العراق وخطر تفشي وباء فيروس كورونا: التدابير والتداعيات والسيناريوهات

مركز الإمارات للسياسات | 24 مارس 2020

بالرغم من أن العراق لا يزال، بحسب الأرقام الرسمية ورصد وسائل الإعلام ومتابعات مواقع التواصل الاجتماعي، يحتل مرتبة متأخرة على لائحة الدول المتأثرة بفيروس كورونا المستجد، نسبةً إلى مجاورته لإيران، إحدى أكبر بؤر تفشي الفيروس، وحركة النقل والتنقل الكثيفة معها، إلا أن الظروف جميعها مهيأة لتحويل هذا الخطر العالمي إلى تهديد وجودي للشعب العراقي لا تقل خطورته عن خطر اجتياح تنظيم "داعش" لأجزاء واسعة من البلاد عام 2014.

دفاعات مُهلهَلة 

يُمثِّل الوضع المُزري الذي وصل إليه القطاع الصحي في العراق، أحدَ أبرز أوجه فشل النظام السياسي العراقي الجديد. فرغم تخصيص عشرات المليارات من الدولارات من أجل إعادة تأهيل وبناء المستشفيات والمراكز الصحية على اختلاف تخصصاتها ودرجاتها، إلا أن المؤسسات الصحية في البلاد اليوم لا تزال بعيدة جداً عن بلوغ مرحلة تقديم خدمات بالمعايير المتوقعة من دولة نفطية "غنية"، حيث تشير الدراسات المنشورة عن واقع النظام الصحي في العراق إلى جملة من المشاكل التي لا تجعله عاجزاً عن مواجهة تفشي وباء فيروس كورونا، فحسب وإنما غير قادر على القيام بوظائفه العادية؛ ما جعله يَتذيل التصنيف العالمي بحلوله في المركز 176 بحسب تقييم منظمة الصحة العالمية. وهذه الحال المتردية للقطاع الصحي تعود إلى جملة أسباب، أهمها:

  1. شحة التمويل وتدني الأولوية الممنوحة للصحة في الموازنة الحكومية، ما خلّف آثاراً مباشرة على قدرة الأفراد في الوصول إلى رعاية صحية جيدة، وتَعرُّضهم إلى مصاعب مالية أو الوقوع في براثن الفقر نتيجة الإنفاق المباشر على الخدمات الصحية. فمن إجمالي الموازنة العامة لعام 2019 التي بلغت نحو 133 تريليون دينار عراقي (أكثر من 110 مليارات دولار أمريكي)، خُصص لقطاعي الصحة والبيئة مجتمعين مبلغ 6 تريليونات دينار (5 مليارات دولار)، أي ما نسبته 4.5 بالمئة من الموازنة، وهو ما لا يتوقع أن يتحسن في موازنة العام 2020 التي تواجه عجزاً غير محدد لكن لن يقل عن خمسين تريليون دينار. وتُعد تلك النسبة متدنية، إذ تعادل أقل من 1 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في العراق، مقارنة بنسبة 3.6 بالمئة في الأردن، و3.8 بالمئة في لبنان، و4.1 بالمئة في إيران. 
  2. تهالُك البنية التحتية للقطاع الصحي؛ إذ تشير الأرقام إلى أن عدد المراكز الصحية الرئيسة والفرعية يبلغ 2765 مركزاً، والتي تمثل نسبة 7.2 بالمئة لكل مئة ألف نسمة؛ ما يجعل العراق بحاجة إلى 3000 مركز صحي إضافي لمواكبة المعايير الدولية. وبحسب الأرقام التي أوردها الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2016، يوجد 260 مستشفىً حكومياً (عدد منها خرج من الخدمة نتيجة الحرب ضد تنظيم داعش وتحتوي قلة منها على وحدات العناية المركزة)، و121 مستشفىً أهلياً (الأغلبية الساحقة منها تقدم خدمات محدودة، وأسعارها باهظة إلى حد جعلها خارج متناول عامة المواطنين وتفتقر إلى غرف العناية المركزة). وهذا العدد من المستشفيات يغطي ما يقدر بنحو 40 مليون نسمة بحسب تقديرات وزارة التخطيط العراقية لعام 2019.
  3. نقص أعداد العاملين من الأطباء والكوادر التمريضية، وسوء توزيعها وعدم كفاية تدريبها، فضلاً عن ظروف العمل غير الملائمة والتهديدات الأمنية سواء من الجماعات المسلحة أو الإجرامية أو العشائر، التي أدت وتؤدي إلى هجرة الكفاءات الطبية.
  4. عدم اتباع الأساليب الحديثة في إدارة الموارد البشرية، وتأثير الضغوط السياسية في فرض ممارسات لا منهجية، فضلاً عن غياب التنسيق بين النظام الصحي وبين المؤسسات التعليمية التي تديرها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
  5. التطبيق غير المدروس للامركزية الإدارية، بنقل بعض الصلاحيات من وزارة الصحة إلى الحكومات المحلية، الذي أدى إلى تكريس الممارسات الخاطئة ومضاعفة الثغرات وسوء توزيع الموارد البشرية.

