الأزمة السياسية في تونس وآفاقها المستقبلية

أحمد نظيف | 13 فبراير 2021

في 16 يناير الماضي، أعلن رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي، عن إجراء تعديل وزاري في تشكيل حكومته، شمل 11 حقيبة وزارية، بينها وزارتا العدل والداخلية، لتدخل البلاد في أعقاب ذلك، في أزمة دستورية - سياسية، بعد أن رفض الرئيس قيس سعيد قبول الوزراء الجُدد الذين اختارهم المشيشي، لأداء اليمين بعد نيلهم الثقة من البرلمان يوم 26 يناير، بدعوى وجود شبهات فساد وتضارُب المصالح تحوم حول البعض منهم. كما أعلن الرئيس التونسي اعتراضه على الإجراءات التي رافقت التعديل لأنها برأيه تفتقد لسند دستوري.

تُلقي هذه الورقة الضوء على الأزمة القائمة في تونس من خلال البحث في أسبابها وجذورها، وتحاول حصر عدد من السيناريوهات المحتملة لتطورها مستقبلاً.

مؤشرات الأزمة وجذورها

تُعاني تونس منذ خريف العام 2019، تاريخ الانتخابات التشريعية والرئاسية، حالةً من "الأزمة الدائمة" شملت الأصعدة كافة، وضاعَفَ من وقْعِها الاجتماعي والاقتصادي، جائحة كوفيد-19. لكن الأزمة الرئيسة سياسية بامتياز، وتعكس النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع، والتي جاءت إلى البرلمان بقوى سياسية مُتناقضة البرامج والتوجهات، ولم تُعطِ الأغلبية لأيٍّ منها كي يَحكُم، لتجد البلاد نفسها قد مرت بثلاث حكومات بعد أقل من سنة على الاستحقاق الانتخابي[1].

هذا المشهد السياسي المُتشظِّي انتهى إلى إفراز ثلاثة محاور كبرى للصراع:

  • محور التحالف الحكومي الثلاثي، الذي يضُم حركة النهضة (إسلامي)، وحزب قلب تونس (ليبرالي)، وائتلاف الكرامة (إسلامي شعبوي)، وقد نجح في السيطرة على رئاسة الحكومة من خلال جمع أغلبية داخل البرلمان باستمالة كتل صغيرة، وكذلك رئاسة البرلمان، التي يشغلها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي.
  • محور المعارضة، الذي يضُم حزبي حركة الشعب (قومي)، والتيار الديمقراطي (يسار وسط)، وعدد من النواب المستقلين، إلى جانب الحزب الحر الدستوري، لكن هذا المحور مُنقسِم على نفسه بسبب الخلافات بين الأحزاب القومية والديمقراطية من جهة والحزب الدستوري، الذي تقوده عبير موسي من جهة أخرى، رغم وجود بعض التنسيق داخل البرلمان في التصويت ضد مشاريع قوانين يطرحها التحالف الحاكم.
  • محور الرئيس قيس سعيد، الذي اختار منذ البداية ألا ينخرط في دعم الأحزاب، رغم أنه يتلقى دعماً غير مباشر من الكتل المعارضة داخل البرلمان في مواجهة حركة النهضة وحلفائها. بيد أن الرئيس يحاول أن يوظف صلاحيته المحدودة دستورياً في خلق مركز قوى داخل الدولة، ويستغل لتحقيق هذا المسعى كل ثغرات الدستور، وخصوصاً الفراغ المتمثل في المحكمة الدستورية؛ فالرئيس يحمل عداءً تجاه المنظومة الحزبية التي يعتبرها فاسدة، وتجاه النظام السياسي الذي يعتبره سعى إلى الالتفاف على الثورة، وهو لا يُخفي سعيهُ للقَطْع مع دستور 2014.

