حزام بغداد: الإشكالية الأمنية والمخاوف المجتمعية

مركز الإمارات للسياسات | 21 سبتمبر 2021

تسعى هذه الورقة إلى تسليط الضوء على الواقع الجيو-أمني الذي تشكَّل في مناطق "حزام بغداد" بعد بروز مواجهة خطر "داعش" في عام 2014، حيث أصبح للحشد الشعبي حضوراً مهماً في هذه البيئة التي يغلب عليها المكون السني من الناحية السكانية، وهو ما قاد إلى تصاعد مخاوف المجتمع المحلي من مشاريع التغيير الجغرافي والديمغرافي في تلك المناطق.

حزام بغداد: خصوصية الجغرافيا والديمغرافيا

تتصف محافظة بغداد بكونها أحد أهم مراكز الاستقطاب السكاني في مجمل العراق، إذ يصل عدد سكان المحافظة إلى أكثر من 8 ملايين نسمة (انظر الجدول 1 في الملحق). وتضم المحافظة من الناحية الإدارية 12 قضاءً، هي: الرصافة، والكاظمية، والمحمودية، والكرخ، والأعظمية، والصدر الأولى، والصدر الثانية، والمدائن، وأبو غريب، والطارمية، والتاجي، والاستقلال. إلا أن التغييرات لا تزال مستمرة في التوصيف الإداري-الجغرافي لمحافظة بغداد، حيث تم الإعلان مثلاً في عام 2016 عن تحويل ناحية الشعب إلى قضاء، ليتم بذلك فك ارتباطها الاداري بقضاء الأعظمية[[i]]، وذلك على الرغم من أن المجموعة الإحصائية لوزارة التخطيط لمّا تعتمد ذلك بعدُ في النشرات الخاصة بها.

 و"مدينة بغداد" (مركز محافظة بغداد)، التي يضم الجزء الأكبر منها جانبي الكرخ والرصافة اللذين يفصل بينهما نهر دجلة، مُحاطةً بمساحة واسعة جداً من الأقضية التي تشكل ما يسمى "حزام بغداد" والتي تضم كلاًّ من: قضاء المدائن شرقاً، والمحمودية جنوباً، وقضاء أبو غريب غرباً، وقضاء الطارمية شمالاً، في حين تنفتح حدودها الشمالية الشرقية على قضاء بعقوبة التابع لمحافظة ديالى (انظر الخارطة 1 في الملحق). وتشكل المساحة العامة لهذا النطاق نحو 84% من مجمل المساحة الكلية لمحافظة بغداد.

تتصف عموم مناطق حزام بغداد بكونها مناطق خصبة تشكل عنصراً مهماً لرفد الاقتصاد الزراعي لمدينة بغداد، وقد انعكس ذلك بشكل كبير على كثرة بساتين النخيل في مناطقها المختلفة[[ii]]، مما شكّل ملاذات آمنة للعديد من القوى التي استغلت هذه الجغرافيا للقيام بالعمليات الخاصة ضد القوات الأمريكية في ما بعد 2003، وأيضاً ضد القوات الحكومية التي تشكلت بعد أن تم حل الجيش العراقي السابق.

أما من الناحية السكانية، فعلى الرغم من عدم وجود دراسات علمية رصينة يمكن الاعتماد عليها لبيان التوزيع الإثني في أقضية محافظة بغداد، فإن هناك ميلاً عاماً لتحديد النمط الديمغرافي-الهوياتي الغالب على هذه المناطق وفقاً لمعيار الأكثرية العددية. وبذلك تُعد مناطق حزام بغداد ذات أغلبية سنية-عربية، يغلب عليها الطابع العشائري‌[[iii]]. ويأتي ذلك منسجماً مع الامتداد الجغرافي للمحافظات الأخرى التي تتواصل معها مناطق حزام بغداد، وعلى وجه التحديد محافظات صلاح الدين والأنبار وبابل.

في أعقاب عام 2003، ساد تصورٌ لدى القوى السياسية الجديدة التي جاءت إلى السلطة (القوى الشيعية) بأن حزام بغداد (السني) يمكن أن يضيق الخناق على الجغرافيا الشيعية في مدينة بغداد سياسياً وأمنياً، وأن هذه المناطق أصبحت بوابة لتدفق الحركات الجهادية السنية، ومن بينها تنظيم القاعدة الذي كان يستهدف بشكل واضح المناطق الشيعية في العاصمة. لذلك أصبح هناك صراع على هذه الجغرافيا من منطلقات جيوسياسية، حيث تبنت قوى السلطة الجديدة فكرة مفادها أن مَن يتحكم بحزام بغداد يتحكم بقلب مدينة بغداد، ومن خلالها يتحكم بمفاتيح الأمن والسياسة.

