التداعيات القانونية والإقليمية والدولية للمذكرة البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق في ليبيا

مركز الإمارات للسياسات | 25 ديسمبر 2019

أثارت مذكرة التفاهم حول "تحديد المجالات البحرية في البحر المتوسط"، التي وُقعت بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية برئاسة فايز السراج في 28 نوفمبر 2019 في إسطنبول، ردودَ فعل غاضبة على الصعيدين المحلي الليبي والإقليمي. تعرض الورقة أهم ملامح هذه المذكرة، وبيان موقف القانون الدولي منها، وتنتقل لتحليل التداعيات القانونية والإقليمية والدولية المترتبة على إبرامها.

التحليل القانوني للمذكرة البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية

  1. الملاحظات العامة على المذكرة
  • حددت الاتفاقية حدود الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا وليبيا في البحر المتوسط، من دون مراعاة الحقوق السيادية لليونان وقبرص في البحر المتوسط.
  • نصّت الاتفاقية في الفقرة الثانية من المادة الرابعة على حق البلدين في المشاركة في الثروات الطبيعية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لأحد الطرفين، حيث يمكن للطرفين عقد اتفاقيات لغرض استغلال هذه المصادر بشكل مشترك، وتكمن الخطورة هنا أن هذا النص يمكّن تركيا من التدخل العسكري المباشر داخل المياه البحرية المواجهة للسواحل الليبية، وذلك ربطاً بمذكرة التفاهم الأخرى بشأن التعاون العسكري التي أبرمت في الوقت ذاته.
  • استطاع الجانب التركي فرض إرادته القانونية على حكومة الوفاق والمتمثلة في الاستيلاء على مناطق بحرية لليونان في البحر المتوسط مستغلاً حالة الانقسام والفوضى في ليبيا، ومستنداً إلى هذه الاتفاقية؛ ويتجلى ذلك من خلال ما جاء في نص المادة الخامسة من الاتفاقية من أنه يجوز لكلا الطرفين أن يقترح مراجعة وتعديل هذه المذكرة باستثناء المادتين الأولى والثانية، وذلك كمحاولة من تركيا لضمان الالتزام القانوني من قبل الدولة الليبية بالأحكام الواردة بالاتفاقية وعدم التحلل منها مستقبلاً.
  1. موقف القانون الدولي
  • تعد اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982 هي المرجعية القانونية الحاكمة لكافة استخدامات البحار والمحيطات، وقد استحدثت الاتفاقية فكرة المنطقة الاقتصادية الخالصة التي لا يتعدى مداها 200 ميل بحري، تمارس فيها الدولة الساحلية حقوقاً اقتصادية وتستأثر بها في إطار سيادي مانع من خلال حقها في الاستكشاف والاستغلال وحفظ وإدارة الموارد الطبيعية وذلك بموجب نص المادة (56) من تلك الاتفاقية.
  • أكدت قواعد القانون الدولي أن تعيين وترسيم الحدود البحرية ليس عملاً أحادياً، تنفرد به الدولة الساحلية بمفردها، بل يجب أن تضع في اعتبارها عند إجراء هذا التعيين مواقف ووجهات النظر للدول الأخرى المشتركة معها في الحدود البحرية[1]. وتكمن الغاية المنشودة من وراء هذا بمنع نشوب المنازعات الدولية بين الدول حول تعيين وتحديد تلك الحدود، وقد نصت المادة (74) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 على أن تعيين الحدود البحرية يكون على أساس قواعد القانون الدولي وصولاً الى حل منصف. كما أن الثابت من مطالعة نص المادة (121) من ذات الاتفاقية أنها أكدت على حق الجزر البحرية في الحق القانوني في التمتع بالمنطقة الاقتصادية الخالصة، كما أن المستقر عليه قانونياً وقضائياً أن إبرام اتفاقيات الحدود البرية والبحرية يعد أمراً يتعلق بالسيادة الإقليمية للدول ويحظر إبرام تلك الاتفاقيات أثناء الحروب أو النزاعات المسلحة الداخلية أو الظروف الاستثنائية الداخلية للدول على غرار الكوارث الطبيعية.

