"الإندو-باسيفيك" بوصفهِ مَسْرحاً جديداً للسياسات الدولية وتأثيره في منطقة الخليج العربي

محمد فايز فرحات | 09 يونيو 2020

تتناول هذه الورقة صعود مفهوم "الإندو-باسيفيك" باعتباره مَسْرحاً جديداً لتفاعلات السياسة الدولية، وتَعرِض أهم المحركات التي وقفت وراء تطور هذا المفهوم وأبعاده وتداعياته الأمنية والسياسية والاستراتيجية حاضراً ومستقبلاً. كما تُحلل طبيعة الملامح العامة للسياسات الإقليمية والدولية في منطقة "الإندو-باسيفيك"، ومدى تأثيراتها الحاصلة والمحتملة في منطقة الخليج العربي.

ظهور مفهوم "الإندو-باسيفيك" وتطوره

رغم الاتصال الجغرافي الطبيعي بين المحيطين الهادئ والهندي، لكن أدبيات العلاقات الدولية ما عرفت استخدام مفهوم "الإندو-باسيفيك" “Indo-Pacific” بالمعنى الجيوسياسي أو الجيواقتصادي إلا منذ سنوات قليلة. ويُرجِعْ البعض الاستخدام الأول للمفهوم إلى أستاذ الجغرافيا السياسية الألماني كارل هاوسهوفر Karl Haushofer عندما استخدم هذا المفهوم في عام 1920. لكن المفهوم لم يلق رواجاً داخل أدبيات العلاقات الدولية حتى بدايات القرن الحادي والعشرين، وتحديداً في عام 2005 عندما استخدمه الأكاديمي النيوزيلندي بيتر كوزينز Peter Cozens في سياق تناوله للتطورات البحرية خلال ستين عاماً في منطقتي المحيط الهادئ والهندي، حيث ذهب إلى أنهما يشكلان معاً "كياناً استراتيجياً واحداً" maritime strategic-continuum. لكن النقلة النوعية في استخدام المفهوم جاءت عقب استخدامه من جانب رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في كلمة له أمام البرلمان الهندي في أغسطس 2007، والتي اقترح فيها إنشاء ما أسماه "قوس الحرية والرخاء في آسيا الموسعة" “The Arc of Freedom and Prosperity in the Broader Asia”، مؤكداً وجود مصالح مشتركة بين القوى الدولية المرتبطة بالمحيطين في مجالات التجارة والجغرافيا الاقتصادية. وأشار آبي هنا إلى أربع قوى رئيسة هي الهند والولايات المتحدة وأستراليا إلى جانب اليابان،[1] دون إشارة إلى الصين، في دلالة على الأبعاد السياسية وراء استخدام المفهوم.

وكان قد سبق طَرْح هذه الفكرة من جانب آبي تطور نقاشات أكاديمية بين مراكز الفكر اليابانية والهندية حول عدد من القضايا الأمنية ذات الصلة، حيث احتل الصعود العسكري الصيني المساحة الأكبر في هذا الاهتمام (خاصة بعد تطوير الصين غواصاتها النووية الهجومية من طراز 093 SSN).[2] كما لعب بعض المبادرات الدولية دوراً مهماً في تشجيع هذا النقاش، مثل "مبادرة الانتشار الأمني" The Proliferation Security Initiative (PSI)، التي طرحتها إدارة الرئيس بوش الابن في 31 مايو 2003، التي سعت إلى بناء تحالف دولي لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، حيث سعى أنصار مفهوم "الإندو باسيفيك" إلى إثارة احتمالات نقل القدرات النووية والصاروخية من إقليم شمال شرقي آسيا (كوريا الشمالية) إلى إقليم الشرق الأوسط (سوريا وإيران).[3]

وقد لقي المفهوم دفعة قوية بعد طرحه من جانب شينزو آبي، حيث راج استخدامه بشكل مكثف من جانب الأكاديميين الهنود واليابانيين والأستراليين. وسرعان ما تم اعتماده من جانب السياسيين؛ ففي 28 أكتوبر 2010 استخدمت وزير الخارجية الأمريكية آنذاك، هيلاري كلينتون، المفهوم في سياق تأكيدها على أهمية التعاون الأمريكي مع البحرية الهندية في إطار ضمان حرية الملاحة في المنطقة. وفي خطوة أكثر وضوحاً تم استخدام مفهوم "إندو آسيا باسيفيك" “Indo-Asia-Pacific” في التقرير الذي قدمه قائد القيادة الأمريكية في "آسيا الباسيفيك"، الأدميرال صموئيل لوكلير Samuel Locklear إلى الكونجرس الأمريكي في عام 2013، والذي أشار فيه إلى أن نطاق عمله يغطي ما وصفه بمنطقة "إندو-آسيا-باسيفيك". لكن بشكل عام، ورغم استخدام إدارة أوباما لمفهوم "الإندو-باسيفيك"، فقد ظل استخدام مفهوم "آسيا-المحيط الهادئ" هو الأغلب[4]. كما لوحظ، من ناحية أخرى، الدمج بين المفهومين في بعض الحالات، كما عكسه استخدام مفهوم "إندو-آسيا-باسيفيك".

لكن مع وصول إدارة دونالد ترامب حدث ما يشبه التحول الكامل إلى اعتماد مفهوم "الإندو-باسيفيك" محل مفهوم "آسيا-المحيط الهادئ"، وهو ما اتضح في الاستخدام المكثف من جانب الرئيس ترامب لمفهوم "الإندو-باسيفيك" أثناء زيارته لعدد من الدول الآسيوية في نوفمبر 2017، شملت اليابان وكوريا الجنوبية والصين وفيتنام والفيليبين،[5] إذ لوحظ خلالها عدم استخدامه لمفهوم "آسيا-المحيط الهادئ"، في دلالة واضحة على تخلي إدارته عن هذا المفهوم.

