توجُّه ألمانيا نحو تعزيز حضورها في أفريقيا: الحدود والدوافع

أحمد عسكر | 19 يوليو 2020

ازدادت أهمية أفريقيا بالنسبة لألمانيا بعدما كانت غائبة عنها بدرجة أو بأخرى حتى وقت قريب. وقد لعبت عدد من التحولات الرئيسة دوراً في صعود القارة على رأس أولويات أجندة السياسة الخارجية الألمانية، في مقدمتها اندلاع أزمة اللاجئين وهجرة الأفارقة إلى أوروبا في عام 2015، إلى جانب تصاعد نشاط الإرهاب وشبكات الجريمة المنظمة في أفريقيا، ورغبة برلين في لعب دور أكبر في القارة، ما دفعها إلى إيلاء المزيد من الاهتمام لأفريقيا، والذي تجلى في عدة مستويات، في ضوء تنامي المصالح والدوافع الألمانية تجاهها، الأمر الذي يُعزز مستقبلًا من النفوذ الألماني في القارة.

مصالح ألمانيا في أفريقيا

  • المصالح السياسية: تتمثل في رغبة برلين بناء نفوذ سياسي واقتصادي في القارة الأفريقية[1]، وأن تصبح قوة دافعة في سياسة أوروبا للسلام والأمن في أفريقيا؛ ومن ثمّ خلق دور ريادي لألمانيا في القارة الأفريقية. فهناك توجه عالمي لدى برلين للمشاركة على نطاق واسع بنشاط وفعالية فيما يستجد من أزمات وتحديات عالمية، خاصة في أفريقيا، بما يعزز من مكانتها ونفوذها الدوليين. كما أنها تسعى إلى تعزيز علاقاتها السياسية مع الدول الأفريقية، في ظل إدراك برلين تزايد مكانة أفريقيا في النظام الدولي.
  • المصالح الاقتصادية: تُبدي ألمانيا اهتماماً أكبر بتكثيف العلاقات الاقتصادية مع أفريقيا، وحرصاً على القيام بدور مهم في عملية التنمية وتحسين مناخ الاستثمار هناك، خاصة أن سياسة برلين تركِّز على تنمية التجارة والاستثمار في القارة، وتقوم على مبدأ أن تعزيز العلاقات الاقتصادية يمثل جزءاً مهماً من إطار حل ظاهرة الهجرة غير الشرعية وارتفاع عدد المهاجرين الأفارقة القادمين إلى أوروبا. ومن ثمّ، تستطيع الحد من تدفقاتهم على المديين المتوسط والبعيد. كما تحاول ألمانيا أن تجد طريقها إلى السوق الأفريقية باعتبارها سوقاً واعدةً للصادرات العالمية، لذلك تريد الحصول على حصة كبيرة منها بتمهيد الطريق أمام الشركات الألمانية الكبرى إلى أفريقيا. وتسعى برلين إلى زيادة المنافسة في مجال التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية بسبب زيادة حضور الصين وبعض القوى الفاعلة الأخرى مثل روسيا في القارة خلال السنوات الأخيرة. كما تستهدف برلين تأمين الوصول إلى الموارد المعدنية الاستراتيجية مثل الكوبالت الكونغولي والبلاتين في جنوب أفريقيا والطاقة في نيجيريا وأنجولا[2].
  • المصالح الاستراتيجية: تعد قضية الهجرة غير الشرعية وتدفق اللاجئين الأفارقة إلى أوروبا ذات أهمية حاسمة بالنسبة لألمانيا، حيث تتصدر أجندة الاهتمامات الألمانية بأفريقيا، لذلك تسعى برلين بشكل جدي إلى اتخاذ كافة الإجراءات والوسائل من أجل الحد من تلك التدفقات، كونها تشكل تحديًا بارزًا للدول الأوروبية. كما أنها تنخرط بشكل مكثف في محاربة الإرهاب في القارة، لاسيما في منطقة الساحل وغرب أفريقيا بهدف القضاء على شبكات الجريمة المنظمة وتعزيز الأمن والاستقرار في دول المنطقة، والحيلولة تالياً دون تزايد أعداد المهاجرين الأفارقة إلى أوروبا[3].
  • المصالح الأمنية: يعد منع نشوب الصراعات وحفظ السلام المستدام وتسوية النزاعات من أولويات السياسة الخارجية الألمانية في أفريقيا، حيث تسعى برلين إلى لعب دور مركزي في هذه المسألة. لذلك توجد بعض قواتها في عدد من الدول الأفريقية مثل مالي وأفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية والكاميرون والقرن الأفريقي ضمن البعثات الأممية لحفظ السلام، وبشكل منفرد، لأغراض الدعم والتدريب الأمني والعسكري.وتشارك ألمانيا أمنيًا في أفريقيا من خلال تقديم كافة سبل الدعم في مواجهة التهديدات الإرهابية في منطقتي الساحل وغرب أفريقيا، باعتبارهما منطقة مرور للمهاجرين إلى أوروبا. فالصراعات في أفريقيا لا تعني فقط كارثة إنسانية، بل تُولِّد أيضًا تدفقات من المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا[4].

