الموازنة العامة الإيرانية بين تباين الأرقام وواقع الانهيار

مركز الإمارات للسياسات | 17 مايو 2020

أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني في 20 مارس 2020، بدء تطبيق الموازنة الإيرانية العامة للعام الإيراني الجاري (مارس 2020/مارس 2021)، لتكون أول موازنة عامة في تاريخ النظام الإيراني الجديد يتم تطبيقها دون مناقشتها في البرلمان. فبعد أن كان البرلمان الإيراني قد رفض مشروع الموازنة العامة في يناير الماضي، قام القائد الأعلى، علي خامنئي، بحذف دور البرلمان من عملية مناقشة الموازنة بداعي تعليق عمل البرلمان بسبب انتشار فيروس كورونا، ليكلف مجلس صيانة الدستور بمناقشة الموازنة العامة، وعرضها على الحكومة لتطبيقها. نتيجة ذلك، قام روحاني في اليوم الأخير من العام الإيراني الماضي، بإبلاغ الوزارات بمشروع الموازنة العامة، وسريان تطبيقها.

الموازنة العامة الإيرانية: الأرقام الأساسية والإيرادات

تحمل موازنة القطاع العام الإيراني للعام الجاري التي اقترحتها الحكومة في نوفمبر 2019 لمناقشتها في البرلمان، مواصفات فريدة؛ إذ كانت عند 484 ألف مليار تومان، مسجلة ارتفاعاً بنحو 8 بالمئة مقارنة بالموازنة العامة للعام السابق في نسختها الأصلية، وارتفاعاً بنحو 34 بالمئة مقارنة بالموازنة العامة في نسختها المعدلة. وفي حين كان نواب البرلمان الذين شكلوا لجنة برلمانية لمناقشتها، قد رفضوا مشروع الموازنة العامة بداعي المبالغة في حجم الإيرادات المتوقعة، فإن النسخة التي تم تكليف الحكومة بتطبيقها بعد قرار خامنئي استقرت عند 561 ألف مليار تومان (إلى جانب 79 ألف مليار تومان من إيرادات الوزارات، ما يجعل مجموع الموازنة الحكومية عند 640 ألف مليار تومان) مسجلة ارتفاعاً بنحو 25.2 بالمئة مقارنة بالنسخة الأولية من موازنة العام السابق عليها، وارتفاعا بنحو 52.4 بالمئة مقارنة بالنسخة المعدلة من تلك الموازنة.

وشهدت النسخة المعدلة انخفاضا كبيرا في مستوى اعتمادها على إيرادات صادرات النفط، ففي حين كانت الإيرادات الناجمة عن صادرات النفط عند 137 ألف مليار تومان في مشروع الموازنة العامة للعام الماضي، فإن مشروع الموازنة العامة للعام الجاري يعتمد 45.5 ألف مليار تومان من إيرادات صادرات النفط. وإذا كان ذلك يعني انخفاضاً بنسبة 66.7 بالمئة في الإيرادات، فإنه يعني كذلك انخفاض حصة الإيرادات الناجمة عن صادرات النفط من كل الموازنة من 24.3 بالمئة إلى 8.1 بالمئة. إلا أن تعقب الأمر يُثبت عكس ذلك.

واعتمدت الموازنة العامة للعام الجاري بشكل كبير على مبدأ بيع الأصول الحكومية لتأمين مصادر الموازنة. ففي حين كانت حصة هذا القطاع من الموازنة العامة للعام الماضي أقل من نصف نقطة مئوية، فإنها تشكل نحو 16.2 بالمئة من حجم الموازنة العامة في موازنة العام الجاري، وذلك في إطار خفض دور الحكومة في الاقتصاد الإيراني، والبحث عن موارد بديلة للنفط.

