الخريطة السياسية في اليابان بعد شينزو آبي

محمد فايز فرحات | 09 سبتمبر 2020

في 28 أغسطس 2020 أعلن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي Shinzō Abe استقالته من منصبه كرئيس للحكومة ورئيس للحزب الحاكم في اليابان، ليفتح المجال أمام المنافسة على رئاسة الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم والذي يرأسه آبي منذ عام 2012. وبالنظر إلى تمتُّع الحزب بالأغلبية البرلمانية، فمن غير المتوقع أن يواجه المرشح الفائز أية عقبات برلمانية تَحوْل دون توليه منصب رئيس الحكومة، الأمر الذي يعني تولي المرشح الفائز الفترة المتبقية من حكومة آبي حتى إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة المقرر عقدها في أكتوبر 2021. لكن هذه الفترة ستمثل في النهاية فترة انتقالية لحين إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة، وستترك ملامحها على الخريطة السياسية والحزبية في اليابان بعد عام 2021.

شينزو آبي؛ "أيقونة" تيار اليمين في اليابان

ساهمت التحولات الدولية المهمة في النظام العالمي منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي في تصاعد تيار اليمين في اليابان. كان أبز ملامح هذا التيار تأسيس منظمة نيبون كايجي Nippon Kaigi، في سنة 1997، والتي تضم عناصر من اليمين إلى أقصى اليمين الياباني. وتهدف المنظمة إلى تغيير الوعي الياباني الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، بما يعنيه ذلك من إعادة النظر في إرث هذه المرحلة التي انتهت بوضع قيود ضخمة على الحركة الخارجية لليابان، خاصة على الدور الخارجي للجيش الياباني وحق استخدام القوة العسكرية كحق من حقوق سيادة الدولة. وقد تم تأطير هذا القيد من خلال تضمينه في الدستور الياباني الذي وُضع في سنة 1946 بواسطة سلطة الاحتلال الأمريكي آنذاك (1945-1952)، حيث نصَّت المادة التاسعة من الدستور صراحة على أن "الشعب الياباني يتطلع بصدق وإخلاص إلى السلام العالمي القائم على العدل والنظام، ويتنازل إلى الأبد عن الحرب كحق سيادي للدولة، وعن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها كوسيلة لحل النزاعات الدولية. ومن أجل تحقيق الغاية الواردة في الفقرة السابقة، لن يتم الاحتفاظ بقوات برية أو بحرية أو جوية أو غيرها من إمكانات الحرب. ولن يتم الاعتراف بحق الدولة في إعلان الحرب".[1] ومن ثمَّ، فإن مراجعة الدستور، ونص المادة التاسعة تحديداً، تمثل هدفاً رئيساً لتيار اليمين ومنظمة نيبون كايجي.

ويُعد شينزو آبي أحد أهم رموز هذا التيار، وقد تزايد ثقله داخل هذا التيار على خلفية النجاحات التي حققها في مجال المراجعة المطلوبة. إذ نجح هذا التيار في توظيف عدد من التحولات الدولية والأزمات الإقليمية لتعظيم الدور الخارجي لليابان تدريجياً، بدءاً من الغزو العراقي للكويت (المساهمة المالية في تكاليف الحرب)، ثم أحداث سبتمبر 2001 (المساهمة في تقديم الدعم اللوجيستي للحرب في أفغانستان)، والغزو الأمريكي للعراق في 2003 (إرسال قوات يابانية غير مقاتلة للعراق). لكن تيار اليمين شهد دفعة قوية خلال حكومة آبي الثانية (2012-2020)، إذ نجح آبي في توظيف التهديد الكوري الشمالي، والسياسة الصينية في بحري الصين الشرقي والجنوبي، لدعم هذا التوجه. وعمل آبي على تخفيف القيود على الدور الخارجي لليابان بشكل منهجي عبر مجموعة من الخطوات أهمها:

1. تطوير التحالف مع الولايات المتحدة، بحيث يتجاوز النطاق الجغرافي المباشر لليابان ويغطي مناطق نزاع حدودي مهمة مع الصين في بحر الصين الشرقي.