دوافع التوجُّه الألماني نحو أفريقيا

حفَّزت العديد من الدوافع برلين لتتوجه نحو أفريقيا من أجل تأكيد مصالحها الجيوسياسية، وتتمثل أبرز تلك الدوافع في الآتي:

- جَعْل أفريقيا محوراً من محاور اهتمام السياسة الألمانية بعدما كانت على الهامش خلال السنوات الماضية[5]. فالنفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري لألمانيا على المستوى الدولي يدفعها نحو مزاحمة القوى الكبرى في أفريقيا لا أن تقف على الهامش وتراقب وتنتظر أن يتصرف الآخرون[6].

- تزايد المنافسة الجيوستراتيجية بين القوى الكبرى في القارة، وبالتالي التصدي للتقدم المضطرد الذي تقوم به الصين في أفريقيا، وكذلك احتواء مخاطر التحركات التركية والروسية في القارة. ومواجهة تدابير الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، من خلال الدفع بالشركات الألمانية الكبرى لغزو الأسواق الأفريقية واقتناص الفرص الاستثمارية هناك.

- موازنة الدور الفرنسي في القارة، خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي[7]، وإن كان هناك تعاون وتنسيق في مسألة الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل.

- تعويض افتقار دول الاتحاد الأوروبي مُنفردةً إلى النفوذ الكافي في أفريقيا[8]. ومن ناحية أخرى، تحمُّل ألمانيا مسئولية تعزيز الشراكة الأوروبية مع أفريقيا؛ ليس فقط على المستوى الثنائي ولكن أيضًا فيما يتعلق بسياسة الاتحاد الأوروبي تجاه أفريقيا[9].

- مكافحة أسباب الهروب والهجرة غير الشرعية والحد من موجاتها إلى أوروبا والعمل على احتوائها، من خلال الانخراط في أفريقيا وتقديم كافة سبل الدعم التي من شأنها تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأفارقة.

- زيادة الاستثمار وإحياء العلاقات الاقتصادية مع الدول الأفريقية، وتعزيز النمو الاقتصادي في تلك الدول، والاستفادة من كونها سوقًا ضخمة، وزيادة انخراط الشركات الألمانية والمستثمرين في الأسواق الأفريقية[10].

- الاهتمام الألماني بتنويع مصادر الطاقة والاستفادة من الموارد المعدنية والنفطية في أفريقيا، باعتبارها قضية أساسية لألمانيا التي تعد واحدة من أكبر البلدان الصناعية في العالم. والسعي نحو تعزيز صادراته في هذا القطاع من خلال تقديم التكنولوجيا إلى شركات الطاقة الأفريقية[11].

- تعزيز تجارة السلاح والصناعات العسكرية مع الدول الأفريقية مثل شركات جنوب أفريقيا[12].

