الحضور الإيراني في شرق أفريقيا: الأهداف والأدوات والآفاق

مركز الإمارات للسياسات | 01 فبراير 2020

تُولي إيران أهمية خاصة لدول إفريقيا الشرقية، وترى فيها ساحة واسعة وخصبة للقيام بنشاطات سياسية وعسكرية واقتصادية، ولا سيما الدول التي تطل على ساحل البحر الأحمر. وشكّلت القارة الإفريقية هدفاً ثابتاً في السياسية الخارجية الإيرانية منذ استقلال هذه الدول، وأقامت طهران علاقات دبلوماسية مع دول القارة، لكن هذه العلاقة تراجعت مع بداية الثورة الإيرانية عام 1979، واستمر هذا الضعف حتى عقد التسعينيات من القرن الماضي الذي شهد بعض الانفتاح في السياسية الخارجية الإيرانية على المستويات الدولية، والقاريّة. وبوصول التيار الإصلاحي إلى السلطة بقيادة الرئيس الأسبق محمد خاتمي في عام 1997، اتجه النظام الإيراني إلى تنشيط سياسته في إفريقيا، وذلك في ظل السياسة البراغماتية المنفتحة نسبيًا التي انتهجتها حكومة الرئيس خاتمي.

وتعاظم الاهتمام الإيراني في فترة ولاية الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، الذي وضع القارة الإفريقية على سلم أولوياته الخارجية، وأعدت لها أهدافاً سياسية وعسكرية وثقافية. ونظراً للضغوط الغربية والأمريكية على إيران بسبب برنامجها النووي، انتهجت السياسة الخارجية الإيرانية استراتيجية جديدة، تسعى من خلالها لتوطيد العلاقات مع دول القارة الإفريقية، وذلك لتحشيد دعم دبلوماسي إفريقي في أروقة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن؛ لكسر طوق العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة آنذاك.

وشمل الانفتاح الإيراني على إفريقيا أهدافاً اقتصاديةً أيضاً، في ظل وجود احتياطيات ضخمة من الموارد الطبيعية في شرق إفريقيا، ورأت إيران أن دول المنطقة مواتية لتسويق المنتجات الإيرانية، وتحقيق منافع اقتصادية. كما ابتكرت في إفريقيا سياسة البترول مقابل اليورانيوم، لضمان احتياطي كافٍ من المعدن المشعّ لمفاعلها النووي. وسعت إيران لتحقيق أهداف ثقافية ودينية، تضمنت التبشير بالمذهب الشيعي في دول شرق إفريقيا، خاصة المسلمة منها، من خلال افتتاح مراكز ثقافية، ودينية في عدة دول شرق إفريقية؛ حيث بات ذلك السمة الأساسية لحضورها في دول شرق إفريقيا التي تتميز بطابعها الاجتماعي المتدين.

طبيعة وشكل الحضور الإيراني في دول شرق إفريقيا

تتجسّد طبيعة وشكل الحضور الإيراني في دول شرق إفريقيا من خلال البعثات الدبلوماسية المنتشرة في معظم هذه الدول، وملحقاتها الثقافية، والمراكز الدينية والدعوية والإغاثية التي تتبع إما تلك السفارات أو الحكومة الإيرانية مباشرة، وتنهض كلها بدور التغلغل في المنطقة. ويتخذ الحضور الدبلوماسي الإيراني في دول المنطقة أشكالًا عدة:

  1. التمثيل الدبلوماسي

يعدّ التمثيل الدبلوماسي الرسمي في دول شرق إفريقيا البوابة الرئيسة لإيران لتمرير أنشطتها السياسية والثقافية والدينية. وتمتلك إيران سفارات وبعثات دبلوماسية في 9 دول من أصل 18 دولة في شرق إفريقيا. وهي: أوغندا، تنزانيا، زيمبابوي، مدغشقر، كينيا، إثيوبيا، جزر القمر، جمهورية الكونغو الديمقراطي، وغانا. وقد أغلقت إيران سفاراتها في الصومال والسودان في عام 2016.

وتوجد ملحقيات ثقافية تابعة للسفارات الإيرانية، وتلعب تلك الملحقيات دوراً كبيرًا في دعم التغلغل الإيراني في شرق أفريقيا عن طريق استغلال المال في نشر التشيع، وذلك بدعم الجمعيات، والأنشطة الثقافية، والفنية، والمشاركات في معارض الكتاب، ومختلف الفعاليات الهادفة للتعريف بالثقافة الإيرانية، والتأثير على الفئات الفقيرة والمهمشة. ويُمثل "المركز الثقافي الإيراني" أهم آليات هذا المسار للقوة الناعمة الإيرانية.