الأمر ذاته، فيما يتعلق بأستراليا التي تجاوبت بشكل سريع مع المفهوم، وصل إلى حد تضمينه في عدد من الوثائق الرسمية، شملت الورقة البيضاء المعنونة "أستراليا في مرحلة القرن الآسيوي" “Australia in the Asian Century” (أكتوبر 2012)، و"استراتيجية الأمن القومي" (يناير 2013)، ثم "الورقة البيضاء حول الدفاع" Defence White Paper الصادرة عن وزارة الدفاع الأسترالية (مايو 2013)[6]. ولم يقتصر الأمر على القوى الأربع الرئيسة التي وقفت وراء تطوير المفهوم، فقد تفاعلت دول جنوب شرقي آسيا بدورها معه. من ذلك، الكلمة المهمة التي ألقاها وزير خارجية إندونيسيا في "المركز الأمريكي للدراسات الاستراتيجية والدولية" CSIS والتي تناول فيها الرؤية الإندونيسية لمفهوم "الإندو-باسيفيك"، حيث اقترح عدداً من الضوابط للسياسات الدولية والإقليمية في المنطقة، حددها في الالتزام ببناء الثقة المتبادلة، والتسوية السلمية للمنازعات، وتعزيز الأمن المشترك. كما اقترح توقيع معاهدة للصداقة والسلام والتعاون في بين دول المنطقة.[7]

لا توجد خلافات واسعة حول النطاق الجغرافي لمفهوم "الإندو-باسيفيك"؛ فقد قدَّم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في كلمته أمام "حوار شانجري لا" Shangri La Dialogue في عام 2018 (الذي ينظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS بسنغافورة) تعريفا للنطاق الجغرافي للمفهوم على أنه يشمل المنطقة الممتدة من أفريقيا شرقاً إلى الأمريكيتين غرباً، بمعنى أنها تشمل جميع الدول الساحلية المشاطئة لأي من المحيطين والدول الواقعة داخل مياههما. كما أشار إلى بعض الضوابط التي يجب أن تحكم المفهوم، حددها في الانفتاح، والاحتواء وعدم الإقصاء، ومركزية دول الآسيان، وعدم استهدافها أطراف محددة (يقصد الصين بالطبع).[8]

وتتوزع دول المنطقة على ثمانية أقاليم فرعية، هي: شرق آسيا (اليابان، الصين، روسيا، كوريا الجنوبية)، وجنوب شرقي آسيا (بروناي، ماليزيا، إندونيسيا، الفيليبين، سنغافورة، تايلاند، فيتنام، كمبوديا، لاوس، ميانمار)، وجنوب آسيا (الهند، سريلانكا، باكستان، بنجلادش، المالديف)، وأمريكا الشمالية (الولايات المتحدة، كندا)، وأمريكا اللاتينية (المكسيك، شيلي، بيرو، الإكوادور، كولومبيا)، والشرق الأوسط (الإمارات العربية المتحدة، عُمان، اليمن، إيران)، وشرق أفريقيا (الصومال، كينيا، موزمبيق، تنزانيا، جنوب أفريقيا، موروشيوس، سيشل، مدغشقر، كوموروس)، والأوقيانوسيا (أستراليا، نيوزيلندا، بابوا نيو غينيا، فيجي).

صعود "الإندو-باسيفيك" على حساب "آسيا-الباسيفيك"

إحدى السمات الأساسية لصعود مفهوم "الإندو-باسيفيك" أنه تطوَّر بديلاً لمفهوم "آسيا-الباسيفيك"، مدفوعاً بتحولات مهمة في موازين القوى، وظهور شبكة جديدة للتفاعلات والمصالح الدولية في المنطقة الممتدة من المحيط الهادئ شرقاً إلى المحيط الهندي غرباً. فكما ظهر مفهوم "آسيا-الباسيفيك" خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات بشكل ممنهج من جانب اليابان وأستراليا لتأكيد علاقاتهما الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وبوصفه تجسيداً لحالة التكامل الاقتصادية التاريخية والطوعية التي تطورت بين أقاليم شرق، وجنوب شرق آسيا، وشمال شرق آسيا، وأمريكا الشمالية واللاتينية، فإن طرح مفهوم "إندو-باسيفيك" من جانب اليابان والهند، ثم تبنّيه من جانب الولايات المتحدة وأستراليا، جاء أيضاً محصلة لمجموعة من العوامل، تتعلق بتحولات مهمة في موازين القوى الدولية، وتعبيراً عن تبلور مصالح مشتركة بين هذه القوى، فضلاً عن تطور مجموعة من التهديدات الأمنية الجديدة وغير التقليدية التي أضفت على المنطقة سمات "جيو-سياسية" و"جيو-اقتصادية" مشتركة، سمحت باستخدام المفهوم للإشارة إلى معنى محدد. ونتطرَّق فيما يأتي إلى المحركات التي وقفت وراء تطور المفهوم.

المحرك الأول، صعود الهند، وتزايد حضورها السياسي والاقتصادي داخل الأقاليم الآسيوية. وقد أخذ هذا الحضور أبعاداً مستقرة ومؤسسية مع تبني الهند "سياسة التوجه شرقاً" Look East Policy في عام 1991، ثم سياسة "التحرك شرقاً" Act East في سنة 2014. هذا التوجه الهندي جاء جزءاً من سياسة الانفتاح الهندي بشكل عام عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، ما استتبع تغيير نمط ارتباطاتها الخارجية، وباعتباره جزءاً من سياسة الانفتاح على الأسواق والتجارب التنموية الآسيوية بهدف تسريع عملية التنمية الاقتصادية والإصلاح الاقتصادي. كما جاءت في مرحلة لاحقة جزءاً من التعاون الهندي مع الولايات المتحدة في إطار استراتيجية احتواء الصين. وقد لقي الدور الهندي في إطار منطقة "الإندو-باسيفيك" دعماً أمريكياً واسعاً، عبَّرت عنه تصريحات هيلاري كلينتون أثناء زيارتها لأستراليا في نوفمبر 2012، والتي أكدت فيها أهمية الهند بوصفها لاعباً مهماً في منطقة "الإندو-باسيفيك"، ودعت أستراليا إلى تطوير علاقاتها العسكرية مع الهند.[9]

وخلاصة القول هنا، إنه رغم كون مفهوم "الإندو-باسيفيك" يشير بالأساس إلى المحيطين الهندي والهادئ، إلا أن استحضار "المحيط الهندي" هنا جاء - جزئياً – باعتباره نوعاً من الاستجابة لصعود الهند في هذه المنطقة المهمة. وكما كان استبعاد الهند والمحيط الهندي في مفهوم "آسيا-الباسيفيك" محصلة لغياب/ضعف الدور الهندي، فإن صعود الهند والمصالح الهندية في المنطقة كان عاملاً في التحول إلى مفهوم "الإندو-باسيفيك" على حساب مفهوم "آسيا-الباسيفيك". وما عاد المفهوم الأخير كافياً للتعبير عن عُمْق التحولات الجارية في الأقاليم الآسيوية التقليدية التي شكلت تاريخياً منطقة "آسيا-الباسيفيك".

