الاتفاقية الاقتصادية العراقية-الصينية: سجالٌ حول الأهداف والمنافع

مركز الإمارات للسياسات | 20 فبراير 2020

وقّعت الحكومةُ العراقية برئاسة عادل عبد المهدي قبيل استقالتها على وقع الاحتجاجات الشعبية في نهاية نوفمبر 2019، اتفاقيةَ إطار للتعاون في المجال الاقتصادي مع الصين تتضمن "مبادلة عائدات النفط بتنفيذ المشاريع في العراق". وقد أثارت الاتفاقية سجالاً سياسياً واقتصادياً وحتى شعبياً، وزاد من حدة السجال عدم عرض الحكومة الاتفاقيةَ على مجلس النواب العراقي، واستمرار التعتيم على بنودها.

تُلقي هذه الورقة الضوء على خلفيات توقيع الاتفاقية، وتستعرض أهم ما تسرب من بنودها، وتتطرق إلى المواقف السياسية منها، وتناقش دعاوى أنها تصب في مصلحة إيران.

السياق السياسي لتوقيع الاتفاقية

جاء توقيع الاتفاقية العراقية-الصينية في 23 سبتمبر 2019 في العاصمة الصينية بيجين، متزامناً مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية المطالِبة بالإصلاح السياسي ومكافحة الفساد وإنهاء فوضى السلاح، والتي وجدت القوى السياسية فيها سبباً إضافياً للخلاف الذي سُرعان ما امتدَّ إلى الأوساط الاقتصادية والشعبية، التي انقسمت ما بين مؤيد ومعارض ومرتاب، نظراً لحجبها عن النواب ووسائل الإعلام التي استطاعت لاحقاً الحصول على جزء من نصوصها المسربة؛ الأمر الذي أثار مخاوف كبيرة مما اعتُبر نقصاً في الشفافية، ورغبةً حكومية في إخفاء المخاطر التي تكتنف الدخول في شراكة تجارية استراتيجية مع إحدى أكثر الدول العظمى تعاطياً مع الأنظمة السياسية الفاسدة حول العالم.

بدا عادل عبد المهدي إبان سفره إلى الصين على رأس وفد ضخم ضم معظم وزراء حكومته ونحو 14 من بين 18 محافظاً، حريصاً على الترويج للاتفاقية باعتبارها باكورة خططه للنهوض بالاقتصاد الوطني، والنفخ فيها إعلامياً من خلال الحديث عن حجم متراكم من الاستثمارات يتجاوز 500 مليار دولار، وهو ما يفوق جميع النفقات الاستثمارية التي خصصتها الحكومات العراقية المتعاقبة بعد العام 2003، لمشاريع البنية التحتية، وذهب معظمها هدراً بسبب شبكات الفساد السياسي والمالي. وكان عبد المهدي يسعى من خلال الترويج للاتفاقية إلى تدعيم موقف حكومته المتزعزع في مواجهة سلسلة الاستجوابات التي كانت تتهدد عدداً من وزرائه، ونهاية مهلة العام التي حددها زعيم التيار الصدري له لتحقيق إنجازات ملموسة في تحسين ظروف المواطنين، قبل النزول إلى الشارع وقيادة حركة احتجاجية لإطاحته. علماً أن الاتفاقية أصلاً قد تم التوصل إليها إبان حكومة حيدر العبادي، ووقّع عليها رسمياً وكيل وزارة المالية العراقية ووزير المالية الصيني في 11 مايو 2018، دون أن تسترعي اهتمام أو اعتراض أي من الأطراف السياسية.

