الانتخابات البرلمانية في إيران: استراتيجيات القوى السياسية، وتداعيات فوز المُحافظين

مركز الإمارات للسياسات | 17 فبراير 2020

تشهد الساحة السياسية في إيران عدة توجهات متناقضة على مختلف الجبهات مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية؛ فعلى الصعيد الرسمي، شهدت الساحة مناوشات بين مجلس صيانة الدستور الذي يسيطر عليه المحافظون، والمكلف بتزكية المرشحين للبرلمان، وبين الحكومة التي اتهمت مجلس صيانة الدستور بعدم الحيادية، وإقصاء كل المرشحين الذين ينتمون إلى تيارات خارج الخط المحافظ.

وعلى صعيد القوى السياسية، يبدو أن التوجه العام لدى الإصلاحيين هو الصمت إزاء الانتخابات، بعد أن تم إقصاء المئات من مرشحي التيار، بينما يشهد التيار المحافظ بوادر انقسام. وأما على الصعيد الشعبي، فلا يبدو أن الشارع يُظهِر اهتمامًا بأجواء الانتخابات، ولا يوجد حتى الآن ما يفيد بأن هناك استعدادات خاصة للاقتراع الشعبي المقبل؛ وهو ما أثار مخاوف النظام من تدني نسبة المشاركة الشعبية إلى حدود غير مسبوقة.

توقعات بمشاركة شعبية مُتدنّية في الانتخابات

لم تظهر إلى الآن أي استطلاعات للرأي رسمية تكشف عن نسبة المشاركة الشعبية المتوقعة في الانتخابات المقبلة. والحقيقة أنه حتى لو ظهرت مثل هذه الاستطلاعات فلا لا يمكن التأكد من مصداقيتها في ظل عدم وجود مؤسسات محايدة يمكنها إجراء هكذا استطلاع في إيران. إلا أن ملاحظة مجموع استطلاعات الرأي التي تجرى من مختلف الجهات يمكن أن تعطي صورة عامة عن احتمال المشاركة في الانتخابات النيابية.

وعلى الرغم من أن الجهات المستقلة أو المعارضة لا يمكن أن تقوم باستطلاع رأي مباشر في الشارع، إلا أن الاستطلاعات التي تجرى عبر مواقع المعارضة، وعبر قنواتها على تطبيق "تلغرام" بشكل خاص، يمكن أن تكون ذات نسبة كبيرة من المصداقية، وذلك باعتبار "تلغرام" أكبر برنامج تواصل اجتماعي يستخدمه الإيرانيون؛ حيث تشير الأرقام إلى أن ما يقارب 48 في المائة من الشعب الإيراني يستعملون في هذا البرنامج، بينما تصل نسبة العضوية فيه إلى أكثر من 62 في المائة لدى الجيل الشاب والمتعلمين.

وفي استطلاع شارك فيه أكثر من 612 ألف شخص على موقع "تلغرام" جاءت النتائج متشائمة جدًا حول نسب المشاركة؛ حيث رفض نحو 93 في المائة من مجموع المشاركين في الاستطلاع المشاركة في الانتخابات البرلمانية، وأشارت نتائج هذا استطلاع أيضًا إلى أن نسبة المشاركة في الانتخابات لن تتجاوز 14 في المائة، مقابل 86 فالمائة يرفضون المشاركة.

وعلى صعيد المؤسسات الأكثر رسمية، فإن استطلاعا للرأي أجرته مؤسسة" آينده" الإصلاحية يشير إلى أرقام مطابقة إلى حد كبير مع نتائج الاستطلاع المذكور؛ إذ تشير أرقام هذه المؤسسة أن نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية ستكون عند 19 في المائة. وفي تفاصيل الاستطلاع أعلن 11 في المائة من المشاركين انتمائهم للتيار المحافظ مقابل 14 في المائة للإصلاحيين، بينما أكد 75 في المائة عدم انتمائهم للتيارين. وعلى صعيد المشاركة أشار 49 في المائة من المنتمين للتيار المحافظ أنهم ينوون المشاركة في الانتخابات، بينما استقرت نسبة احتمال المشاركة لدى الإصلاحيين عند مستوى 23 في المائة. هذا فيما قال 85 في المائة من الجهة الثالثة أنهم لن يشاركوا في الانتخابات المقبلة.