1. أرقام أساسية:

بعد جدل واسع، أظهرت أخيرًا الموازنة العامة للعام الجاري ارتفاعاً بنسبة 25.2 بالمئة مقارنة بموازنة العام الماضي لتستقر عند 561 ألف مليار تومان. ورغم أن مواقف المسؤولين تظهر أن العقوبات على القطاع النفطي دفعتهم باتجاه اعتماد موازنة عامة لا تستند على الإيرادات النفطية، إلا أن طبيعة الاقتصاد الإيراني تجعل من المستحيل انفصال الموازنة العامة عن البترودولار؛ مما يجعل من سعر النفط المعتمد في الموازنة سعرًا أساسيًا. وعلى هذا الصعيد أعلن مساعد الرئيس الإيراني ورئيس منظمة الموازنة محمد باقر نوبخت أن الحكومة اعتمدت 50 دولارا إزاء برميل النفط في الموازنة.

وأعلنت مصادر في الحكومة أن حكومة روحاني تخطط لتصدير 22.5 مليار دولار من النفط والغاز والمنتجات النفطية في العام المقبل (18.5 مليار دولار من صادرات النفط ومنتجاته و4 مليارات دولار من صادرات الغاز) على أن تكون حصة الموازنة العامة من هذه الإيرادات نحو 14.7 مليار دولار بينما تخصص 4.5 مليار دولار لصندوق الادخار القومي، ونحو 3.25 مليار دولار لشركة النفط الوطنية.

وخلافاً للنسخ السابقة للموازنة العامة فإن الحكومة لم تعتمد خلال الموازنة العامة للعام الجاري سعراً رسمياً واحداً لصرف الدولار، وإنما اعتمدت عدة أرقام:

  • على صعيد الدولارات الناجمة عن صادرات النفط اعتمدت الحكومة 4200 تومان بإزاء كل دولار سعراً رسمياً لصرف 10.5 مليار دولار من الإيرادات النفطية.
  • على مستوى فائض الإيرادات النفطية اعتمدت الموازنة العامة في نسختها الراهنة 8500 تومان بإزاء الدولار.
  • أما على مستوى الإيرادات والمصادر الأخرى، مثل المصادر الناجمة عن صندوق الادخار والاستثمارات الأجنبية، تؤكد الموازنة اعتماد الأسعار المعتمدة في السوق، ليمنحها ذلك مناورة أكبر في سد العجز الناجم عن قلة الإيرادات.

2. أهم الإيرادات:

تفترض الموازنة العامة أن يبلغ حجم الإيرادات في العام الجاري 640 ألف مليار تومان (نحو 561 ألف مليار تومان حجم الإيرادات العامة ونحو 79 ألف مليار تومان إيرادات وزارية). وأهم المصادر التي تعتمد الموازنة عليها في توفير هذه المبالغ هي الضرائب والإيرادات النفطية، وبيع الأصول الحكومية، وتوزيع الأوراق والسندات المالية إلى جانب استنادها إلى صندوق الادخار القومي.