ولم تكتف إيران بالتمثيل الدبلوماسي الرسمي، بل سعت أيضاً إلى مد الجسور مع المنظمات الإقليمية في المنطقة؛ حيث عينت إيران محسن موحدي سفيرها في تنزانيا في عام 2011، ممثلاً لها لمجموعة شرق أفريقيا (EAC)، وهي منظمة تضم ستة دول من شرق إفريقيا هي: بروندي وكينيا وأوغندا وروندا وتنزانيا وجنوب السودان.  وقد أعرب ريتشارد سبيزا أمين عام مجموعة دول شرق إفريقيا عن رغبة وتطلع دول المجموعة إلى العمل مع إيران لدفع أوجه التعاون بينهما.

  1. الزيارات الدبلوماسية

تمثل الزيارات الدبلوماسية المتبادلة بين المسؤولين الإيرانيين ونظرائهم من دول شرق إفريقيا عاملاً أساسياً يؤكد مدى الانفتاح الإيراني على منطقة شرق إفريقيا. وقد بدأ هذ الانفتاح في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني؛ إذ كانت زيارته عام 1996 حدثاً محورياً بالنسبة للمنطقة، وكانت إيران تتحرك آنذاك وفقاً لفلسفة "سياسة البناء" التي أطلقها رفسنجاني. وقام رفسجاني بزيارة أوغندا وعقد خلالها عدة اتفاقيات للتعاون في مجال التجارة والاقتصاد والاستثمارات المشتركة في مجالات الزراعة، والكهرباء، والمياه، والمعادن، والنفط، والبريد، والاتصالات والنقل، والتعليم. وقام خليفتاه محمد خاتمي ومحمود أحمدي بزيارة أوغندا، وهو ما يدل على أهمية أوغندا في الاستراتيجية الإيرانية، لامتلاك نفوذ قوي في شرق أفريقيا. وفي المقابل، قام الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني بزيارة إيران أربع مرات في السنوات العشرين الماضية، كانت آخرها في أغسطس 2012، أثناء عقد مؤتمر حركة عدم الانحياز في طهران.

وخلال عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، أجرى رئيس الوزراء الكيني رايلا اودينجا زيارة إلى طهران في مارس 2011، وقابل أحمدي نجاد، وقال إن إيران وكينيا لديهما مجالات واسعة للتعاون، وأنهما حريصتان على تعزيز التعاون بينهما، خاصة في ضوء التطورات العالمية الجارية.

قام النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي في مايو 2012، بجولة إفريقية استمرت خمسة أيام، شملت كينيا وتنزانيا وإقليم زنجبار. وأسفرت هذه الزيارة عن توقيع إيران وكينيا ثلاث مذكرات تفاهم، بهدف تنمية العلاقات الثنائية والتعاون المشترك بين البلدين، وتعزيزها لمجال الجمارك وقطاع الكهرباء، ونقل المياه والحد من الازدواج الضريبي.

في السودان كان الوضع مختلفاً بعض الشيء، فنتيجة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على كل من إيران والسودان، اتسمت علاقاتهما بالتقارب، فشهدت العاصمة السودانية استقبال رؤساء الجمهورية الايرانية بدءا من رفسجاني وخاتمي وصولاً إلى أحمدي نجاد. كما قام وزير الدفاع السوداني بزيارة إيران في 2007، وصرح بأن إيران كانت من المزودين الرئيسين للسودان بالسلاح لمواجهة حركات التمرد.

وفي إريتريا، مثلت زيارة الرئيس الإريتري أسيساي أفورقي إلى طهران في مايو 2009، معالم جديدة في العلاقات بين الدولتين، وصرح الرئيس الإيراني وقت ذاك، أحمدي نجاد، أن بلاده تريد تعزيز التعاون في مجال الاقتصاد والطاقة والزراعة والصناعة والاستثمار.

وقام الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد بزيارة إلى العديد من دول شرق إفريقيا، منها جزر القمر وجيبوتي وكينيا في فبراير عام 2009، وخلال تلك الزيارة أكد أحمدي نجاد رغبة إيران في مساعدة الدول الإفريقية على تقوية استقلالها، وتكوين جبهة متحدة ضد النفوذ الغربي.

ومن خلال الزيارات المتكررة لمسئولين إيرانيين كبار، تسعى طهران إلى إيجاد موطئ قدم ثابت لها في أثيوبيا، يساندها في ذلك التعاون الاقتصادي الذي وصل حجمه إلى 35 مليون دولار عام 2007، بعد أن كان 19 مليون دولار عام 2004. ويعد حضور مساعد وزير الخارجية الإيراني السابق حسين أمير عبداللهيان للقمة الإفريقية المنعقدة في أديس بابا عام 2015، أبرز مظاهر الاهتمام الإيراني الملحوظ بأثيوبيا؛ حيث نتج عنها اتفاقيات شملت التعاون الاقتصادي بين الجانبين، ولا زالت إيران تدعو إلى زيادة استثمار مواطنيها في إثيوبيا لتحقيق مزيد من التعاون بين البلدين.