إجراءات صُورية 

بدَت الحكومة المستقيلة، التي اختار رئيسُها الدخولَ في حالة "الغياب الطوعي" عن إدارة مهام مَنْصِبهِ، غير عابئة بالتطورات المتسارعة في ملف انتشار فيروس كورونا، رغم التحذيرات التي أطلقها خبراء الصحة العامة وأخصائيو الأمراض المعدية والفيروسات من أن الإجراءات الاحترازية التي أقرتها خلية الأزمة الوزارية لا ترتقي إلى مستوى الحدث، لاسيما الاكتفاء بنشر أجهزة فحص الحرارة في المطارات والمنافذ الحدودية، وعدم اتخاذ قرارات فورية بوقف الرحلات الجوية والشحن البحري بين العراق والصين. وهو ما لم يجد آذاناً صاغية حتى بعد وصول الفيروس إلى إيران، وتوالي الأنباء عن تسجيل المزيد من حالات الإصابة بين المواطنين الإيرانيين في مدينتي قم ومشهد، الوجهتين السياحتين الأهم التي يقصدها مئات الآلاف من العراقيين سنوياً لزيارة مزاراتها الشيعية المقدسة، فضلاً عن عشرات الآلاف من المرضى الذين يقصدون إيران للتطبب في مستشفياتها.

لكنْ بعد ساعات من تسجيل أول اصابة بفيروس كورونا في مدينة النجف يوم 25 فبراير الماضي، لطالب إيراني في الحوزة الدينية، اتخذت خليةُ الأزمة قراراً بحظر دخول المواطنين الإيرانيين إلى البلاد لمدة خمسة عشر يوماً، وتعليق الرحلات الجوية بين البلدين، بينما عمدت وزارة التربية إلى تأجيل الامتحانات وتمديد مدة العطلة الربيعية، في حين قررت وزارة التعليم العالي إغلاق الجامعات واعتماد أسلوب الدراسة عبر الإنترنت؛ ما عده كثيرون اعترافاً بالعجز عن مواجهة الموقف، لاسيما مع تصاعد شكاوى كوادر وزارة الصحة من عدم توافر أبسط لوازم الوقاية كالكمامات والقفازات الطبية، ناهيك عن غياب الوقاية المتكاملة، وتجاهل مخاطر عدم إخضاع آلاف من العائدين من إيران لفترة الحجر الصحي، والتعويل عليهم في الدخول في فترة حجر منزلي، وهو ما لم يتم الالتزام به.

وسُرعان ما بدأت عواقب التقصير الحكومي بالظهور، مع تسجيل المزيد من المصابين بالفيروس في شتى أنحاء البلاد، وحصول نسبة وفيات ثابتة قاربت 10 بالمئة مقارنةً بعددهم الكلي، وهو الأمر الذي دفع المراقبين إلى التعبير عن شكوك قوية بمصداقية الأرقام الرسمية المعلنة، والترجيح أن عدد المصابين في العراق يفوق الأرقام المعلنة بكثير.