أما على صعيد المصادر المقربة من الأجهزة الرسمية، فقد أظهر استطلاع رأي شارك فيه أكثر من 134 ألف فرد، أجرته قناة "شبكة خبر" التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون، أن نحو 82 في المائة يرفضون المشاركة في الانتخابات البرلمانية. وفي استطلاع رأي آخر أجرته القناة نفسها بعد تعديل الأسئلة قال نحو 69 في المائة من مجموع 115 ألف مشارك، أنهم لن يصوتوا في الانتخابات البرلمانية.

استراتيجيات الأطراف المختلفة

رغم توقُّع تدني نسبة المشاركة في جميع الاستطلاعات، إلا أن هذه النسبة تؤكد تصورات القوى السياسية الرسمية، إن كان على صعيد التيارات الإصلاحية، أو على مستوى القوى المحافظة التي أكدت على لسان عدد من رموزها، ومنهم حميد رسائي الذي أعلن أكثر من مرة أن المحافظين يتوقعون نسبة مشاركة متدنية، وإنهم يفضلون هذا السيناريو.

1. الأجهزة الرسمية

على الرغم من الترحيب الذي أبداه عدد من وجوه التيار المحافظ، إلا أن مواقف كبار مسؤولي النظام الإيراني في الأيام الأخيرة تظهر شعورهم بالقلق إزاء احتمال المشاركة الضعيفة، ومحاولاتهم لحث الشارع على المشاركة؛ إذ طالب الرئيس الإيراني، حسن روحاني، مختلف الطبقات بالمشاركة في الانتخابات رغم سخطهم إزاء ما يحدث، لأن النظام في "حاجة ماسة" إلى مشاركتهم. وطالب القائد الأعلى الإيراني الجميع بالمشاركة، حتى إذا كانوا يختلفون معه، ويرفضون فكرته، وذلك لإنقاذ إيران، مُهددًا من يحاول زرع روح اليأس في قلوب الناس، وإبعادهم عن المشاركة في الانتخابات بالعواقب الوخيمة.

وعلى الرغم من هذه الدعوات الناجمة عن القلق إزاء تداعيات تدني نسبة المشاركة، إلا أن مجموع ما قامت به المؤسسات السيادية، وعلى رأسها مجلس صيانة الدستور المكلف بالبت في أهلية المرشحين، تظهر أنها كانت دعوات حذرة لا ترتقي إلى مستوى حشد الرأي العام حتى الآن، إذ تظهر إرادة نحو إقصاء تيارات بأكملها من دائرة الانتخابات، وجعل العملية قصرا على منافسة داخل تيار واحد. ومقابل ذلك، تسعى الأجهزة الرسمية إلى حشد الأصوات ورفع نسبة المشاركة في القرى والمدن الصغيرة التي تحسب عادة ضمن سلة أصوات المحافظين لكي تضمن رفع نسبة المشاركة إلى معدلات مقبولة.

2. التيار المحافظ

واجه التيار المحافظ على اختلاف أطيافه، المعترك الانتخابي المقبل بوصفه فرصته التاريخية لاستعادة البرلمان الذي فقد السيطرة عليه، وذلك خلال دورته القائمة ضمن انتخابات أدت إلى فوز القائمة الإصلاحية بكل مقاعد العاصمة طهران على حساب قائمة المحافظين.

وأظهر المعسكر المحافظ ترحيبًا ضمنيًا باحتمال تدني نسبة المشاركة في الانتخابات، وحاول عدم قرع الطبول لحشد الشارع للمشاركة فيها، وذلك استنادًا إلى قاعدة سياسية أصبحت مقبولة في إيران تؤكد ارتفاع فرص نجاح المحافظين، كلما تدنت نسبة المشاركة في الانتخابات، مقابل ارتفاع فرص فوز الإصلاحيين كلما ارتفعت نسبة المشاركة؛ والسبب في ذلك يعود إلى أن المحافظين يستندون على سلة أصوات تنظيمية تتمثل في الشريحة المتدينة، وأصوات كوادر البسيج، وهي طبقات تصوت في كل الظروف، مقابل استناد التيار الإصلاحي على أصوات الطبقة الوسطى والطبقة المتعلمة، والتي توصف بأنها سلة أصوات لا تميل إلى المشاركة في الانتخابات في ظروف الغضب.