أهداف الحضور الإيراني في شرق إفريقيا

تتوخى إيران في حضورها في دول شرق إفريقيا عدة أهداف رئيسية؛ منها ما يتعلق بالبحث عن أصوات إقليمية حليفة في المحافل الدولية في ظل تزايد احتمالات خضوع إيران لعقوبات دولية بسبب برنامجها النووي، وبين محاولتها بسط الهيمنة على البحر الأحمر؛ ما يؤهلها للتحكم في الممرات المائية العالمية في البحر الأحمر، والمحيط الهندي:

1. النفوذ في البحر الأحمر

ازداد طموح إيران بالوصول إلى البحر الأحمر، والقرن الإفريقي إثر حوادث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، وقيام الولايات المتحدة بإعادة طرح مشروع القرن الإفريقي الجديد، الذي يهدف إلى تأمين الممرات المائية العالمية في البحر الأحمر والمحيط الهندي بما يخدم المصالح الأمريكية.

سعت الولايات المتحدة لتأمين الوصول إلى منابع النفط والمواد الخام، وذلك بإنشاء القاعدة الأمريكية في جيبوتي عام 2002 التي تضمن لأمريكا السيطرة الاستراتيجية على المنطقة البحرية التي يمر منها نحو ربع إنتاج العالم من النفط. ولذلك سعت إيران لنقل الصراع من مضيق هرمز والخليج العربي إلى خليج عدن وباب المندب، بدلالة خروج التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية لدول المنطقة من دائرة السرية والمراوغة، إلى دائرة العلن والتدخل المباشر، بما ينسجم مع طموحاتها. كما سعت لتوسيع السيطرة على الممرات المائية تحسباً لأي صراع محتمل مع الغرب على ملفها النووي، هذا فضلاً عن طموحات فتح ممرات بحرية وبرية تسهل لها الوصول الى مناطق الأزمات في الشرق الأوسط، عبر تأمين وجود إيراني قريب من هذه المناطق، وتغير أوراق ضغط المساومة في الشرق الأوسط.

ويتضح الاهتمام الإيراني بالسيطرة على البحر الأحمر من خلال الزيارات والاتفاقيات التي وقعتها إيران مع جيبوتي وإريتريا المطلتين على البحر الأحمر. وتولي إيران هاتين الدولتين أهمية كبيرة بسبب موقعهما الاستراتيجي. وهذا يندرج في إطار سعي إيران لبناء قاعدة نفوذ قوية في البحر الأحمر، لما له من أهمية بصفته أحد أهم المسارات التجارية الرئيسة.

وقع الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد اتفاقيات استثمارات مشتركة مع الطرف الجيبوتي في عدة مشروعات في مجال الطاقة أثناء زيارته في عام 2009، ووعد الوفد الإيراني الذي رافق أحمدي نجاد بتقديم المساعدة لجيبوتي في المجال الصناعي والهندسي، بهدف تطوير مشاريع مختلفة في الدولة، إضافة إلى ذلك، قدمت إيران لجيبوتي قرضاً، وقدمت لها منحة لإقامة "مركز تدريب مهني".

2. حشد التأييد في المحافل الدولية والإقليمية

يتجاوز الاهتمام الايراني في منطقة شرق إفريقيا المصالح الاقتصادية والتجارية المتبادلة، ليعكس توجها إيرانيًا نحو بناء قاعدة شراكات إقليمية ودولية، تشمل مناطق في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وفي هذا الإطار، دعت إيران إلى منتدى "الحوار الإيراني-الإفريقي" الذي عُقِد في طهران في الفترة 15-17 سبتمبر 2010، بمشاركة ممثلين لأكثر من 40 دولة إفريقية. ودعا أحمدي نجاد في المنتدى إلى نظام عالمي جديد، وأكد أن إيران وإفريقيا يسلكان طريقاً واحداً، ولديهما قواسم مشتركة، مؤكداً أن خبرات إيران وقدارتها في المجالات العلمية والتقنية والاقتصادية والصناعية والزراعية والثقافية والصحة والعلاج، من شأنها أن تعزز العلاقات بين إيران وإفريقيا. كما وصف وزير الخارجية الإيراني آنذاك منوتشهر متكي، القمة بأنها خطوة مهمة لاستكشاف طرق جديدة لتعزيز العلاقات مع الدول الإفريقية واصفاً إيران بأنها "شريك استراتيجي" لإفريقيا.

وترمى إيران من خلال سعيها لتوطيد العلاقات مع الدول الإفريقية إلى الحصول على الدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية والإقليمية، والاستفادة من الكثرة العددية لدول آسيا وإفريقيا وأمريكيا اللاتينية في دعم أجندة إيران في المؤسسات الدولية، خاصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومختلف المنظمات الدولية. وتستقطب طهران بشكل خاص الدول التي تكون في حالة توتر مع الغرب، مثل السودان في عهد البشير، وأريتريا قبل رفع العقوبات الدولية عنها؛ إذ يشجع ذلك تبادل المصالح بين تلك الدول وإيران في تحدي القوى الغربية.