في مقابل ذلك كانت القوى الراديكالية السنية تؤمن برؤيتها الجيوسياسية الخاصة، التي ترى في حزام بغداد منطقةً مهمةً لتعبئة الجمهور السني في بقية المحافظات المحاذية ضد ما كانت تعتقده مشروعاً أمريكياً-شيعياً لاستهداف السنة. وقد نجحت بشكل كبير في استقطاب الجمهور السني المتذمر عبر استثمار الأخطاء التي وقعت فيها القوى الشيعية في مرحلة ما بعد 2003، خصوصاً فيما يتعلق بالدفع نحو تطبيق قرارات اجتثاث البعث وحل الجيش العراقي السابق، الأمر الذي حوّل مناطق حزام بغداد إلى منطقة ساخطة وغير آمنة تفصل بين مدينة بغداد وبقية المحافظات السنية، مما كان يهدد دوماً بفقدان السيطرة التامة على تلك المحافظات، وهو ما أسهم لاحقاً في تفجر صراع هوياتي حاد امتد نحو قلب العاصمة بغداد في العام 2006.

مثلث الموت في حزام بغداد

لقد استُخدم مصطلح "مثلث الموت" للمرة الأولى في العراق بعد عام 2005 للإشارة إلى الطريق التي توصل بين بغداد وبقية المحافظات الواقعة إلى الجنوب منها[[iv]] . فقد تحولت هذه المناطق، التي تضم ناحية اللطيفية واليوسفية والمحمودية، إلى واحدة من المحطات المهمة التي اعتمدت عليها القوى السنية التي رفعت السلاح لمقاومة الاحتلال الأمريكي في حينها، ومن ثم تحولت إلى أحد أهم المساحات الجغرافية التي انطلق منها لاحقاً تنظيم القاعدة لشن عملياته المسلحة ضد الأمريكيين والقوات العراقية. كما أنها شهدت عمليات عنف طائفي متبادل، وخاصة في ظل زيادة عمليات استهداف الزوار والمواطنين الشيعة المتنقلين عبر هذا الطريق من بغداد وإليها.

لقد وُصفت هذه المنطقة بأنها الخاصرة الرخوة لبغداد من الناحية الأمنية في حينها[[v]]، حيث أدت إلى استنزاف العديد من القوات العسكرية الأمريكية والعراقية التي كانت شبه عاجزة عن تأمين الوضع العسكري في هذه المناطق لمواجهة تنظيم القاعدة الذي كان يتميز بالقدرة الكبيرة على فهم جغرافية هذه المنطقة لتوظيفها في خدمة مشروعه هناك، وذلك رغم أن القوات الأمريكية شنّت حينها عملية عسكرية واسعة بمساعدة قوات عراقية لتأمين هذا النطاق.

في عام 2008 قامت القوات الأمريكية بتسليم الملف العسكري والأمني في هذه المناطق إلى القوات العراقية، وتزامن هذا مع عملية التأمين التي كانت تجري في ناحية الوحدة التابعة لقضاء المدائن التي كانت تشكل عقدةً جغرافية تفصل ما بين محافظة بغداد وواسط، وكانت هي الأخرى جزءاً حساساً في خارطة الصدع الطائفي في تلك المرحلة، حيث كانت هناك أيضاً رغبة ملحة في تأمين هذا المسار المهم الذي يوصل بينها وبين بقية المحافظات الجنوبية.

ونظراً لارتباط مثلث الموت جغرافياً بمناطق شمال بابل، فقد شهدت منطقة جرف الصخر (التي تسمى الآن جرف النصر ) تحولات مهمة في عام 2014، في ظل صراع شرس ما بين قوات الحشد الشعبي وتنظيم "داعش"[[vi]]، حيث أدى ذلك إلى فرض معادلات جديدة على الأرض من خلال سيطرة الحشد الشعبي على هذا الجزء بشكل كامل، منطلقاً من قناعة فصائل الحشد بأن جرف الصخر تشكل المصدر الأساسي الذي تنطلق منه خلايا التنظيم التي تهدد أمن العاصمة.