وأظهرت المعطيات أن الأغلبية الخالصة في الدورة المقبلة من البرلمان الإيراني ستكون من نصيب التيار المحافظ، مهما كانت نسبة المشاركة؛ إذ ستكون المنافسة على 157 من مقاعد البرلمان (ما يمثل 54 في المائة من مجموع مقاعده) منافسة محصورة بين مرشحين من التيار المحافظ.  هذا بجانب العديد من المدن التي ستكون المنافسة فيها بين مرشحين من التيار المحافظ، ومرشحين غير معروفين من التيار الإصلاحي والمعتدل.

ويستقبل المحافظون الانتخابات البرلمانية المقبلة، وهم متيقنون من فوزهم في منافساته؛ لكن هذا اليقين من الفوز، فتح أبواب الاختلاف داخل التيار المحافظ نتيجة الافتقاد للمنافس الذي يوحد صفوفهم. ورغم كل الجهود التي يبذلها رموز وقياديون كبار في التيار لرأب الصدع، لكن انقسامًا رئيسيًّا بات من الواضح وجوده داخل صفوفهم، وهذا الانقسام يتركز بين تيارين، يمكن أن يطلق عليهما تياري: الأغلبية، والأقلية، ويرفض كلا التيارين أن يلتئما معا، ما يجعل احتمال مشاركتهم بقائمتين مختلفتين في العاصمة وفي العديد من المدن الرئيسية أمرًا واردًا. وقد يعكر هذا الانقسام صفو البرلمان المقبل، على الرغم من أنه سيكون برلمانًا محافظًا خالصًا إلى حدٍّ كبير، وقد يؤدي إلى مشاحنات بشأن رئاسة البرلمان التي يستعد لها محمد باقر قاليباف.

ويمثل تيار الأغلبية داخل التيار المحافظ ذلك الطيف من المحافظين التقليديين بزعامة "جامعه روحانيت مبارز"، و"حزب المؤتلفة"، وجبهة "بيروان خط إمام"، وبعض المحافظين الجدد، بزعامة عمدة العاصمة الأسبق محمد باقر قاليباف، والكتل المنطوية تحت راية "الجبهة الشعبية لقوى الثورة". أما ما نسميه تيار الأقلية، فيتمثل في "جبهة بايداري" المقربة من رجل الدين المتشدد مصباح يزدي، والأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي سعيد جليلي.

3. التيار الإصلاحي

كان الانقسام واضحًا قبل شهرين داخل الخط الإصلاحي حول المشاركة في الانتخابات البرلمانية بين ثلاثة توجهات: أولها "المشاركة المشروطة" الذي يمثله المجلس الأعلى للإصلاحات بزعامة محمد رضا عارف، وحزب كوادر البناء المقرب من شبكة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، وحزب اعتماد ملي المقرب من مهدي كروبي، وثانيها "رفض المشاركة" يمثله حزب "اتحاد ملت" وجبهة "مشاركت" والتكتلات الطلابية، وثالثها "المشاركة في كل الظروف" الذي يمثله "بيت العمال"، وحزب "مردمسالاري"، وحزب "ندا" الإصلاحي. لكنّ الظروف التي أعقبت عملية تزكية المرشحين أدى إلى حصر المنافسة داخل البيت الإصلاحي بين أغلبية ترفض المشاركة، وتتخذ موقف الصمت حيال الانتخابات المقبلة، وأقلية تطالب بالمشاركة في الانتخابات من أجل المحافظة على النَّفَس الإصلاحي.

وفي ظل إقصاء المئات من وجوه التيار الإصلاحي، والتأكد من عدم إمكانية الفوز بنسبة برلمانية مريحة، يتوجه تيار الأغلبية بين الإصلاحيين نحو عدم تقديم قائمة موحدة، إلا أن تيار الأقلية التي تحاول إصدار قائمة تشير إلى انتماء أعضاءها إلى التيار الإصلاحي. وإذا كانت القوى الموالية للحكومة تشهد نفس الانقسام حول المشاركة في الانتخابات البرلمانية، إلا أن رجال الحكومة يمتلكون أسبابا أقوى للمشاركة فيها في ظل توجه القوى المحافظة إلى مواجهة الحكومة بلهجة أشد في حال الفوز بالأغلبية.