2. توسيع فضاء الحركة الخارجية اليابانية من خلال التحول عن مفهوم "آسيا-المحيط الهادئ" إلى "الإندو-باسيفيك"، وبناء شراكات استراتيجية مع الدول ذات التوجهات والمصالح المشتركة، خاصة الهند وأستراليا.

3. العمل على مراجعة القيود الدستورية والقانونية. وفي ضوء الصعوبات التي ما زالت تواجه تعديل المادة التاسعة من الدستور، فقد نجح آبي في عام 2015، وبعد صراع ضخم مع المعارضة السياسية، في استصدار قانون من البرلمان الياباني يسمح بمشاركة اليابان في مهام قتالية في الخارج جنباً إلى جنب مع القوى الحليفة تحت عنوان "الدفاع الجماعي عن النفس".[2]

الحراك السياسي داخل الحزب الديمقراطي الليبرالي

تبع إعلان شينزو آبي استقالته من منصبه كرئيس للحزب الديمقراطي الليبرالي ورئاسة الحكومة تسارع الحراك داخل الحزب. لكن منطلق هذا الحراك لم يرتبط باستقالة آبي، إذ يرجع إلى قُرْب انتهاء فترة حكومة آبي الحالية، والتي كان من المقرر أن تنتهي في أكتوبر 2021، وهو ما كان يعني استعداد الأجنحة المختلفة داخل الحزب للانتخابات المقبلة والتنافس على رئاسة الحزب. وكان هناك اعتقاد بأنه بعد تأدية آبي اليمين الدستورية لولايته الثالثة بعد انتخابات 2017، فإن الحزب سوف يتجه إلى إدخال تعديلات على القواعد الحاكمة لرئاسة الحزب بشكل يسمح لآبي بتولي رئاسة الحزب لولاية رابعة، لكن شعبية آبي اهتزت بشكل كبير في 2020 بسبب تداعيات جائحة "كوفد-19"، ما أدى إلى توجُّه رموز وقيادات الحزب للتنافس على رئاسة الحزب والاستعداد لانتخابات 2021. بمعنى آخر، فإن قرار استقالة آبي جاء في سياق وجود حالة من الحراك السابقة على قرار الاستقالة. وقد ساهم في تسخين هذا الحراك والمنافسة عدم تزكية آبي لمرشح محدد أو الانحياز لأي من المرشحين المتنافسين على رئاسة الحزب.

وهناك آليتان/طريقتان لاختيار رئيس الحزب داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي. الطريقة الأولى، هي الانتخابات العامة المباشرة بمشاركة جميع أعضاء الحزب على مستوى المحافظات اليابانية، بالإضافة إلى الكتلة البرلمانية للحزب. والطريقة الثانية، يقتصر فيها التصويت على أعضاء الكتلة البرلمانية للحزب، وممثلين للمحافظات اليابانية (3 ممثلين عن كل محافظة بإجمالي 141). ويعتمد الاختيار بين الآليتين على طبيعة اللحظة التي تجري فيها الانتخابات والوقت المتاح لذلك. وقد أعلن الحزب في 31 أغسطس الماضي أن الانتخابات المقبلة سُتجرى في 14 سبتمبر الجاري، وفقاً للطريقة الثانية، ما يعني أن الهيئة الناخبة سوف تضم 535 ناخباً (394 هم أعضاء الكتلة البرلمانية للحزب، بالإضافة إلى 141 ممثلاً عن 47 محافظة يابانية).

وحتى تاريخ كتابة هذه الورقة يتنافس على رئاسة الحزب ثلاثة مرشحين:

1. شيجرو إيشيبا Shigeru Ishiba، من مواليد فبراير 1957، وهو عضو مجلس النواب الياباني منذ 1986، وشغل عدداً من المناصب المهمة خلال حكومات جونيتشيرو  كويزومي، وياسو فوكودا، وتارو آسو، وشينزو آبي، أبرزها مدير عام وكالة الدفاع اليابانية (وزارة الدفاع) في حكومة كويزومي خلال الفترة (2002- 2004)، ثم وزيراً للدفاع خلال العامين (2007- 2008) في حكومة فوكودا، ثم وزيراً للزراعة خلال عامي (2008- 2009) في حكومة آسو، ثم سكرتيراً عاماً للحزب في سبتمبر 2012 بعد عودة الحزب إلى السلطة، قبل أن يُعيِّنه شينزو آبي في سبتمبر 2014 وزيراً لتنشيط الاقتصاد المحلي ومواجهة مشكلة تناقص حجم السكان. وقد نافس إيشيبا على منصب رئاسة الحزب ثلاث مرات، خلال الأعوام 2008، 2012، 2018، لكنه لم ينجح في أيٍّ منها.