ويمكن أن نشير إلى الدعم السوداني الذي حظي به البرنامج النووي الإيراني. فقد أعلن الرئيس السوداني السابق عمر البشير أن استكمال إيران تخصيب اليورانيوم يعد نصراً للعالم الإسلامي، ودعم حق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي. واعترف مستشار وزير الدفاع الإيراني أمير موسوي بأن التعاون العسكري بين إيران والسودان مستمر منذ عقود، ومتواجد على مستويات مختلفة بما في ذلك التدريب والتبادلات العسكرية. وأشار موسوي إلى أن إيران أرسلت من قبل سفناً حربية إلى السودان في نهاية أكتوبر 2011، بعد أن اتهمت الخرطوم إسرائيل بشنّ غارة جوية ضد مصنع اليرموك للذخائر في العاصمة السودانية.

كما وصف الرئيس الإريتري طموحات إيران النووية أنها "مصدر الفرح والسعادة لنا". وتعد إيران من الدول القليلة التي لديها تسهيلات عسكرية وبحرية واستخبارية خاصة في ميناء عصب ومصوع، وقامت بنصب عشرات بطاريات الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى والصواريخ المضادة للطائرات والسفن في ميناء عصب. وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن وجود قاعدة عسكرية إيرانية بحرية بالقرب من ميناء عصب الأريتيري، وهي تقارير توحى بأن أريتريا تحولت إلى بوابة بالنسبة لإيران تصل إلى اليمن والحوثيين.

3. سوق للصناعة الإيرانية

لطالما شكّلت دول شرق إفريقيا متنفسًا اقتصادياً مهمّاً سعت إيران للاستفادة منه، في ظل الحصار الاقتصادي، والعقوبات الدولية، والأمريكية، سواء عن طريق استيراد المنتجات الإفريقية، أو تصدير المنتجات الإيرانية إلى السوق الإفريقية، خاصة في مجال السيارات والمعدات الطبية، فضلاً عن البحث عن سوق للصناعات العسكرية الإيرانية.

وبرز الاهتمام الإيراني بتصدير الصناعات الإيرانية إلى كينيا منذ عهد الرئيس رفسنجاني؛ إذ تعتبر كينيا من أكثر الدول استقرارًا في شرق إفريقيا، فضلاً عن وجود مجال للاستثمارات المضمونة. فقد وقعت إيران في عام 2014 مذكرة تفاهم مع كينيا تناولت أوجه التعاون بينهما في المجالات الاقتصادية والثقافية والصحية والسياحية، كما جرى الاتفاق بين الجانبين على تشكيل لجنة متخصصة منبثقة عن اللجنة الاقتصادية المشتركة. وبناء على مذكرة التفاهم المذكورة، أعلنت إيران أنها مستعدة لإقامة معارض متخصصة وغرف تجارية في كينيا، وتصدير المنتجات الصناعية والآلات الزراعية وقطع الغيار، وكذلك المواد الكيماوية والتجهيزات الكهربائية والاتصالات، مقابل استيراد إيران السكر والقهوة والشاي والذرة واللحوم من كينيا.

4. تهريب اليورانيوم

يعدّ البحث عن اليورانيوم غير المخصّب من أهم الأسباب المحفزة لإيران في تعزيز علاقتها مع دول شرق إفريقيا. وكشفت إحدى وثائق "ويكي ليكس" المسربّة، أن الولايات المتحدة تلقت تقريرا استخباراتيا من سفارتها في دار السلام في تنزانيا، يفيد بأن دبلوماسيا سويسريا يذكر أن شرق أفريقيا هي نقطة عبور رئيسة لليورانيوم المهرب إلى إيران، ذلك أن يورانيوم الكونغو يمرّ من تنزانيا عن طريق شركتين سويسريتين للشحن ثم يصل إلى إيران.

وذات الأمر أورده فريق الرصد الدولي المختص بالصومال في تقريره الأخير لعام 2017، حيث كشف الستار حول شحنات سلاح مهربة من إيران إلى الصومال عبر الحوثيين. ويشير التقرير أن شحنات الأسلحة الإيرانية إلى "حركة الشباب المجاهدين" الصومالية، كانت بمقابل نقل رواسب من "اليورانيوم" في مناجم تقع في منطقة غالمودوغ الصومالية إلى طهران، وذلك بهدف استخدامها في أنشطة التخصيب ضمن البرنامج النووي الإيراني.

استراتيجيات وأدوات الحضور الإيراني في شرق إفريقيا

تستخدم إيران عدة أدوات لتحقيق أهداف سياستها الخارجية في الشرق الإفريقي. وإذا كانت العلاقات الدبلوماسية والثقافية أتاحت لإيران استخدام أدواتها الناعمة في المنطقة، فقد أتاحت بعض التحولات السياسية والأمنية لطهران فرصة استخدام الأدوات الخشة أيضًا. وعلى سبيل المثال، أتاحت المشاركة الإيرانية في عمليات منع القرصنة الدولية قبالة سواحل الصومال، فرصةً للتواجد العسكري الإيراني في البحر الأحمر، والاقتراب العسكري من منطقة شرق إفريقيا. كما أن الحضور الإيراني الكثيف في المجال الإغاثي والخيري والتعليمي في دول شرق إفريقيا، سهّل عمليات نشر التشيع في هذه الدول، والتأثير في تركيبة المجتمعات المحلية، خاصة الدول ذات الغالبية المسلمة.