المحرك الثاني، تنامي النفوذ الصيني، وتجاوزه منطقة "آسيا الباسيفيك" ليشمل منطقة المحيط الهندي أيضاً. وقد أخذ هذا التنامي أكثر من مستوى. الأول، طَرْح الصين مبادرتها الضخمة "الحزام والطريق" في عام 2013، والتي تضمنت مجموعة من الممرات ذات الصلة بالمحيطين الهادئ والهندي، شملت ممرين في إطار مكونها البحري (طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين)؛ الأول يبدأ من السواحل والموانئ الصينية مروراً ببحر الصين الجنوبي وصولاً إلى جنوب المحيط الهادئ. ويمتد الثاني من الموانئ والسواحل الصينية مروراً ببحر الصين الجنوبي ثم المحيط الهندي، والسواحل الأفريقية، وصولاً إلى القارة الأوروبية عبر البحرين الأحمر والمتوسط.[10] ويتضمن الممران بناء وتطوير سلسلة من الموانئ البحرية، ومناطق صناعية وخدمية بالقرب من هذه الموانئ، بالإضافة إلى بناء وتطوير مجموعة من السكك الحديدية والمطارات بهدف النفاذ إلى الأقاليم والدول البعيدة عن السواحل البحرية (مثل شبكة السكك الحديدية والمطارات التي تربط الدول الساحلية الأفريقية على المحيط الهندي بعُمق القارة).

كما يتضمن المكون البري من المبادرة (الحزام الاقتصادي لطريق الحرير) ثلاثة ممرات مهمة ستلعب دوراً كبيراً - حال تنفيذها - في توسيع حجم النفوذ الصيني داخل عدد من الدول المشاطئة للمحيطين الهادئ والهندي. الأول، ينطلق من الصين في اتجاه جنوب وجنوب شرقي آسيا وصولاً إلى المحيط الهندي، ويعرف باسم "ممر الصين- شبه الجزيرة الهندية- الصينية"، ويبدأ من المنطقة الاقتصادية لدلتا نهر اللؤلؤ في مقاطعة قوانغدونغ جنوب الصين، في اتجاه الجنوب، ثم نانينغ وبينغشيانغ بمقاطعة قوانغشي في أقصى الجنوب، ثم هانوي بفيتنام، وصولاً إلى سنغافورة. والممر الثاني، هو "ممر بنجلادش-الصين-الهند-ميانمار". ويشمل بناء شبكة من الطرق البرية وشبكات للسكك الحديدية، وأنابيب لنقل النفط والغاز، بين الدول الأربع، بالإضافة إلى تطوير بعض الموانئ البحرية. والممر الثالث، هو "ممر الصين-باكستان"، وهو أحد الممرات المهمة التي توليها الصين اهتماما كبيرا. ويمتد من قشغار شمال غرب الصين إلى ميناء جوادر الباكستاني بطول 3000 كيلو متر. ويشمل تطوير ميناء جوادر الباكستاني على بحر العرب المرتبط بالمحيط الهندي، بالإضافة إلى بناء شبكة من السكك الحديدية، ومجموعة من المناطق الاقتصادية داخل باكستان (انظر الخريطة المرفقة أدناه).

ومن شأن هذه الممرات زيادة حجم النفوذ الصيني في المحيطين الهادئ والهندي، أو منطقة "الإندو باسيفيك" وفقاً للمفهوم الجديد.

المستوى الثاني، اتجاه الصين خلال السنوات الأخيرة إلى الحصول على العديد من امتيازات استغلال الموانئ البحرية على المحيطين الهادئ والهندي (انظر جدول رقم 1). صحيح أن الاتفاقات المنظمة لهذه الامتيازات تُقصِرها على الاستخدام الاقتصادي، بما في ذلك ميناء جوادر الباكستاني، كما أن التوازنات الاستراتيجية المعقدة في منطقة جنوب شرقي آسيا تمثل ضابطاً مهماً لطبيعة لهذه الامتيازات (على سبيل المثال، أدت العلاقات التاريخية بين الهند وسريلانكا إلى تمسُّك الأخيرة بتضمين الاتفاق المنظم للامتياز الصيني في ميناء "هامبانتوتا" نصاً صريحاً يحظر على الصين استخدام الميناء في أغراض عسكرية، وأن أمن الميناء يكون مسؤولية القوات البحرية السريلانكية). لكن رغم كل ذلك، فإن العديد من التحليلات لا تستبعد لجوء الصين إلى استخدام هذه الموانئ في أغراض عسكرية في حالة الضرورة، وفي حالة تعرُّضها لتهديدات محددة.

بمعنى آخر، فإنه بالإضافة إلى المزايا الاقتصادية المهمة التي تمثلها الامتيازات الصينية في هذه الموانئ، ودورها في توسيع حجم قطاع "الاقتصاد الأزرق" ومساهمته في الاقتصاد الصيني، لكن هذه الامتيازات تمثل في التحليل الأخير منافذ مهمة للصين على المحيط الهادئ وبحر الصين وعلى المحيط الهندي، وبُعْداً من أبعاد القوة البحرية الصينية بمعناها الشامل.

المستوى الثالث، سعي الصين إلى بناء ما يمكن وصفه بـ"حوكمة بحرية جديدة" في منطقة المحيطين الهادئ والهندي. وقد اتضحت ملامح هذا التوجه مع إصدار الصين في يونيو 2017، الوثيقة المعنونة "رؤية للتعاون البحري في بناء الحزام والطريق" “Vision for Maritime Cooperation under the Belt and Road Initiative”.[11]

وقد بدأت الوثيقة بالتأكيد على أهمية البحار والمحيطات بوصفها مجالاً للتعاون الدولي - الثنائي ومتعدد الأطراف - ومدخلاً لتوسيع مساحة التوافق العالمي، وتسريع عمليات التنمية. وتضمنت الوثيقة قائمة واسعة من الأفكار المقترحة للتعاون بين الدول الواقعة على مسار طريق الحرير البحري (التي ترتبط بالمحيطين الهادئ والهندي بالإضافة إلى البحرين الأحمر والمتوسط)، توزعت على خمسة مجالات أساسية. تعلق "المجال الأول" منها -كما جاء في أصل الوثيقة وترتيب ظهورها فيها - بحماية البيئة البحرية، أو ما أسمته الوثيقة "سلوك طريق التنمية الخضراء معاً"، ويشمل قائمة واسعة من مجالات التعاون أبرزها حماية البيئات البحرية وإعادة تأهيلها، وتوسيع نطاق الخدمات البيئية البحرية، وضمان سلامة النظام البيئي البحري والتنوع الحيوي، والتشارك في بناء ممرات إيكولوجية بحرية عابرة للحدود، وبناء أنظمة مشتركة لمراقبة ورصد النظم الإيكولوجية البحرية..، إلخ.