  • الإيرادات الضريبية تشكل العمود الفقري للموازنة العامة للعام الجاري؛ إذ تفترض الموازنة الحصول على نحو 195 ألف مليار تومان من الضرائب، والتي تشكل نحو 30.5 بالمئة من حجم الموازنة العامة، مسجلة ارتفاعا بنسبة 25 بالمئة مقارنة بموازنة العام الإيراني الماضي. وتخطط الحكومة للحصول على 175 ألف مليار تومان من الضرائب حيث يشهد الرقم ارتفاعا بنحو 37.8 بالمئة مقارنة بالعام الفائت. بينما تخطط الحكومة للحصول على 20 ألف مليار تومان من الإيرادات الجمركية لتسجل إيرادات هذا القطاع انخفاضاً بنحو 23 بالمئة مقارنة بالعام الماضي.
  • الإيرادات النفطية تشكل ثاني أهم محور في مشروع الموازنة العامة للعام الجاري. ورغم أن مشروع الموازنة العامة يؤكد الاعتماد على 45.5 ألف مليار تومان من الإيرادات الناجمة عن صادرات النفط ومنتجاته لتشكل 7.1 بالمئة من إجمالي الموازنة العامة، إلا أن هذا الحجم ليس كل النفط الذي تعتمد عليه الموازنة. فإلى جانب الإيرادات الناجمة عن صادرات النفط، يعتمد مشروع الموازنة على 90 ألف مليار تومان من الإيرادات النفطية الناجمة عن مقايضة خام النفط مع الشركات المقاولة إزاء مشاريع الموازنة. وبذلك سيكون مجموع الإيرادات النفطية التي تعتمد عليها الموازنة نحو 135.5 ألف مليار تومان، مُشكّلة 24.2 بالمئة من إجمالي الموازنة العامة.
  • الإيرادات الناجمة عن بيع أصول حكومية ستكون ثالث أهم مصدر من مصادر الموازنة العامة إذ تعتمد الحكومة على الحصول على ما مجموعه 103.5 ألف مليار تومان من هذا القطاع لتظهر ارتفاعا بنحو 22.5 ضعفاً مقارنة بحجم الإيرادات المتوقعة على هذا الصعيد في موازنة العام الماضي. وضمن التفاصيل تخطط الموازنة العامة للحصول على 50 ألف مليار تومان من بيعها للأصول الحكومية، بينما تكلف وزارة الاقتصاد بخصخصة 40 ألف مليار تومان من أصولها ورؤوس أموالها في الشركات والمؤسسات والبنية التحتية، ومقايضة 12.5 ألف مليار تومان من ممتلكاتها إزاء ديونها لمنظمات التأمين والتقاعد، ليشكل مجموع إيرادات هذا القطاع 17 بالمئة من حجم الموازنة.
  • توزيع الأوراق والسندات المالية مصدر آخر تعتمد الحكومة عليه في موازنتها للعام الجاري، إذ تؤكد الموازنة العامة توزيع ما مجموعه 91.5 ألف مليار تومان من هذه الأوراق (71.5 ألف مليار تومان من الأوراق المالية الإسلامية و20 ألف مليار تومان من سندات الخزانة) لتشكل إيرادات هذا القطاع نحو 14.3 بالمئة من حجم الموازنة العامة وتظهر ارتفاعا بنحو 30.7 بالمئة مقارنة بالعام الماضي.
  • صندوق الادخار القومي سيكون المصدر الأساسي الأخير ضمن هذه القائمة، إذ تخطط الحكومة أن تتسلم نحو 2.795 مليار يورو من هذا الصندوق خلال موازنة العام الجاري. وفي حين أن مشروع الموازنة يظهر أن الحكومة تخطط أن يكون الحجم الريالي لهذا المبلغ عند 32 ألف مليار تومان، فإن اعتماد سعر الصرف الرسمي لليورو يمكن أن يرفع هذا المبلغ إلى ما أقصاه 50 ألف مليار تومان لتكون نسبة هذا القطاع من إجمالي حجم الموازنة العامة بين 5 بالمئة و7.8 بالمئة.

3. أهم المصروفات:

تتوزع على عدة حقول أساسية أهم المصروفات التي تقع على عاتق الحكومة بموجب مشروع الموازنة العامة للعام الجاري، مع الأخذ بعين الاعتبار أن بعض هذه الحقول تتداخل فيما بينها نحو تداخل الرواتب بتكاليف القطاع الصحي، وتكاليف قطاع التعليم.

