هل أصبح العراقُ ساحةً للتوافق الإيراني-التركي؟

مركز الإمارات للسياسات | 01 أكتوبر 2020

عُقِد في الثامن من سبتمبر 2020 اللقاءُ السادس لمجلس التعاون الإيراني-التركي برئاسة الرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والذي أقر العديد من القضايا المشتركة بين الطرفين كمدخل لتعزيز علاقاتهما الاستراتيجية في هذه المرحلة. إلا أن اللافت للنظر أن اللقاء، الذي جرى بواسطة تقنية الاتصال عبر الفيديو، أكّد أن الدولتين ستتخذان خطوات مشتركة في المنطقة بطريقة تخدم مصالحهما؛ "بما في ذلك استخدام العمليات العسكرية والأمنية المشتركة ضد المجموعات الإرهابية"[1]، وهي المجموعات التي ترتبط بشكل مباشر بحزب العمال الكردستاني وحزب الحياة الحرة الكردي الإيراني. ولم تمضِ ساعات طويلة قبل أن تظهر تقارير عن تصعيد للقصف التركي والإيراني على مناطق انتشار هذين التنظيمين في مدينتَي أربيل ودهوك في كردستان العراق.

تُناقش هذه الورقة طبيعة التقارب الإيراني-التركي في العراق، وعلاقته بصعود حزب العمال الكردستاني والمتغيرات الأخيرة في المنطقة؛ وفي مقدمتها تنشيط الدور الفرنسي، وإبرام اتفاقية سلام بين إسرائيل وكلٍّ من دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين.  

تمدُّد العمال الكردستاني في شمال العراق وسوريا

شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في نشاط ونفوذ حزب العمال الكردستاني والتنظيمات المسلحة المرتبطة به في شمال العراق وسوريا، كأحد نتائج الحرب ضد تنظيم "داعش" والصراع الأهلي السوري. وتقع أهم قواعد الحزب في منطقة جبال قنديل بالقرب من الحدود العراقية-الإيرانية، ونجح الحزب في توسيع مواقع تأثيره إلى منطقة الحدود العراقية-السورية، وتأسيس ميليشيا محلية في سنجار تُعرف بوحدات حماية سنجار (YBS)[2]. كما أن هذا الصعود اقترن بعودة أنقرة إلى تبني الحل الأمني في التعامل مع القضية الكردية في تركيا بعد فشل عملية السلام التي كان أردوغان تبناها في عام 2013، خصوصاً بعد صعود حزب الشعوب الديمقراطي "الكردي" إلى البرلمان عام 2015، وتحالفه مع المعارضة الليبرالية، الأمر الذي دفع أردوغان وحزبه إلى تغيير موقفهما والتحالف مع القوميين الأتراك، واعتماد موقف متشدد تجاه القضية الكردية في تركيا؛ مما أفضى الى الركون مجدداً إلى الحل الأمني.

يُضاف إلى ذلك العامل تنامي المشاعر القومية الكردية وما باتت توفره من استعداد ذهني لدى الكثير من الشبان الكرد لدعم مشاريع التغيير الراديكالي. ويمكن القول إن تجربة إقليم كردستان في العراق، على الرغم من تعقيداتها، كانت مُلهمة للعديد من المجتمعات الكردية في تركيا وإيران وسوريا، لجهة أنها خلقت "نواةً" لمشروع الدولة الكردية، فضلاً عن تأثير أدوات التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل الهويات والتضامنيات الجمعية، وترابط ذلك مع انهيار وضعف الأنظمة المركزية في العراق وسوريا، والأزمات الاقتصادية في بلدان المنطقة التي تُعطي فرصاً للتنظيمات المسلحة كي تصبح منصات جذب وترقي اجتماعيَّين، فضلاً عن كونها أدوات لتحصيل الريع.