ويعد إيشيبا من رموز تيار اليمين الياباني، وهو من أشد المهتمين بالأمور العسكرية، ويؤمن بأن اليابان يجب أن تملك قوة مُناظرة لسلاح مشاة البحرية الأمريكية للدفاع عن سيادتها على الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي. كما أعلن في عام 2011 تأييده احتفاظ اليابان بالقدرة على بناء أسلحة نووية، والقدرة على إنتاج رأس نووي خلال فترة زمنية قصيرة، من خلال تحويل قدراتها النووية السلمية إلى قدرات عسكرية.[3] وأعاد إيشيبا التأكيد على هذا الحق في عام 2017.[4] كما أعلن في 2013، على خلفية الأزمة مع كوريا الشمالية، أن من حق اليابان توجيه ضربة استباقية ضد كوريا الشمالية.[5]

ورغم أن إيشيبا قد عارض ظاهرة الأجنحة داخل الحزب، لكنه اضطر في سبتمبر 2015 إلى تشكيل جناح تحت اسم Suigetsu-Kai لدعم فُرص نجاحه في المنافسة على رئاسة الحزب. وهو عضو أيضاً في منظمة نيبون كايجي.

2. يوشويهيدي سوجا Yoshihide Suga، من مواليد ديسمبر 1948، وهو عضو مجلس نواب منذ 1996، وسكرتير عام الحكومة منذ عام 2012. شغل قبل ذلك عدداً من المواقع التنفيذية المهمة، أبرزها وزير الشؤون الداخلية والاتصالات، ووزير خصخصة الخدمات البريدية، وذلك خلال حكومة آبي الأولى (2006-2007). كما تولى عدداً من المسؤوليات داخل الحزب، منها الإشراف على المقرات الانتخابية والتنظيم في أكتوبر 2011، والقائم بأعمال الأمين العام التنفيذي للحزب في سبتمبر 2012.  

ظل سوجا قريباً من شينزو آبي لفترة طويلة، خاصة خلال النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحالي والنصف الأول من العقد التالي له. وكان من أشد المؤيدين لمنافسة آبي على رئاسة الحزب في انتخابات 2012. وعلى العكس من حلفاء آبي الآخرين، فقد شجَّع سوجا آبي على التركيز على الاقتصاد بدلاً من قضية مراجعة المادة 9 من الدستور، والتي تمثل الطموح الأكبر لشينزو آبي. وأثناء عمله أميناً عاماً للحكومة، عمل سوجا مستشاراً لآبي، وتولى دوراً نشطاً في الحكومة. وكان له دور مهم في مبادرات الحكومة لجذب السائحين والعمال الأجانب وخفض أسعار الهاتف المحمول. وقام بتشكيل فريق لإعادة النظر في "بيان كونو" لعام 1993، بعد أن قررت اليابان تشكيل فريق لمراجعة الخطوات التي أدت إلى إصدار بيان عام 1993 والذي اعترفت فيه اليابان باستغلالها النساء جنسيا خلال الحرب العالمية الثانية[6]، لكن تم حل المجموعة بعد فترة قليلة بسبب عدم وصولها إلى توافق.