وبحسب الأرقام المعلنة، وصل حتى الآن، مجموع الحالات المصابة بالمرض 266 حالة، في حين بلغ عدد الوفيات 23 حالة، إلا أن هناك عوامل ترجح أن الأرقام الحقيقية أكبر من الأرقام المعلنة، هي:

  1. قَصْر السلطات العراقية فحص العينات مخبرياً على الحالات المتأخرة والأشخاص المخالطين لها، إضافة إلى الأخطاء المخبرية التي أظهرت نتائج أولية سلبية لدى بعض الأشخاص، مما منحهم الحرية في مزاولة حياتهم الاجتماعية، فضلاً عن التعتيم الرسمي على عدد الوفيات التي دأبت السلطات الصحية على تبريرها بتقدم السن ونقص المناعة الناتج عن تعاطي أدوية السرطان وأمراض الحساسية.
  2. امتناع أغلب المصابين عن الإفصاح عن مرضهم لأسباب اجتماعية وتجنباً للوصمة التي لحقت بمن تم الحجر عليهم صحياً، أو تهرباً من الخضوع للحجر الصحي في المستشفيات الحكومية التي تفتقر إلى أدنى شروط الإقامة الآدمية، فضلاً عن سوء المعاملة من قبل الكوادر الصحية التي أظهرت مقاطع الفيديو المسربة درجة كبيرة من التوتر والخوف وقلة المهنية والاحترافية في التعامل مع الأشخاص المحجور عليهم.
  3. قلة وعي المجتمع بمخاطر الفيروس، وحالة اللامبالاة العامة التي ظهرت خلال الأيام التي سبقت إعلان حظر التجوال، في ازدحام الأسواق والمولات والمقاهي، مستغلين تعطيل الدراسة ودوام المؤسسات الحكومية، فضلاً عن ساحات الاعتصام والتظاهر التي واصلت نشاطاتها الاحتجاجية كالمعتاد.

الأخطر من ذلك كله هو ما كشفه وزير الصحة الدكتور جعفر علاوي، خلال مقابلة تلفزيونية يوم 14 مارس، عن عزوف الحكومة عن توفير المخصصات المالية اللازمة للتصدي لخطر تفشي وبائي، ومنح وزارته خمسة ملايين دولار فقط، من أصل 150 مليون دولار طلبتها لتغطية نفقات الشهر الواحد؛ واعترافه بأن العراق لن يكون قادراً على التعامل مع تفشي وبائي مماثل لما يحصل في إيران، والتلويح بإمكانية إعلان حالة الطوارئ خلال أيام، وهو ما انعكس على قرارات خلية الأزمة يوم 15 مارس، التي أوصت بالتالي:

  1. فرض حظر التجوال في بغداد بشكل شامل ابتداءً من يوم الثلاثاء الساعة 11 ليلاً الموافق 17 ولغاية الساعة 11 ليلاً من يوم الاثنين 23 مارس. وتعطيل الدوام الرسمي في جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، باستثناء الأجهزة الأمنية والخدمية والصحية، ووسائل الإعلام المصرّح بعملها، والدبلوماسيين والحركة التجارية للبضائع والمواد الغذائية.
  2. تكليف الجهات ذات العلاقة القيام بإجراء حملات تعفير وزيارات صحية للمناطق التي تحدد من قبل دوائر الصحة في بغداد.
  3. تخويل المحافظين صلاحية فرض حظر التجوال في محافظاتهم.
  4. تعليق الرحلات الجوية ابتداءً من 17 ولغاية 24 مارس.