سعت أنقرة إلى العمل على دعم مكانة الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البرزاني لموازنة وتقويض الدور الذي يقوم به حزب العمال الكردستاني[3]، وبخاصة أن هناك توتراً واضحاً في العلاقة ما بين الحزبين في مقابل قدر من التنسيق أو التعاطف بين حزب العمال والاتحاد الوطني الكردستاني (الذي كان يتزعمه الراحل جلال الطالباني) المقرَّب من طهران، والذي يسيطر على السليمانية ويحظى بنفوذ واسع في كركوك. وقد وصل الخلاف بين الديمقراطي الكردستاني وحزب العمال إلى مراحل متقدمة من التخوين، حيث يطالب الحزب الديمقراطي الكردستاني بخروج حزب العمال الكردستاني من أراضي إقليم كردستان العراق، في مقابل اتهامات حزب العمال لأربيل بالتواطؤ في قمع الحركة القومية الكردية. ففي 10 سبتمبر، أصدرت اللجنة الدبلوماسية لحزب العمال الكردستاني بياناً رفضت فيه تصريحاً لوزير الخارجية التركي، مولود تشاووش اوغلو، قال فيه إن حزب العمال يسيطر حالياً على أجزاء من كردستان العراق ويسعى للسيطرة على عاصمة الإقليم، أربيل. وذكر البيان أن "احتلال أربيل" هو هدف تركيا، وأن هدف حزب العمال هو "تحرير كردستان من الاحتلال التركي... وأن حزب العمال، بوصفه حزباً سياسياً، سيواصل التواجد في كل أجزاء كردستان"، بما ينطوي على شرعنة لوجوده ونشاط الحزب في العراق، على الرغم من اعتراضات الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في كردستان. وفي هذا الصدد يقول البرزاني إن "تلك القوى الكردية تحولت إلى مصدر قلق مستمر في إقليم كردستان وأن عليها الآن أن تتخلى عن السلاح"[4]. كما يوجه مسؤولو الديمقراطي الكردستاني النقدَ الشديد لما يُعرف بالإدارة المؤقتة لسنجار، وهي منطقة متنازع عليها مع بغداد ذات أغلبية أيزيدية، إذ إن تلك الإدارة –وفقاً لهم– قد نُصّبت بالتنسيق بين الحشد الشعبي المقرب من طهران وحزب العمال الكردستاني على حساب الإدارة "الشرعية" والقائمقام الموجود حالياً في دهوك، وهو عضو في الديمقراطي الكردستاني.

ومن أجل تأكيد تقاربهما وعودة علاقاتهما إلى سابق عهدها[5]، تلتقي كلٌّ من طهران وأنقرة في طرح شعارات تعبّر عن عدم الثقة بالطرف الأمريكي في التعامل مع ملف حزب العمال الكردستاني والأجنحة العسكرية المرتبطة به. فإيران تعتقد بأن المخابرات الأمريكية توفر دعماً لحزب الحياة الحرة الكردي في صراعه مع طهران، في حين تؤكد تركيا أن هناك تواطؤاً من قبل واشنطن مع الدور الذي تقوم به القوى المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في سوريا والعراق.

حقيقة التنسيق التركي-الإيراني ضد العمال الكردستاني

يضع الاتفاق الأخير بين أنقرة وطهران علامات استفهام عما إذا كانت طهران ستذهب إلى التخلي تماماً عن علاقات التنسيق بينها وبين وكلائها في العراق مع حزب العمال الكردستاني، وبالتالي عن أحد أوراق الضغط التي امتلكتها تجاه أنقرة في إطار التنافس بين أجندتي الطرفين في سوريا وشمال العراق، وفي مواجهة التنظيمات الجهادية السُّنية التي تنسق تركيا مع بعض فصائلها.

من المرجح أن طهران ستحتفظ بموقف مزدوج، حيث ستسعى إلى زيادة التنسيق مع أنقرة في مجال مواجهة الحركة الكردية المسلحة، بينما سيحاول الحرس الثوري الإيراني - الذي بنى مناطق نفوذ مهمة في عدة مواقع على الحدود العراقية-السورية عبر الميليشيات العراقية المرتبطة به والمنتشرة هناك - أخْذ شروط الميدان في الاعتبار. فالفصائل المنخرطة بالحشد الشعبي أقامت درجة من التنسيق مع حزب العمال الكردستاني وذراعه في سنجار (وحدات حماية سنجار) أثناء الصراع ضد تنظيم "داعش"، ومن ثم أصبح هذا التنسيق ضرورياً أيضاً للحد من نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني في هذه المنطقة المتنازع عليها. وقد بلغ مستوى التعاون حد أن نحو 900 عنصر من هذه الميليشيا الأيزيدية قد سجلوا في الحشد الشعبي باسم فصيل "النصر المبين"، وهم يتقاضون رواتب يستفيد منها حزب العمال الكردستاني. كما أن رئيس الإدارة المؤقتة في سنجار، الخاضعة لنفوذ الحزب، قد عُيِّن بقرار من أبو مهدي المهندس قبل مقتله في مطلع يناير الماضي. وإذا أضفنا لذلك الدور الروسي في التنسيق مع وحدات حماية الشعب في سوريا، المقربة من حزب العمال، والمصلحة الإيرانية-الروسية المشتركة بطرد الأمريكيين من هذه المنطقة أو الحد من مساحة وجودهم فيها، يصبح من الضروري التريث في استنتاج أن الإيرانيين سيتخلون تماماً عن ورقة التعامل مع حزب العمال الكردستاني والقوى الكردية المسلحة المرتبطة به.