مداخل ألمانيا إلى أفريقيا وطبيعة التحركات

ثمة عدد من المداخل التي تتبناها برلين في سبيل تعزيز حضورها ونفوذها في أفريقيا، أبرزها ما يأتي:

  • المدخل السياسي والدبلوماسي: تحظى أفريقيا بأهمية متزايدة في سياسة برلين، حيث تعد الزيارات المتكررة للمستشارة ميركل إلى عدد من الدول الأفريقية، وتبنّي الاستراتيجية الجديدة، بمثابة إشارات إلى إدراك الحكومة بالمصالح الاستراتيجية الألمانية المتزايدة في القارة. كما يشير الخطاب السياسي لميركل إلى ضرورة الاهتمام بمصير أفريقيا، وأن رفاهية هذه القارة تصب في مصلحة ألمانيا، وهو ما يمثل تغييرًا في استراتيجية ألمانيا وتحوُّلها من التعاطف إلى ممارسة الواقعية السياسية. وتواصل ألمانيا جهودها لممارسة قوتها في أفريقيا، حيث عقدت برلين ثلاثة مؤتمرات رئيسة لأفريقيا خلال الفترة من 2017 إلى 2019 [13]. كما قام المسؤولون الألمان بزيارات متعددة إلى أفريقيا خلال تلك الفترة، إذ أجرت ميركل عدداً من الجولات إلى دول القارة، مثل جولتيها في عام 2019 إلى بعض الدول مثل بوركينا فاسو ومالي والنيجر والسنغال وغانا ونيجيريا، كما زارت دولتي جنوب أفريقيا وأنجولا في فبراير 2020 بهدف تعزيز العلاقات والتضامن بشأن القضايا المحورية مثل الهجرة غير الشرعية[14]. ويمكن القول إن هذه الموجة من تحركات الدبلوماسية الألمانية في أفريقيا توضح مدى عمق تأثير أزمة الهجرة غير الشرعية على السياسة الخارجية لألمانيا[15].
  • المدخل الاقتصادي: تستهدف ألمانيا توثيق العلاقات الاقتصادية بين ألمانيا وأفريقيا، ووضع سياسات ناجعة بشأن التنمية والحد من الهجرة غير الشرعية. وتواصل تطوير علاقاتها مع البلدان الأفريقية، حيث تستثمر حوالي 9 مليارات دولار في أفريقيا سنويًا[16]. كما يبلغ حجم تجارتها مع دول القارة حوالي 50 مليار دولار[17]. وتعد جنوب أفريقيا ونيجيريا وغانا وكينيا وأنجولا أكبر خمسة شركاء اقتصاديين لألمانيا في القارة. وهناك حوالي 1000 شركة ألمانية تقوم بأعمال تجارية في أفريقيا[18]، وتخطط 5% من الشركات الأخرى للاستثمار مستقبلًا[19]. فالعلاقات الاقتصادية الألمانية الأفريقية تتسع لأكثر من مجال وليست الطاقة فحسب، من أبرزها السلع الاستهلاكية والخدمات اللوجستية وتطوير البنية التحتية والآلات والمواد الكيميائية والمنتجات الصناعية والزراعية وإدارة الأعمال[20]. وتعمل عدد من المؤسسات والشركات الألمانية في أفريقيا مثل مؤسسة أديناور Adenauer Foundations التي تعمل في الكونغو الديمقراطية[21]، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة مثل شركة Mittelstand وشركة Hansgrohe AG ومجموعة Schwenk التي تعمل في مجال مواد البناء ونجحت في إنشاء مصنع للأسمنت في ناميبيا، وشركة Siemens [22]. كما شارك بعض الشركات في بناء مطار Mongomeyen في غينيا الاستوائية[23]. وتمثل ألمانيا ثاني أكبر شريك تجاري لجنوب أفريقيا؛ فهناك أكثر من 500 شركة ألمانية في هذا البلد[24]. ويكشف اهتمام برلين بأفريقيا تزايداً في إدراكها لأهمية التنمية الاقتصادية ودورها في تغيير قواعد اللعبة بالنسبة للبلدان الأفريقية على مستويات عدة من أبرزها عدم فقدان شبابها وجعلهم فريسة للهجرة.