وتعلق "المجال الثاني"، بتوسيع نطاق التنمية المشتركة المستندة إلى البحار، من خلال التعاون في تنمية واستغلال الموارد البحرية على طول طريق الحرير البحري، بدءاً من مسح هذه الموارد وإنشاء دليل وبنك للمعلومات حولها، ومساعدة الدول النامية الواقعة على مسار الطريق لوضع خطط لاستثمار الموارد البحرية وتقديم المساعدات الفنية اللازمة لها، والارتقاء بمستوى التعاون في مجال الصناعة البحرية، وتقوية التعاون بين الموانئ الواقعة على مسار الطريق، وتشكيل اتحاد للموانئ البحرية، وتقديم الدعم الصيني للدول الواقعة على مسار الطريق في مجال بناء وإدارة الموانئ، والتوسع في مشروعات كابلات الألياف الضوئية تحت البحار بهدف رفع مستوى التواصل والترابط بين الدول الواقعة على مسار الطريق.

وينصرف "المجال الرابع" إلى تشجيع المعرفة والابتكار في مجالات بحوث العلوم البحرية، من خلال تطبيق برامج للتعاون العلمي البحري بين الدول الواقعة على مسار الطريق، وتنفيذ المسوح البحرية، وبناء منشآت للبنية التحتية ذات الصلة بالبحوث البحرية، وبناء حدائق مشتركة للعلوم والتكنولوجيات البحرية، وتشجيع التعاون عبر المؤسسات البحثية المشتركة ذات الصلة بالعلوم البحرية بين الصين وعدد من الدول الواقعة على مسار الطريق، .. إلخ.

ومع أهمية المجالات السابقة، لكن الأهم هو ما جاء ضمن المجالين "الثالث" و"الخامس" من الوثيقة. فقد انصرف "المجال الثالث" إلى "الأمن البحري المشترك"، من خلال تعزيز التعاون في قطاع الخدمات البحرية عبر التشارك في بناء "الخدمات العامة البحرية" على طول طريق الحرير البحري، وبناء شبكة لرصد ومراقبة البحار، وتعزيز التعاون الدولي بشأن التوسع في تطبيق النظام الصيني لخدمات "الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية" (بيدو BeiDou)[12]، وغيرها من الأنظمة المهمة بهذا الشأن، وتطوير التعاون في مجال أمن وسلامة الملاحة البحرية من خلال وضع آلية للإدارة والسيطرة - الثنائية ومتعددة الأطراف - لأمن وسلامة الملاحة البحرية، والمكافحة المشتركة للجرائم المرتكبة في البحار، والعمل على حماية وأمن وسلامة الملاحة البحرية، مع تأكيد الوثيقة استعداد الصين لتحمُّلها الالتزامات الدولية المناسبة في هذا المجال.

أما "المجال الخامس"، فقد انصرف إلى التشارك فيما أسمته الوثيقة "الحوكمة البحرية" وتوسيع مجالاتها، من خلال إنشاء آلية حوار رفيع المستوى للتعاون البحري بين الدول الواقعة على مسار الطريق، وتوقيع سلسلة من وثائق التعاون البحري بين الحكومات، والتشارك في وضع خطط للتعاون وتنفيذ المشروعات ومجالات التعاون المختلفة.

هذه المستويات الثلاثة انطوت -على ما يبدو- على خطر كبير من وجهة نظر القوى الرئيسة المنافسة (الولايات المتحدة، الهند، اليابان)؛ إذ من شأن هذه التحولات - في حالة اكتمالها - تعظيم النفوذ الصيني وتجاوزه منطقة بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ ليغطي منطقة المحيط الهندي والمساحات المائية والموانئ البحرية المرتبطة به، وإعادة هيكلة موازين القوى لمصلحة الصين، الأمر الذي يفسر التوافق الأمريكي- الهندي- الياباني السريع على إعادة تعريف مسرح حركتها والتحول عن مفهوم "آسيا- الباسيفيك" إلى "الإندو-باسيفيك"، بهدف خلق مسرح أوسع للحركة والتعاون فيما بينها من ناحية، والتعامل مع التحركات الصينية في المنطقة، من ناحية أخرى.

المحرك الثالث، تصاعد قائمة التهديدات والمصالح المشتركة، إذ يمكن الإشارة هنا إلى تطور قائمة من المصالح المشتركة بين القوى التي وقفت وراء تطوير مفهوم "الإندو باسيفيك" في مجالات عدة أبرزها تزايد الأهمية النسبية للاقتصاد البحري (الاقتصاد الأزرق)، والذي ارتفعت نسبة مساهمته في حجم اقتصادات المنطقة. وفي المقابل، تصاعد قائمة من التهديدات المشتركة، تشمل الفيضانات، والزلازل، وحرائق الغابات، والقرصنة، والاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية، والإرهاب. وقد بلغت التكلفة المالية لبعض هذه المشكلات أرقاماً ضخمة. فعلى سبيل المثال، قُدِّرت التكلفة المالية لزلزال اليابان وتسونامي 2011 حوالي 210 بلايين دولار. ويرجع تنامي بعض هذه المشكلات إلى ارتباط المناطق ببعض الأقاليم ذات الدول الهشَّة أو مناطق تركز التنظيمات الدينية العنيفة.[13] ورغم أن هذه التهديدات لا تقتصر على الدول الرئيسة التي وقفت وراء تطوير مفهوم "الإندو-باسيفيك"، إلا أن تزايد هذه التهديدات عمَّق من المصالح المشتركة فيما بينها.

الملامح العامة للسياسات الإقليمية والدولية في منطقة "الإندو-باسيفيك"

لا يزال مفهوم "الإندو-باسيفيك" في مراحله الأولى، ومن ثمَّ ما تزال السياسات والمبادرات السياسية والأمنية الإقليمية والدولية قيد التشكل. فبالإضافة إلى المبادرات اليابانية السابق الإشارة إليها، والتي ما تحولت حتى الآن إلى مشروعات سياسية أو أمنية محددة، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أواخر عام 2017 ما اسماه "استراتيجية الإندو باسيفيك" Indo-Pacific Strategy، لكن ما زالت هذه "الاستراتيجية" تتسم هي الأخرى بالغموض، ولم تتضمن سوى طرح بعض المفاهيم العامة. وربما يظل التجسيد الوحيد العملي حتى الآن للمفهوم هو الحوار الرباعي الذي بدأ بين الدول الأربع في نوفمبر 2017.