  • الرواتب: قطاع الرواتب سيكون الأهم ضمن مصروفات القطاع العام. وعلى هذا الصعيد تشكل رواتب القطاع الحكومي نحو 21.2 بالمئة من مجموع الموازنة العامة، بواقع 136 ألف مليار تومان لتظهر ارتفاعاً بنحو 21 ألف مليار تومان مقارنة بالعام الماضي. هذا وتشكل رواتب المتقاعدين وحصة صناديق التقاعد بواقع 87 ألف مليار تومان نسبة 13.6 بالمئة من إجمالي الموازنة العامة ويشكل الحقلان نحو 34.8 بالمئة من مجموع الموازنة العامة بواقع 223 ألف مليار تومان.
  • التعليم: يشكل قطاع التعليم 14.2 بالمئة من إجمالي مصروفات الموازنة العامة ليستقر عند 91 ألف مليار تومان بارتفاع نسبته 14.5 بالمئة مقارنة بالعام الماضي. هذا في حين يشكل قطاع التربية والتعليم نحو 84 ألف مليار تومان، بينما يشكل قطاع التعليم العالي نحو 7 آلاف مليار تومان.
  • الصحة: يشكل قطاع الصحة 13.3 بالمئة من إجمالي الموازنة العامة بواقع 85.2 ألف مليار تومان معظمها من إيرادات الموازنة العامة، إلى جانب إيرادات من البرنامج الحكومي لترشيد الطاقة. وتشهد موازنة القطاع الصحي نحو 14.1 بالمئة من الارتفاع مقارنة بالعام الماضي.
  • القطاع العمراني: يظهر مشروع الموازنة العامة أن الحكومة رصدت نحو 70 ألف مليار تومان لهذا القطاع ليشكل نحو 11 بالمئة من إجمالي الموازنة حيث يستند في جزء كبير منه إلى الإيرادات النفطية، وإنفاق الشركات الحكومية في هذا المجال.
  • قطاع الدفاع: إذا كانت الموازنة تشير إلى أن موازنة القطاع الدفاعي تستقر عند 70.4 ألف مليار تومان دون تغيير واضح مقارنة بالعام الماضي فإن دراسة لمحاور الموازنة العامة تظهر أن القطاعات العسكرية والأمنية تستحوذ على 172 ألف مليار تومان من إيرادات الموازنة العامة مشكلة نحو 26.9 بالمئة من مجموع الموازنة.

العجز المتوقع في الموازنة العامة، وخيارات الحكومة لسدِّه

1. العجز المتوقع:

إذا كان العجز الناجم عن انخفاض الإيرادات النفطية، والإيرادات الضريبية، أدى إلى تعديل الموازنة العامة بنحو 18 بالمئة تقريباً، فإن ملاحظة الموارد الخمسة التي تستند عليها الحكومة تظهر عجزًا مبدئيًا يتراوح مقداره بين 82.5 ألف مليار تومان، و64.5 ألف مليار تومان، ناجم عن فارق مجموع الإيرادات (بين 557 ألف مليار و575 ألف مليار تومان)، وحجم الموازنة العامة (640 ألف مليار تومان). لكن ذلك ليس كل العجز المتوقع:

  • على صعيد الإيرادات النفطية يؤكد المختصون أن الحكومة اعتمدت على إيرادات مفرطة في التفاؤل في هذا المجال. ورغم صعوبة الحصول على حجم دقيق للصادرات المتوقعة في هذا القطاع، فإن سرداً واضحاً للأرقام التي اعتمدتها الحكومة في هذا القطاع، يمكن أن يقدم أرقاماً قريبة من الحالة التي تطمح إليها الحكومة. وبناء على الحسابات، فإن الحكومة تتوقع أن تصدر 70 ألف مليار تومان من النفط (حصة الموازنة منه 45.5 ألف مليار تومان بينما الحجم المتبقي من نصيب صندوق الادخار وشركة النفط الوطنية)، بما يعني تصدير 723 ألف برميل في اليوم (بمعدل 50 دولاراً للبرميل، و5300 تومان معدل سعر لتسعير الدولارات النفطية). لكن الأرقام كلها تبدو مفرطة في التفاؤل لو استندنا إلى معدلات أسعار النفط المتوقعة للسنة الحالية (يتوقعها الخبراء عند 30 دولاراً) ومعدل الصادرات الإيرانية (يتوقعها الخبراء عند 250 ألف برميل في اليوم).
  • إلى جانب ذلك، فإن استناد الموازنة إلى 90 ألف مليار تومان من الإيرادات الناجمة عن بيع النفط في البورصة، أو مقايضتها بالديون الداخلية، يبين أن الحكومة تخطط لبيع حوالي 550 ألف برميل إضافي من النفط (لو اعتمدنا أسعار السوق التي استقرت عند 15000 تومان للبرميل)؛ وهي أرقام مفرطة في التفاؤل؛ إذ تظهر التجربة فشل 29 محاولة من أصل 30 محاولة جرت في العام السابق لعرض النفط في سوق الأسهم (حيث جرى بيع 70 ألف برميل من أصل 21 مليون برميل تم عرضها). بناء على ذلك يمكن توقع العجز الناجم عن هذا القطاع بما بين 70 ألف مليار تومان (وفق نظرة متفائلة) و100 ألف مليار تومان (وفق نظرة متشائمة).
  • على صعيد الإيرادات الضريبية يحذر المختصون أن الأرقام التي استندت إليها الموازنة أرقام لا يمكن تحقيقها؛ فقد أظهرت تجربة العام الماضي أن الحكومة استطاعت الحصول على ما مجموعه 120 حتى 130 ألف مليار تومان من الضرائب المتوقعة (التي كانت في الموازنة عند 153 ألف مليار تومان)؛ مما كان يعني عجزًا مقداره 23 ألف مليار تومان على الأقل. وإذا أخذ بالحسبان أثر أزمات متراكمة مثل انخفاض أسعار النفط، وأثر تفشي فيروس كورونا، فإن حجم العجز المتوقع في هذا المجال سيكون أكثر. وتشير الأرقام الصادرة عن مراكز بحثية أن حجم العجز المتوقع في هذا القطاع سيكون بين 25 ألف مليار و50 ألف مليار تومان.
  • تعتمد الموازنة العامة للعام الجاري على توفير أكثر من 100 ألف مليار تومان عبر بيع الحكومة أصولها ورؤوس أموالها، أو مقايضتها بالديون، ولا يبدو ذلك ممكناً في ظل فشل تجربة الحكومة في بيع الأصول حتى الآن. وفي حين أن الموازنة العامة للعام الماضي اعتمدت على 2000 مليار تومان من بيع الأصول والشركات الحكومية، فإن مجموع ما تم بيعه على مدى العام لم يتجاوز 264 مليار تومان فقط رغم عرض هذه الأصول ضمن مزايدات؛ وذلك لعدة أسباب، منها: عدم الشفافية، وعدم ربحية الشركات. ولا يتوقع أن يكون حجم المبيعات عند هذا المستوى المتدني خلال العام الجاري؛ إذ تعتمد الحكومة على مقايضة جزء كبير منها مع ديونها لمؤسسات على صلة بالحكومة (منها صناديق التقاعد)، إلا أن أكثر التوقعات تفاؤلاً تشير إلى عدم تحقق 40 بالمئة من مصادر هذا القطاع، بما يعني عجزاً بنحو 41 ألف مليار تومان.

ومن المحتمل أن يطال العجز زوايا أخرى من مصادر إيرادات الموازنة العامة، إلا أنها تبقى احتمالات ضعيفة؛ ليظل العجز محصورا على هذه المصادر الثلاثة، إضافة إلى العجز المبدئي. وبناء على ذلك، فإن حجم العجز في الموازنة العامة للعام المقبل (العجز المبدئي + عجز الإيرادات النفطية + عجز الضرائب + عجز بيع الأصول) سيكون عند 200 ألف مليار تومان (31.3 بالمئة من إجمالي الموازنة) وفق أفضل التوقعات، بينما تشير أسوأ التوقعات إلى أن العجز سيبلغ 273 ألف مليار تومان (42.7 بالمئة من مجموع الموازنة)؛ إذ يرتبط ذلك بعدة معايير منها أسعار النفط العالمية، وقدرة إيران في تصدير مزيد من النفط في ظل العقوبات واستمرار آثار فيروس كورونا.

2. سبل التصدي للعجز

تمتلك الحكومة الإيرانية خيارات متعددة لسد أجزاء من العجز المحتمل في الموازنة العامة، بعضها يقترحه نص الموازنة العامة، بينما بعضها الآخر تبين التجربة أن الحكومة تلجأ إليه في مثل هذه الأحوال:

  • على صعيد الإيرادات الناتجة عن صادرات النفط، فإن الموازنة تقترح أن تلجأ الحكومة إلى حصة صندوق الادخار القومي، في حال حصل عجز في الإيرادات النفطية، بما يعني إضافة نحو30 بالمئة إلى مجموع الإيرادات الحكومية. لكن على صعيد الإيرادات الناجمة عن مقايضة النفط، فإن هذه الوسيلة لن تكون نافعة. إلا أن الحكومة يمكن أن تلجأ إلى تسعير الدولار النفطي بأسعار السوق للتغلب على جزء من العجز في مجال الإيرادات النفطية؛ غير أن ذلك سيؤدي بدوره إلى تضخم مضاعف ناجم عن ارتفاع أسعار البضائع الأساسية التي تحاول الحكومة توفيرها بالدولار المدعوم.
  • تستطيع الحكومة أن تعول على مصادر صندوق الادخار القومي، وصندوق التنمية السيادي في سد أجزاء من عجزها. وتظهر تجربة العام الماضي أن الحكومة رصدت نحو 27.5 ألف مليار تومان من الإيرادات الناجمة عن مصادر الصناديق السيادية خلال عملية تعديل الموازنة العامة. وإذا كانت بعض التجارب تظهر معارضة القائد الأعلى للاستناد على مصادر هذه الصناديق والاستقراض منها (نموذج لذلك معارضته لاستقراض مليار دولار من الصندوق لدعم القطاع الصحي بوجه أزمة كورونا) فإن من المتوقع أن تستطيع الحكومة استقراض 2 مليار دولار، إضافة إلى 2.795 مليار يورو استندت الموازنة في نسختها الراهنة عليها.
  • المصدر الأخير الذي تستطيع أن تعتمد عليه الحكومة في سد عجز موازنتها، هو الاستثمارات الأجنبية، حيث لم تنص الموازنة إلا على الاستناد إلى 50 مليار تومان منها. وبالرغم من أن العقوبات المفروضة على إيران وضعت عقبات قوية على صعيد الاستثمارات الأجنبية، فإن إيران استطاعت أن تجلب 800 مليون دولار منها خلال العام الماضي، فيما يمكن تصور المزيد من الاستثمارات من حلفاء إيران التقليديين (الصين وروسيا) في مشاريع سيادية، كما يمكن تصور حصول إيران على أجزاء من قرض صندوق النقد الدولي لدعم اقتصادها.

الاستنتاجات العامة

تقتضي الظروف التي يمر بها الاقتصاد الإيراني في ظل العقوبات، والظروف التي يشهدها الاقتصاد العالمي في ظل انهيار أسعار النفط، وتفشي فيروس كورونا، أن تقدم الحكومة الإيرانية موازنة تقشف، وأن تحاول خفض الإنفاق العام، والضرائب في سبيل تشجيع القطاع الإنتاجي. لكنّ أرقام الموازنة العامة التي أقرها "مجمع تشخيص مصلحة النظام" أظهرت ارتفاعاً بنسبة 25.2 بالمئة مقارنة بموازنة العام الماضي، وذلك في ظل معارضة واضحة من الحكومة (التي كانت قد اقترحت ارتفاعاً بنحو 15.6 بالمئة) والبرلمان (الذي تم تحييده من عملية مناقشة الموازنة العامة بأمر من القائد الأعلى).

ويمكن تعليل هذا الاتجاه لرفع حجم الموازنة، على الرغم من كل المشاكل الاقتصادية التي تواجهها الحكومة، بوجود ضوء أخضر من مؤسسة بيت القائد خامنئي، يسمح باستخدام مصادر صندوق الادخار القومي، في سد العجز المتوقع في الموازنة، وذلك في محاولة من النظام للتصدي للسخط الاجتماعي الناجم عن انكماش الاقتصاد؛ إلا أن مواقف القائد الأعلى في رفض مطالب الحكومة في استخدام مصادر الصندوق لدعم القطاع الصحي بوجه كورونا تظهر بأن هذا الضوء الأخضر محدود جدًا، وأنه سوف يتعين على الحكومة أن تشق طريقاً شاقاً للحصول على أية مبالغ من هذا الصندوق.

وبالنتيجة، فإن الأرقام التي استندت إليها الموازنة (في كل من نسخة الحكومة المقترحة، والنسخة المعتمدة النهائية) تبدو أرقاماً يصعب تحقيقها، حسب الظروف، وحسب التجارب السابقة؛ مما يظهر أنها موازنة تمت كتابتها على الورق، دون أن يعني ذلك تطبيقها على أرض الواقع. وتماماً مثل موازنة العام الماضي التي دفعت الظروف الواقعية الحكومة إلى تعديلها، وخفضها في منتصف العام، فإن التوقعات تشير إلى احتمال تعديل الموازنة العامة في منتصف الطريق، إلا إذا حدث منعطف مهم على مدار العام مثل تعليق العقوبات، أو الحصول على مساعدات أو قروض من جانب جهات دولية، أو من شركاء إيران.