  • المدخل الأمني: ترغب برلين إلى جانب دورها السياسي والاقتصادي والإنساني المتصاعد في أفريقيا أن تلعب دورًا عسكريًا بشكل أكبر في هذه القارة، وهو ما تجلى في تعزيز الوجود العسكري الألماني ضمن البعثات الأممية لحفظ السلام، حيث قامت في بداية 2020 بتمديد فترة عمل قوتين عسكريتين في مالي والقرن الإفريقي، ومساندة بعض الدول الأفريقية في مجال التدريب العسكري ومحاربة الإرهاب، وأخذت تدرس إمكانية نشر قواتها في موريتانيا وبوركينا فاسو وتشاد والنيجر في المرحلة المقبلة[25]. وتعزز ألمانيا موقعها العسكري في عدد من المناطق الأفريقية بهدف تأمين مصالحها في القارة وموازنة أدوار المنافسين[26]، حيث توجد القوات العسكرية الألمانية في بلدانٍ مثل مالي وأفريقيا الوسطى وليبيا والكاميرون ونيجيريا وجيبوتي، كما تقدم برلين بعض المساعدات العسكرية والدعم المادي لبعض الدول الأفريقية مثل النيجر[27]. فيما تمتلك برلين بعض القواعد العسكرية في جيبوتي والنيجر للحفاظ على وجودها العسكري وتعزيز نفوذها في القارة وتقديم الدعم اللوجستي للعمليات الأممية[28]. ومن هنا، نجد أن ألمانيا قد تخلت عن تحفظاتها حول التدخل العسكري في أفريقيا، لكي تتحمل مسؤوليتها باعتبارها قوة أوروبية كبرى، لاسيما عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويدفعها بقوة أيضًا نحو هذا الاتجاه مَنْع ظاهرة الهجرة غير الشرعية وتوجه اللاجئين الأفارقة إلى أوروبا، ومحاربة الإرهاب في القارة الأفريقية، لاسيما في الساحل وغرب أفريقيا.
  • تَبنّي استراتيجية لأفريقيا والإعلان عن عدد من المبادرات: حيث أعلنت برلين عن استراتيجية تجاه أفريقيا في عام 2014، لتحل محل الاستراتيجية القديمة التي اعتمدتها الحكومة الاتحادية في عام 2011، بهدف تحقيق قفزة نوعية في الوجود الألماني في القارة. وترتكز تلك الاستراتيجية على خمسة مجالات رئيسية هي بناء السلام والتطوير ومكافحة الهجرة غير الشرعية والعمل مع الشركاء الأفارقة وزيادة التعاون مع المجتمع المدني في أفريقيا[29]. وفي إطار التحول النموذجي الذي طرأ على الحكومة الألمانية في تعاونها مع أفريقيا، أطلقت برلين في 2017 أكثر من مبادرة هي: خطة مارشال الألمانية في أفريقيا، والاتفاق مع أفريقيا، وAfricaGrow وProAfrika [30]، بهدف الانتقال من السياسة التنموية التقليدية إلى مرحلة الشراكة مع الدول الأفريقية، وإعادة تعريف العلاقات الألمانية-الأفريقية بشكل جديد. وتمثل خطة مارشال إطارًا طموحًا للحكومة الألمانية تجاه أفريقيا، وتهدف منها إلى زيادة التجارة والتنمية في القارة، والتقليل من تدفقات الهجرة الجماعية إلى أوروبا، كما تركز على التجارة العادلة وزيادة الاستثمار الخاص والتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل[31]. وتتجاوز خطة مارشال فكرة الإصلاح الاقتصادي لتشمل السلام والأمن كركيزة ثانية، والديمقراطية وسيادة القانون كركيزة ثالثة[32]. كما تأتي مبادرة الاتفاق مع أفريقيا بديلة لبرامج المعونة التي تؤدي إلى إعاقة النمو الاقتصادي في القارة بدلًا من تعزيزه، وقد وقعت نحو 12 دولة أفريقية عليها[33]، وتعد بمثابة خطوة جيدة نحو إرسال المزيد من الشركات الألمانية للاستثمار في أفريقيا وإقامة الشراكات معها[34]. كما تتميز تلك المبادرات