تداعيات سيطرة المحافظين

يبدو أن السيناريو المُرجَّح إذن، هو أن تشهد الانتخابات البرلمانية انتصاراً كبيراً للتيار المحافظ، وذلك في ظل النقص العددي للمرشحين الإصلاحيين من جانب، والمشاركة الشعبية المتدنية المتوقعة في الانتخابات (على الأقل في المدن الكبرى التي تعد معقلا للتيار الإصلاحي). وهذا الفوز المتوقع للمحافظين يحمل معه عدة تداعيات على الصعيد الداخلي والدولي، يمكن إجمالها في الآتي:

  1. على الصعيد الداخلي، يمهد هذا الفوز الكبير لمواجهة أشد مع حكومة روحاني. إذ كان وجوه التيار المحافظ، ومن ضمنهم المرشح الأبرز لمنصب رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، قد لوحوا أكثر من مرة إلى ضرورة التصدي لحكومة روحاني (التي يتهمونها بالفشل والعجز عن معالجة أزمات البلاد) من منطلق السيادة البرلمانية. وكان العديد منهم أشاروا في مواقف سابقة إلى أن البرلمان في دورته الراهنة فسح مجالا واسعا للحكومة، ومنحها مزيدا من الحرية في ظل قيادة علي لاريجاني للبرلمان. ويبدو أن الدورة المقبلة ستمارس ضغطا كبيرا على الحكومة تحت راية "البرلمان القوي"، وهو شعار دعا إليه العديد من وجوه المحافظين، كما لمح إليه القائد الأعلى خامنئي، حين تحدث بنبرة تكاد تظهر خلافا كبيرا مع رئيس الحكومة الإيرانية حسن روحاني. وتتجلى هذه الضغوط في عدة خطوات؛ منها استجواب وزراء الحكومة، ومحاولات مساءلة الرئيس روحاني، والعمل على إجهاض مشاريع تحاول الحكومة من خلالها اكتساب شعبية، تمكنها من خوض المعترك الرئاسي المقبل من خلال مرشح مقرب من الرئيس.
  2. ستؤدي سيطرة المحافظين على البرلمان إجهاض جهود الحكومة في حل بعض القضايا الدولية العالقة؛ فإذا كان الجهاز الدبلوماسي للحكومة حاول حتى الآن إبقاء الباب مفتوحا أمام بعض القضايا العالقة، خصوصا مع بلدان في الاتحاد الأوروبي، وذلك في ظل المساحة التي منحها له وجوه متنفذة في البرلمان الإيراني تتسم بنفس اعتدالي، فإن خروج هذه الوجوه من البرلمان قد يؤدي إلى إغلاق هذا الباب. وقد أشار إلى ذلك بعض نواب البرلمان، ومنهم الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية؛ ما ستكون له تداعيات مهمة على التعامل مع الملفات الدولية، حتى إذا افترضنا أن هذا الانغلاق سيكون ظرفيا ومؤقتا. وعلى سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى ملفات مثل قوانين مجموعة العمل المالي FATF (التي أقر البرلمان مشاريع قوانين تطالب بها المجموعة تماشيا مع سياسات الحكومة)، ومقاومة البرلمان أمام الضغوط لخفض العلاقات مع بريطانيا بعد اعتقال سفيرها.
  3. سيؤدي فوز المحافظين بالأغلبية البرلمانية إلى نشوب مزيد من الخلافات داخل البيت المحافظ، والتي يمكن بوضوح رؤية ملامحها في الوقت الراهن؛ ففي خطوة مبدئية، رفضت قوى محافظة مقربة من رجل الدين المتشدد مصباح يزدي، وسعيد جليلي الانصياع لهيمنة التيارات المحافظة الأخرى، والتواجد ضمن قائمة موحدة معها، بداعي دكتاتورية بعض الوجوه ضمن هذا التيار، والتململ من كون عمدة طهران الأسبق محمد باقر قاليباف على رأس القائمة. وإلى جانب هاتين الكتلتين اللتين ستشكلان على الأغلب الكتلتين النيابيتين الرئيسيتين في البرلمان المقبل، يمكن الإشارة إلى احتمال فوز عدد من النواب المقربين من تيار أحمدي نجاد، وعدد آخر من النواب المقربين من الحكومة، والتيار الإصلاحي. كل ذلك، إن لم يؤد إلى زعزعة الثقة بأن قاليباف سيكون رئيسا للبرلمان في دورته المقبلة؛ إذ يجب أن نأخذ بعين الاعتبار احتمال أن يجتمع معارضو قاليباف على شخصية أخرى، مما قد يشكل تحديا قويا له، فإنه بكل تأكيد يفتح باب الخلافات داخل الخط المحافظ على مصراعيه، خصوصًا في ظل غياب مخطط متفق عليه داخل البيت المحافظ للاستحقاق الرئاسي المقبل.