السيناريوهات

السيناريو الأول: نجاح الحكومة في سد العجز المتوقع في الموازنة العامة الحالية من خلال الحصول على إيراداتها المتوقعة كاملة؛ ويفترض السيناريو هذا أن تستطيع الحكومة سد عجز الموازنة، أو سد أجزاء كبيرة من هذا العجز، استناداً إلى تحقيق إيراداتها المتوقعة. ويفترض هذا السيناريو أن الظروف الدولية ستفتح المجال أمام النظام الإيراني لبيع المزيد من النفط، كما يفترض أن ترتفع أسعار النفط إلى مستوى معقول (45 دولاراً وفق بعض التقديرات) بما يمهد لحصول إيران على مزيد من الإيرادات النفطية. ويفترض السيناريو أن تستطيع الحكومة تحصيل جزء كبير من الضرائب في ظل الآليات القانونية التي تعمل على بلورتها، كما يتصور أن تستطيع الحكومة تعويض جزء من العجز الناجم عن عدم تحقيق بيع الأصول، عبر رفع مستوى الأوراق، والسندات المالية، وعبر تأجيل الديون إلى الأعوام المقبلة. ويمكن ملاحظة أن هذا السيناريو الذي تفكر الحكومة في تحققه مفرط في التفاؤل، لكن ذلك لا يعني انعدام احتمال تحقق جزء منه، بما يعني انخفاض سقف العجز في الموازنة العامة.

السيناريو الثاني: سد جزء من العجز المتوقع في الموازنة العامة من خلال الإيرادات النفطية والمساعدات الدولية؛ ويفترض هذا السيناريو أن تستطيع الحكومة سد جزء كبير من عجز الموازنة العامة عبر الاستناد على الإيرادات النفطية التي يفترض السيناريو تحقيق فائض منها للأسباب المذكورة، وعبر مساعدات دولية على شكل منح واستثمارات من المجتمع الدولي، ومن شركاء إيران الاستراتيجيين. وإذا كان حصول إيران على منحة صندوق النقد الدولي أمرا صعبا في ظل شروط الصندوق، والمعارضة الداخلية من المحافظين، إلا أن تتبع الخطوات الرسمية تظهر محاولات بالحصول على منح وقروض واستثمارات من الصين (بشكل أساسي) ومن روسيا. ولكن رغم أهمية هذه المحاولات، إلا أن ثمة عقبات قوية في طريقها، منها وقوع إيران ضمن القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF).

السيناريو الثالث: إخفاق الحكومة في سد العجز، واللجوء إلى إعادة صياغة الموازنة؛ ويفترض هذا السيناريو تكرار تجربة موازنة العام الماضي، لكن بشكل أسوأ؛ حيث سيؤدي انخفاض الإيرادات النفطية، وعدم تحقق الإيرادات الضريبية، والإيرادات الناجمة عن بيع الأصول الحكومية في منتصف الطريق إلى تعديل الموازنة العامة، عبر برنامج تقشف يخفض الإنفاق العام (بنحو 30 بالمئة على الأقل) عبر خفض الإنفاق على القطاع العمراني، وعلى صناديق التقاعد والقطاع الصحي وخفض الدعم النقدي (بما يقدم لها نحو 120 ألف مليار تومان)، ورفع الضرائب (عبر رفع ضرائب القيمة المضافة والضرائب على أرباح الحسابات البنكية وغيرها، بما يرفع الإيرادات الحكومية نحو 50 ألف مليار تومان)، والاعتماد على مصادر صندوق الادخار القومي. لكن هذا السيناريو المرجح حدوثه، يواجه عدة عقبات أو نقاط ضعف، أهمها: الركود الاقتصادي الناجم عن تفشي فيروس كورونا، وزيادة الإنفاق العام نتيجة الوباء.

أحدث المواضيع المميزة