بأن لها قاسماً مشتركاً يتعلق بالدور الذي ترغب ألمانيا أن تلعبه بشأن تنمية أفريقيا، بحيث يتجاوز الأدوات التقليدية للتعاون الإنمائي؛ فلا يمكن التحكم في ديناميات الهجرة بنجاح إلا إذا كانت اقتصادات الدول الأفريقية توفر حوافز كافية للشباب[35]. وارتبط ذلك كله بعدد من المبادئ التوجيهية التي أطلقتها برلين في مارس 2019 لسياسة ألمانيا تجاه أفريقيا، والتي تشتمل أهدافاً خمسة، هي: التنمية المستدامة وتعزيز السلام والأمن وتعزيز نظام عالمي قائم على القواعد وإدارة الهجرة وتعميق شراكات المجتمع المدني[36].
  • المدخل القيمي والأخلاقي: ترتكز سياسة برلين في أفريقيا على إعلاء بعض القيم والمبادئ مثل احترام حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون والحل السلمي للنزاعات، وهو ما برز في بعض مبادئ الاستراتيجية والمبادرات التي أطلقتها برلين. وتتزايد المطالبات للحكومة الألمانية بتقوية العلاقات الاقتصادية وزيادة الاستثمار في أفريقيا على ألا يأتي ذلك على حساب حقوق الإنسان ودعم الحكم الرشيد والديمقراطية بوصفها أولوية لتعزيز الاستقرار ومنع نشوب الصراعات[37].
  • مكافحة الهجرة غير الشرعية: تمثل مصدر قلق ليس لأفريقيا فقط ولكن لأوروبا أيضًا، فقد بلغ متوسط صافي الهجرة إلى ألمانيا في السنوات الأخيرة حوالي 500 ألف مهاجر سنويًا، ووصل إلى ذروته في عام 2015 بأكثر من مليون مهاجر. وقد اعترفت ألمانيا بأن مسألة الهجرة غير الشرعية لا يمكن حلها بمعزل عن تعاون ودعم أفريقيين[38]، لذلك انطلقت الشراكات مع الدول الأفريقية بهدف تعزيز التدريب والعمالة والتنمية الاقتصادية، لمعالجة الأسباب الجذرية للهجرة[39]. فقد دفعت هذه الأزمة برلين إلى التأكيد على الحاجة إلى سياسة تنموية تعمل على وقف تدفق المهاجرين من البلدان الأفريقية؛ فكانت البداية مع تنفيذ برامج في إطار صندوق الاستثمار الإنمائي لأفريقيا بقيمة 1.1 مليار يورو في عام 2019 [40].
  • محاربة الإرهاب: أضحى تعزيز دعم مكافحة الإرهاب في بلدان غرب أفريقيا محورًا رئيسًا لسياسة ألمانيا تجاه أفريقيا، في ضوء التزامها بالمساعدة في معالجة تصاعد نشاط الإرهاب، بحيث يتزايد اهتمامها والاتحاد الأوروبي من خلال الضغط لتحسين الوضع الأمني وتحسين الوضع الاقتصادي في المنطقة، خاصةً أن الفقر والصراعات من العوامل الرئيسية التي يترتب عليها الهجرة إلى أوروبا، وكذلك التعهد بتقديم الدعم اللوجستي والمادي والتدريب لجيوش المنطقة مثل بوركينا فاسو والنيجر ومجموعة دول الساحل الخمس[41].
  • المساعدات التنموية: تمثل مدخلًا مهمًا لتعزيز السياسة الألمانية في أفريقيا في ظل الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي يشهدها كثيرٌ من الدول الأفريقية، بالرغم من سعي برلين إلى إدخال نموذج مختلف في أفريقيا يكون بديلًا عن المساعدات الإنمائية بهدف ترويض أزمة الهجرة غير الشرعية[42]. فقد قدمت برلين مساعدات إنسانية إلى بعض الدول الأفريقية مثل جنوب السودان بقيمة ستة ملايين يورو، والصومال بقيمة 65 مليون يورو في عام 2019، والكونغو الديمقراطية نحو 48.7 مليون يورو في عام 2018 [43]. كما أنها تعمل بشكل وثيق مع منظمات الأمم المتحدة مثل برنامج الأغذية العالمي[44].