وبتطبيق وإنزال قواعد القانون الدولي ذات الصلة، على بنود مذكرة التفاهم التركية-الليبية يتبين لنا مخالفة هذه البنود لمبادئ وقواعد القانون الدولي العام والقانون الدولي للبحار، وذلك على النحو الآتي:

  • رفض مجلس النواب الليبي لمذكرة التفاهم علماً أن المجلس صاحب الاختصاص الدستوري بالتصديق على مثل هذه الاتفاقيات، وقد أرسل عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي خطاباً إلى الأمين العام للأمم المتحدة يعبر فيه عن رفض المذكرة واعتبارها باطلة.
  • عدم قانونية وأحقية حكومة السراج من الأساس في توقيع هذه الاتفاقية نظراً لعدم وجود حدود بحرية مشتركة بين تركيا وليبيا من الناحية الجغرافية، نظراً لوجود جزيرة كريت اليونانية كعائق جغرافي طبيعي بين البلدين.
  • عدم الاعتداد بتوقيع هذه الاتفاقية من الجانب الليبي وذلك وفقاً لما خلصت إليه قواعد القانون الدولي، والتي تحظر على الدول إبرام مثل هذه الاتفاقيات في الظروف الاستثنائية والطارئة التي تتعرض لها الدول، وفي مقدمتها حالات الحروب والنزاع المسلح الداخلي.
  • عدم تنسيق حكومة السراج مع الدولة المصرية قبل إبرام هذه الاتفاقية مع تركيا، بما يمثله من مخالفة لقواعد القانون الدولي للبحار، نظراً لوجود حدود بحرية متلاصقة بين مصر وليبيا من جانب ووجود حدود بحرية متقابلة بين مصر وتركيا من جانب آخر.
  • على الرغم من عدم انضمام تركيا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، إلا أن كافة الأحكام الواردة بهذه الاتفاقية تُلزم كافة الدول حتى تلك الدول التي لم توقع عليها ومن بينها تركيا.
  • الاتفاقية تمثل اعتداءً صارخاً على الحقوق الاقتصادية السيادية لليونان في البحر المتوسط بموجب نص المادة (121) من اتفاقية الأمم المتحدة للبحار، وهذا ما دفع اليونان إلى طرد السفير الليبي من أثينا.

تأسيساً على ما سبق يتبين أن مذكرة تعيين الحدود البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق، مخالفة لأحكام ومبادئ القانون الدولي، وكذا مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة، ولا ينال من ذلك قيام الجانب التركي بطلب تسجيل هذه المذكرة لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة عملاً بنص المادة (102) من ميثاق الأمم المتحدة؛ فذلك مردود عليه بأن تسجيل المعاهدات الدولية يُعد من الإجراءات الشكلية، والتي لا تغلّ يد الدول الأخرى (مصر وقبرص واليونان في هذه الحالة)، في الاعتراض السياسي والقانوني على تلك الاتفاقية أمام هيئات ومنظمات الأمم المتحدة للدفاع عن حقوقها الاقتصادية السيادية في مناطقها الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط.

  1. التداعيات والآثار القانونية المترتبة على الاتفاقية

يعد توقيع هذه الاتفاقية نقطة فارقة ومهمة فيما يخص مسار العلاقات بين دول شرق المتوسط، وتحديداً فيما يتعلق بالتوافق حول تعيين وتحديد الحدود البحرية المشتركة بينهم، وسيكون لها العديد من التداعيات والآثار القانونية وغير القانونية على صعيد الإقليم بأسره وذلك من خلال التداعيات الآتية:

  • الاتفاقية ستعوق مسيرة المفاوضات الدائرة حالياً بين مصر واليونان، التي أشرفت على الانتهاء فيما يتعلق بتعيين الحدود البحرية المشتركة بينهما على غرار الاتفاقية المصرية-القبرصية لعام 2013، حيث إن الاتفاقية التركية مع حكومة السراج تتعلق بالمنطقة الاقتصادية الخالصة بين اليونان ومصر بما سينعكس سلبياً على مسار هذه المفاوضات.
  • الاتفاقية سيكون لها تبعات وآثار قانونية على الدولة الليبية حتى في حال إطاحة حكومة السراج، ومرجع ذلك نجاح تركيا في الحصول على توقيع حكومة الوفاق المعترف بها دولياً على هذه الاتفاقية، حيث تتمتع هذه الحكومة بالشخصية القانونية للدولة الليبية على الصعيد الدولي، وبما يرتب تبعات المسؤولية الدولية على ليبيا بالتعويض، ولا ينال من ذلك عدم مصادقة البرلمان الليبي عليها.
  • الاتفاقية، التي وافقت عليها لجنة الخارجية بالبرلمان التركي، سوف تؤدي إلى احتمالية نشوب نزاع بحري بين تركيا من جانب واليونان ومصر من جانب آخر، فضلاً عن النزاع البري في حالة إرسال تركيا قوات لها داخل الأراضي الليبية بموجب اتفاقية التعاون العسكري الموقعة بينها وبين حكومة السراج. 