حزام بغداد:  محور أبو غريب-الأنبار

يُعتبر قضاء أبو غريب واحداً من المناطق المهمة التي تقع في غرب بغداد، والتي تتواصل بشكل مباشر مع محافظة الأنبار عن طريق قضاء الفلوجة. هذه الحقيقة تشي بحد ذاتها بدلالات مهمة فيما يتعلق بالتطورات التي حصلت في المشهد السياسي-الاجتماعي في هذه المناطق التي تحولت إلى مركز مهم من المراكز التي تصاعدت فيها المعارضة السنية للوجود الأمريكي وما ترتب عليه من تطورات. فقد كانت الأنبار ولفترات طويلة من الزمن، وتحديداً مدينة الفلوجة فيها، مصدراً مهماً من مصادر اضطراب العلاقة مع الأمريكيين ومع السلطات في بغداد. لذلك كان يُنظر دوماً إلى قضاء أبو غريب باعتباره الجسر المهم الذي تمر من خلاله العمليات التي تهدد أمن بغداد في حينها. وتحول القضاء إلى منصة مهمة لتهديد الأمن في عام 2014، حيث كان مقاتلو تنظيم" داعش"، وبعد سيطرتهم على مركز محافظة الأنبار، يسعون إلى الوصول إلى مطار بغداد الاستراتيجي عبر أقرب نقطة جغرافية تتواصل معه، أي أبوغريب.

لقد ازدادت الأهمية الجيوسياسية لقضاء أبو غريب من خلال تواصله الجغرافي مع قضاء الكرخ عبر ناحية المنصور ذات الأغلبية السنية، فتصاعدت في حينها المخاوف من أن تنجح التنظيمات الإسلامية الراديكالية السنية في فرض كلمتها على قضاء أبو غريب،  ومن خلاله قد تتمكن من التمدد باتجاه قضاء الكرخ، وهو ما يمكن أن يعني في حينها سقوط مساحة واسعة من النطاق الجغرافي لمدينة بغداد بيد هذه القوى، لذلك كانت هذه النطاقات مسرحاً مهماً في العمليات العسكرية منذ عام 2004 وصولاً إلى ذروتها في عام  2014.

وقد تحول الحشد الشعبي إلى لاعب مهم أيضاً في التركيبة الأمنية لهذا الجزء من حزام بغداد، في ظل مشاركته في العمليات العسكرية التي كانت تهدف إلى تأمينه من سيطرة "داعش" في حينها.

وهناك رأي آخر مهم ينطلق من تفسير جيوسياسي لما يجري في هذا الجزء من العراق، حيث يتوافق أن يمر الطريق الدولي السريع رقم واحد، الذي يتوجه نحو سورية والأردن، عبر القسم الغربي من بغداد وتحديداً أبو غريب وصولاً إلى محافظة الأنبار. ويُقدر أن ما يمر عبر هذه الطريق يقارب 40% من الحركة التجارية في عموم العراق، لذلك كانت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى استثمار هذا الطريق اقتصادياً عبر الشراكة الخاصة مع الجانب العراقي، ممثلاً بقوات وزارة الداخلية،  والعمل على استثناء الحشد الشعبي من الحضور في هذا المشهد، على اعتبار أنه مدعوم إيرانياً.[[vii]]   

لقد وُجهت العديد من الاتهامات إلى الحشد الشعبي بأنه كان يعمل -وفقاً لأهداف جيوسياسية إيرانية- على تخريب هذا المشروع بعدة طرق. فقد اقتنعت العديد من فصائل الحشد الشعبي أن الولايات المتحدة تريد استثمار هذه الطريق من أجل إقامة قواعد عسكرية تؤمّن حضورها في المنطقة، وتحديداً في محافظة الأنبار، بحيث إنها من خلالها تستطيع أن تفرض كلمتها على المعابر الموجودة على الحدود العراقية-الأردنية والحدود العراقية-السورية، بما يمنع من ثم تواصلها مع هذه النطاقات التي تشكل مرتكزاً جغرافياً مهماً في الاستراتيجية الإيرانية.  كما جادلت القوى المقربة من  الحشد الشعبي بأن الولايات المتحدة تريد الاستثمار في هذا المشروع من أجل التهيئة لإنتاج الإقليم السني؛ ولذلك أصبح هذا الجزء من حزام بغداد الغربي عنصراً أساسياً على رقعة الشطرنج الجيوسياسية ذات العلاقة المباشرة بالصراع الإيراني-الأمريكي.