فرص وتحديات تعزيز الدور الألماني في القارة

الفرص:

- تمثل أفريقيا قارة الفرص لما تمتلكه من إمكانات وثروات هائلة؛ فهي تضم نصف الاقتصادات العشرين الأسرع نموًا في العالم. وبحلول عام 2035 سيكون لأفريقيا أكبر قوة عاملة محتملة في العالم. كما أنها سوق واسعة وتمثل إمكانات استهلاكية هائلة، مع التوقعات بأن يتضاعف عدد سكانها بحلول 2050 بمتوسط عمر يبلغ 22 عامًا.

- القدرات الألمانية على صوغ أسلوب جديد يستهدف منع النزاعات الأفريقية والمساهمة في تسويتها، واستغلال قبول الأفارقة لها باعتبارها وسيطاً محايداً ونزيهاً في بعض النزاعات.

- الاستمرار في عمليات دعم مكافحة الإرهاب في أفريقيا، والمشاركة في اقتصاديات إعادة الإعمار في دول ما بعد الصراعات.

- الاستفادة من الخبرات الألمانية في مسألة تعزيز التكامل القاري والإقليمي في أفريقيا.

- يمثل السياق القاري في أفريقيا الخاص بالمضي قدمًا نحو تنفيذ عملية التكامل الاقتصادي الإقليمي ومنطقة التجارة الحرة القارية، فرصةً سانحةً لألمانيا من أجل تعزيز العلاقات التجارية مع أفريقيا خلال الفترة المقبلة[45].

- دعم الشراكات الاستراتيجية في كافة المجالات مع الدول الرئيسة في القارة. 

- تفعيل مبدأ "الكل رابح" بهدف رفع درجة القبول الأفريقي للوجود الألماني والاستثمارات الألمانية.

- تقديم النموذج الألماني في قطاع التصنيع والاستفادة من خبرات النجاح والتحديات القائمة، خاصة في مجال الطاقة.

- تحظى ألمانيا بفرص متعددة في المستقبل بشأن صياغة توجه أوروبي جديد تجاه أفريقيا في ظل التغيرات الديناميكية التي تطرأ على المشهد السياسي الأوروبي، خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

- تعد ألمانيا شريكًا يمتلك نوعاً من الأفضلية بالنسبة لأفريقيا، حيث إنها تحظى بتقدير الأفارقة، وتتمتع بسمعة طيبة على الصعيد الأفريقي فيما يتعلق بأخلاقيات العمل الألماني والدقة والموثوقية واحترام المعايير الاجتماعية ودعم التنمية المستدامة.

- إمكانية طرح تدشين اتحاد متوسطي كخطوة أولى نحو إنشاء منطقة تجارة حرة تضم دول الاتحاد الأوروبي ودول أفريقيا بهدف تعزيز التعاون المستقبلي.

التحديات:

- الهشاشة الأمنية التي تعاني منها معظم الدول الأفريقية تعد قضية لها تأثيرها الملحوظ على أوروبا فيما يتعلق بأزمة الهجرة غير الشرعية.

- انتشار الفساد في معظم الأوساط الأفريقية والتعقيدات البيروقراطية، فضلًا عن غياب الشفافية السياسية، مما يثير القلق لدى المستثمرين الألمان.

- استمرار تداعيات تفشي جائحة كوفيد-19 وتأثيراتها السلبية على مستقبل معظم الاقتصادات الأفريقية.

- عدم وجود سياسة ألمانية متماسكة تجاه أفريقيا، وهو ما يجعل تحرُّك ألمانيا بطيئًا في القارة. فضلًا عن سيولة المفاهيم السياسية في دوائر صنع القرار الألماني حول أفريقيا.

- تعد برلين متخلفةً كثيرًا عن القوى الاقتصادية العالمية الكبرى من حيث الوجود والتأثير في أفريقيا، ومِنْ ثمّ فإن نقص المعرفة بإمكانات القارة يُعد من العوائق المهمة أمام التوسُّع السريع للاستثمار الألماني في أفريقيا.

- تصاعُد التنافس الدولي من قبل الشركات الدولية عابرة الحدود، مثل الشركات الصينية التي تسيطر على مجالات عدة مثل البنية التحتية، واستحواذها على معظم العطاءات المتعلقة بالمشروعات الاستثمارية في أفريقيا[46].

- ثمة حالة من عدم اليقين والمخاطرة والخوف من قضايا الأمن والإرهاب وعدم الاستقرار في أفريقيا وعدم وجود بيئة مناسبة للاستثمارات، تزيد من شواغل معظم الشركات والمستثمرين الألمان تجاه الاستثمار في القارة.

- تَخوُّف بعض البنوك الألمانية التي رفضت دعم المستثمرين في قطاعي الطاقة والنقل في أفريقيا، كونها ترى أن المخاطر مرتفعة للغاية، وبالتالي ليس هناك ما يكفي من ضمان الرعاية للشركات الألمانية.