الموقفان التركي والإيراني من الدخول الفرنسي إلى العراق

لقد أثارت العمليات التركية الأخيرة في إقليم كردستان العراق، وبحجة مطاردة حزب العمال الكردستاني، استياءَ العديد من القوى الغربية التي اعتبرت تلك العمليات بمنزلة خرق للسيادة العراقية. وقد أثار الوفد العراقي في زيارته الأخيرة لواشنطن موضوعَ التدخل العسكري التركي في العراق، وحقيقة أن تركيا تسعى هذه المرة إلى بناء مواقع دائمة لها داخل الأراضي العراقية، إلّا أن واشنطن لم تُظهر الكثير من الحماس تجاه الضغط على أنقرة في هذا الملف، وتفضل أن تركز الحكومة العراقية على الحد من النفوذ الإيراني، وردع الميليشيات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني التي صعّدت هجماتها - غير القاتلة - على المنشآت والبعثات العسكرية والدبلوماسية الأمريكية والجهات التي تتعامل معها.

من هنا كانت زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى بغداد، في الثاني من سبتمبر الجاري، ذات دلالة[6]، إذ إنها سببت قلقاً للأتراك نتيجة لتصاعد التوتر بين باريس وأنقرة على خلفية الصراع في ليبيا، والخلاف على الحدود البحرية واستغلال الغاز في شرق المتوسط. وكان أحد أهداف زيارة ماكرون محاولة النفاذ إلى العراق، ولعب دور أكبر لاسيما فيما يتعلق بدعم "سيادة" البلد[7]، وقد اقترح الفرنسيون منذ زمن عادل عبد المهدي فكرة أن تلعب فرنسا دوراً أكبر في تحشيد الدعم الدولي للحكومة العراقية لغرض تأكيد سيادتها ووقف التدخلات الخارجية، ويبدو أن السياق الذي جاءت فيه الزيارة قد فُهم من طرف تركيا على أنه محاولة فرنسية لمواجهة أنقرة من خاصرتها الجنوبية؛ الأمر الذي جعل الرئيس أردوغان مستعجلاً للقاء رئيس إقليم كردستان، نجيرفان البارزاني الذي تربطه علاقة قوية جداً بتركيا، مباشرة بعد زيارة ماكرون التي عقد خلالها اجتماعاً مع البارزاني. 

ترى تركيا أن هناك الآن محاولات فرنسية للعمل على مزاحمة طموحها الجيوستراتيجي في جبهات عديدة تبدأ من شرق المتوسط وصولا إلى لبنان والعراق، كما تعتقد بأن هناك مشروعاً ممنهجاً من أجل حرمانها من الحضور في هذه الساحات والوقوف ضد مصالحها. وهي أيضاً تروج لفكرة أن الدول الخليجية -وبالتحديد الإمارات العربية المتحدة- تملك شراكة مع فرنسا لتقويض الدور التركي في المنطقة.

إيران من جانبها تشكك في رغبات فرنسا؛ فعلى الرغم من أن الأخيرة تحاول أن تبعث برسالة مفادها أنها يمكن أن تكون لاعباً مهماً للتوسط بين طهران وواشنطن لحل الأزمات العالقة في العراق[8]، فإن طهران تخشى كثيراً من أن تكون تلك مجرد ذريعة لتعزيز حضور حلف الناتو في العراق. ومن جانب آخر تعتقد إيران بأن الحديث الفرنسي عن العمل لحماية السيادة العراقية قد يكون موجهاً بشكل أساسي إلى تدخلاتها ونشاط الفصائل المرتبطة بها في العراق. ويزيد من شك طهران حماس الرئيس العراقي برهم صالح، الذي لا يحظى بثقة حلفاء طهران، لزيارة ماكرون وما عكسته من تنسيق مسبق بين الاثنين.