من الناحية الدستورية، لا  تُعتبر أيَّ اتفاقية اقتصادية دولية على هذا المستوى نافذةً إلا بعد مصادقة مجلس النواب عليها، إلا أن حكومة عادل عبد المهدي سارت على خطى سابقاتها في الالتفاف حول هذه العقبة، عبر الذهاب إلى إدراج المشاريع المزمع تنفيذها ضمن الاتفاقية في قانون الموازنة العامة لعام 2020، بهدف تحصينها ضد المساومات السياسية المعتادة، وإرغام البرلمان على تمريرها تحت ضغط المطالبات بإطلاق المزيد من الدرجات الوظيفية في القطاع العام، ودفع مستحقات الشركات والمقاولين والفلاحين وموردي كافة المستلزمات لمؤسسات الدولة المختلفة، وتسديد الديون الداخلية والخارجية، التي تعتمد كلها على تمرير قانون الموازنة العامة.

الجزء المُعلَن من الاتفاقية

الاتفاقية بشكل مختصر، كما كشفها المستشار الاقتصادي لعادل عبد المهدي الدكتور مظهر محمد صالح، بعد تصاعد الجدل بين القوى السياسية والأوساط الإعلامية والرأي العام، هي عبارة عن قرض ائتماني صيني قدره 10 مليارات دولار يتم تسديده عبر وضع عائدات 100 ألف برميل من صادرات النفط الخام العراقي إلى الصين في حساب خاص في أحد البنوك الصينية، وتبلغ قيمة تلك العائدات نحو ملياري دولار في السنة بأسعار اليوم التي قُدرت 55 دولاراً أمريكياً. وتبلغ مدة الاتفاقية عشرين عاماً. والاتفاقية من حيث الشكل العام تخلو من الشروط الجزائية، وتندرج ضمن اتفاقيات الصداقة، وفي حالة حصول خلاف يتم اللجوء إلى هيئات التحكيم الدولية، وهي قابلة للتمديد والزيادة إذا شاء الجانب العراقي، وتتضمن عدة أمور من بينها: 

  1.  إنشاء صندوق عراقي-صيني للإعمار، تُشرف عليه الحكومة العراقية عبر البنك المركزي والحكومة الصينية بضمانة مؤسسة التأمين الصينية "ساينو شور"Sinosure ، تحجز فيه إيرادات 100 ألف برميل يومياً من النفط العراقي المباع إلى الصين، مقابل أن تضع الحكومة الصينية مبلغ 10 مليارات دولار بفوائد مدعومة من قبلها.
  2. إذا نجحت الحزمة الأولى من المشاريع، ورغب العراق في زيادة الاستثمارات، يتم رفع سقف إيرادات مبيعات النفط العراقي إلى 300 ألف برميل يومياً، وبالمقابل تزيد الصين سقف الإقراض إلى 30 مليار دولار، ثم يودع المبلغ في مصرف "سيتي بنك-الصين"، الذي يقوم لاحقاً بتحويله إلى حساب العراق في المجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في نيويورك (الذي يشرف على مبيعات النفط العراقي الإجمالية)، قبل أن يحول المبلغ إلى حساب جديد يسمى "حساب الاستثمار"، ويتم إنشاء حساب آخر يسمى "خدمات الديون"، ويُخصص لدعم نسبة الفائدة، ويُستقطع مبلغه من حساب الاستثمار.
  3. المشاريع المستهدفة: يشمل الصندوق تغطية عدة مشاريع للبنية التحتية، من بينها: مطارات، ومدارس، وتعبيد الطرق الخارجية، وسكك حديد، ومعالجة تلوث المياه، وبناء مجمعات سكنية، ومشاريع الطاقة، وأخرى حسب طلب الحكومة. وإذا كانت كلفة أحد هذه المشاريع مليار دولار، فإن المبلغ يُؤخذ من الصندوق بواقع "850 مليون دولار من الصين و150 مليون دولار من مبيعات النفط العراقية".
  4. يحق للعراق اختيار شركات عالمية "أوروبية أو أمريكية" لتكون شريكة مع الصين بحسب نوع المشروع.