- انتقاد بعض الأفارقة للخطط والمبادرات الألمانية في أفريقيا، مثل خطة مارشال ومبادرة الاتفاق مع أفريقيا، باعتبارهما يؤسسان لاستعمار جديد يستهدف السيطرة على أفريقيا، ولا يحقق نمواً مستداماً في بلدانها. فضلًا عن التشكُّك تجاه جدية اهتمام ألمانيا بدعم التحول الهيكلي للاقتصادات والمجتمعات الأفريقية.

- الميراث التاريخي المتعلق بمسألة الاعتراف بالإبادة الجماعية في ناميبيا، حيث يضع التاريخ الاستعماري ضغوطًا عديدة على العلاقات بين ألمانيا وأفريقيا. كما أن تحمُّل المسئولية السياسية عن الإبادة الجماعية يعد أمراً حاسماً بالنسبة لمصداقية ألمانيا في دول أفريقيا.

مستقبل الحضور الألماني في أفريقيا

  • بمرور الوقت تزداد الرغبة لدى ألمانيا في تـأكيد حضورها وتعزيز تأثيرها في أفريقيا خلال الفترة المقبلة لتعظيم نفوذها العالمي، وربما يحتاج الأمر إلى إلمام شامل بخريطة أفريقيا وما تعجُّ به من تفاعلات وتوازنات وفرص وتحديات لبناء استراتيجية ألمانية ملائمة تستطيع من خلالها تحقيق مصالحها الاستراتيجية ومعرفة الاحتياجات الأفريقية.
  • تظل قضية الهجرة غير الشرعية وتزايد أعداد اللاجئين الشُّغْل الشَّاغِل لبرلين وسياستها تجاه أفريقيا خلال المرحلة المقبلة؛ وهو ما يُعرقِل مسيرتها نحو تعزيز حضورها في القارة لحساب القوى الدولية المنافسة الأخرى.
  • تجد الحكومة الألمانية نفسها أمام تحدٍّ كبير يتعلق بطمأنة الشركات والمستثمرين الألمان للتوجه نحو السوق الأفريقية خلال الفترة المقبلة، لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين ألمانيا وأفريقيا، وزيادة النفوذ الألماني ومحاولة موازنة دور القوى الكبرى الأخرى في القارة.
  • مع اعتماد برلين في قطاعاتها التصنيعية المتقدمة على بعض الموارد الاستراتيجية من الدول الأفريقية، ربما تشهد المرحلة المقبلة تحوُّل السياسة الألمانية نحو مزيد من العسكرة لتأمين مصالحها الاستراتيجية في القارة، إلى جانب المساهمة في محاربة الإرهاب والحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

الهوامش

[1] Henry Ridgwell, Britain, France, Germany Vie for Influence in Africa, Voice of America, 3 May 2019, available at: https://bit.ly/2ZeT4F7

[2] South World, Germany. Military and strategic interests in Africa, September 2014, available at: https://bit.ly/2ZMZLNK

[3] Chase Winter, Germany's Bundeswehr mission in Mali, DW, 30 July 2017, Available at: https://bit.ly/2CjPctB

[4] German Information Centre Africa, National and regional challenges, 27 February 2019, available at: https://bit.ly/2CgoLVm

[5] Daniel Pelz, Germany's new Africa policy yet to be implemented, DW, 7 June 2018, available at: https://bit.ly/2W13ciL

[6] Peter Schwarz, German big business continues its new scramble for Africa, World Socialist website, 22 November 2019, available at: https://bit.ly/3fe7r23

[7] Comfort Ero, Tough but Essential: Germany’s Political Engagement with Crisis Prevention in Africa, International Crisis Group, 22 September 2016, available at: https://bit.ly/2O7f6mW

[8] Julia Leininger, WHY EUROPA AND AFRICA SHOULD DISCUSS ABOUT SUSTAINABLE SOCIETAL MODELS, German Development Institute, 18 November 2019, available at: https://bit.ly/2VUAkbQ

[9] Niels Keijzer, GERMANY’S NEW RESPONSIBILITY IN THE EU’S AFRICA POLICY POST BREXIT, German Development Institute, 25 February 2019, available at: https://bit.ly/3ffy2fi

[10] The Federal Government, How Germany and Africa work together, 29 August 2018, available at: https://www.bundesregierung.de/breg-en/chancellor/how-germany-and-africa-work-together-1527530

[11] Germany Africa, Germany-Africa Relations Warm Up, 11 January 2017, available at: https://bit.ly/3ecfew4

[12] South World, Ibid.