تسييس الفيروس

كان لافتاً للنظر إلحاح الحكومة ممثلةً في خلية الأزمة والقوى السياسية المناوئة للحركة الاحتجاجية، في بياناتها وإعلامها التقليدي والبديل على إدراج فض الاعتصامات ووقف التظاهرات على قائمة الإجراءات الاحترازية الضرورية لمواجهة احتمالات تفشي فيروس كورونا، حتى قبل أسابيع من تسجيل أول إصابة، وقبل أن يلمس الرأي العام وجودَ جهود فعلية لرفع جاهزية المؤسسات الصحية، وتخصيص ميزانية طوارئ، ووضع خطط لبناء مستشفيات متنقلة ومنشآت حجر صحي، بل مماطلة الحكومة في إغلاق الحدود العراقية-الإيرانية ووقف الرحلات الجوية مع إيران بعد تفشي الوباء فيها.

وفي السياق نفسه، تبنَّى مقتدى الصدر المطلبَ ذاته في المبادرة التي طرحها عبر حسابه في موقع تويتر، بُعيد عودته من مدينة قم الإيرانية، إثر تفشي الفيروس فيها، دون أن يبادر، بصفته زعيم أكبر تيار شعبي، إلى ضرب المثل لعامة اتباعه عبر إخضاع نفسه ومرافقيه للفحص الطبي ومدة الحجر الصحي الموصى بها.

والمثير أن زعيم التيار الصدري وجّه سهام نقده الضمني باتجاه المرجعية الشيعية في النجف، التي كانت وجهت بتعطيل الدراسة في الحوزات الدينية وإلغاء صلاة الجمعة من كربلاء، وأعطت الضوء الأخضر لإدارة ضريح الإمام علي بإغلاقه في وجه الزوار إثر الكشف عن إصابة الطالب الإيراني بفيروس كورونا، أسوة ببقية المزارات الشيعية الأخرى. فقد انتقد الصدر تلك الإجراءات بدعوى أن هذه المواقع المباركة التي يقصدها المؤمنون لطلب الشفاء ليس من المقبول إغلاقها بسبب وجود احتمال التعرض لعدوى مرضية، وحاول كسره عبر تكرار زيارة الضريح والضغط على إدارته من أجل إعادة افتتاحه أمام الجمهور. وفي السياق ذاته دعم الصدر إقامة صلاة الجمعة في جامع الكوفة يوم 6 مارس، مؤكداً أن من واظبوا على إقامتها (الصدريين) تحدياً لنظام صدام حسين، لن يتركوها بسبب فيروس؛ وهو ما رد عليه المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني بطريقة غير مباشرة، عبر نشر جوابه على استفتاء أحد أتباعه، بوجوب تجنب التجمعات الدينية لمنع انتشار الفيروس. 

فُسِّر هذا التراشق بالمواقف على أنه جزء من مساعي مقتدى الصدر لرص صفوف تياره، وتعويض خسارة ثقة الرأي العام الشيعي غير المتحزب، واستعادة هيبته بعد فشل محمد توفيق علاوي، الذي حاول فرضه على المتظاهرين بالقوة، في نيل ثقة البرلمان، فضلاً عن مناكفة المرجع الشيعي الأعلى الذي أحجم عن ممارسة نفوذه لتمرير علاوي. وبلغ تحدي الصدر ذروته حين حث أتباعه على زيارة ضريح موسى الكاظم في بغداد، في ذكرى وفاته، بخلاف رأي المرجعية وجزء كبير من الرأي العام الذي أطلق على مواقع التواصل الاجتماعي حملةً تحت وسم "ظل بالبيت"، لتشجيع الناس على الالتزام بنصائح خبراء الصحة العامة.

على المقلب الآخر، لم يتأخر حلفاء إيران في تسييس ردة الفعل تجاه تفشي فيروس كورونا، فبعد أسابيع من محاولات الدفع بنظرية وقوف الولايات المتحدة خلف الوباء الذي ضرب الصين، وجدوا في انتقاله إلى إيران دون المرور بباكستان وأفغانستان -كما يقولون- دليلاً قوياً على كون الفيروس هجوماً بيولوجياً أمريكياً. لذا جاءت ردة فعل الأوساط السياسية والإعلامية المرتبطة بالفصائل الولائية، حادةً وعنيفةً تجاه مطلب الرأي العام العراقي بإغلاق الحدود الذي انتشر على مواقع التواصل تحت وَسم "أغلقوا الحدود". ومع انتشار الهلع من تفشي الوباء، حاول "الولائيون" استخدام الأزمة كمبرر للضغط من أجل إعادة تكليف عادل عبد المهدي بمهمة تشكيل الحكومة الجديدة، قبل أن يدخلوا في منافسة على كسب الشعبية مع التيار الصدري الذي أطلق حملةً طوعية لتعقيم الشوارع والمرافق العامة، من خلال الدفع بالحشد الشعبي للمشاركة في جهود التعقيم والتوعية الصحية.