في ظل هذا الانقسام السياسي العميق بين مختلف الفرقاء، والتشظي غير المسبوق الذي تشهده السلطة في تونس، دخلت الطبقة الحاكمة في البلاد في صراع تنازُع صلاحيات تجلى في:

  • صراع بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، انطلق منذ اليوم الأول الذي تقلد فيه هشام المشيشي منصبه، رغم أنه كان قبل ذلك مُقرَّباً من قيس سعيد، إلا أن تحالفه مع المحور الثلاثي (النهضة - قلب تونس - ائتلاف الكرامة) قلب موازين اللعبة جذرياً. لكن إقدام المشيشي على إقالة وزير الداخلية، توفيق شرف الدين، في 5 يناير، وهو   المقرب من الرئيس سعيد، والذي كان يستعد للإقدام على حركة تعيينات واسعة داخل الأجهزة الأمنية، سرّع في وتيرة الاقدام على تعديل وزاري كانت نتيجته بناء تحالف حزبي واضح خلف المشيشي وإرسال رسالة من البرلمان إلى الرئاسة مفادها أن على الرئيس الاكتفاء بصلاحياته. لنصل إلى لحظة 16 يناير عندما أعلن المشيشي عن طبيعة التعديل الحكومي – الذي رفضه قيس سعيد شكلاً من خلال رفضه الإجراءات الدستورية التي صاحبته داخل البرلمان، ومضموناً من خلال رفض بعض الوزراء الجدد بدعوى وجود شبهات فساد تلاحقهم، وتالياً رفض أن يستقبلهم لأداء اليمين الدستورية[2].
  • صراع بين رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية، بدأ منذ أن وصل راشد الغنوشي إلى رئاسة البرلمان، وبدأ يقوم ببعض اللقاءات وإصدار البيانات التي تتعلق بالشؤون الخارجية، وهو ما اعتبره الرئيس تجاوزاً لصلاحيته، إذ يمنح الدستور التونسي إدارة الشؤون الخارجية والدفاع حصراً لرئيس الدولة. كما تجلى الصراع بين الرجلين في الحملات التي شنَّتها حركة النهضة ضد الرئيس سياسياً وإعلامياً. حتى أن قيس سعيد خرج عن واجب التحفظ في مايو الماضي مُصرِّحاً بأن ''لتونس رئيساً واحداً يمثلها في الداخل والخارج"[3]. ويبدو أن الرئيس سعيّد استشعر منذ البداية أن النهضة ورئيسها يتجهان نحو فرض نوع من سلطة الأمر الواقع، حيث دأبت الحركة دائماً على استعمال أغلبيتها البرلمانية في الاستقواء على الرئاسة في عهدي منصف المرزوقي والباجي قائد السبسي، ولذا توجَّه الرئيس سعيّد نحو استعمال صلاحيته مُعتمداً على الدستور، وعلى قاعدة شعبية ما زالت قوية وفقاً لأغلب استطلاعات الرأي[4].

ويبدو من خلال خارطة الصراع، والفاعلين فيه، أن الأزمة الدستورية التي تعيشها تونس هي إحدى تجليات أزمة النظام السياسي الهيكلية العميقة، وإن حملت تمظهرات دستورية وقانونية؛ فهذا النظام الذي أرساهُ دستور 2014، والذي يقسم السلطة على ثلاث رئاسات بين البرلمان ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، في "نظام هجين" ليس رئاسياً خالصاً ولا برلمانياً خالصاً، أفضى في النهاية إلى حالة من تنازع الصلاحيات بين قيس سعيد وهشام المشيشي وراشد الغنوشي. لكن الدستور نفسه لم يكن حاسماً في تحديد الصلاحيات وحدودها، إذ تُرِكَ العديد من النقاط إلى آلية التشاور بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة، خاصة في مسألة التعيينات في الوظائف العليا للدولة.

وأدى غياب مؤسسة المحكمة الدستورية إلى تعمُّق الخلافات بين الرئاسات الثلاثة؛ فهذه المؤسسة القضائية منحها دستور 2014 سلطة تفسير الدستور والفصل في الخلافات حول دستورية القوانين والإجراءات التي تتعلق بالسلطة. وقد فشلت القوى السياسية الممثلة في البرلمان منذ العام 2014 في التوافق على أعضاء المحكمة، لأن تركيبتها خاضعة للمحاصصة بين رئيس الجمهورية والبرلمان والمجلس الأعلى للقضاء[5]. وينص الفصل 72 من الدستور على أن رئيس الدولة هو المخول الوحيد بتأويل الدستور في ظل غياب المحكمة الدستورية، وهو ما يُعطي لقيس سعيّد أفضلية دستورية في ظل الصراع القائم.