الشيء الآخر المهم في زيارة الرئيس الفرنسي لبغداد تمثل في الحديث المباشر عن رغبة فرنسا في الدخول إلى الساحة العراقية عبر المشاركة في قطاعيْ النقل والطاقة[9]. وقد جاء ذلك، بعد أن وقّعت الحكومة العراقية سلسلةً من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع الشركات الأمريكية تركز بشكل خاص على الاستثمار في مجال الطاقة، وتحديداً إنتاج الغاز الطبيعي. وتعتقد كلٌ من إيران وتركيا بأن مثل هذه المشاريع قد تحجّم نفوذهما الاقتصادي في العراق، وتكون على حساب مصالحهما الإقليمية، حيث يعتمد العراق بشكل كبير على وارادات الغاز الطبيعي من إيران لتشغيل محطات الطاقة الكهربائية، فضلاً عن كونها تُعتبر المصدر الأساس لتصدير الطاقة الكهربائية إلى محافظات جنوب العراق؛ إذ تُصدر ما يعادل 1200 ميغاواط يومياً[10].

بالمقابل تسعى تركيا إلى أن تكون مصدر إمداد رئيس للطاقة الكهربائية للعراق، في الوقت الذي نجحت خلال العقد الأخير في أن تبني نفوذاً واسعاً في مجال تشييد وإدارة البنية التحتية النفطية لإقليم كردستان، ولا تزال تركيا تمثل منفذاً رئيساً لتصدير النفط العراقي والكردستاني الذي يمر إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط[11]. ومع طموحاتها بإنتاج الغاز في المتوسط، وتحالفها الوثيق مع قطر، أبرز مصدّري الغاز في الخليج، فإن لتركيا –كما لإيران- مصلحةً في تعطيل تطوير قطاع إنتاج الغاز الطبيعي في العراق، خصوصاً أن معظم المشاريع التي تم الإعلان عنها بهذا الخصوص، كمشروع غاز أرطاوي ومشروع المنصورية، يتم التفاوض عليها مع شركات أمريكية ومع أرامكو السعودية التي يحتمل أن تدخل كمستثمر رئيس في حقل أرطاوي مع هانويل الأمريكية. كل ذلك، يدفع الإيرانيين والأتراك، على الرغم من التباين النسبي والتنافس بين توجهاتهما في العراق، إلى اكتشاف المزيد من الأهداف المشتركة.

التنسيق التركي-الإيراني والتطبيع الخليجي-الإسرائيلي

في ظل التحولات العديدة التي تشهدها المنطقة، خصوصاً تطبيع الإمارات والبحرين علاقاتهما مع إسرائيل، تخشـى كلٌّ من تركيا وإيران من أن ظهور محور خليجي-إسرائيلي سيستهدف مكانتهما الجيوستراتيجية[12]، حيث تروج كلا الدولتين أن هذا المحور يمتلك خطة لإضعافهما، وأن الخطة تشمل العراق من خلال مشاريع تنشيط فكرة استقلال إقليم كردستان عن مجال التأثير الرسمي للحكومة المركزية والقوى الشيعية في بغداد، وكذلك العمل على تفعيل فكرة إقامة الإقليم السني في غرب العراق ليكون مدخلاً يتم عبره العمل على نشر عدوى التفتيت الجغرافي للدول المجاورة (تركيا وإيران)[13]. لذلك قد يغدو التقارب الخليجي-الإسرائيلي سبباً في تصعيد التنسيق بين الجانبين في العراق ومناطق أخرى. 