ووفقاً لبنود هذه الاتفاقية ثمة عدة حسابات تتولى عملية إدارة مراحل الاتفاقية، وهي:

  1. حساب التسويات: وهو الحساب الأول الذي يتولى مهمة إيداع 10% من صافي عوائد الصادرات النفطية الشهرية البالغة 100 ألف برميل يومياً، لحساب شركتين صينيتين "لم يذكر اسمهما"، ضمن حصة العراق في منظمة الأوبك وليس خارجها.
  2. الحساب التحوطي: يتضمن مبالغ تقابل الحاجة المستقبلية لتسديد خدمة الديون عند الاقتراض من المصارف الصينية، التي ستضمن تمويل مشاريع الإعمار المنفذة في العراق. ويقتضي وضع مبالغ احتياطية في هذا الحساب تساوي بالحد الأدنى 150% من قيمة خدمة الديون المترتبة على المشاريع لفترة 6 أشهر قادمة، وهذه القروض تكون هي الأخرى بضمانة مؤسسة "ساينو شور" الصينية.
  3. حساب إعادة الدفع: والذي يمثل مساهمة الجانب العراقي كنسبة من مبالغ القروض، التي سوف يتسلمها من المصارف الصينية؛ إذ ستودع المبالغ التي سيساهم العراق فيها وتسجل في حساب "إعادة الدفع" البالغة 15% من قيمة كل قرض وتحول من الحساب الثالث أو الحساب الثاني، ليحصل العراق عند الحاجة على ائتمانيات تعادل 1.8 مليار دولار ضمن النسق الائتماني البالغ 10 مليارات دولار يساهم العراق فيها بنسبة 15% تودع في حساب إعادة الدفع، وذلك لتسديد الفائدة والأقساط على الديون المتحققة، وأن 85% الأخرى المتبقية تمثل القرض المقدم من الجانب الصيني.
  4. حساب الاستثمار: توضع في هذا الحساب أموال عراقية فائضة، وتكون الأموال تحت تصرف الحكومة العراقية سواء لتمويل مشاريع في العراق من جانب الشركات الصينية أو الشركات الدولية أو للتجهيز.

نقاط الخلاف

لم يمكن لحدث بأهمية توقيع الاتفاقية بين العراق والصين، ليمر دون إثارة موجة من الجدل السياسي المعتاد، فضلاً عن نقص المعلومات والتكتم الحكومي الممزوج بفقدان ثقة الرأي العام المزمن بالطبقة السياسية، التي لا تنقصها الرغبة ولا الدوافع للمزايدة بقصد الابتزاز السياسي أو الحصول على حصة من كعكة المشاريع والمقاولات، مع ملاحظة التحول السريع وغير المبرر في مواقف القوى والأحزاب السياسية من التأييد إلى المعارضة وبالعكس. وفيما يأتي استعراض للموقفين الرئيسين من الاتفاقية:

1. الفريق المعارض: اعتبر الفريقُ المعارض للاتفاقية بشكلها المعلن بأنها بمنزلة رهن نفط العراق لدولة يحفل سجلها بتوريط الدول الفقيرة أو التي تعيش في ظل أنظمة فاسدة مثل الحكومات العراقية المتعاقبة، في ما يُعرَف بـ"فخ الديون الصينية" تحت غطاء اتفاقيات التعاون، والتي انتهت بها إلى رهن ثرواتها النفطية للصين مثل أوغندا، أو فقدان الجزء الأكبر من ملكية المنشآت التي تم إنشاؤها وأشهرها ميناء "چوادر" في باكستان، وميناء مومباسا في كينيا، وميناء "هامبانتوتا" في سريلانكا، وميناء "دوراليه" في جيبوتي. وهي السوابق التي تثير مخاوف الفريق المعارض لعدد من الاعتبارات:

  1. ارتفاع فرص تبديد القروض الصينية على مشاريع غير ملحة مثل ميناء الفاو الكبير، في ظل امتلاك العراق ستة موانئ أخرى تَفي بالحاجة حالياً. ومقابل حصول الصين على فرصة للاستحواذ على الميناء كما حصل مع دول أخرى، وإحكام قبضتها على مشروع القناة الجافة التي كان يخطط العراق لإنشائها من أجل الربط بين الخليج العربي وأوروبا عبر شبكة طرق وسكك حديد، فضلاً عن أنابيب الغاز والنفط.
  2. الديون المترتبة على الاتفاقية ستقود إلى رهن النفط العراقي لفترة طويلة لصالح الصين، فإذا كان مجموع القروض يبلغ 100 مليار دولار بسعر فائدة 6%، مقسمة على عشر سنوات في حدها الأدنى، فإن سدادها سيحتاج إلى اقتطاع نسبة كبيرة من الميزانية العامة للدولة. هذا إذا افترضنا بقاء النفط العراقي بنفس السعر الذي يُباع به الآن، أما إذا انخفض فإن العراق سيكون ملزماً بزيادة الكمية المصدرة من النفط ليتمكن من إيفاء الديون، ما يعني ضياع أهم مورد اقتصادي للعراق.
  3. عدم وجود ضمان بتنفيذ المشاريع وفق المواصفات المطلوبة، في ظل النفوذ الكبير الذي تتمتع به اللجان الاقتصادية في الأحزاب السياسية العراقية، وخاصة الفصائل الشيعية المسلحة التي لن تتردد في فرض الشركات التابعة لها كمقاول ثانوي، أو حتى الاستيلاء على تنفيذ المشاريع من الباطن.
  4. عدم إلزام الشركات الصينية بتشغيل نسبة من العمالة المحلية؛ ما يعني بأن معدلات البطالة لن تتأثر بأي نهضة عمرانية في ظل احتكار العمالة الصينية لكل مراحل العمل.
  5. مخاطر وقوع العراق في شرَك تقاضي أثمان النفط المصدَّر إلى الصين بعملة "اليوان" الصينية، في حال تأخره في سداد أقساط الدين؛ ما يعني ارتهان ثلث صادرات وواردات العراق لصالح الصين.

2. الفريق المؤيد: يَعتبر هذا الفريق الاتفاقية واحدة من أهم الاتفاقيات في النصف الثاني من عمر الدولة العراقية الحديثة، ورافعةً مهمة للنهوض بالواقع الاقتصادي ودفع عجلة التنمية بعد عقود من الحروب المتتالية، استناداً إلى جملة من المعطيات، أبرزها:

  1. المئة ألف برميل يومياً المطلوب حجز عائداتها في صندوق تمويل الاتفاقية، لا تشكل رقماً كبيراً من حجم صادرات النفط العراقي الذي يناهز 4 ملايين برميل يومياً، ويُتوقع أن يزيد قرابة مليونين برميل في العقد المقبل.
  2. الأموال الصينية ليست قروضاً بل تسهيلات تمويل سلس، بديلة عن طرق التمويل التقليدية التي تعاني من الروتين، فضلاً عن التخلص من قيود البيروقراطية الحكومية في العراق، التي لطالما تسببت في تأخير المصادقة على المشاريع وعرقلة صرف الأموال المرصودة لها، وتمديد فترة التنفيذ دون ضوابط واضحة، عبر إحالة العقود الكبيرة مرة واحدة من قبل لجنة وزارية مصغرة أو مجلس إعمار.
  3. لا تتضمن الاتفاقية شروطاً جزائية ولا متطلبات اقتصادية مثل خفض العجز والحد من الإنفاق ورفع الدعم عن المحروقات، التي يطلبها عادة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فضلاً عن وجود بند باللجوء إلى هيئات التحكيم الدولية في حال حدوث خلاف، سواء بين العراق والشركات الصينية، أو مع الصين كدولة.
  4. الفوائد التي تفرضها الصين على قروضها للعراق منخفضة للغاية مقارنة بباقي الدول والمؤسسات المالية الدولية أو البنوك العالمية، نظراً للتصنيف الائتماني المتدني للعراق لدى وكالات التصنيف الائتمانية مثل فيتش وموديز، بسبب ارتفاع مخاطر عدم السداد لدولة تعاني من عدم استقرار شبه دائم كالعراق.
  5. عمر الاتفاقية 20 عاماً، أي أن الفترة ستكون طويلة وأقساط التسديد صغيرة بما لا يؤثر على ميزانية الدولة، فضلاً عن الحد من ضياع الوقت وتأخير إنجاز المشاريع المعتاد الذي يضاعف من الكلفة المادية والبشرية الناتجة عن الافتقار إلى البنية التحتية والخدمية والاستثمارية.