حزام بغداد: محور الطارمية-الكاظمية

من الناحية الإدارية تُصنَّف الطارمية بأنها من أقضية محافظة بغداد. وتظهر ملامح الموقع الجغرافي المهم لها عبر تواصلها مع ثلاث محافظات مجاورة، هي صلاح الدين شمالاً، وديالى شرقاً، والأنبار غرباً، في حين تمتد حدودها الجنوبية لتحادد قضاء الكاظمية الذي يقع في مركزه ضريح موسى الكاظم  ذو الأهمية الكبيرة لدى المكون الشيعي في العراق، كما تتواصل جغرافياً عبر حدودها الجنوبية الشرقية مع قضاء الأعظمية. وعليه، نجد أن مجمل قضاء الكاظمية قبل عام 2003 كان يقع في محيط يغلب عليه المكون السني، ليطوقها من جميع الجهات وصولاً إلى قضاء الكرخ وأبو غريب جنوباً. (انظر الخارطة 2).

هذه الجغرافيا لعبت دوراً كبيراً في مرحلة الانفجار الهوياتي-الطائفي التي أعقبت عام 2003. فقد بدأت الطارمية تشكل مركزاً جديداً لاستقطاب التنظيمات السنية المتشددة التي برزت إلى السطح في هذه الفترة في محافظات صلاح الدين وديالى والأنبار، وهو ما شكّل عنصر ضغط كبيراً على مدينة الكاظمية، وكان ذلك بمجمله يشكل جزءاً من مشهد الصراع الطائفي الذي شهدته بغداد في عام 2006.

لقد أدت أحداث استهداف المراقد الشيعية في سامراء عام 2006 إلى زيادة الهواجس الأمنية لدى المكون الشيعي، خصوصاً فيما يتعلق بمدينة الكاظمية، لذا بقيت الطارمية تشكل في الخطاب الرسمي للدولة العراقية مصدرَ قلق متزايداً في ظل تصاعد التقارير التي كانت تتحدث عن تغلغل خلايا "داعش" في هذه المنطقة التي وصفتها العديد من القيادات الأمنية بأنها تُشكل منطقة رخوة في شمال بغداد، لذلك كان لابد من التفكير في طريقة ما لتقليل هذه الهواجس.

بحسب التصنيف الجغرافي للوحدات الإدارية لمحافظة بغداد قبل عام 2019، كان قضاء الكاظمية يتشكل من النواحي الآتية: مركز الكاظمية وذات السلاسل والتاجي. وبهدف إيجاد حل جغرافي للإشكالية التي ترتبط بمدينة الكاظمية، استحدثت وزارة التخطيط في 22 يناير 2020 توصيفاً جغرافياً للأقضية تم بموجيه تغيير الوضع الجغرافي للحزام الشمالي لمحافظة بغداد، والذي بإقرار تشكيل قضاء جديد هو قضاء التاجي[[viii]]. وبذلك أصبح هذا القضاء -من الناحية الإدارية والجغرافية- يشكل منطقةً عازلة Buffer Zone بين شمال مدينة الكاظمية وقضاء الطارمية.

وأسهم تشكيل قضاء الاستقلال أيضاً في إنتاج نفس الوظيفة التي حجبت التواصل الجغرافي بين الطارمية والكاظمية، وشكّل نطاقاً جغرافياً يحُول دون التواصل بين الطارمية (السنية) ومدينة الأعظمية (السنية). كما أن تشكيل قضاء التاجي أدى من زاوية أخرى إلى إنهاء التواصل الجغرافي المباشر بين قضاء الكاظمية (بوضعه الإداري الجديد) ومحافظة الأنبار. ولأجل تعزيز هذا المسار تم تغيير التوصيف الإداري لناحية ذات السلاسل (التي تُعرف بمدينة الشعلة) لتصبح قضاءً جديداً تحت عنوان "سما الكاظمية"، وهو ما يسهم جغرافياً في ترسيخ المسار نفسه الساعي إلى الفصل بين حدود قضاء الكاظمية وحدود محافظة الأنبار.