تداعيات اقتصادية 

يُواجِه العراق على الصعيد الاقتصادي والمالي، بسبب انتشار فيروس كورونا، تحديات كبيرة وعلى عدة مستويات، أهمها:

  1. انخفاض أسعار النفط: اعتمد العراق في مسودة الميزانية العامة للدولة لعام 2020، على سعر مقدر لبرميل النفط قدره 56 دولاراً، مع عجز متوقع يتجاوز الـ 40 مليار دولار. لكنْ مع تراجع أسعار النفط العالمية بنسبة الربع، بات من الأكيد أن العجز سيتضاعف حتى في حدوث السيناريو المتفائل بتجاوز دول العالم المرحلةَ الحرجة في انتشار الفيروس وعودة الصين، أهم مستهلكي النفط العراقي، إلى استئناف نشاطاتها الصناعية كالسابق، نظراً للتوقعات المتشائمة التي نشرتها الوكالة الدولية للطاقة عن استمرار انخفاض الطلب العالمي للعام الحالي بما يزيد عن مليون برميل يومياً، لأسباب اقتصادية بحت. فضلاً عن حرب الأسعار التي اندلعت بين المملكة العربية السعودية وروسيا بعد الفشل في تمديد اتفاق خفض الإنتاج بين الجانبين. أما إذا استمر تفشي الوباء حتى ولو بالوتيرة نفسها، واستمر هبوط أسعار النفط، فإن الحكومة العراقية ستكون مضطرة إلى اللجوء إلى احتياطيات البلاد النقدية التي تقارب 80 مليار دولار، والمخاطرة بكشف الوضع المالي، والضغط على سعر العملة المحلية بشدة؛ ما سيؤدي بالضرورة إلى انخفاض قيمة مدخرات البنوك والمواطنين، والقدرة الشرائية لأكثر من سبعة ملايين من الموظفين والمتقاعدين ومستحقي والإعانات الاجتماعية، وبالتالي سقوط فئات جديدة في هوة الفقر الذي سجل مؤخراً مستويات غير مسبوقة، لاسيما في المحافظات الجنوبية التي تراوحت فيها نسبة الفقر -وفق آخر إحصاء نشرته وزارة التخطيط- بين 26 و52 بالمئة. هذا دون حساب تكاليف الإجراءات الوقائية، ونفقات القطاع الصحي، والمساعدات الإنسانية للمواطنين في حال ازدادت عدد الإصابات بالفيروس إلى ما يوازي الدول الأكثر تأثراً به، مثل إيران وإيطاليا، ناهيك عن الزيادة المتوقعة في أسعار المواد الغذائية والصحية التي يستورد العراق معظم حاجته منها بالعملة الصعبة.
  2. وقف الاستثمارات في البنى التحتية: وفي هذا الصدد يبدو أن تنفيذ الاتفاقية العراقية-الصينية المعروفة إعلامياً باسم "النفط مقابل الإعمار"، التي وقّعها رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي نهاية شهر سبتمبر الماضي، قد بات يتطلب زيادة كمية النفط المنتج التي يتعين على العراق رهنها لصالح صندوق تمويل الاتفاقية، في حال لم يرد الوقوع في فخ القروض الصينية "المسمومة". مع الإشارة إلى إمكانية الاستفادة من الأموال المتجمعة في الصندوق، في شراء متطلبات مواجهة الوباء، واستقدام الخبراء في هذا المجال من الصين تحديداً، التي كانت بادرت مطلع شهر مارس الجاري إلى إرسال شحنة معدات طبية مع بعثة طبية.
  3. تهديد صناعة النفط: يأتي معظم إنتاج العراق من النفط البالغ 4 ملايين برميل يومياً من الحقول النفطية التي تُطورها الشركات الأجنبية، ضمن ما يعرف بـ"جولات التراخيص"، ما يعني أن تفشي الفيروس في صفوف عمال وموظفي هذه الشركات سيؤدي إلى كارثة حقيقية، رغم الاحتياطات التي اتخذتها، وأهمها منع الاختلاط مع السكان المحليين؛ وهو الأمر الذي أدى إلى صرف الآلاف من العمال العراقيين، وهو نموذج أولي فقط من شكل التداعيات التي يتعين على العراق التعامل معها.
  4. تراجع معدلات الاستهلاك: رغم الطابع الريعي للاقتصاد العراقي الذي يعتمد بنسبة 95 بالمئة على العائدات النفطية، التي ينفق 65 بالمئة منها لدفع رواتب خمسة ملايين موظف في القطاع العام، إلا أن أضعاف هذا العدد من المواطنين تعتمد حياتهم بصورة كلية على نمو مستويات الاستهلاك السلعي والخدمي لأصحاب الرواتب والمعاشات، وهو ما كان أساساً يَعرف تقلصاً ملحوظاً انعكس على ركود الأسواق؛ ما يهدد مصير قطاع واسع من الأيدي العاملة.