كما أن الطرفين راقبا زيارة رئيس الوزراء العراقي الأخيرة إلى واشنطن، وما تلاها لاحقاً من لقاء ثلاثي في عمّان في 26 أغسطس جمع العراق بمصر والأردن لتشكيل مشروع "المشرق الجديد"، ويجدان فيها محاولة عراقية للتحرك باستقلالية أكبر عن مصالحهما. ويخشى الإيرانيون من أن علاقة العراق بالأردن ومصر قد تمهد مستقبلاً إلى إنتاج تقارب غير مباشر ما بين العراق والدولة العبرية، بينما يرى الأتراك في أي تقارب عراقي-مصري مصدر تهديد لهم، بسبب الخلاف العميق بين أنقرة والقاهرة منذ إطاحة الرئيس الإخواني محمد مرسي عام 2013.

الاستنتاجات: تنسيق من منطلق الضعف

حالة الضعف التي تنتاب الجانبين الإيراني والتركي، خصوصاً بسبب الأزمات الاقتصادية التي تواجههما، تدفعانهما إلى اكتشاف مساحة للتعاون والتوافق في هذه المرحلة، وتحديداً بمواجهة ما يعتبره الطرفان تهديدات مشتركة. وتمثل الحركة الكردية المسلحة، التي يرعاها حزب العمال الكردستاني، أبرزَ هذه التهديدات، وقد يُترجم التنسيق بينهما في هذا الخصوص إلى تصاعد في العمليات العسكرية ضد مناطق انتشار حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل شمال العراق، بالقرب من الحدود الإيرانية، وتغاضي القوى السياسية والفصائل العراقية المرتبطة بطهران عن التوغل التركي في الأراضي العراقية قرب الحدود السورية، ومنع حزب العمال من إقامة طريق آمنة بين سوريا والعراق. ومع ذلك، تظل هنالك تفاصيل أساسية تمنع هذا التنسيق من التحول إلى "تحالف"؛ فبينما تواجه طهران موقفاً متشدداً وعقوبات مُؤذية من إدارة ترمب، وتتبنى ضبطاً لسلوكها بانتظار نتائج الانتخابات الأمريكية المقبلة، متأملةً فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، فإن الرئيس التركي أردوغان بنى علاقة عمل جيدة مع الرئيس ترمب، وربما يُفضل مواصلة تلك العلاقة (رغم ما تنطوي عليه من لا يقينية) على التعامل مع إدارة ديمقراطية قد تكون أكثر استعداداً لدعم الكرد في سوريا، وأكثر تشدداً تجاه المنحى السلطوي الذي تسير فيه تركيا، وأكثر قرباً من الأوروبيين في الاستعداد لتبني الضغط عليها.

إن لطهران وأنقرة مصلحة في ملء الفراغات الناتجة عن ضعف أو انهيار الدولة في جوارهما الجغرافي وتوسيع مساحات نفوذهما، وغالباً باستخدام مزيج من الأيديولوجيا الإسلامية والتضامنيات الطائفية والتأثير الاقتصادي والخبرة المتراكمة في صناعة ودعم الميليشيات المسلحة. وحتى الآن، وعلى الرغم من خلافهما العميق خلال الصراع السوري، وجد الطرفان طرقاً لعدم التصعيد والتنسيق، ومن المحتمل أن تشهد المرحلة المقبلة المزيد من الميل بهذا الاتجاه، مع تطبيع العلاقات الخليجية-الإسرائيلية الذي لا يَنظر إليه الطرفان بارتياح كبير، وكذلك مع وجود حكومة في بغداد تميل إلى تأكيد استقلاليتها السياسية وتقترب أكثر من واشنطن والغرب والسعودية والإمارات.

لهذا، فإن أي تقارب إيراني-تركي سيكون محكوماً بهذا السياق، ومرهوناً لتوازنات قابلة للتغير لاحقاً، لكنه قد يُترجم عراقياً إلى مزيد من المحاولات لتكبيل النزعة الاستقلالية للحكومة العراقية، والاستعداد لتوزيع مناطق ومساحات النفوذ السياسية والجغرافية بينهما، والتأكد من عدم وجود أطراف ثالثة قادرة على منافسة نفوذهما في هذا البلد. وفي الوقت نفسه، فإن هناك عوامل ستظل تُضعف من قدرتهما على نسج المعادلة العراقية بشكل مطلق، من بينها الضعف الاقتصادي الذي ينتاب الطرفان، ومحاولة قوى دولية مثل فرنسا إيجاد موطئ قدم لها في العراق، فضلاً عن استمرارية الوجودين الأمريكي والروسي، والديناميات الداخلية للوضع العراقي التي تواصل إضعاف القوى التقليدية التي كانت مرتكزات أساسية لنفوذ الطرفين.  