وبصرف النظر عن طبيعة هذه المبادرات أو الأفكار المطروحة حتى الآن، فإن الاتجاه الأغلب أنها سوف تثير تفاعلات صراعية في المنطقة، للأسباب الآتية: 

1. تزايد احتمالات تطور سباق تسلح في المنطقة، سواء على مستوى ثنائي بين الهند والصين، أو على مستوى جماعي بين الدول الأربع والصين. لكن يظل سباق التسلح بين الهند والصين هو المرشح للتصاعد خلال الفترة المقبلة، وذلك بالنظر إلى الطموحات الهندية في التحول إلى قوة بحرية عالمية والاضطلاع بدور أمني أكبر في المنطقة، فضلاً عن علاقاتها الدفاعية المتقدمة مع الولايات المتحدة، ووجود عدد من الاتفاقيات الأمنية المهمة بين البلدين، أهمها "الرؤية المشتركة الأمريكية-الهندية لآسيا الباسيفيك والمحيط الهندي" الموقعة في يناير 2015 “US- Indian Joint Strategic Vision for Asia-Pacific and Indian Ocean Region”، و"معاهدة الدعم اللوجيستي" The Logistics Support Agreement الموقعة في يونيو 2016، والتي تسمح للطرفين بالاستخدام المشترك للقواعد العسكرية. ووفقاً لتقرير SIPRI، جاءت الهند في مقدمة الدول الأكثر شراءً للسلاح خلال السنوات الأخيرة.

2. ما يتضمنه مفهوم "الإندو-باسيفيك" من احتمال امتداد الدور الأمني الهندي ليشمل منطقة بحر الصين الجنوبي، ذات الأهمية الاستراتيجية للصين، والتي تقع معظمها - وفقاً للرؤية الصينية - ضمن السيادة الصينية. ويزداد هذا الاحتمال على خلفية الموقع الجغرافي للهند والتي تمتلك ساحل ضخم على خليج البنغال الذي يرتبط بدوره بمضيق ملقا (نقطة العبور بين المحيطين الهادئ والهندي). وقد فتحت الهند مجالاً للحضور العسكري الياباني في المنطقة من خلال السماح لها في عام 2017 بالمشاركة في التدريبات العسكرية الهندية الأمريكية المشتركة Exercise Malabar في خليج البنغال.

3. من المتوقع لجوء الولايات المتحدة، بالتعاون مع القوى الثلاث الأخرى، إلى إحياء نظرية "التهديد الصيني" التي تطورت داخل الولايات المتحدة عقب انتهاء الحرب الباردة، والتي تقوم على الربط بين الصعود الصيني وتهديد النظام العالمي. لن تكون هناك مشكلة كبيرة في اتجاه الدوائر السياسية والأكاديمية في الهند واليابان وأستراليا إلى تبني مقولات هذه النظرية، لكن هذا لن يكون كافياً، حيث سيكون من المهم الترويج للنظرية لدى باقي دول المنطقة بأقاليمها الفرعية المختلفة، الأمر الذي يؤدي إلى تعميق حالة الاستقطاب، والإضرار بالمصالح الصينية بشكل كبير.

التأثيرات الجارية والمحتملة على منطقة الخليج العربي

ترتبط منطقة الخليج العربي بمنطقة "الإندو-باسيفيك" عبر المسطحات المائية المرتبطة بالمحيط الهندي، الأمر الذي يجعل منطقة الخليج العربي امتداداً طبيعياً لمنطقة الإندو-باسيفيك، ما يثير بدوره تساؤلاً حول تأثير هذا التحول الاستراتيجي المهم في منطقة الخليج العربي.

1. فرغم أن منطقة الخليج العربي لا تمثل إقليماً مركزياً داخل منطقة "الإندو-باسيفيك" بالمعنى الجغرافي، حيث تمثل أحد أقاليمه الفرعية، لكن هذا لا ينفي إمكانية تأثرها بأنماط التفاعلات (الصراعية والتعاونية) الجارية والمتوقعة في المنطقة، لأسباب تتعلق بكثافة التفاعلات والمعاملات بين منطقة الخليج العربي وجميع الأقاليم الفرعية الأخرى المكونة للمنطقة، بدءاً من شرق أفريقيا وانتهاءً بأمريكا اللاتينية والأوقيانوسيا، ومروراً بأقاليم شرق وجنوب، وجنوب شرق آسيا. أضف إلى ذلك، اعتماد الاقتصادات الرئيسة بمنطقة "الإندو-باسيفيك" (خاصة في شرق وجنوب شرق آسيا) على منطقة الخليج في توفير النسبة الأكبر من وارداتها من مصادر الطاقة، الأمر الذي يعطي منطقة الخليج العربي أهمية خاصة داخل منطقة "الإندو-باسيفيك". في ظل هذا الترابط، من الصعب استبعاد انتقال Spill-over مظاهر التنافس/الصراع في هذا المسرح المهم للسياسات الإقليمية والعالمية إلى منطقة الخليج العربي، بل وإمكانية تحول الأخيرة إلى أحد المسارح المقترحة لإدارة هذا التنافس/الصراع المحتمل.

2. تزداد احتمالات هذا التأثر السلبي في ضوء عاملين إضافيين. الأول، أن الاتجاه الأغلب لأنماط العلاقات والسياسات الدولية المتوقعة في المنطقة هو نمط العلاقات الصراعية، وذلك على خلفية السياق العالمي الذي تطور في إطاره مفهوم أو مسرح "الإندو-باسيفيك"، والمحركات التي وقفت وراء تطوره، على نحو ما سبق تناوله. والعامل الثاني، الموقع المهم الذي تشغله منطقة الخليج العربي على مسار المشروع الصيني "الحزام والطريق"، من خلال الممر الاقتصادي (الصين-آسيا الوسطى-غرب آسيا)، الذي يهدف إلى ربط الصين بمنطقة الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط مرورا بآسيا الوسطى وغربي آسيا، عبر شبكة من المشروعات المقترحة لنقل الطاقة، والسكك الحديدية، والمناطق الاقتصادية. وقد بدأت منطقة الخليج العربي بالفعل في التفاعل الإيجابي مع مكونات المبادرة. ومن ثمَّ، في حالة تحول مبادرة الحزام والطريق إلى جزء من الصراع أو الاستقطاب العالمي في منطقة "الإندو-باسيفيك" فقد تضطر دول الخليج العربي إلى اتخاذ مواقف محددة من هذا المشروع، أو على الأقل تخفيف حجم التزاماتها تجاهه.