التداعيات الإقليمية والدولية

  1. حسابات طرفي الاتفاقية

يمكن الإشارة إلى الحسابات والتداعيات الإيجابية والسلبية المحتملة بالنسبة للطرفين المباشرين للاتفاقية، وذلك على النحو التالي:

  • حكومة الوفاق: يمكن الإشارة إلى أبرز الحسابات والتداعيات المحتملة على حكومة الوفاق من وراء هذه الخطوة، عبر النقاط التالية:
  • استفادة حكومة الوفاق من الدعم العسكري التركي، كما تجلى في مذكرة التفاهم الثانية حول التعاون العسكري والأمني؛ في خلق توازن عسكري وسياسي في مواجهة قوات حفتر والأطراف الإقليمية والدولية الداعمة له، مما يدفع نحو خلط الأوراق مرة أخرى بعد أن كانت التوازنات تميل جزئياً لصالح حفتر.
  • في مقابل كل ذلك، فإن أكبر المخاطر الماثلة بالنسبة لحكومة الوفاق تتمثل في الرفض أو التحفظ الذي قد تلاقيه من قبل حلفاء أو داعمين تقليديين لها، وعلى رأسهم إيطاليا في المقام الأول، فضلاً عن التحفظ الجزائري التقليدي بخصوص وجود أي قوات أجنبية في أي من دول الجوار. كما أن حكومة الوفاق تخاطر من خلال هذه الخطوة بالتسبب في مزيد من الاستعداء للدولة المصرية، فضلاً عن الدفع بمسار عسكرة الصراع إلى نقطة يصعب التراجع عنها.
  • تركيا: يمكن الإشارة إلى أبرز الحسابات والتداعيات المحتملة على الجانب التركي، وذلك من خلال النقاط التالية:
  • تنطلق الخطوة التركية بخصوص مذكرة التفاهم البحرية من حسابات صراع النفوذ على موارد الطاقة في شرق المتوسط، ومن ثم فإن الخطوة التركية تعتبر رداً على خطط الدول المناهضة لسياسة أنقرة (إسرائيل ومصر واليونان وقبرص) لعزل تركيا، وفق رؤية المسؤولين الأتراك.
  • إضفاء الشرعية القانونية على التدخل العسكري في ليبيا، لحماية المصالح التركية المستجدة والناجمة عن مذكرة التفاهم بخصوص الحدود البحرية، وبموجب مذكرة التفاهم الأمنية والعسكرية؛ واستخدام هذه الورقة في مساومة بقية الأطراف المتدخلة في الشأن الليبي، والتي تجمعها قضايا متشابكة مع تركيا، مثل روسيا بالنسبة للملف السوري، والأطراف الأوروبية بالنسبة لملف الهجرة، ومصر بالنسبة لغاز شرق المتوسط، والولايات المتحدة بالنسبة لملف العقوبات المحتملة بشأن التسليح.
  • تعد الأولوية الأكبر لدى أنقرة هي مذكرة التفاهم الخاصة بتحديد الصلاحية البحرية، على خلاف حكومة الوفاق التي تمثل مذكرة التفاهم الأمنية والعسكرية أولوية لديها؛ لذا فإن تركيا حرصت على التمسك بمسمى الاتفاقية، وبالإجراءات المتعلقة بالتصديق عليها من البرلمان وإحالتها إلى الأمم المتحدة.
  • هذه المكاسب المحتملة التي تسعى إليها أنقرة تقابلها العديد من التهديدات والمخاطر، يأتي على رأسها إمكانية وقوعها تحت طائلة العقوبات، على خلفية خرق الحظر المفروض من قبل مجلس الأمن على تسليح أطراف الصراع في ليبيا، وهو ما يمكن توظيفه من قبل الولايات المتحدة في محاولة تطويع الموقف التركي في القضايا الخلافية بينهما.
  1. التداعيات الدولية