كما أفضت طبيعة القانون الانتخابي الذي يعتمد على نظام الاقتراع النسبي إلى إفراز مشهد سياسي مُشتَّت داخل البرلمان، حيث لا يسمح النظام الانتخابي لأي حزب بالفوز بالأغلبية المطلقة للأصوات بالبرلمان (109 مقاعد)، وهو ما يُحتّم على الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد البحث عن تحالفات سياسية أخرى لتشكيل حكومة أو تمرير مشاريع قوانين[6].

السيناريوهات المحتملة

أمام وضع الانسداد السياسي هذا، والذي تحوَّل إلى أزمة دستورية في تونس، يبدو أن الرؤية ما تزال غير واضحة لما ستتمخض عنه الأزمة، سواء في الأمد القريب فيما يتعلق بمصير حكومة هشام المشيشي والوزراء الجدد الذين جاء بهم التعديل الحكومي، أو على المدى البعيد فيما يتعلق بطبيعة النظام السياسي ومدى صلاحيته لإدارة البلاد. ويمكن هنا طرح عدد من السيناريوهات المستقبلية المحتملة، يتعلق أولها بالحكومة ووضعها، ويتصل ثانيها بمستقبل النظام السياسي التونسي بشكل عام.

أولاً: السيناريوهات المتعلقة بالحكومة

يَنُصُّ الدستور التونسي في فصله الـ 89، على أنه في حال نيل أي حكومة الثقة من البرلمان، فإنها تُعرَض على رئيس الجمهورية ليدعوها لتأدية اليمين الدستورية أمامه في قصر الرئاسة. وأمام رفض الرئيس قبول الوزراء الجدد لتأدية اليمين بعد نيلهم الثقة من البرلمان، فإن حكومة هشام المشيشي وجدت نفسها في مأزق يقودها إلى عدة سيناريوهات محتملة خلال الأيام المقبلة:

  1. سيناريو إعفاء الوزراء الجدد المتهمين بشبهات الفساد، بواسطة قرار يصدره رئيس الحكومة هشام المشيشي، أو من خلال تنازل هؤلاء عن المنصب، وبالتالي تسقُط حجة الرئيس سعيّد في رفضه مضمون التعديل الحكومي ومسألة أداء اليمين.
  2. سيناريو فرض المشيشي قرارات تعيين الوزراء الجدد: ويَفترض هذا السيناريو قفز رئيس الحكومة على بروتوكول أداء اليمين الدستورية للوزراء الجدد والمرور مباشرة إلى نشر قرارات التعيين في الجريدة الرسمية، وهو ما سيعتبر سابقة خطيرة في تاريخ تونس السياسي، ويمكن أن تكون عواقبه خطيرة، وأقلّها التعطل التام للتنسيق بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة[7].
  3. سيناريو تشكيل حكومة مصغرة: وهو من الحلول المطروحة بين الأحزاب الداعمة للحكومة، ويقضي بتكوين حكومة مصغرة وإلحاق الوزراء المقترحين كمستشارين برئاسة الحكومة مُكلفين بالإصلاحات والملفات الكبرى، وبالتالي تحاشي مسألة أداء اليمين أمام الرئيس[8].
  4. سيناريو سحب الثقة من الحكومة الحالية: يمكن أن يضطر التحالف الثلاثي الداعم للحكومة (النهضة – قلب تونس – الكرامة) إلى سحب الثقة من حكومة المشيشي، وتقديم مرشح آخر من الحزب الأغلبي في البرلمان من أجل تكوين حكومة سياسية[9].
  5. سيناريو تدخل الرئيس: يمكن أن يتدخل الرئيس طالباً التصويت على الثقة داخل البرلمان في مواصلة الحكومة لنشاطها، اعتماداً على الفصل 99 من الدستور والذي يقر بأن "لرئيس الجمهورية أن يطلب من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها، مرتين على الأكثر خلال كامل المدة الرئاسية، ويتم التصويت بالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس نواب الشعب، فإن لم يجدد المجلس الثقة في الحكومة اعتبرت مستقيلة، وعندئذ يُكلف رئيس الجمهورية الشخصية الأقدر لتكوين حكومة في أجل أقصاه ثلاثون يومًا". لكن هذا السيناريو يبقى ضعيفاً أو مستحيلاً نظراً لطبيعة موازين القوى داخل البرلمان والتي تصب كلها في صالح هشام المشيشي.
  6. سيناريو استقالة رئيس الحكومة: يتمثل في تقديم هشام المشيشي استقالته، وفي هذه الحالة تعني استقالته استقالة الحكومة كاملة، ويكون حينها للرئيس قيس سعيد أحقية أن يختار من جديد الشخصية الأقدر لرئاسة الحكومة، وفق ما ينص عليه الفصل 98 من الدستور التونسي. لكن هذا الاحتمال يبدو ضعيفاً وسط تشبُّث المشيشي بمواقفه، بعد توجهه للمحكمة الإدارية لطلب الاستشارة في الخلاف الواقع بينه وبين الرئيس.
  7. سيناريو تراجع الرئيس: ويَفترِض تراجع رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن قراره برفض أداء اليمين الدستورية، وقبول الوزراء الذين اتهمهم بالفساد، ويبدو هذا الاحتمال ضعيفاً أيضاً، إذ سيُلحِق ضرراً سياسياً بالرئيس سعيد، ويمكن أن يؤدي إلى انهيار شعبيته[10].
  8. سيناريو تفعيل الإجراءات الدستورية بشأن حالة "الخطر الداهم": يُتيح الدستور التونسي في الفصل الثمانين منه للرئيس اتخاذ اجراءات استثنائية في حالة الخطر الداهم الذي يُهدد الدولة، ويعطل سير دواليبها، ويقول الفصل تفصيلاً: "لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مُهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذّر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويُعلِنُ عن التدابير في بيان إلى الشعب"، الأمر الذي يمنح الرئيس سعيّد سلطة تقديرية واسعة في ظل غياب المحكمة الدستورية.