3. هناك نماذج عدة على انتقال التنافس الصيني-الهندي إلى منطقة الخليج العربي بالفعل. ونشير هنا إلى مثالين مهمين. الأول، التنافس الصيني-الهندي على النفاذ إلى ميناء الدقم العماني (الذي يطل على بحر العرب والمحيط الهندي)؛ فقد مثَّل الميناء أحد مجالات التعاون المهمة بين الصين وعمان في إطار مبادرة الحزام والطريق، من خلال إنشاء "منطقة الدقم الاقتصادية الخاصة"، والتي تم تطويرها بواسطة مجموعة من الشركات الصينية. فقد تبع ذلك توقيع الهند مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع سلطنة عُمان في فبراير 2018، كان من بينها مذكرة تفاهم للتعاون العسكري، تمتعت بموجبها السفن العسكرية الهندية بحق دخول ميناء الدقم، واستخدام الحوض الجاف لصيانة السفن.[14] هناك توافق مصالح لا يمكن تجاهله بين الصين والهند فيما يتعلق بتطوير المنطقة الاقتصادية الخاصة في الدقم، وتطوير ميناء الدقم، إذ من شأن ذلك تسهيل فرص النفاذ المشترك إلى مصادر الطاقة الخليجية بعيدا عن مضيق هرمز، لكن هذا لم يَحُلْ دون التنافس على النفاذ إلى الميناء، ومحاولة الهند موازنة النفوذ الصيني بنفوذٍ موازٍ من جانبها.

النموذج الثاني لهذه التأثيرات يتمثل في اتجاه الهند إلى تعزيز نفاذها إلى ميناء تشابهار الإيراني لموازنة النفوذ الصيني في ميناء جوادر الباكستاني. وتتخذ العلاقات الهندية-الإيرانية أبعادا أوسع من قضية ميناء تشابهار،[15] إذ يمكن الحديث عن تطور "محور هندي-إيراني" في مواجهة "محور صيني-باكستاني". ففي ظل المخاوف الهندية من التداعيات الاستراتيجية للممر الاقتصادي (الصين-باكستان)، السابق الإشارة إليه، سعت الهند إلى إحياء مشروع "ممر الشمال-الجنوب" International North-South Transport Corridor (INSTC) الذي يهدف إلى الربط بين الهند (عبر ميناء مومباي، على بحر العرب) وغرب أوروبا عبر عدد من المسارات البحرية والبرية المختلفة. ورغم تعدد المسارات المقترحة للممر، لكن المسار البحري من ميناء مومباي إلى ميناء بندر عباس الإيراني على مضيق هرمز، ثم المسار البري داخل إيران عبر شبكة السكك الحديدية، يمثل مكوناً رئيساً في هذا المشروع بمساراته المختلفة.

إن فكرة إنشاء ممر تجاري يربط بين أقاليم جنوب وغرب ووسط آسيا وغرب أوروبا تعود إلى قرون ماضية، لكنها لم تأخذ منحىً إجرائياً إلا في سبتمبر سنة 2000 مع توقيع اتفاق بين الهند وروسيا وإيران لإنشاء هذا الممر، انضم إليه لاحقاً عدد من دول آسيا الوسطى والقوقاز والخليج العربي والشرق الأوسط (كازخستان، بيلاروس، طاجكستان، أرمينيا، أوكرانيا، قيرغيزستان، أذربيجان، عُمان، سوريا، تركيا، بالإضافة إلى بلغاريا كعضو مراقب). ورغم الأهمية التي أولتها كلٌّ من الهند وإيران لهذا المشروع، لكن فرص تنفيذه تأثرت بشدة بفعل أزمة البرنامج النووي الإيراني وما ارتبط به من موجات العقوبات الاقتصادية الدولية على إيران. وقد أدى بدء رفع هذه العقوبات عقب توقيع الاتفاق النووي في عام 2015 إلى تنشيط المشروع مرة أخرى، حيث سعت إيران - بالتنسيق مع شركائها الرئيسيين في المشروع (الهند، وروسيا، أذربيجان) - إلى إحيائه من جديد، لكن عودة الأزمة الإيرانية- الأمريكية مجدداً، واستئناف تطبيق حزمة جديدة من العقوبات الأمريكية على إيران، ساهما بالتأكيد في التأثير على فرص تنفيذ المشروع.

مع ذلك، لا يمكن استبعاد إحياء المشروع وتسريع وتيرة تنفيذه لعوامل تتعلق بالعلاقات الهندية-الأمريكية من ناحية، وحسابات الصراع الأمريكي مع الصين ومحاولة موازنة نفوذها المتزايد في باكستان، من ناحية أخرى. ويمثل استثناء الولايات المتحدة الاستثمارات الهندية في ميناء تشابهار من العقوبات المفروضة على إيران مثالاً مهماً في هذا السياق. كذلك، يمكن القول إنه في حالة تسوية الأزمة الإيرانية-الأمريكية في أي لحظة، لا شك سينعكس ذلك على فرص تنفيذ المحور.

وتطوُّر هذا "المحور الهندي-الإيراني"، بما يتضمنه من تطوير ميناء تشابهار، وبناء "ممر الشمال-الجنوب"، لا شك سينعكس على حجم الثقل الإيراني في منطقة الخليج، كما سيرتب مصالح دولية متنامية حول إيران، خاصة في حالة تنفيذ بعض المشروعات الأخرى التي تطمح إليها، مثل مشروع ربط بحر قزوين بالمحيط الهندي أو بالخليج العربي، والمعروف بمشروع Iran Rud (أو نهر إيران). وهناك مسارين مقترحين للمشروع. الأول، المسار أو البديل الغربي، ويقوم على الربط بين جنوب بحر قزوين وشمال الخليج العربي، وهو الأقصر من حيث المسافة، بطول حوالي 950 كيلو متراً، لكن يعيبه مروره عبر سلاسل جبال زاكروس Zagros، وألبرز Alborz، خاصة في منطقتي كردستان وهمدان. والمسار الثاني، المسار الشرقي، ويمتد من الساحل الجنوبي الشرقي لبحر قزوين إلى شواطئ خليج عمان، ويتراوح طوله بين 1465-1600 كيلو متر. ويحظى هذا المشروع بترحيب من جانب روسيا (التي تمتلك شواطئ على بحر قزوين)، بالنظر إلى ما يوفره لها من فرصة للوصول إلى المياه الدافئة.[16]

وفي المحصلة، يُقدمِّ هذان النموذجان مثالين مهمين لانعكاسات التنافس/الصراع في منطقة "الإندو-باسيفيك" على منطقة الخليج العربي.