تأييد شيعي خالص

وصف النائبُ ورجل الأعمال البارز السني محمد عبد الله الخربيط، الاتفاقيةَ العراقية الصينية بـ "أسوأ صفقة في التاريخ"، وهذا الموقف يُعتبر انعكاساً للمواقف التي يتم تداولها في أوساط تحالف القوى العراقية "السني"، بزعامة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وبخاصة أن رئيس لجنة الطاقة البرلمانية هيبت الحلبوسي والعضو في التحالف طالب الحكومةَ بإرسال نسخة من الاتفاقية إلى البرلمان منتصف شهر يناير الماضي، للاطلاع على فحواها إثر تصاعد الجدل حولها.

في المقابل أبدت الأطراف السياسية "الشيعية"، لاسيما المقربة من إيران اهتماماً كبيراً بالاتفاقية العراقية-الصينية، وحاولت جاهدة رد الشبهات عنها، والحث على المضي بها حتى النهاية، ووضْع الالتزام ببنودها كشرط أساسي على رئيس الوزراء المكلف، كما عبّر عنه صراحة زعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي بتغريدة في 27 يناير 2020، تضمنت سبعة شروط كان السادس منها: "أن يتعهد بتنفيذ الاتفاقية العراقية الصينية". وبعد يوم واحد فقط، أعلنت كتائب "حزب الله" شروطها على رئيس الوزراء الجديد، وكان من ضمنها تنفيذ الاتفاق مع الصين؛ الأمر الذي عزز الشكوك في وقوف طهران خلف تشجيع العراق على توقيع الاتفاقية لعدة أسباب، أهمها:

  1. تُعد الاتفاقية وسيلة لتمويل اقتصادها الذي يعاني من أزمة كبيرة بفعل العقوبات الأمريكية المتصاعدة، الأمر الذي لمّح إليه زعيم حزب "الحل" جمال الكربولي الذي قال في تغريدة له "ببساطة اتفاقية الصين هي خطة إنقاذ اقتصادية وضعتها دولة مجاورة وفرضتها على الحكومة العراقية من أجل تمويل اقتصاد تلك الدولة من المال العراقي بالباطن، كما تفعل منذ سنوات، وهي تسعى بكل طاقتها لتمديد عمر حكومة تصريف الأعمال لضمان تنفيذ تلك الاتفاقية"، في إشارة إلى إيران التي يحتمل أن تأخذ حصتها عبر دخول شركاتها كمقاول ثانوي.
  2. استخدام الاتفاقية كمنفذ لشحن النفط الإيراني إلى الصين بصورة دائمة ومستقرة بوثائق شحن عراقية، كما يجري على نطاق ضيق منذ أشهر. وهو ما أشارت إليه صحيفة "اندبندنت عربية" (30 يناير 2020) التي نقلت عن مصادر عراقية مسؤولة قولها بأن "إيران وجّهت زعماء المليشيات العراقية بالضغط لتنفيذ هذا الاتفاق لأنه يمثل غطاءً مثالياً لتصدير النفط الإيراني على أنه نفط عراقي"، فالنفط على ما يبدو سيكون إيرانياً وليس عراقياً، على أن تقوم بغداد بتسديد ثمنه لإيران نقداً أو من طريق تجهيزها بالمواد والمعدات التي ستورد إلى العراق على أنها جزء من متطلبات تنفيذ المشاريع المدرجة في الاتفاقية.