كما استطاع سوجا مقاومة رفض الحزب لتنفيذ برنامج فتح الأبواب أمام العمال الأجانب غير المهرة، والتحول عن السياسة اليابانية السابقة التي ركزت على استقبال العمال الأجانب في الوظائف منخفضة الأجر فقط. وكان من أشد الداعمين للإجراءات الصارمة التي اتخذها بنك اليابان لمواجهة الانكماش. وفي عام 2015، وُجهت إليه انتقادات بسبب تشجيعه النساء اليابانيات علناً على "المساهمة في بلدهن" من خلال إنجاب المزيد من الأطفال. وكان سوجا على قائمة الفريق الحكومي المسؤول عن مواجهة جائحة "كوفيد-19"، ووجه خلال هذه الفترة انتقادات شديدة للبيروقراطية اليابانية، بسبب الانقسامات الداخلية وضعف التنسيق بين الوزارات. وتعد فترة عمل سوجا أميناً عاماً للحكومة الأطول في تاريخ اليابان تقريباً (لم يسبقه في ذلك إلا ياسو فكودا الذي تولى المنصب لمدة ثلاث سنوات ونصف تقريباً).

ويحظى سوجا بدعم أجنحة مهمة داخل الحزب، أبرزها جناح تارو آسو، وجناح الأمين العام للحزب توشيهيرو نيكاي، وهما أكبر جناحين داخل الحزب. وهو عضو أيضاً في منظمة نيبون كايجي.

3. فوميو كيشيدا Fumio Kishida، من مواليد يوليو 1957، وهو عضو مجلس النواب الياباني منذ عام 1993، وشغل عدداً من المناصب، أبرزها وزير دولة لشؤون أوكيناوا والمناطق الشمالية خلال عامي 2007-2008 في حكومة ياسو فوكودا، ثم وزير دولة لشؤون الاستهلاك والأمن الغذائي في عام 2008 في حكومة ياسو فوكودا، ثم وزير دولة للعلوم والتكنولوجيا في نفس الحكومة، ثم وزيراً للخارجية خلال الفترة (2012-2017) في حكومة آبي. وفي إطار الاستعداد لانتخابات رئاسة الحزب التي كان من المقرر إجراؤها في سبتمبر 2018، ترك كيشيدا الحكومة في عام 2017، ليتولى رئاسة "مجلس السياسة والبحوث" في الحزب LDP Policy Research Council.

وينحدر كيشيدا من أسرة برلمانية (الأب والجد كانا عضوين في البرلمان الياباني). ومثل أغلب أعضاء حكومة آبي فهو عضو في منظمة "نيبون كايجي". وقد ظل لفترةٍ المرشَّح المفضل من جانب آبي لخلافته في رئاسة الحزب والحكومة، لكن العديد من قيادات الحزب تحولت عن دعمه، بما فيهم "تارو آسو" الذي قال إنه يصلح رئيساً للحكومة في الأوقات العادية وليس في وقت الأزمات.[7]

سيناريوهات مختلفة لمرحلة ما بعد آبي

هناك مستويين لبحث مرحلة ما بعد شينزو آبي. المستوى الأول، الفترة من سبتمبر 2020 إلى أكتوبر 2021، وهي المرحلة المتبقية من حكومة آبي. والثانية، مرحلة ما بعد أكتوبر 2021، وهي مرحلة ما بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة التي يعود فيها الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى المنافسة مع المعارضة السياسية.

1. من سبتمبر 2020 إلى أكتوبر 2021

وفقاً لاستطلاعات الرأي العام التي أُجريت عقب إعلان شينزو آبي استقالته، فإن المنافسة على رئاسة الحزب سوف تنحصر بالأساس بين "شيجرو إيشيبا" و"يوشيهيدي سوجا". ويمتلك كلٌّ منهما عناصر قوة ويواجه في الوقت ذاته بعض مصادر الضعف. ومن ثمَّ، ستعتمد فرص نجاح/فشل أي منهما على المزاج العام للناخب الياباني.

وتتمثل أهم عناصر قوة "إيشيبا" في خبرة المنافسة السياسية على موقع رئاسة الحزب، والخبرة السياسية الواسعة في مجال الدفاع، وموقفه المؤيد بقوة لبناء جيش قوي بما في ذلك امتلاك القدرات النووية، وحق اليابان في توجيه ضربات استباقية ضد كوريا الشمالية. فهذه المواقف تُعطي إيشيبا عنصر تميز في مواجهة "سوجا" داخل تيار اليمين. كما يمتلك "إيشيبا" نقطة قوة أخرى تتمثل في توجهه النقدي لشينزو آبي، الأمر الذي قد يساعده في استقطاب بعض الأصوات المعارضة لآبي.