4. لكن التأثيرات السابقة لا تعني غياب التأثيرات الإيجابية المحتملة، في ضوء الوزن النسبي المتزايد لمنطقة "الإندو-باسيفيك"، باعتبارها مسرحاً رئيساً للسياسات العالمية خلال المرحلة المقبلة، وما تتمتع به من ثقل اقتصادي داخل النظام الاقتصادي العالمي (سوق ضخمة، مركز صناعة قرارات تدفقات التجارة والاستثمار، مركز ثقل للفاعلين الرئيسيين داخل المجموعات الدولية البازغة مثل مجموعة العشرين وبريكس والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وبنك التنمية الآسيوي، عشرات اتفاقات التجارة الحرة والإقليمية). لكن تعظيم مكاسب اقتصادات الخليج العربية من المنطقة تقتضي في الوقت ذاته تطبيق سياسات متوازنة تجاه الفاعلين الرئيسيين: الصين، الهند، الولايات المتحدة، اليابان، أستراليا، والابتعاد عن السياسات الاستقطابية. والواقع أن معضلة انتهاج سياسات متوازنة لن تقتصر على إقليم الخليج العربي فقط، لكنها تنسحب إلى معظم الأقاليم الفرعية الأخرى، بما في ذلك إقليم جنوب شرقي آسيا الذي يقع في قلب منطقة "الإندو-باسيفيك". وقد انعكس هذا القلق في كلمة وزير خارجية إندونيسيا المُشار إليها سابقاً، والتي اقترح فيها توقيع معاهدة للصداقة والسلام في المنطقة، في دلالة واضحة على انشغال دول الإقليم بمخاطر الصراع والاستقطاب.

استنتاجات

  • جاء تطوير مفهوم "الإندو-باسيفيك" نتيجة لمجموعة من المحركات المهمة، أبرزها تنامي النفوذ الصيني وتجاوزه منطقة المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي وامتداده إلى منطقة المحيط الهندي ومجموعة الأقاليم الفرعية المرتبطة به. وقد أخذ هذا التنامي أكثر من مستوى، أهمها المساحة الجغرافية الضخمة التي تغطيها مكونات مبادرة الحزام والطريق، وامتدادها إلى الأقاليم الرئيسية بمنطقة المحيطين الهادئ والهندي والأقاليم الفرعية المرتبطة بهما، بالإضافة إلى الامتيازات الصينية المتنامية داخل عدد من الموانئ البحرية على سواحل المحيطين الهادئ والهندي، واتجاه الصين إلى بناء حوكمة بحرية جديدة. 
  • من ناحية أخرى، جاء تطور المفهوم نتيجة لتنامي دور الهند داخل الأقاليم الآسيوية، وتطور حالة من توافق المصالح بينها وبين كُلٍّ من اليابان والولايات المتحدة وأستراليا، على إعادة النظر في مسرح حركتها المشتركة، الأمر الذي دفع هذه القوى إلى التخلي عن مفهوم "آسيا-الباسيفيك" واعتماد مفهوم "الإندو-باسيفيك".
  • مع أن مفهوم "الإندو-باسيفيك" يستند إلى مصالح وتهديدات مشتركة بعيداً عن النفوذ الصيني، لكن تظل السمة الأساسية للمفهوم هي تطوره في إطار صراعي مع الصين، الأمر الذي يعني أن الاتجاه الأغلب لأنماط التفاعلات الإقليمية والدولية المتوقعة في المنطقة سيتمثَّل في التفاعلات الصراعية، وذلك بالنظر إلى السياق العام لتطور المفهوم والدوافع التي وقفت وراءه. بمعنى آخر، فإنه على العكس من نشأة مفهوم "آسيا-الباسيفيك" في إطار تعاوني، فقط تم استحداث مفهوم "الإندو-باسيفيك" بطريقة مصطنعة، وفي سياق صراعي أكثر منه تعاوني.
  • رغم وجود فرص لاستفادة منطقة الخليج العربي من منطقة "الإندو-باسيفيك"، لكن بسبب ظروف استحداث المفهوم ودوافعه تظل هناك احتمالات للتأثيرات السلبية على منطقة الخليج، وفرص انتقال أنماط التنافس/الصراع إليها. وقد ظهر بعض هذه الأنماط بالفعل على نحو ما تم مناقشته، الأمر الذي يفرض على دول الخليج العربي الابتعاد عن السياسات الاستقطابية المحتملة.

الهوامش

[1] للاطلاع على نص الكلمة، انظر:

"Confluence of the Two Seas", Speech by H. E. Mr. Shinzo Abe, Prime Minister of Japan at the Parliament of the Republic of India, New Delhi, August 22, 2007. Available at: https://www.mofa.go.jp/region/asia-paci/pmv0708/speech-2.html

[2] من أمثلة ذلك، الحوار الذي تم تنظيمه بين "معهد الدراسات والتحليلات الدفاعية" Institute for Defence Study and Analyses (IDSA) (مركز الفكر القريب من وزارة الدفاع الهندية) و"معهد اليابان للشؤون الدولية" Japan Institute for International Affairs (JIIA) (مركز الفكر القريب من وزارة الخارجية اليابانية)، والذي عُقِد في نيودلهي سنة 2006.

[3] تمثل المبادرة جهداً استباقياً يهدف بالأساس إلى التزام المشاركين فيها باعتراض أي عمليات نقل غير مشروعة لأسلحة الدمار الشامل، وأنظمة إيصالها، والمواد ذات الصلة. وتسعى المبادرة إلى تطوير شراكات بين الدول المندمجة فيها، وتوظيف قدراتها الوطنية لتطوير مجموعة واسعة من الأدوات القانونية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها لاعتراض عمليات نقل أسلحة الدمار الشامل وأنظمة إيصالها والمواد ذات الصلة عن طريق الجو أو البر أو البحر. بالإضافة إلى ذلك، تتفق الدول المشاركة على سن التدابير اللازمة لضمان عدم استخدام مرافقها الوطنية لنقل شحنات الأسلحة غير المشروعة. لمزيد من التفصيل، انظر الرابط التالي: https://www.nti.org/learn/treaties-and-regimes/proliferation-security-initiative-psi

[4] ذهب بعض الدراسات إلى أن الوثائق الصادرة عن البيت الأبيض خلال فترة إدارة أوباما استخدمت مفهوم "آسيا-المحيط الهادي" 537 مرة مقابل 6 مرات فقط لمفهوم "إندو-باسيفيك". انظر: Wei Hongxia, “The Evolution of the “Indo-Pacific” Concept”, http://www.xinhuanet.com/globe/2017-2/02/c_136788048.html

نقلاً عن:

Jiadong Zhang, “The US’ Indo-Pacific Initiative and Its Impact on China”, in: Cuiping Zhu, (ed.), Annual Report on the Development of the Indian Ocean Region (2018), Indo-Pacific: Concept Definition and Strategic Implementation (Beijing: Social Sciences Academic Press and Springer Nature Singapore Pte Ltd., 2019).