يمكن الإشارة إلى أبرز الحسابات والتداعيات المحتملة من منظور الأطراف الدولية، وذلك على النحو التالي:

  • خلق ضغوط إضافية على الفرقاء الأوروبيين المتصارعين في ليبيا، ودفعهم نحو مزيد من المرونة بشأن التسوية في ليبيا، على وقع التهديد الذي يتعرض له نفوذ كل طرف لدى حلفائه الليبيين من وراء تنامي الدورين التركي والروسي. ويظهر ذلك على وجه الخصوص في حالة الموقفين الإيطالي والفرنسي. وعلى الأرجح سوف تسعى الدولتان إلى الحد من نزعة العسكرة، وتوظيف نفوذهما في إقناع الأطراف المحلية بالتجاوب مع الجهود الدولية للتسوية السلمية.
  • مفاقمة الخلافات بين الدول الأعضاء في حلف الناتو، مما سيزيد من التحديات القائمة أصلاً داخل الحلف؛ ويظهر ذلك في الاصطفاف الأوروبي خلف اليونان وقبرص في مواجهة تركيا، وفق ما ظهر في بيان المجلس الأوروبي الرافض للاتفاقيتين. هذا التباعد التركي الأوروبي، والخلافات المتنامية بين الدول الأعضاء، معطوفاً على الخلافات التركية الأمريكية، يصب في صالح موسكو بطبيعة الحال.
  1. التداعيات الإقليمية

يمكن الإشارة إلى أبرز التداعيات الإقليمية المحتملة من خلال النقاط التالية:

  • احتمالات وقوع صدامات عسكرية في حوض المتوسط، سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر؛ فعقب توقيع الاتفاقيتين، أعلن الجيش الوطني الليبي، على لسان الناطق الرسمي أحمد المسماري، عزمه استهداف أي سفينة تركية تقترب من السواحل الليبية. كما شهد الأسبوع الأول من ديسمبر مناورات بحرية مشتركة بين كل من مصر وروسيا، أعقبها بعشرة أيام مناورات بحرية تركية أمريكية مشتركة غرب قبرص؛ تزامن معها مناورات بحرية بين روسيا وسوريا؛ إضافة إلى قيام إسرائيل هي الأخرى بإجراء مناورة بحرية في ذات التوقيت. ويعد التزامن بين هذه المناورات من جهة، وبينها وبين الأزمات التي نجمت عن الاتفاقيتين، مؤشراً على مستوى التصعيد الذي يمكن أن تصل إليه الخلافات بين الدول المعنية، لاسيما في اتصالها بالصراع حول حقول الغاز، حيث أرسلت تركيا سفينة تنقيب ثالثة قرب السواحل القبرصية خلال الأسبوع الثاني من ديسمبر، كما أعلن أردوغان عزمه عدم سحب أي سفينة من سفن التنقيب، رغم الاعتراضات الأوروبية.
  • إمكانية حدوث صدامات عسكرية برية بين مصر وتركيا فوق الأراضي الليبية، حيث تزايدت التصريحات التركية، سواء الصادرة عن الرئيس أردوغان أو غيره من كبار المسؤولين، التي تؤكد رغبة واستعداد تركيا في إرسال جنود أتراك إلى ليبيا أو إقامة قاعدة عسكرية تركية هناك. وفي المقابل أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال الأسبوع الثالث من ديسمبر، بأن مصر لن تسمح لأي طرف خارجي بالسيطرة على ليبيا.
  • تحمل هذه التطورات كذلك بعض التداعيات التي تتشابك مع الحسابات الخاصة بالدولة الجزائرية؛ فمن ناحية، تصطدم هذه التطورات مع الخط الثابت في السياسة الخارجية للجزائر، والمتمثل في الرفض القاطع لوجود قوات أجنبية في جوارها الإقليمي، فمن هذا المنظور تحمل التطورات الراهنة تهديدات مباشرة للنفوذ الجزائري في ليبيا، فضلاً عن التهديدات الأمنية المحتملة في حالة اتساع رقعة الصدامات المسلحة. في المقابل، فإن هذه التطورات تلتقي مع المصالح الجزائرية في نقطة محددة، وهي منع حفتر، ومن ثمّ مصر، من السيطرة على العاصمة، وقيام طرف آخر (تركيا) بتحمل العبء العسكري اللازم لحماية العاصمة من الوقوع تحت سيطرة حفتر.