السيناريوهات المستقبلية بخصوص وباء كورونا في العراق

السيناريو الأول، تفشي فيروس كورونا وإعلان حالة الطوارئ القصوى. يستند هذا السيناريو على جملة من المعطيات، أهمها:

  1. مُماطلة الحكومة العراقية في إغلاق الحدود ووقف الرحلات الجوية مع إيران، لأكثر من شهرين، وعدم وجود ضامن حقيقي لتطبيق هذا الإجراء أساساً بسبب سيطرة المليشيات الشيعية على المنافذ الحدودية مع إيران، ومواصلة تشغيلها بعيداً عن سلطة الدولة، من خلال تمرير شاحنات البضائع وصهاريج النفط المهرب، إلى جانب إدخال المواطنين الإيرانيين وتأمين وصولهم إلى العتبات الشيعية، دون أن تستطيع قوات الأمن اعتراضهم، مثلما حصل في سامراء حين أجبرت "سرايا السلام" نقاطَ التفتيش حول المدينة، على السماح بدخول حافلة تقل مجموعة من الزوار الإيرانيين إلى ضريح الإمامين العسكريين. إلى جانب استمرار حركة النقل التجاري بين البلدين بصورة غير رسمية، للاستفادة من انخفاض أسعار السلع المستوردة بسبب الأزمة، وهو ما يشكل خطراً إضافياً.
  2. تردِّي أوضاع المؤسسات الصحية، واستمرار شكاوى كوادرها من عدم حصولهم على معدات الوقاية، لاسيما في خارج المدن الرئيسة، إلى جانب انخفاض مستوى تأهيل نسبة كبيرة منهم للتعامل مع الأشخاص المشتبه بإصابتهم بالفيروس؛ مما يمكن أن يحوّل المستشفيات والمراكز الصحية إلى مواقع لنشر الوباء عوضَ التصدي له، وهو ما ظهرت ادعاءات عن حصوله لمرافقي مرضى راقدين في مدينة الطب ببغداد، أكبر مستشفيات البلاد.
  3.  عدم إجراء الفحص المختبري إلا للحالات المتأخرة أو التي ظهرت عليها أعراض المرض، فضلاً عن افتقار المختبرات سلفاً لمعدات الوقاية والفحص المعيارية، فقد كشفت صورة نشرها موقع المختبر المركزي في العاصمة بغداد، عن وضع كارثي يتم فيه فحص العينات بطريقة بدائية وعلى طاولات عادية، وفي قاعات تفتقر إلى أنظمة تهوية من أي نوع سوى النوافذ والشبابيك، مما قدر يُنذر بحصول حالات تسرب للفيروس بصورة مؤكدة.
  4. تسييس التعامل مع الأزمة الذي مارسته عدة أطراف، وأهمها زعيم التيار الصدري الذي وجد في تحدي إجراءات إغلاق المزارات الشيعية ووقف صلاة الجمعة، فرصةً لاستعراض قوته وسيطرته على أتباعه، من خلال حثهم على مواصلة إقامة صلاة الجمعة في مسجد الكوفة ومساجد مدينة الصدر، وإقامة مراسيم زيارة مرقد موسى الكاظم في ذكرى وفاته. وهو أمر إذا استمر فسيكون له تداعيات خطيرة في المواعيد الدينية المقبلة، وأهمها زيارة النصف من شعبان إلى النجف، وذكرى استشهاد الأمام علي في 19 من رمضان القادم.