الهوامش

[1] S. Omar, "Iran and Turkey to keep up coordinated attack on PKK, PJAK: joint statement," Rudaw, 8 September 2020. [Online]. Available: https://www.rudaw.net/english/middleeast/08092020 [Accessed 14 September 2020].

[2] L. Shehadi, "Yazidi activists call out militia rule in Iraq after double killing in Sinjar," Al Arabiya English, 10 September 2020. [Online]. Available: https://english.alarabiya.net/en/News/middle-east/2020/09/10/Yazidi-activists-call-out-militia-rule-in-Iraq-after-double-killing-in-Sinjar [Accessed 17/9/2020].

[3] D. Salih, "The Iraqi Kurdish parties and the PKK," Middle East Online, 1 October 2019. [Online]. Available: https://middle-east-online.com/en/iraqi-kurdish-parties-and-pkk [Accessed 16 September 2020].

[4] Daily Sabah, "Former KRG president Barzani slams PKK terrorists for being a burden on Kurds," Daily Sabah Newspaper, 8 september 2020. [Online]. Available: https://www.dailysabah.com/politics/war-on-terror/former-krg-president-barzani-slams-pkk-terrorists-for-being-a-burden-on-kurds [Accessed 17 September 2020].

[5] Daily Sabah, "Turkey, Iran underline importance of relations in solution to regional problems," Daily Sabah Newspaper, 7 September 2020. [Online]. Available: https://www.dailysabah.com/politics/diplomacy/turkey-iran-underline-importance-of-relations-in-solution-to-regional-problems [Accessed 17 September 2020].

[6] T. Abueish, "France’s President Macron arrives in Baghdad on official visit," Al Arabiya English, 2 September 2020. [Online]. Available: https://english.alarabiya.net/en/News/middle-east/2020/09/02/France-s-President-Macron-arrives-in-Baghdad-on-official-visit [Accessed 17 September 2020].

[7] Reuters Staff, "France's Macron stresses support for Iraqi sovereignty in Baghdad visit," Reuters, 2 September 2020. [Online]. Available: https://www.reuters.com/article/us-iraq-politics-france/frances-macron-stresses-support-for-iraqi-sovereignty-in-baghdad-visit-idUSKBN25T1NW [Accessed 17 September 2020].

[8] H. Latif, "Macron pushes French interests in Iraq, avoids angering Iran," The Arab Weekly, 3 September 2020. [Online]. Available: https://thearabweekly.com/macron-pushes-french-interests-iraq-avoids-angering-iran [Accessed 16 September 2020].

[9] K. Y. Oweis, "Macron talks nuclear energy and ways to control militias during Iraq visit," The National, 2 september 2020. [Online]. Available: https://www.thenational.ae/world/mena/macron-talks-nuclear-energy-and-ways-to-control-militias-during-iraq-visit-1.1071729 [Accessed 18 September 2020].

[10] J. J. Catherine, "Iran, Iraq sign electricity cooperation agreement, plan new joint power plant," Kurdistan 24, 9 February 2019. [Online]. Available: https://www.kurdistan24.net/en/news/6fbc0e5e-6e96-4832-8e54-7c65f19536a1 [Accessed 18 September 2020].

[11] AL JAZEERA, "Macron backs Iraq 'sovereignty' on first Baghdad visit," AL JAZEERA , 2 september 2020. [Online]. Available: https://www.aljazeera.com/news/2020/09/france-macron-reaches-baghdad-official-visit-iraq-200902074530834.html [Accessed 18 September 2020].

[12] Tehran Times, "Iran, Turkey should make unified decision on UAE ‘betrayal’: Rouhani," Tehran Times Newspaper, 8 September 2020. [Online]. Available: https://www.tehrantimes.com/news/452232/Iran-Turkey-should-make-unified-decision-on-UAE-betrayal [Accessed 18 September 2020].

[13] D. Hearst, "Ruling amid ruins: The plot to break up Iraq," Middle East Eye, 23 January 2020. [Online]. Available: https://www.middleeasteye.net/opinion/ruling-amid-ruins-plot-break-iraq [Accessed 19 September 2020].

 

أحدث المواضيع المميزة