ويبدو سيناريو إعفاء الوزراء الجدد المتهمين بشبهات الفساد أو تنازلهم عن مناصبهم الأقرب للحصول، باعتباره الأخف ضرراً لجميع الأطراف، لكن الأصعب هو التنبؤ بالسلوك السياسي للرئيس سعيّد، القادِم من خارج الطبقة السياسية التقليدية، والذي لم يكن أحد يتوقع أن يمتنع عن إجراءات أداء اليمين الدستورية.

ثانياً: السيناريوهات المتعلقة بالنظام السياسي

بغض النظر عن مصير حكومة هشام المشيشي، والصراع القائم بين الرئيس ورئيس الحكومة، فإن هذه الأزمة قد وضعت النظام السياسي الذي أرساهُ دستور 2014، برمته في موضع المساءلة والنقد والدعوة للتجاوز حتى من الأطراف التي شاركت في صياغته ودعمت وضعه. ويبدو أن تونس ستشهد على المدى المتوسط والبعيد تحولات سياسية جذرية، يُمكِن حصرها في أربعة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: تعديل النظام السياسي نحو نظام رئاسي خالص، أي العودة للنظام القديم الذي كان سائداً بين 1959 و2011، حيث لرئيس الدولة سلطات واسعة، وهو رئيس الحكومة التي تدار من خلال وزير أول ويراقبها البرلمان كما هو الحال في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

السيناريو الثاني: تعديل النظام السياسي نحو نظام برلماني خالص يكون فيه رئيس الحكومة صاحب السلطة التي يستمدها من الأغلبية البرلمانية، وبالتالي يعود شأن إدارة الدولة إلى الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية فيما يكون منصب الرئيس منصباً رمزياً كما هو الحال في ألمانيا وإيطاليا. ويبدو أن حركة النهضة أكثر الأطراف تحمُّساً لهذا التعديل لأنه يمكنها من السيطرة على السلطة[11].

السيناريو الثالث: نجاح الرئيس قيس سعيد في إقناع الطبقة السياسية والشعب (من خلال آلية الاستفتاء) بالاستغناء عن النظام الحزبي، وإقرار نظام ديمقراطي مباشر من خلال الاقتراع على الأفراد من المحليات صعوداً إلى الولايات ثم على مستوى وطني. وهذه الرؤية التي طرحها الرئيس في حملته الانتخابية ما زالت غير واضحة تماماً، ويخشى البعض أن تقود إلى فوضى مجالسية أشبه بما وقع في النظام الجماهيري الليبي بين 1976 و2011. وقد صرَّح الرئيس سعيّد في يوليو الماضي بأنه "آن الأوان لمراجعة الشرعية".

