب الصادرة عن وكالة المغرب العربي للأنباء، العدد الخامس، ديسمبر 2020، ص 35.

[7] "الاستراتيجية المغربية بأفريقيا: رؤية شاملة ومتكاملة"، منشورات وزارة الاقتصاد والمالية، مديرية الخزينة والمالية الخارجية، الرباط 2014، ص 7.

[8] المادة الرابعة من الظهير الشريف رقم 1.15.75 الصادر في 7 رمضان 1436 (24 يونيو 2015).

[9] الخضر عبد الباقي، "مواجهة جماعية: تقييم الجهود الإقليمية والدولية لمحاربة “بوكو حرام”"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات، العدد 9 أبريل 2015، ص 77-78.

[10] "المغرب، مساهمة بناءة من أجل أفريقيا مستقرة ومزدهرة"، الموقع الرسمي لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، www.diplomatie.ma

[11] كلمة محسن الجزولي، الوزير المنتدب لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج في الدورة الاستثنائية للمجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي، المنعقدة عبر تقنية الفيديو تحت شعار "إسكات الأسلحة بأفريقيا في أفق 2022"، 3 ديسمبر 2020.

[12] "المغرب كان دائماً في كافة الجبهات مع الساحل ومن أجل الساحل"، وكالة المغرب العربي للأنباء، 12 يونيو 2020، على الرابط: https://bit.ly/37U9jf4

[13] كلمة محسن الجزولي، الوزير المنتدب لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، خلال الدورة الـ37 للمجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي، التي عقدت في 13 أكتوبر 2020، عبر تقنية المناظرة المرئية.

[14] Sahel: la France compte réduire sa présence militaire à la faveur de l’entrée en jeu des forces européennes, https://www.agenceecofin.com/actualites/0911-82208-sahel-la-france-compte-reduire-sa-presence-militaire-a-la-faveur-de-l-entree-en-jeu-des-forces-europeennes, 24/12/2020.

[15] مقتطف من خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 43 للمسيرة الخضراء، 6 نوفمبر 2018.

[16] رسالة سامية إلى المشاركين في ندوة "الشيخ زايد ودوره في بناء العلاقات المغربية الإماراتية"، إحياء للذكرى المئوية الأولى لميلاد المغفور له صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 27 نوفمبر 2018.

[17] "المغرب والإمارات.. علاقات متميزة وشراكة متينة"، https://ar.lesiteinfo.com/maroc/447789.html، تاريخ الزيارة: 23/12/2020.

 

أحدث المواضيع المميزة