[13] Christina Okello, Germany's Merkel urges more investment in Africa, rfi, 21 November 2019, available at: https://bit.ly/2ZNZudu

[14] Henry Ridgwell, Ibid.

[15] BBC News, Africa 'a priority' as Merkel's Germany aims to stem migration, 11 October 2016, available at: https://bbc.in/2AIn42G

[16] Germany Africa, Ibid.

[17] South World, Ibid.

[18] Bob Koigi, Africa has mixed reaction to Germany’s ‘Marshall Plan’ proposal, EurActiv, 7 December 2016, available at: https://bit.ly/3iIzN6G

[19] DW, Boost Africa investment, Germany's Merkel tells 'Compact with Africa' summit, 19 November 2019, available at: https://bit.ly/2Z4SABd

[20]. African Business, Germany In Africa: Time To Play Catch-Up?, 31 October 2012, available at: https://bit.ly/2BL043N

[21] South World, Ibid.

[22] African Business, Ibid.

[23] Germany Africa Business Forum, How German firms can tap into Africa’s diversification drive, 3 February 2017, available at: https://bit.ly/2ZerasT

[24] Hassan Isilow, South Africa, Germany hold talks to strengthen ties, Anadolu Agency, 6 February 2020, available at: https://bit.ly/38F2VHw

[25] Idem.

[26] Peter Schwarz, Ibid.

[27] South World, Ibid.

[28] Gregor Link, Germany and EU expand military deployment in Africa, World Socialist website, 2 June 2020, available at: https://bit.ly/30xweIa

[29] German Information Centre Africa, New Chapter in German-African partnership, 21 May 2014, available at:  https://bit.ly/2DkqGcb

[30] Daniel Pelz, Ibid.

[31]  Bob Koigi, Ibid.

[32] Julia Leiniger, New wine in an old bottle? The German ‘Marshall Plan with Africa’, The Broker, 2 March 2017, available at: https://bit.ly/2ZVhbI8

[33] European Views, Does Africa need Germany’s Compact with Africa?, 2 December 2019, available at: https://bit.ly/2ZUDePf

[34] Andrew Green, Germany's €1B push into Africa, devex, 13 November 2019, available at: https://bit.ly/38CwtFm

[35] Arndt Hopfmann, Development Aid for Investors: Germany’s new Africa Policy, Review of African Political Economy, 28 June 2018, available at: https://bit.ly/3213gTt

[36] Andrew Green, Ibid.

[37] Le Consortium pour les infrastructures en Afrique, Foreign policy: Germany's all inclusive package for Africa, 2 June 2014, available at: https://bit.ly/38Eyot6

[38]. Eckart Naumann, Angela Merkel’s state visit to South Africa: its significance amid the current Germany-South Africa trade relationship, tralac, 12 February 2020, available at: https://bit.ly/3fcYRAw

[39] Kirsten Grieshaber, Germany’s Merkel urges more investment in African nations, AP News, 19 November 2019, available at: https://bit.ly/2Zb4Noe

[40] Andrew Green, Idim.

[41] German Information Centre Africa, Merkel kicks off West Africa tour pledging support in fight against terrorism, 3 May 2019, available at: https://bit.ly/3f3nr6V

[42]  Bob Koigi, Ibid.

[43]. German Information Centre Africa, Ebola in the crisis region of eastern Congo, 22 February 2019, available at: https://bit.ly/3efUfIR

[44] German Information Centre Africa, Rapid and effective humanitarian assistance for Somalia, 5 April 2019, available at: https://bit.ly/38z4hTS

[45] Elizabeth Sidiropoulos, Germany’s role in the 2030 Agenda: A view from South Africa, The South African Institute of International Affairs, 25 January 2017, available at: https://bit.ly/2ZVTYFI

[46] Global Construction Review, German builders fret over China’s dominance in Africa, 24 February 2020, available at: https://bit.ly/2ZgdbTn

 

أحدث المواضيع المميزة