بعد عام 2014 استطاع الحشد الشعبي أن ينتشر بشكل مباشر في الطارمية مع بقية القوات الحكومية التي كثفت حضورها الأمني والعسكري هناك. وتعرضت الطارمية مؤخراً لخرق أمني، من خلال توجيه الاتهام إلى تنظيم "داعش" بالعمل على استهداف أبراج الطاقة الكهربائية هناك[[ix]]، و كذلك القيام بشن هجوم على أحد مقرات الحشد الشعبي، وهو ما أدى إلى ردود فعل كبيرة من قيادات الحشد حتى إن بعضها طالب بشن حملة عسكرية كبيرة لتأمين المنطقة وجعْلها مشابهة تماماً في وضعها لما حصل في منطقة جرف الصخر[[x]]، لذلك تصاعدت مخاوف السكان المحليين، حتى إن بعضهم أشار إلى أن ما يجري في هذه المدينة يُقصد من ورائه تحقيق أهداف أخرى ترتبط بشكل كبير بالوضع المتميز الذي يتسم به قضاء الطارمية من حيث خصائصه الجغرافية التي جعلته يتصف بإمكاناته الزراعية، فضلاً عن إطلالته على نهر دجلة التي تسمح بإنتاج المصائد السمكية التي يمكن لها أن توفر مورداً اقتصادياً مهماً لمن يفرض سطوته فيه، كما أن البعض يشير إلى أن الطارمية تشكل جزءاً مما يسمى "طريق الحرير الإيراني" الذي يمر عبر محافظة ديالى فقضاء الطارمية فمحافظة الأنبار وصولاً إلى سورية[[xi]] .

ومن أجل إزالة هذه المخاوف، وعدم العودة إلى المرحلة الطائفية التي شهدها العراق في عام 2006، زار رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الطارمية في 24 أغسطس 2021، والتقى مجموعة من أبناء المنطقة و شيوخ عشائرها ليعلن بعدها عن البدء بحملة عسكرية بمساعدة سكان هذه المنطقة لمطاردة الخلايا النائمة لتنظيم "داعش"[[xii]]، ملمّحاً إلى إمكانية إعادة إنتاج تجربة الصحوات التي نجحت بشكل لافت للنظر في الحد من عمليات تنظيم القاعدة في عام 2007.

حزام بغداد: مخاوف المجتمع المحلي

في ظل الصراع العسكري والأمني الذي جرى بين قوى مختلفة على الأرض في مناطق "حزام بغداد" منذ عام 2003 وصولاً إلى يومنا الحالي، فإن سكان تلك المناطق يُعدون ضحايا لذلك الصراع، وهو ما كان دوماً يخلّف وراءه الكثير من الأضرار التي تلحق بهم. وقد قاد ذلك إلى زيادة منسوب مخاوفهم حيال ما يجري من تحولات في هذه المنطقة، خصوصاً بعد أن أصبح للحشد الشعبي سطوة مهمة في كثير من الأحداث التي تجري هناك. ومن أهم تلك المخاوف ما يأتي:

1. الخشية من التغيير الديمغرافي[[xiii]]، فقد صدرت تصريحات مختلفة من قبل أشخاص من أهالي هذه المناطق تؤشر إلى تصاعد حجم الغضب المجتمعي من احتمالية استغلال الحشد الشعبي لحضوره تحت الغطاء الحكومي من أجل مكافحة الإرهاب، لتنفيذ مخططات تستهدف المكون السني في حزام بغداد، وذلك من خلال إفراغ المواطنين السنة من المناطق التي ينتشرون فيها بذريعة تأمين بغداد. لذلك تكثر النداءات المحلية في تلك المناطق إلى مسؤولي الدولة العراقية للقيام بواجباتهم من أجل وقف إمكانية تطبيق هذا السيناريو.

2. تهديد الزراعة في حزام بغداد[[xiv]]، وهنا يؤكد العديد من سكان هذه المناطق التي تتصف بكونها ذات أراض زراعية خصبة من أن هناك محاولات كثيرة لقطع المياه في فترات مختلفة، فضلاً عن أن هناك صعوبة في كثير من الأحيان في عملية إدخال البذور التي تستخدم في النشاط الزراعي إلى هذه المناطق، ناهيك عن الحديث عن مشروع آخر تتبناه الحكومة تحت عنوان الحزام الأخضر في المناطق التي تحيط ببغداد، والذي يُنظر إليه بوصفه يهدف إلى تحويل هذه الأراضي إلى نطاقات تسيطر عليها جهات تدّعي أنها تعمل بأوامر حكومية من أجل تحسين الوضع البيئي في بغداد.