وتحاول إيران تسويق نفسها كدولة مدافعة عن المستضعفين في العالم، ونصيرة للدول التي تقع تحت عقوبات الولايات المتحدة وحلفاءها، ومدافعاً أخلاقياً عن المجتمعات المحاصرة، من فلسطين إلى السودان وإريتريا. ويُكسِبها وقوفها في وجه الغرب وإسرائيل بعض الثناء في منطقة شرق إفريقيا. لكن كلّ هذا الجهد لا يؤدي إلى استراتيجية متماسكة، ولا سيما بعد سقوط نظام البشير في السودان، وتململ أحلاف أريتريا، ودخول لاعبين إقليميين جدد إلى المنطقة:

1. المساعدات الإنسانية

شكلت المساعدات الاقتصادية والإنسانية إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية الإيرانية في شرق إفريقيا. واستخدمت إيران اثنتين من مؤسساتها الخيرية كواجهة لنشاطها في شرق إفريقيا، وهي: الهلال الأحمر الإيراني، ولجنة الإمام الخميني للإغاثة، لتوفير مروحة واسعة من الخدمات الاجتماعية والصحية المجانية في العديد من دول المنطقة.

وأدارت لجنة "الإمام الخميني للإغاثة" ثلاثة مراكز إغاثة رئيسة في دولة جزر القمر لتوفير الدعم المالي والمعيشي للأسر الفقيرة عبر 320 قرية. ووفقا لتقرير اللجنة الخاص، يوجد لديها 22 مركزا للتعليم في الجزر، توفر التدريب المهني في ستة عشر مجالا لأكثر من ألف طالب. وهي تدعم الأيتام والفقراء وتُقدم لهم مجموعة واسعة من المساعدات، بما في ذلك القروض التجارية والسكن. وكذلك تقود "منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية" التي تعمل من خلال المُلحَقين الثقافيين في السفارات الإيرانية، مسعى القوة الناعمة الإيرانية في دول شرق إفريقيا. وجامعة "المصطفى الدولية"، التي تُدرّب رجال الدين الأجانب والمُبشّرين في جميع أنحاء العالم.

ورغم الإغلاق الرسمي للسفارة الإيرانية في الصومال بتهمٍ تتعلق بنشر التشيع، فإن إيران لم تتوقف عن استغلال هامش العمل الإنساني لتمرير أجندتها في الداخل الصومالي الذي يعاني من الهشاشة والفقر. وذلك عبر مؤسسة الخميني للإغاثة، بدعوى مساعدة الآلاف من النازحين الصوماليين المتضررين من الجفاف في القرن الإفريقي. وبدأت الأنشطة الإغاثية الإيرانية بعد المجاعة التي تعرضت لها الصومال في أكتوبر 2011. وكانت السفارة الإيرانية تقوم بتنسيق تلك الأنشطة الإغاثية قبل إغلاقها، ومن أهم الهيئات الإغاثية العاملة في الصومال: "لجنة الإمام الخميني للإغاثة"، و"الهلال الأحمر الإيراني"، و"الملحق التعليمي للسفارة الإيرانية" في مقديشيو، و"المخيم الطبي الإيراني". وتركز اللجنة على الأنشطة الإغاثية للصوماليين الذين تعرضوا للجفاف من حيث توزيع الأغذية والمياه في المخيمات، ويتبعها نشاط ثقافي مكثف لنشر التشيع بين متلقي تلك المساعدات.

2. المنظمات الدعوية والتعليمية

تعد منظمة "الثقافة والعلاقات الإسلامية" إحدى المنظمات الإيرانية الرائدة في شرق إفريقيا، وتُنسّق المنظمة مختلف أنشطة المنظمات الإيرانية المسؤولة عن الأنشطة الدينية والثقافية في الخارج. وتُنفذ هذه الأنشطة إما تحت اسم "منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية" أو المنظمات التابعة لها التي تُدير عدداً كبيراً من المساجد والمراكز الإسلامية في كينيا وأوغندا وزيمبابوي.

وافتتحت إيران عدداً من المراكز الشيعية في جيبوتي، والتي يأتي على رأسها "مركز أهل البيت" في عام 2014. وتطور النشاط الإيراني الشيعي مؤخرا في جيبوتي، وبات ظاهرة علنية، بعد أن كانت سرية، وذلك من خلال الأنشطة التي تقوم بها المراكز الشيعية هناك.