  5. التوظيف الديني، فقد كان لمواقف عدد من رجال الدين الشيعة والسُّنة البارزين، الداعية إلى مواصلة التجمعات الدينية رغم خطر فيروس كورونا، على أسس غيبية تفترض أن الدعاء هو علاج وحصن المؤمنين الحقيقيين؛ دور فاعل في زيادة اللامبالاة لدى عامة الناس، لاسيما من ذوي التعليم المتدني والأميين.
  6. التحدي الاجتماعي، يعتبر عناد فئات المجتمع في مواصلة نشاطاتهم العادية في زيارة الأقارب وعقد الولائم وإقامة الأعراس والمآتم، فضلاً عن عيادة المرضى وزيارة المواقع الدينية، العامل الأخطر الذي يمكن أن يتسبب في تفشي الفيروس، لاسيما في المناطق العشائرية التي لا تملك الدولة سلطةً فعلية فيها، وهو ما اختبرته القوات الأمنية حين حاولت الحجر الصحي على عائلة أحد المتوفين في محافظة ميسان، ومنع إقامة مراسم العزاء، حيث بادر أفراد العشيرة إلى التهديد بالأسلحة وعلاقتهم بالتيار الصدري.
  7. العامل الاقتصادي، مع إغفال الحكومة العراقية مسألة توفير حاجات السكان الأساسية، لاسيما الفئات الفقيرة وذوي الاحتياجات الخاصة والعمال والحرفيين الذين يكسبون قوتهم يوم بيوم؛ فإن من غير المتصور تحقيق الْتزام مقبول بقواعد الوقاية الرئيسة، من قبيل حظر التجول وملازمة المنازل ووقف التعامل الشخصي مع الآخرين.

السيناريو الثاني، احتواء الفيروس والمحافظة على معدل إصابة منخفض. يستند هذا السيناريو على جملة من المعطيات، أهمها:

  1. الانتشار البطيء للفيروس، رغم عودة عشرات الآلاف من المواطنين العراقيين من إيران منذ أسابيع، الذي أشار إلى وجود موانع طبيعية ضده، وأهمها درجة الحرارة المرتفعة مقارنة بإيران والصين وإيطاليا.
  2. بدء السلطات العراقية، سواء الاتحادية أو المحلية، في تطبيق صارم للإجراءات الوقائية من قبيل حظر التجول وغلق المزارات والمطاعم والمقاهي وأسواق السلع غير الضرورية، فضلاً عن قطع الطرق بين المحافظات، وحظر الدخول والخروج من البلدات التي سجلت إصابات مؤكدة بالفيروس.
  3. تنامي الدعم المالي والفني الدولي للعراق من أجل مواجهة الوباء، حيث وصلت إلى البلاد بعثة طبية صينية مع شحنة معدات وأدوية، كما قدمت الولايات المتحدة منحة قدرها 37 مليون دولار، والكويت 10 ملايين دولار، مع وجود توقعات بزيادة حجم المنح، لاسيما من واشنطن التي يرابط الآلاف من جنودها في العراق، ويضطرون للعمل مع نظرائهم العراقيين عن قرب أثناء العمليات العسكرية المشتركة ضد فلول تنظيم "داعش".

أحدث المواضيع المميزة