3. الاستثمار في أراضي حزام بغداد، وهنا أيضاً توجد العديد من الاتهامات من قبل السكان المحليين بأن هناك محاولات من أجل الاستغلال الاقتصادي للأراضي المحيطة بشكل خاص بمطار بغداد، بهدف الاستيلاء عليها تحت ذريعة إيجاد فرص عمل لعدد كبير من الشباب في بغداد، فضلاً عن حل أزمة السكن عبر إنشاء مجمعات سكنية حديثة هناك. في حين يتخوف السكان المحليون من أن تكون تلك المشاريع تغطية لهدف إجبارهم على النزوح من مناطقهم. وفي هذا الصدد أصدر تحالف القرار العراقي السني بياناً أكد فيه أن "قرار الاستثمار هذا يُعد تجاوزاً على حقوق عشرات الآلاف من المواطنين ويحوّل جنس الأراضي الخصبة من زراعية إلى استثمارية دون اعتبار لحقوق الملكية لمواطنين لديهم سندات رسمية منذ عشرات السنين"[xv]].

4. التغيير الجغرافي بحجة إنشاء عاصمة إدارية جديدة لمحافظة بغداد تحت تسمية "مدينة الرفيل"[[xvi]]، حيث رعت هيئة الاستثمار في العراق هذا المشروع بشكل كبير، وتحاول أن تجد له موقعاً في مناطق حزام بغداد، إذ إنها تؤكد أن المشروع يأتي في سياق معالجة المشكلات التي تعاني منها مدينة بغداد، المتمثلة بالانفجار السكاني ومشكلات النقل الحضري ومشكلات السكن العشوائي. وفي المقابل هناك أصوات محلية ترى في هذه الخطة امتداداً لفكرة تغيير استعمالات الأرض في مناطق حزام بغداد، ما قد يضطر سكانها الأصليين إلى تركها والنزوح بعيداً عنها.

5. هناك مخاوف من أن تقود عمليات الرد على الهجمات الارهابية التي تطال القوات الأمنية في حزام بغداد إلى المساهمة في إنتاج ردود فعل طائفية تقود إلى حملات من الانتقام ضد المكون السني في هذه المناطق، وخاصة أن هناك دعوات مبطنة إلى القيام بعمليات عسكرية وأمنية واسعة لتأمين هذه المناطق، والتي يخشى سكان محليون إلى أن تقود إلى إجراءات تعسفية تضيق الخناق على أهالي هذه المناطق دون التمييز فيما بينهم واعتبارهم جميعاً يشكلون حاضنة اجتماعية للتنظيمات الإرهابية.

6. هناك مخاوف تتعلق باستغلال الأوضاع الحالية من أجل خنق هذه المناطق بطوق عسكري وأمني يسهم بشكل كبير في عسكرة الحياة والتفاعلات الاجتماعية هناك، مما سيقود إلى إنتاج ردود فعل سلبية مبنية على تفسيرات طائفية، ويؤدي تالياً إلى زيادة الفجوة بين المجتمع والقوات الأمنية، وهو ما يشكل عادة مدخلاً مهماً يستثمره "داعش" لتعزيز حضوره في مثل هذه المناطق. كما يخشى سكان هذه المناطق من أن تترافق مثل هذه العمليات مع فرض إجراءات أمنية مشددة تحُول دون عودة النازحين إلى هذه المناطق، وهو ما يعمق إشكالية الوضع السياسي فيها.

7. على المدى البعيد، يمكن النظر إلى ما يجري في حزام بغداد على أنه قد يشكل مدخلاً مهماً من مداخل التغيير الجغرافي واسع المدى من خلال إمكانية تقاسمه بين محافظة بغداد والمحافظات الأخرى المحيطة بها تحت عناوين مختلفة، ومن ضمنها الحديث الذي يبرز بين الحين والآخر عن الإقليم الفدرالي السني. فعلى سبيل المثال يُعد قضاء أبو غريب من الأقضية المهيئة لمثل هذا المصير، وخاصة أنه قبل عام 1990 كان يتبع إدارياً لمحافظة الأنبار التي يُتوقع لها أن تكون أحد أهم مرتكزات هذا الإقليم.