 وفي السودان، تراجع النشاط الإيراني بعد أن أغلقت الحكومة السودانية المراكز الثقافية الإيرانية، وقامت باستدعاء القائم بالأعمال الإيراني، وأعلنت ضرورة مغادرة الأفراد العاملين في هذه المراكز خلال 3 أيام، بسبب محاولاتهم نشر المذهب الشيعي في المجتمع السوداني. ويقول أحد التقارير الحكومية إن هناك حوالي 20 حسينية في السودان، تتمركز أشهرها في العاصمة الخرطوم. وعلى ذلك لا يمكن إطلاقاً الجزم بأن خطر وعواقب التدخل الإيراني في السودان قد انتهت.

في عام 2014، قامت كل من الحكومة السودانية، والحكومة الصومالية، بإغلاق المراكز الإيرانية في البلدين، وطرد موظفيها. وعقب الاعتداء على القنصلية السعودية في إيران إثر تنفيذ حكم الإعدام في رجل الدين الشيعي نمر النمر، قطع كل من الصومال والسودان في يناير 2016، علاقاتهما الدبلوماسية بشكل رسمي مع إيران. وانضم السودان بعد ذلك إلى تحالف "عاصفة الحزم" بقيادة السعودية لمحاربة الحوثيين، وإعادة الحكم الشرعي في اليمن.

3. التدريب العسكري، وتشكيل الميليشيات

تقدم إيران تدريبات في المجالات العسكرية والشرطة في عدد من دول شرق إفريقيا، ومنها أوغندا التي قام قائد الشرطة الإيرانية، المدي إسماعيل مقدم بزيارتها بتاريخ 14 أكتوبر 2014، وقد استمرت هذه الزيارة خمسة أيام، تمخض منها توقيع مذكرة تفاهم مع الشرطة الأوغندية، لتعزيز قدراتها على مكافحة الجريمة. وأوضح أن مذكرة التفاهم "تبحث مختلف مجالات التعاون، فيما يتعلق بحفظ الأمن والنظام العام، ومكافحة الجرائم". لافتاً الى أن كلا البلدين يهتم بدعم التعاون في مجال تعزيز القدرات التقنية وتبادل المعلومات. وصرح الجنرال كالي كياهور المفتش العام للشرطة الأوغندية، أن أوغندا طلبت من إيران تدريب الشرطة الأوغندية في مكافحة الإرهاب، والجريمة التي تزداد بصفة تهدد أمن المنطقة. واتفقت إيران مع أوغندا على تدريب قوات الشرطة، وتجهيزها، وبناء مركز طبي بتكلفة 1.5 مليون دولار؛ لتوفير الخدمات الطبية للضباط.

واستقبل السودان في عام 1992 ما يقدر بألفي عنصر من "الحرس الثوري" الإيراني، وبعض المستشارين العسكريين، لتدريب قوات الدفاع الشعبي السودانية. كما قدمت إيران للسودان حينها مساعدات عسكرية تقدر بعشرين مليون دولار من الذخيرة والأسلحة، بما في ذلك قطع المدفعية، وبطاريات مضادة للطائرات، وفي عام 1993، قدمت إيران أيضًا عربات مدرعة ومدفعية ثقيلة وأجهزة رادار للخرطوم. وخلال عهد الرئيس أحمدي نجاد، ازداد التعاون الثنائي بين السودان وإيران، ليشمل القضايا النووية والاقتصادية والعسكرية، حتى أن إيران أعلنت عن رغبتها في تدريب وتمويل وتزويد الجيش السوداني. ووقعت الدولتان اتفاقية تعاون عسكري تعهدت طهران بموجبها بتدريب السودانيين على أيدي ضباط الجيش الإيراني.

واندلعت أزمة دبلوماسية بين إيران وكينيا في 2012، حين ألقت السلطات الكينية القبض على اثنين من الإيرانيين في كينيا، لحيازتهما 15 كيلوغراماً من المتفجرات المتطورة، وكان أحمد أبو الفتحي محمد، وسيد منصور موسوي يخططان لمهاجمة أهداف كينية وإسرائيلية وأمريكية. وقالت مصادر أمنية كينية إن الرجلين كانا عضوين في "فيلق القدس" التابع لـ "الحرس الثوري الإيراني".

 وفي نوفمبر 2016، زار شخصان يُدعيان سيد نصر الله إبراهيمي، وعبد الحسين غولي صفائي الإرهابيين المحتجزين في سجن كاميتي بالقرب من نيروبي، وزعمت إيران بأنهما محاميان. وبعد ذلك بفترة وجيزة، ألقت السلطات الكينية القبض على الزائرين الإيرانيين في وقتٍ كانا يحاولان البحث عن طريقة لتهريب عناصر فيلق القدس المسجونين، وذلك خلال التقاطهما صورًا لمواقع دبلوماسية غربية في العاصمة نيروبي. وكانت وسائل إعلامية كينية تناولت أخبار هذه الواقعة وتفاصيلها، وأشارت إلى أن السلطات المحلية أوقفت السفير الإيراني في البلاد، بعد أن أظهرته كاميرات المراقبة وهو يحاول تهريب عناصر "الحرس الثوري" أحمد أبو الفتحي محمد، وسيد منصور موسوي، المتهمين بقضايا إرهابية، من خلال تواصله مع مسؤولين كينين.