[5] “Trump gives glimpse of ‘Indo-Pacific’ strategy to counter China”, Financial Times, November 10, 2017. Available at: https://www.ft.com/content/e6d17fd6-c623-11e7-a1d2-6786f39ef675

[6] للاطلاع على هذه الوثائق الثلاث، انظر على الترتيب:

Australian Government, Australia in the Asian Century, White Paper, October 2012. Available at: https://www.defence.gov.au/whitepaper/2013/docs/australia_in_the_asian_century_white_paper.pdf; Australian Government, Department of the Prime Minister of the Cabinet, Strong and Secure: A Strategy for Australia’s National Security, 2013. Available at: https://www.files.ethz.ch/isn/167267/Australia%20A%20Strategy%20for%20National%20Securit.pdf ; Australian Government, Department of Defence, 2013 DEFENCE WHITE PAPER, 2013. Available at: https://www.defence.gov.au/whitepaper/2013/docs/WP_2013_web.pdf

[7] لقي هذا المقترح تفاعلاً كبيراً وردود فعل أكاديمية واسعة، انظر على سبيل المثال:

Vignesh Ram, “The Proposal for an Indo-Pacific Treaty of Friendship and cooperation: A Critical Reassessment”, Journal of ASEAN Studies, Vol. 3, no. 1, 2015, pp. 22-31. Available at: https://media.neliti.com/media/publications/27003-EN-the-proposal-for-an-indo-pacific-treaty-of-friendship-and-cooperation-a-critical.pdf

[8] راجع كلمة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أمام هذا الحوار المهم:

KEYNOTE ADDRESS OF SHRI NARENDRA MODI, PRIME MINISTER OF INDIA, AT THE 17th ASIA SECURITY SUMMIT: THE IISS SHANGRI-LA DIALOGUE, 1st JUNE 2018. Available at: https://www.iiss.org/events/shangri-la-dialogue/shangri-la-dialogue-2018

[9] David Scott, “The Indo-Pacific in US Strategy: Responding to Power Shifts”, Rising Powers Quarterly, vol. 3, no. 2, Aug. 2018. Available at: https://risingpowersproject.com/quarterly/the-indo-pacific-in-us-strategy-responding-to-power-shifts

[10] جاء ذلك في الوثيقة المعنونة "رؤية وخطط البناء المشترك للحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين"، الصادرة عن لجنة التنمية والإصلاح القومية، والتي تمثل واحدة من أهم الوثائق الصادرة عن الحكومة الصينية بهذا الشأن، والتي تشرح بشكل أكثر تفصيلاً رؤيتها لمبادرة الحزام والطريق. 

National Development and Reform commission, Ministry of Foreign Affairs, and Ministry of Commerce of the People’s Republic of China, “Vision and Actions on Jointly Building Silk Road Economic Belt and 21st Century Maritime Silk Road”, China, 28 March 2015. Available at: http://en.ndrc.gov.cn/newsrelease/201503/t20150330_669367.html (accessed on 22 Nov. 2016).

[11] وثيقة "أفكار حول التعاون البحري في بناء الحزام والطريق"، متاحة على الرابط التالي:

National Development and Reform Commission (NDRC) and the State Oceanic Administration, “Vision for Maritime Cooperation under the Belt and Road Initiative”, 20 June 2017. Available at: https://www.yidaiyilu.gov.cn/wcm.files/upload/CMSydylgw/201706/201706200153032.pdf (English Version) Accessed on 20 Jan. 2018; https://www.yidaiyilu.gov.cn/wcm.files/upload/CMSydylgw/201706/201706200157017.pdf (Arabic Version). Accessed on 20 Jan. 2018.

[12] "بيدو" BeiDou هو نظام صيني للملاحة عبر الأقمار الاصطناعية. ويأتي النظام - حتى الآن - في الترتيب الرابع بين أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الاصطناعية، بعد النظام الأمريكي "جي بي إس" G.P.S، والروسي "غلوناس" GLONASS، والأوروبي "جاليليو" Galileo. وقد بدأت الصين في بناء هذا النظام في عام 2000، ووصل إجمالي عدد الأقمار الاصطناعية العاملة بالنظام 29 قمراً اصطناعياً حتى نوفمبر 2017. وقد بدأ النظام في توفير خدمات تحديد المواقع والملاحة والتوقيت والرسائل للاستعمال المدني في الصين وأجزاء من منطقة آسيا والمحيط الهادئ في ديسمبر 2012. وتخطط الصين لتغطية جميع الدول المشاركة في مبادرة الحزام والطريق بهذا النظام، من خلال إطلاق المزيد من الأقمار الاصطناعية من الجيل الثالث للشبكة. ومن المخطط أن يوفر النظام خدمات الملاحة على مستوى عالمي عند اكتمال بنائه عام 2020. لمزيد من التفاصيل حول هذا النظام، انظر الورقة البيضاء التي أصدرتها الحكومة الصينية في يونيو 2016 حول هذا النظام:  

The State Council Information Office of the People’s Republic of China, “China’s BeiDou Navigation Satellite System”, Beijing, June 2016. Available at: http://en.beidou.gov.cn/SYSTEMS/WhitePaper/201806/P020180608507822432019.pdf (accessed on October 20, 2019).

[13] لمزيد من التفصيل، انظر:

Sanjay Pulipaka and Paras Ratna, “The Indo-Pacific and Non-Traditional Security Issues”, in: Indo-Pacific Report 2019: Indo-Pacific Partnership. Realising the Benefits of Economic and Maritime Cooperation (New Delhi: National Maritime Foundation, 2019), pp. 151-163.

[14]  انظر: "انضمام عُمان للتحالف الدولي للطاقة الشمسية... السلطنة توقع مع الهند 7 مذكرات تفاهم متنوعة واتفاقية قضائية لترسيخ العلاقات الاستراتيجية المشتركة"، جريدة الرؤية، 11 فبراير 2018. متاح على الرابط التالي: https://cutt.us/hXHan

-“From defence to space, Oman, India sign a clutch of MoUs”, Times of India, February 11, 2018. Available at:  https://timesofoman.com/article/127976/oman/sultanate-india-sign-a-number-of-memoranda-of-understanding

[15] لمزيد من التفصيل حول الدور الهندي في ميناء تشابهار، انظر:

 Jyotsna Mehra, Chabahar: Understanding India’s Rise: A Case Study of Changes in India’s Power Projection: Intentions and Capability, Thesis Submitted for the Degree of Master of Science in Modern South Asian Studies, School of Interdisciplinary Area Studies, University of Oxford, Trinity 2018.

[16] لمزيد من التفصيل، انظر:

 “Russia & Iran negotiate canal from Caspian Sea to Persian Gulf”, RT, 8 April 2016. Available at: https://www.rt.com/business/338901-russia-iran-caspian-canal ; Andrew KORYBK, “A Caspian Canal? Not So Fast”, Oriental Review, 11/04/2016. Available at: https://orientalreview.org/2016/04/11/a-caspian-canal-not-so-fast

 

أحدث المواضيع المميزة