المستقبل الجيو-أمني لحزام بغداد

سيناريو التوتر بين الحشد الشعبي والمجتمع المحلي

تقوم فرضية هذا السيناريو على أساس عدم وجود إمكانية حقيقية لحضور مشهد التعاون الراسخ بين هذين الطرفين في ظل المخاوف الكثيرة التي يتحدث عنها أبناء المناطق الواقعة في حزام بغداد، وعلى وجه الخصوص المخاوف من التغيير الديمغرافي، خصوصاً أن هناك تصوراً يتعزز بشكل كبير لدى السكان هناك من أن الحشد الشعبي بات ينظر لهم على أنهم يشكلون حاضنة للإرهاب، وبالتالي يعرضهم هذا الأمر لمزيد من الضغوطات العسكرية.

كما أن هناك تحسساً كبيراً من فكرة السياسات التي يمكن أن تُستخدم طائفياً في تفسير العلاقة وتطوراتها ما بين الطرفين في هذه المناطق، وهو ما قد يؤدي إلى عمليات عنف طائفي متبادل ما بين الطرفين. وكثير من الجهات المحسوبة على الحشد تحاول أن تقدم رؤية جيو-عقائدية لحضورها في أطراف بغداد، كما أن هناك العديد من الشخصيات المحسوبة على فصائل الحشد الشعبي التي تروج لخطاب مفاده أن حضور الحشد في تلك المناطق منذ عام 2014 قد أسهم بشكل كبير في حماية بغداد وفي تقليل العمليات الإرهابية التي كان يمكن لها أن تستهدف المواطنين الشيعة. لذا يبدو واضحاً أن هناك صداماً في الرؤى ما بين الحشد والسكان المحليين، حيث يعبر الأخيرين عن قناعتهم بأن المسألة في ظاهرها تتعلق بالملف الأمني، ولكنها في جوهرها تتعلق بالقيمة الاستراتيجية التي يمثلها الموقع الجغرافي لحزام بغداد.

وتحقق مثل هذا السيناريو قد يسهم بشكل كبير في أن يضع الوحدة الجغرافية لمناطق حزام بغداد على المحك، حيث من المتوقع أن يطالب السكان هناك بفك ارتباطهم إدارياً بمحافظة بغداد والالتحاق بالمحافظات المجاورة، خصوصاً إذا ما تزامن ذلك مع الحديث عن فيدرالية الإقليم السني في العراق.

سيناريو التعاون بين قوى الدولة والمجتمع المحلي

 تقوم فكرة هذا السيناريو على أساس أن هناك مجموعة مهمة من المدخلات التي أسهمت بشكل كبير في إنتاج تحولات كبيرة لدى مجمل المجتمع السني تجاه الدولة العراقية بعد عام 2014، وخاصة في أعقاب عمليات تحرير الموصل التي شكلت نقطة تحول في تفاعلات هذا المكون مع الدولة العراقية.  لذلك وجدنا أن العديد من المدن السنية باتت أقرب إلى فكرة دعم الحكومات التي أتت بعد عام 2014، وعلى وجه التحديد حكومتي حيدر العبادي ومصطفى الكاظمي. فقد ازدادت الثقة بشكل كبير بالقوات الأمنية والعسكرية العراقية، وأصبح مُرحباً بها على نطاق واسع في تلك المدن، وخاصة في ظل  تراجع خطابات التخوين التي برزت بشكل كبير تجاه المؤسسة العسكرية العراقية بعد عام 2003، كما تراجعت الشكاوى التي كانت  تبرز في تلك الفترة والتي كانت  تصف الجيش العراقي بأنه مؤسسة طائفية.

لقد برزت كثير من ملامح هذا التحول في مناطق حزام بغداد التي تتصاعد فيها الآن الدعوات الموجهة إلى حكومة الكاظمي للشراكة من أجل تطهير هذه المناطق من خلايا الإرهاب، حيث طالب أهالي هذه المناطق بالمشاركة مع الأجهزة الأمنية في رسم ملامح المشهد الأمني عبر تشكيل فوج من السكان المحليين في كل قضاء من هذه المناطق التي تحيط بالعاصمة.

 وقد يسمح هذا التحول بشكل كبير لحكومة مصطفى الكاظمي بالمراهنة على هذه العلاقة في إمكانية تحييد فصائل الحشد الشعبي التي تحاول أن تتمرد على قرار القائد العام للقوات المسلحة. لذلك يُعتبر هذا السيناريو واحداً من البدائل المهمة التي يمكن الركون إليها في إعادة تنظيم العلاقة بين السكان المحليين والقوى الأمنية بطريقة تسمح بتحقيق أفضل النتائج في هذا المسار، للحفاظ على الوحدة الجغرافية لعموم محافظة بغداد.