4. المشاركة في حماية أمن البحر الأحمر

استدعى الخطر المتزايد الذي يمثله القراصنة على عبور السفن في خليج عدن، استجابة دولية غير مسبوقة. فقد قامت عدد من الدول والمؤسسات متعددة الجنسيات بنشر قوات بحرية بالمنطقة؛ لمواجهة خطر القرصنة. وتبنى مجلس الأمن العديد من القرارات التي تطالب الحكومات والأعضاء ومنظمات الأمن الإقليمية، باتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة القرصنة الإقليمية.

 واعربت حكومة إيران عن نيتها إرسال سفن حربية لمواجهة القرصنة. وفي أكتوبر 2012 رست سفينتان حربيتان إيرانيتان في ميناء بورتسودان السوداني. وكانت السفينتان تتحركان في خليج عدن والبحر الأحمر منذ سبتمبر 2012 في إطار مشاركة إيران في المجهود البحري الدولي للتغلب على القرصنة الصومالي. وشكلت هذه الزيارات بداية تحركات البحرية الإيرانية لاستكشاف فرص التدخل والانخراط في مختلف سواحل وموانئ شرق إفريقيا.

موقع إيران ضمن خريطة النفوذ الإقليمي والدولي في شرق إفريقيا

تعدّ الولايات المتحدة من أكبر الفاعلين الدوليين في منطقة شرق إفريقيا، وترتبط واشنطن بعلاقات استراتيجية مع هذه الدول، وتتمتع بحضور عسكري مؤثر؛ حيث أنشأت قاعدة كامب ليمونيه، وقاعدة جيبوتي بحجة المحافظة على مصالحها التجارية، ومكافحة هجمات القراصنة. كما أنشأت الولايات المتحدة قاعدة عسكرية في الصومال. وعزز هذا الحضور تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في كل من نيروبي ودار السلام عام 1998؛ ما دفع الولايات المتحدة للبحث عن حضور حيوي عسكري واستخباراتي في منطقة دول شرق إفريقيا.

وتنافس الصين الولايات المتحدة الأمريكية على التواجد في هذه المنطقة، وتمتلك هي الأخرى حضوراً عسكرياً مؤثراً، بفضل إنشائها لقاعدة بحرية في جيبوتي، تبعد بضعة أميال فقط عن نظيرتها الأمريكية. وتعزز الاهتمام الصيني بالمنطقة بعد إطلاق مبادرة الحزام والطريق، وكثفت بيجين تعاونها الاقتصادي والتجاري والاستثماري مع دول شرق إفريقيا، خاصة تلك المطلة على البحر الأحمر والمحيط الهندي، كما أنشأت "منتدى التعاون الصيني-الإفريقي" في عام 2000، وتقوم باجتماع سنوي يحضره العديد من الرؤساء الأفريقيين.

وتحاول روسيا أيضًا إعادة تشكيل "خريطة النفوذ" في منطقة شرق إفريقيا، بتنسيق وتعاون مع دول مثل تركيا والصين وإيران. وتسعى روسيا لتطوير حضورها العسكري عبر عمليات حفظ السلام في المنطقة، وتعزيز تمثيلها الدبلوماسي عبر تعيين سفراء جدد. وأنشأت روسيا بدورها "منتدى سنويًا للحوار الروسي-الإفريقي".

وعملت إسرائيل على مدار بضعة عقود على التغلغل في دول شرق إفريقيا، بأجندات سياسية واقتصادية، وبهدف رصد تحركات التنظيمات المتطرفة، والتصدي للتمدد الايراني، وتعزيز شراكتها الاقتصادية بالمنطقة. وتأكد عمق الحضور الاسرائيلي بعد الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء الإسرائيلي لأربع دول في شرق إفريقية، هي كينيا وأوغندا وإثيوبيا ورواندا في 4 يوليو 2016، وفتح مكاتب تنمية إسرائيلية في هذه الدول، حيث اصطحب الرئيس الإسرائيلي عددًا كبيرًا من رجال الأعمال.

وخليجياً، شكّل التدخل العسكري ضد الحوثيين في اليمن، والذي تقوده السعودية، استراتيجية جديدة. وسعت السعودية إلى تطويق خطر التمدد الإيراني، ودعمها المليشيات الحوثية، وهو ما دفع بالسعودية إلى التفاوض مع جيبوتي، لإنشاء قاعدة عسكرية تستعملها للسيطرة على مضيق باب المندب، وكبح الطموحات أو التحركات العسكرية الإيرانية.