لكن مع أهمية عناصر القوة السابقة، فإنها قد تفتقد أهميتها خلال المرحلة الحالية، لسببين رئيسين: الأول، أولوية التحدي الاقتصادي على خلفية جائحة "كوفيد-19"؛ فرغم استمرار التهديد الكوري الشمالي وأهميته، لكن لا يزال هناك تيار يرى أن التصعيد ضد كوريا الشمالية ليس المدخل الأفضل في التعامل مع النظام الكوري. والثاني، حالة التعاطف مع آبي بسبب خروجه من السلطة لأسباب صحية، الأمر الذي قد يدعو إلى دعم سوجا الذي عمل من داخل حكومة آبي.

في المقابل، تتمثل أهم عناصر قوة "يوشويهيدي سوجا" في تركيزه المتوقع على القضايا الاقتصادية كأولوية أولى قبل القضايا الأمنية والمراجعة الدستورية، من ناحية، وخبرته الواسعة داخل الحكومة من ناحية أخرى، من خلال دوره كأمين عام للحكومة، الأمر الذي أعطاه فرصة كبيرة لمتابعة العديد من الملفات. وهذه النقطة الأخيرة تُرجِّح كفة "سوجا" لدى التيار المؤيد لاستكمال سياسات حكومي آبي. أضف إلى ذلك، الدعم الذي يحظى به سوجا من جانب أجنحة مهمة داخل الحزب.

ورغم الاهتمام الكبير الذي يوليه إيشيبا للقدرات العسكرية اليابانية، لكن نجاحه في الانتخابات سوف يستتبع تركيز حكومته على المدى القصير على القضايا الاقتصادية، خاصة معالجة تداعيات "كوفيد-19"، لكن سرعان ما سيعطي اهتماماً ملحوظاً بالقضايا الأمنية ومسألة مراجعة الدستور. في المقابل، فإن نجاح سوجا سوف يستتبع تركيز حكومته على القضايا الاقتصادية كأولوية، مثل معالجة تداعيات جائحة "كوفيد-19"، وإصلاح البيروقراطية، والعمل على خلق الوظائف الجديدة، وتعزيز السوق المحلية وتنشيط الاقتصادات الإقليمية، وتعزيز الإصلاح الزراعي، وتعزيز قطاع السياحة. ويتوقّع أيضاً أن تُركِّز حكومته على قضية انخفاض معدلات المواليد من خلال عدد من السياسات التحفيزية، وهي القضايا التي أولاها سوجا اهتماماً كبيراً خلال عمله أميناً عاماً لحكومة آبي. وستأتي قضية تعديل الدستور في ترتيب تالي. ومِن غير المتوقع أن تشهد العلاقة مع الولايات المتحدة أو السياسة اليابانية في الإندو-باسيفيك تغيراً كبيراً في الحالتين.

2. مرحلة ما بعد أكتوبر 2021

من غير المتوقع حدوث تغيُّر كبير في خريطة البرلمان عقب الانتخابات المقررة في أكتوبر 2021، ومن ثمَّ يُتوقَّع استمرار هيمنة الحزب الليبرالي الديمقراطي على البرلمان. والعامل الأهم في استمرار هذه الهيمنة هو ضعف المعارضة السياسية بمختلف تياراتها، بدءاً من أحزاب الوسط ويمين الوسط (الحزب الديمقراطي، وحزب العدالة Komeito)، أو الأحزاب ذات التوجهات اليسارية بدرجاتها المختلفة (الحزب الديمقراطي الدستوري، والحزب الشيوعي الياباني، والحزب الاجتماعي الديمقراطي)، ومعاناة بعضها من الانشقاقات الداخلية.