الاستنتاجات

  1. تأتي أهمية "حزام بغداد" من خلال موقعه الجغرافي الذي يتميز بإعطاء قدرة كبيرة للجهة التي تسيطر عليه للهيمنة على قلب العراق السياسي في العاصمة بغداد، حيث تتركز فيه أغلب المؤسسات الحكومية المهمة ومقرات الأحزاب الكبيرة والوزارات السيادية، لذلك كان  تنظيم "داعش" يتطلع إلى استثمار هذه الجغرافيا بشكل كبير للانطلاق منها نحو مطار بغداد ومن ثم تحقيق سيناريو إسقاط العاصمة.
  2. يُقدم الحشد الشعبي نفسه إلى المكون الشيعي على أنه يشكل مصدراً مهماً من مصادر تأمين مناطق حزام بغداد، التي كانت تنطلق منها العديد من التهديدات للمناطق الشيعية في محافظة بغداد، لذلك يسعى الحشد الشعبي إلى توظيف ذلك بشكل مستمر من أجل التأكيد على أنه يشكل الجبهة التي تدافع عن أمن وسلامة بغداد من التطرف والراديكالية السنية في حزام بغداد.
  3. في مقابل هذه السردية توجد سردية لدى العديد من القوى السنية في حزام بغداد التي تؤكد أن هناك محاولات حثيثة لرفع الحاجز البشري الذي تمثله هذه المناطق ما بين بغداد وبقية المدن الشيعية في جنوب العراق، وهو ما يهيئ الأرضية بشكل كبير لإدامة التنافر الهوياتي ما بين الحشد والسكان المحليين في تلك المناطق.
  4. ينظر السُّنة إلى ما يجري من تحولات مهمة في الخارطة الإدارية في القسم الشمالي من حزام بغداد على أنها تأتي ضمن مخطط جيوسياسي يهدف إلى تأمين ما يسمى "طريق الحرير الإيراني"، كما أنهم يؤكدون أن ذلك له ارتباط بما يجري من تطورات في القسم الغربي من حزام بغداد، حيث يتم العمل على تأمين الطريق الدولي السريع رقم واحد الذي يمر عبر محافظة الأنبار ومنها إلى الحدود السورية.
  5. يمثل إنشاء قضاءي التاجي والاستقلال محاولة مهمة لتغيير ملامح المشهد الجغرافي في القسم الشمالي من حزام بغداد، بهدف فك الطوق الهوياتي-السني حول مدينة الكاظمية الشيعية، ويأتي ذلك ضمن مسعى لإنتاج منطقة عازلة تفصل بينها وبين قضاء الطارمية الذي يعتبر أحد النقاط الساخنة في هذه الجغرافيا، وبخاصة أن الحشد الشعبي قد أسس هناك تحالفاً غير معلن مع بعض العشائر الشيعية الموجودة في قضاءي التاجي والاستقلال، بهدف فرض نوع جديد من توازن القوى الاجتماعي هناك.
  6. يبدو أن سيناريو التعاون بين قوى الدولة والمجتمع المحلي لتأمين الأوضاع وإنهاء قدرة "داعش" على استغلال حزام بغداد وتحويله إلى ملاذات آمنة لعناصره وخلاياه النائمة، يُعد السيناريو الأفضل الذي يتمكن من خلاله صانع القرار السياسي في العراق من العمل على طمأنة السكان في تلك المناطق، وهو السيناريو الذي يسمح بشكل كبير بالعمل على تقويض التفسيرات الجيو-عقائدية التي تتبدى لدى العديد من العشائر الموجودة في تلك المناطق عند الحديث عن الدور العسكري-الأمني لفصائل الحشد الشعبي.

 

الملحق

الخارطة 1: مناطق حزام بغداد

المصدر: نقلاً عن حسام صاحب آل طعمه، "تغير خارطة الوحدات الإدارية في محافظة بغداد للمدة 1913-2013"، المؤتمر العلمي السنوي لكلية الآداب بجامعة بغداد، 2013.

الخارطة 2: الوحدات الإدارية لمحافظة بغداد عام 2018

المصدر: نقلاً عن حسام صاحب آل طعمه، "تغير خارطة الوحدات الإدارية في محافظة بغداد للمدة 1913-2013"، المؤتمر العلمي السنوي لكلية الآداب بجامعة بغداد، 2013.

الجدول 1: التوزيع الجغرافي للسكان في محافظة بغداد