وأعادت الأزمة الخليجية التي اندلعت في مايو 2017، بدرجة ما، تشكيل توازنات النفوذ في منطقة شرق إفريقيا؛ حيث أكدت مختلف الأطراف القدرة على التواجد في الممرات البحرية العالمية في البحر الأحمر، بالإضافة إلى بحر العرب، والمحيط الهندي. وتأكد الاهتمام القطري في المنطقة بالزيارة التي قام بها الأمير تميم بن حمد آل ثاني إلى كل من أثيوبيا وكينيا والسودان في أبريل 2017، وعكست الزيارة أهمية الشرق الإفريقي كمنطقة لنفوذ الدوحة السياسي والاستثماري، خاصة في مشروعات الطاقة والزراعة والتعدين. وقام وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن في 19 أغسطس 2019، بزيارة إلى كل من الصومال وإثيوبيا وكينيا، بهدف تعزيز الحضور القطري في تلك البلدان، ووقع عدة اتفاقيات مشتركة، تشمل بناء طرق وميناء بحري جديد في مدينة هبيا الصومالية. 

ويتكامل الحضور القطري في شرق إفريقيا، مع الحضور التركي في الصومال، وكذلك مع الحضور الإيراني بدرجة أخفّ. وتمتلك تركيا في الصومال أكبر قاعدة عسكرية لها في الخارج. وتتبوأ أولوياتِ السياسة الخارجية التركية في منطقة البحر الأحمر، ومنطقةُ البحر المتوسط، العلاقاتُ المعقدة مع الولايات المتحدة، وتسويق نموذج تركيا الخاص للإسلام السياسي. وتأتي منطقة شرق إفريقيا في مرتبة أدنى من الاهتمام التركي قياساً بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لكنها تبقى مرتبطة بسياق استراتيجي أوسع، بحيث يمكن النظر إلى تحركات تركيا في شرق إفريقيا على أنها دليل تكامل مع الدور الإيراني في تعزيز أجندة الإسلام السياسي.

الآفاق المستقبلية للنفوذ الإيراني في شرق إفريقيا

يتطلب التقييم المناسب للطموحات الإيرانية، ولتأثير إيران في منقطة شرق إفريقيا، مقاربات مُتباينة؛ قريبة، ومتوسّطة، وبعيدة المدى. إذْ من الملحوظ أن دول شرق إفريقيا مسألة ذات أولوية عالية في سياسة طهران الخارجية. وبات يُنظر على نحو متزايد في المنطقة والعالم إلى النفوذ الإيراني في شرق إفريقيا على أنه أمر مرتبط بتصدير النموذج الثوري الإيراني، والنسخة الإيرانية للتشيع والإسلام السياسي، وهو ما أدى إلى طفرة من الاهتمام والتركيز على الدور الإيراني في المنطقة، خاصة من دول الجوار الإقليمي المنافسة لإيران مثل دول الخليج العربية، وإسرائيل. وهو ما من شأنه أن يقلّل من الأفضلية التي كانت تتمتع بها طهران في المنطقة، نتيجة مزاحمة هذه الدول للنفوذ الإيراني، وجهود احتوائه التي تحظى أيضًا بتشجيع وتأييد أمريكي. ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمّية استثمارات إيران السياسية والاقتصادية في دول شرق إفريقيا، كما لا ينبغي التقليل من أهمّية حضور إيران المستمرّ هناك، نظراً إلى السياق الجيوسياسي الأوسع الذي يجعل الدور الإيراني في منطقة شرق إفريقيا متكاملًا مع الدور التركي-القطري، ومتعاونًا إلى حد كبير من الدور الصيني، والروسي.

وعلى الرغم من كل العقبات التي واجهتها أيران في شرق إفريقيا، خاصة في السودان وكينيا والصومال. إلا أن المؤسسات الإيرانية لا تزال مستمرة في أنشطتها المختلفة في تلك البلدان. وعلى سبيل المثال، وصل عدد الطلبة الصوماليين الذين يدرسون في الجامعات الإيرانية على نفقة الجمهورية الإسلامية إلى 950 طالباً خلال السنتين الماضيتين، وتلتحق أعداد أخرى من الطلبة بالمدارس الدينية الإيرانية، والحوزات الشيعية في عدة دول.

ولا شك أن الدبلوماسية الناعمة الإيرانية استطاعت تحقيق نجاحات نسبيَّة في نشر المذهب الشيعي لبلدان شرق إفريقيا؛ حيث تستغل المنح التي تقدّمها جامعاتها لإيجاد موطئ قدم لها، لدرجة أن بلداناً مثل جزر القمر، لم تكن تعرف إلا المذهب السُّني حتى منتصف العقد الماضي عندما وصل الرئيس أحمد عبد الله سامي لسدَّة السلطة، والذي درس في إيران لسنوات حتى أطلق عليه "آية الله"، ونجح في نشر التشيع في جزر القمر، حتى بلغ عدد معتنقي المذهب الشيعي 5 آلاف شخص بنهاية عام 2011، بحسب إحصاءات شبه رسمية. وهو دور مرشحّ للاستمرار في السنوات المقبلة، حيث يرجح أن تحظى طهران بمزيد من الدعم نتيجة تنامي الحضور التركي والقطري المتكاملين مع الدور الإيراني في المنطقة.

 

أحدث المواضيع المميزة