ونجاح الحزب الديمقراطي الليبرالي في الانتخابات المقبلة سيحمل دلالات مهمة بالنسبة للنظام الحزبي الياباني، أبرزها تكريس استمرار ظاهرة الحزب السياسي المسيطر، والتي استقرت في اليابان بقيادة الحزب الليبرالي الديمقراطي منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، باستثناء فترات محدودة جداً في التاريخ السياسي لليابان. فعلى الرغم من نجاح الحزب الديمقراطي في تحقيق تقدُّم في انتخابات سنة 2009، إلا أن الحزب الليبرالي الديمقراطي سرعان ما عاد إلى السيطرة على السلطة مرة أخرى في عام 2012. ولا يُتوقَّع انتهاء هذه الظاهرة في المدى القريب، على خلفية واقع أحزاب المعارضة. ويحتاج تطور بديل للحزب الليبرالي الديمقراطي إلى وقت طويل. كما أن ذلك يظل مرهوناً بشروط أخرى عديدة، تتعلق بالعلاقة بين الحزب الليبرالي الديمقراطي وكلٍّ من البيروقراطية وقطاع الأعمال، وهي علاقة تاريخية تضمن وجود نوع من التحالف الضمني بين قيادات الحزب وهذين القطاعين المهمين، تضمن الحفاظ على هيمنة الحزب على النظام السياسي الياباني.

خلاصة واستنتاجات

رغم خروج شينزو آبي المفاجئ من الحياة السياسية، والدور المهم الذي لعبه داخل تيار اليمين في اليابان، لكن لا يُرجَّح حدوث تغيرات جوهرية عقب هذا التطور، إذ تنحصر المنافسة بين رمزين من رموز تيار اليمين، هما شيجرو إيشيبا ويوشويهيدي سوجا. والاختلاف الوحيد المتوقَّع تقريباً أنه في حالة نجاح إيشيبا سيكون هناك تركيز أكبر على القضايا الأمنية، وإعطاء أولوية أكبر لهدف مراجعة إرث مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي حالة نجاح سوجا ستكون الأولوية للقضايا الاقتصادية دون إهمال القضايا الأساسية لتيار اليمين. وفي كلتا الحالتين، لن يكون هناك تغيُّر مهم في طبيعة السياسة الخارجية اليابانية، أو تغيُّر في الخريطة الحزبية في البلاد، حيث يُرجَّح استمرار هيمنة الحزب الليبرالي الديمقراطي.

الهوامش

[1] للاطلاع على النسخة الإنجليزية من الدستور الياباني ونص المادة التاسعة منه، انظر: https://japan.kantei.go.jp/constitution_and_government_of_japan/constitution_e.html

[2] REIJI YOSHIDA AND MIZUHO AOKI, “Diet enacts security laws, marking Japan's departure from pacifism,” The Japan Times, Sep 19, 2015. https://www.japantimes.co.jp/news/2015/09/19/national/politics-diplomacy/diet-enacts-security-laws-marking-japans-departure-from-pacifism-2/

[3] Chester Dawson, “In Japan, Provocative Case for Staying Nuclear… Some Say Bombs' Potential as Deterrent Argues for Keeping Power Plants Online,” The Wall Street Journal, October 28, 2011. https://www.wsj.com/articles/SB10001424052970203658804576638392537430156  

[4] "Japan should be able to build nuclear weapons: ex-LDP Secretary-General Ishiba," The Japan Times, 6 November 2017. https://www.japantimes.co.jp/news/2017/11/06/national/japan-able-build-nuclear-weapons-ex-ldp-secretary-general-ishiba/  

[5] “Japan Claims Right to Preemptive Strike on N. Korea,” The Chosunilbo, April 15, 2013. http://english.chosun.com/site/data/html_dir/2013/04/15/2013041501034.html

[6] Ministry of Foreign Affairs of Japan, “Statement by the Chief Cabinet Secretary Yohei Kono on the result of the study on the issue of comfort women," August 4, 1993. https://www.mofa.go.jp/policy/women/fund/state9308.html

[7] "Doubts grow in LDP over Fumio Kishida's ability to succeed Abe," The Japan Times, 20 July 2020. https://www.japantimes.co.jp/news/2020/07/20/national/politics-diplomacy/ldp-fumio-kishida-shinzo-abe/

 

أحدث المواضيع المميزة