لماذا العراق؟

تُحيق بالعراق مخاطر خلال الأعوام المقبلة، في ظل النمو القياسي في عدد السكان، واستمرار شلل الاقتصاد الإنتاجي، فضلاً عن علاقته المترنحة مع واشنطن، مع تواصل ضغوط الفصائل الموالية لإيران على الحكومة لإجلاء القوات الأمريكية دون اكتراث بردة فعل الرئيس دونالد ترمب، وتهديداته بفرض عقوبات اقتصادية صارمة. والعراق في وضعه الاقتصادي والمالي المتردي يمثل فرصةً واعدة بالنسبة لبيجين من أجل دعم حضورها على الساحة العراقية؛ بدايةً من التغلغل في قطاع النفط والغاز العراقي، والإيراني أيضاً، اللذين تكاد تتلاشى الحدود فيما بينهما، مما يوفر للصين فرصة ذهبية لاستغلال العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على إيران، من أجل الحصول على إمدادات الطاقة بأسعار مخفضة، والدفع بتنفيذ المقطع قبل الأخير من المحور الشمالي الثاني من طريق الحرير الجديد، الذي يربط غرب الصين بالبحر المتوسط، عبر خط سكك حديد، بما يجعل استخدام القطارات لنقل البضائع إلى أوروبا أسهل وأسرع وأقل كلفة. فضلاً عن احتمالات وضع يدها تدريجياً على الموانئ العراقية، في إطار توسيع نطاق مشروع "مدينة الحرير الجديد" الذي أبرمته لاستثمار الجزر الكويتية الخمس، ويبدو مستقبله مرهوناً بتحوله إلى عقدة وصل بين طريق الحرير البحري ومسار قطار بغداد-برلين القديم؛ مما يجعل إعادة تأهيل شبكة سكك الحديد العراقية وفق المعايير الصينية أولويةً قصوى بالنسبة لطموحات بيجين في المنطقة.

ورغم أن الصين تتجنب طرح نفسها كبديل عن الولايات المتحدة، في العراق بالذات، إلا أن مجريات الأحداث تشير إلى أنها راغبة في ملء الفراغ الذي تدفع إليه القوى الشيعية بإصرارها على فك ارتباط العراق الكامل مع الولايات المتحدة، لصالح علاقات تعاون استراتيجية مع الصين. وهو التفسير المنطقي الوحيد لتبرير الحماس لربط العراق بترتيبات إقراض كبيرة وطويلة الأمد مع الصين، رغم أنه لا يزال يمتلك احتياطياً نقدياً مريحاً من العملة الصعبة، واحتياطيات ضخمة من النفط والغاز، يمكن أن تُستعمل كضمانة في اتفاقيات أكثر توازناً وتنوعاً مع عمالقة الاقتصاد العالمي، بدلاً من المخاطرة بالوقوع في فخ القروض الصينية المسمومة.

السيناريوهات المحتملة بشأن مستقبل الاتفاقية

السيناريو الأول: المضي قُدُماً بالاتفاقية العراقية-الصينية. يفترض هذا السيناريو أن ينجح رئيس الوزراء المكلف (محمد توفيق علاوي في حال تمرير حكومته أو غيره)، في تنفيذ الاتفاقية العراقية-الصينية بنفس الصيغة التي تم الاتفاق عليها إبان الحكومة السابقة. ويدعم هذا السيناريو عدد من المعطيات، أبرزها:

  1. اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ الاتفاقية، فكانت وسائل إعلام محلية سربت مؤخراً كتاباً رسمياً يشير إلى أن العراق قام بإيداع مبالغ مالية لشحنات مصدرة وفقاً للاتفاقية العراقية-الصينية في حساب لدى الفيدرالي الأمريكي وبمجموع مبالغ تزيد على 400 مليون دولار، وذلك لشهري أكتوبر ونوفمبر فقط.
  2. الاهتمام الكبير الذي تُبديه القوى السياسية المقربة من إيران، والفصائل الولائية بالذات، التي تعتبر الاتفاقية الطريقةَ الوحيدة لإثبات أهليتها لقيادة البلاد في المرحلة المقبلة، بدلاً من القوى الشيعية التقليدية التي صارت رمزاً للفساد والفشل.
  3. حاجة البلاد إلى إنعاش البنية التحتية المتهالكة بفعل التقادم والحروب وسوء التشغيل والصيانة.
  4. الحاجة إلى تحقيق إنجازات سريعة تخفف من السخط الشعبي، لاسيما لدى فئة الشباب التي بات يأسها من الحصول على فرص تعليم وعمل ونوعية حياة أفضل، المحركَ الرئيس لموجات الاحتجاج التي باتت دورتها أسرع وأعنف من السابق.
  5. دور العراق الحيوي في إنجاح المشروع الصيني الكويتي الضخم  المعروف بـ "مدينة الحرير"، الذي يفترض أن يربط بين المحور البحري في مبادرة "الحزام والطريق" والمحور البري الشمالي الثاني، عبر خطوط سكك الحديد التي توجد معلومات بموافقة العراق على السماح بربطها مع الموانئ الكويتية رغم المعارضة القوية التي يُبديها خبراء النقل العراقي، الذين اعتبروا الأمر بمثابة المؤامرة على مستقبل الموانئ العراقية، لاسيما ميناء الفاو الكبير، الذي لن يكون من مصلحة الصين الإسراع في إكماله دون الحصول على حوافز تفوق تلك التي حصلت عليها من الكويت.

السيناريو الثاني: تعثُّر تطبيق الاتفاقية. يفترض هذا السيناريو أن تَحُول الظروف السياسية التي يشهدها العراق دون المضي في تنفيذ الاتفاقية بالطريقة التي خُطط لها، نتيجة عدة اعتبارات، أبرزها:

  1. الموقف الأمريكي لاسيما تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب، الذي لا يُخفي سخطه من الكلفة المادية الهائلة التي تكبدتها الولايات المتحدة، في عملية "تحرير العراق" والحرب ضد تنظيم "داعش"، ومطالبته الصريحة للعراق بالتعويض. وبالتالي لن يقف مكتوف الأيدي أمام منح الحكومة العراقية الأفضلية للصين في مشاريع إعادة الإعمار، ومحاولة إنهاء النفوذ الأمريكي في العراق، مما ينذر بفرض عقوبات اقتصادية على العراق في حال لم يجد طريقة لإرضاء واشنطن عبر التعجيل بالتوقيع على "مشروع الجنوب المتكامل"، لتطوير حقلي "بن عمر وإرطاوي" العملاقين، مع ائتلاف شركتي "إكسون موبيل" و"بتروشاينا" الصينية، بشروط ميسرة ونسب أرباح مُرضية للجانب الأمريكي؛ وهو الأمر الذي يُستبعد حصوله في ظل هيمنة حلفاء إيران العقائديين في تحالف الفتح، والسياسيين في التيار الصدري، على القرار السياسي في البلاد.
  2. عدم وجود موقف موحد داخل القوى السياسية إزاء الدول الكبرى؛ إذ ينظر البعض إلى الولايات المتحدة بكونها الشريك الأهم، فيما يرى فريق آخر بأن العراق لم يكسب شيئاً من علاقته بالولايات المتحدة وعليه التوجه نحو الدول الكبرى، لاسيما التي لا تدور في الفلك الأمريكي مثل روسيا والصين وربما الهند، فيما ينادي فريق ثالث بضرورة بناء شراكة متوازنة تضمن التعاون مع كافة الأقطاب المؤثرة لتحقيق نتائج أكبر.
  3. رغم أن الاتفاقية لا تحتاج إلى إذن تشريعي خاص، إلا أن المشاريع التي تحتويها لا يمكن البدء في تنفيذها من دون قانون الموازنة العامة الذي لطالما خضع لمساومات الكتل السياسية وتسبب في تأخر إطلاق الأموال لفترات طويلة تجاوزت في الأحيان نصف عمر السنة المالية.
  4. الوضع الأمني المتعثر الذي دخل طوراً جديداً أكثر تعقيداً مع توالي اندلاع موجات الاحتجاج، لاسيما في محافظات الجنوب، مكمن الجزء الأعظم من الثروة النفطية العراقية وموطن عدد من أكبر المنشآت الحيوية مثل الموانئ والمطارات.

 

أحدث المواضيع المميزة