الاستنتاجات العامة

يمكن القول إن الأجهزة السيادية في النظام الإيراني تبدي توجها نحو تصفية البرلمان من العناصر ذات التوجهات المختلفة مع الخطاب الرسمي. وأن هذه الأجهزة فضلت الحصول على برلمان منسجم مع توجهاتها على كفة الحصول على المشاركة الشعبية الواسعة في الانتخابات التي من شأنها أن تدعم موقف النظام السياسي القائمة على الصعيد الدولي في ظل الأزمات التي يواجهها. وفي إطار هذا الترجيح يمكن تفسير خطوات الأجهزة الثورية في إقصاء التيار الإصلاحي من دائرة الانتخابات.

وتشير هذه الخطوة إلى رغبة التيار المحافظ في الانفراد بالسلطة التشريعية من أجل الضغط على حكومة روحاني تمهيدًا للاستئثار بالسلطة التنفيذية في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وهذا السبب في حد ذاته لا يمكن أن يكون مقنعًا؛ إذ إن النظام السياسي أثبت فاعليته في ابتكار أجهزة بديلة عن المؤسسة البرلمانية تقوم بمهمة التشريع (منح مؤسسات تقع ضمن خانة اختيار القائد مثل مجمع تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور والمجلس الأعلى للأمن القومي مزيدا من المسؤوليات التشريعية وإفراغ البرلمان من وظيفته الحقيقية) وتحديد عمل كل من الحكومة والبرلمان في حين أنه اليوم أحوج من أي وقت مضى إلى استنفار الرأي العام وحشده خلف مؤسسات الثورة ليثبت للعالم أنه يتمتع بدعم شعبي واسع.

لقد رجح النظام السياسي كفة تنقية البرلمان من العناصر غير الخالصة على حساب المشاركة الشعبية التي هو في أمس حاجة إليها لسبب أهم من مجرد الرغبة في الاستئثار بالسلطة، أو التمهيد للهيمنة على الحكومة في عام 2021. هذا السبب يمكن أن نعزوه إلى استعداد النظام السياسي للانتقال السيادي الذي يحتاج إلى بيئة سياسية خالية عن الوجوه التي تتمتع باستقلالية رأي نسبية. وهذا السبب أهم من حاجة إيران للدعم الشعبي في الظروف الراهنة، يبرره ما يتضح من خلال متابعة التطورات عن سوء حالة خامنئي الصحية واستعداد مؤسسات الثورة لعملية انتقال سيادية تحتاج إلى بيئة هادئة ومنسجمة يعمل برلمان متناغم ذو أكثرية من المحافظين على توفير جزء مهم منه.