السيناريوهات المحتملة

في ضوء هذه القراءة لموضوع الاتفاقية البحرية، وربطاً باتفاقية التعاون العسكري أيضاً الموقعة في الوقت نفسه، يمكن طرح ثلاثة سيناريوهات لمسيرة هذه الاتفاقية في ضوء قراءة الأوضاع السياسية والعسكرية الراهنة وتتمثل في الآتي:

السيناريو الأول: إبطال الاتفاقية من خلال الاحتجاج والاعتراض القانوني

حيث تملك اليونان وقبرص -بخاصة اليونان المتضرر الأكبر من هذه الاتفاقية- الطلب من الجمعية العامة بإحالة موضوع الاتفاقية البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق إلى محكمة العدل الدولية لإبداء الرأي الاستشاري بشأنها في ضوء قواعد القانون الدولي وما استقر عليه القضاء الدولي في هذا الشأن. ويمكن القول بأن نجاح هذا السيناريو من خلال الحشد الدولي والإقليمي داخل أجهزة الأمم المتحدة لتعطيل وإبطال أحكام هذه الاتفاقية من شأنه انحسار الدور التركي داخل الدولة الليبية. إلا أن احتمالية تحققه يعترضها العديد من العقبات، أهمها أن تقديم محكمة العدل الدولية رأي استشاري حول موضوع الاتفاقية يحتاج إلى المزيد من الوقت، بالإضافة الى تأثير بعض الدول الكبرى ومحاولة عرقلة هذا المسار.

السيناريو الثاني: إسقاط حكومة الوفاق الليبية

 ويتمثل السيناريو بنجاح قوات الجيش الوطن الليبي من خلال الحشد والدعم الدولي والإقليمي في إسقاط حكومة الوفاق، ومن ثمّ إلغاء الاتفاقية من قبل الجانب الليبي استناداً إلى عدم شرعية حكومة السراج في إبرام هذه الاتفاقية، ورفض البرلمان الليبي للاتفاقية وعدم تصديقه عليها، وإن كان ذلك لا ينال من إمكانية مطالبة تركيا لليبيا في هذه الحالة بالتعويض إعمالاً لمقتضيات المسؤولية الدولية على اعتبار أن حكومة السراج الموقّعة على الاتفاقية تتمتع باعتراف دولي. وهذا السيناريو لا يتوقف على تداعيات الاتفاقية بقدر ما يتعلق بمسار الصراع بين الجيش الوطني وقوات الوفاق، وتطوراته.

السيناريو الثالث: الإبقاء على الوضع الحالي للاتفاقية (وهو السيناريو الأرجح)

ويعني ذلك محاولة تركيا الإبقاء على الوضع الحالي للاتفاقية وتوظيفها في إطار علاقاتها مع دول شرق المتوسط (مصر واليونان وقبرص وإسرائيل) من جانب، وفي مواجهة الاتحاد الأوروبي من جانب آخر كمحاولة للمناكفة والمساومة بها في العديد من الملفات؛ بمعنى أن إبرام تركيا هذه الاتفاقية مع حكومة السراج يأتي في سياق سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة والتي ينتهجها أردوغان ومحاولته الضغط بهذه الاتفاقية على دول شرق المتوسط الأخرى من خلال تعطيل "منتدى غاز شرق المتوسط" الذي أقرت هذه الدول ضمنه اتفاقات تعاون فيما بينها لاستغلال موارد النفط والغاز وإنشاء خط نقل الغاز الذي سيمر عبر جزيرة كريت إلى أوروبا، فضلاً عن اللعب بهذه الورقة مع ورقة اللاجئين في مواجهة الاتحاد الأوروبي، وأيضاً محاولة تركيا تهديد الأمن القومي لمصر عبر البوابة الغربية لها.

ويمكن القول بأن هناك العديد من الشواهد والحقائق التي تدلل على تحقق هذا السيناريو، وذلك نظراً لتضارب مواقف الدول الكبرى الفاعلة والمؤثرة في الحالة الليبية، وعدم وجود توافق دولي على حسم الوضع العسكري في ليبيا في ضوء تعارض مصالح هذه الدول.

 

[1] هذا المبدأ أكدت عليه محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر في قضية الجرف القاري بين تونس وليبيا للمزيد حول هذا الحكم راجع: - ICJ, Reports 1982, p.18, Paragraph 87.

 

أحدث المواضيع المميزة