السيناريوهات

منطلق السيناريوهات: بالنظر إلى النتيجة المحسومة سلفًا، والانتصار المتوقع للمحافظين في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وترجيح حصولهم على أغلبية مريحة في مقاعد البرلمان المقبل. تعنى السيناريوهات الآتية بدراسة تأثير هذا الانتصار على المشهد السياسي الداخلي، وعلى السياسة الإيرانية الخارجية:

السيناريو الأول: نجاح البرلمان في مواجهة مع الحكومة؛ ويفترض أن ينجح المحافظون بأغلبية برلمانية، ويتفقون على رئاسة للبرلمان من المرجح أن تكون متمثلة في قاليباف. ووفق السيناريو، سيتجه البرلمان الذي يمتلك أغلبية منسجمة بعد ذلك، نحو خطوتين هي أولاً: محاولة شل حركة الحكومة وإجهاض مشاريعها، وضبط ساعتها وفق زمن التيار المحافظ، وثانيًا: محاولة القيام بعدة خطوات ترويجية لدعم القاعدة الشعبية للمحافظين وإثبات فاعليتهم في إدارة الأزمات الداخلية تمهيدا لخوض المعترك الرئاسي المقبل. ويفترض هذا السيناريو إذن حدوث مواجهة حامية مع الحكومة في المرحلة المقبلة، وعلى الرغم من واقعية هذا الافتراض إلا أنه يتجاهل خطوط الانشقاق والخلافات داخل التيار المحافظ، أو يعول على تدخل الجهات السيادية لرأب صدع هذه الخلافات، وتوحيد الكلمة، إلا أن التجربة أثبتت عدم نجاح هذا التدخل في الكثير من الأحيان. ولذلك يبقى هذا السيناريو محتملًا لكنه ليس مرجحًا.

السيناريو الثاني: تفاقم الخلافات داخل التيار المحافظ؛ ويفترض أن يفوز التيار المحافظ بأغلبية برلمانية، لكنه لن يستطيع التغلب على خلافاته الداخلية؛ ما يؤدي إلى نزاع برلماني مستمر بين عدة خطوط داخل التيار المحافظ. وثمة ما يدعم هذا السيناريو، خصوصا في ظل بوادر لمثل هذه الخلافات بعد فشل محاولات إصدار قائمة موحدة من المحافظين في العاصمة طهران، وفي عدة مدن كبرى. ووفق هذا السيناريو، ستحاول الحكومة استغلال هذه الخطوط للحيلولة دون حدوث إجماع داخل الخط المحافظ يشل حركتها بشكل كامل، كما ستحاول إنشاء كتلة نيابية من أعداد من النواب الذين يختلفون مع الأغلبية البرلمانية، وذلك لشل حركة البرلمان. وهذا السيناريو تدعمه التجربة البرلمانية في الدورات السابقة؛ حيث تتعمق الخلافات داخل الخط المحافظ عندما يحقق أغلبية مريحة في البرلمان، ويفتقر إلى منافس يوحد بين أطيافه، وبالتالي يمكن توقع جولة أخرى من التجاذب السياسي الداخلي بعد نجاح المحافظين، ولا يعير هذا السيناريو أهمية كبيرة لعزم التيار المحافظ على مواجهة العدو المشترك المتمثل في روحاني وحكومته لأنه يفترض ضمنًا بأن المنافسة الأكبر التي تثير شهية المحافظين هي على خلافة خامنئي، وهي منافسة محصورة تمامًا داخل الخط المحافظ نفسه.

السيناريو الثالث: المزيد من التصعيد الإيراني-الدولي. ويجري هذا السيناريو على الصعيد الدولي؛ إذ يفترض أن يؤدي فوز أغلبية محافظة في البرلمان إلى توتير عدة ملفات مع الغرب، من ضمنها ملف FATF، واتخاذ مواقف واضحة وسلبية تجاه ملفات أخرى، منها المفاوضات، وتحديد سقوف أدنى للعلاقة مع بعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا. ويحاول البرلمان إقرار مشاريع تصعيدية، مثل الانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT)؛ ما يعني تصعيدا كبيراً مع المجتمع الدولي مقابل منح القوى الأيديولوجية مثل "الحرس الثوري" المزيد من المجال والامتيازات. ويبدو النظام الإيراني في كل ذلك متجهًا بشكل حثيث ليتحول إلى كتلة صماء بلون واحد، لا مجال فيها للرأي المخالف أو الألوان المتعددة، وهو ما يحرم النظام من إحدى أهم آليات ابتكار الحلول، والمخارج من أزماته المتفاقمة.

 

أحدث المواضيع المميزة