السيناريو الرابع: الحفاظ على النظام السياسي الهجين الراهِن، والذي يجمع بين النظام الرئاسي والبرلماني بشكل متداخل، وهو ما يعني ضمنياً الحفاظ على جذور الأزمة التي يمكن أن تتجدد في كل وقت، خاصة إذا ما جاءت نتائج الانتخابات مُتناقضة تماماً بين الرئاسية والتشريعية، وجاءت إلى السلطة بأطراف سياسية على طرفي نقيض سياسي إيديولوجي كما حدث في 2019. ويبدو أن ذلك سيقود إلى شلل تام لجهاز الدولة.

وإجمالاً، سيكون خيار المحافظة على النظام السياسي الحالي في تونس مخاطرة كبيرة، يمكن أن تؤبد حالة الأزمة التي تعيشها البلاد. فيما سيكون خيار الرئيس قيس سعيد باعتماد نظام الديمقراطية المباشرة غير مضمون النتائج. لكن السيناريو الأرجح أن تحسم الطبقة السياسية أمرها بتعديل النظام السياسي نحو نظام برلماني خالص أو رئاسي خالص، وسيكون ذلك مدار معركة انتخابية يحسمها الاستفتاء الشعبي.

خلاصة واستنتاجات

  • في 16 يناير الماضي، أعلن رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي، عن إجراء تعديل وزاري في تشكيل حكومته، شمل 11 حقيبة وزارية، بينها وزارتي العدل والداخلية، لتدخل البلاد في أعقاب ذلك، في أزمة دستورية-سياسية، بعد أن رفض الرئيس قيس سعيد قبول الوزراء الجُدُد الذين اختارهم المشيشي، لأداء اليمين بعد نيلهم الثقة من البرلمان، بدعوى وجود شبهات فساد وتضارب مصالح تحوم حول البعض منهم. كما أعلن الرئيس التونسي اعتراضه على الإجراءات التي رافقت التعديل لأنها برأيه تفتقد لسند دستوري.
  • الأزمة الدستورية في تونس تعكس صراعاً سياسياً حقيقياً بين الرئيس سعيّد من جهة ورئيس الحكومة المشيشي، والتحالف الثلاثي (النهضة – قلب تونس – الكرامة) الداعم له من جهة ثانية، محوره السيطرة على الجهاز التنفيذي. وقد تجلى ذلك بوضوح عندما أقال المشيشي وزير الداخلية المقرب من سعيد الذي كان يستعد للإقدام على حركة تعيينات واسعة داخل أجهزة الداخلية. وسرّع هذا في وتيرة الإقدام على تعديل وزاري كانت نتيجته بناء تحالف حزبي واضح خلف المشيشي، وإرسال رسالة مفادها أن على الرئيس الاكتفاء بصلاحياته.
  • المشيشي وحكومته أمام خيارات محدودة لتجاوز عقبة أداء اليمين الدستورية التي وضعها الرئيس سعيد؛ فإما أن يتجه نحو إعفاء الوزراء الجدد المتهمين بشبهات الفساد، أو أن يحاول فرضهم من خلال القفز على بروتوكول أداء اليمين ونشر قرارات التعيين في الجريدة الرسمية، وهو ما سيعتبر سابقة خطيرة في تاريخ تونس السياسي، أو أن يضطر للاستقالة. ويبدو أن سيناريو إعفاء الوزراء الجُدُد أو تنازلهم عن مناصبهم الأقرب للحصول، باعتباره الأخف ضرراً لجميع الأطراف.
  • في المقابل، يمكن أن يُضحِّي التحالف الداعِم للمشيشي، وفي قلبِهِ حركة النهضة، بالرَّجُل من أجل كسب المعركة ضد الرئيس سعيّد من خلال سحب الثقة من حكومة المشيشي وتقديم مرشح آخر من الحزب الأغلبي في البرلمان من أجل تشكيل حكومة سياسية.
  • وبغضّ النظر عن مصير حكومة المشيشي، والصراع القائم بين الرئيس ورئيس الحكومة، فإن هذه الأزمة قد وضعت النظام السياسي الذي أرساه دستور 2014، برمته في موضع المُساءَلة والنقد والدعوة للتجاوز حتى من الأطراف التي شاركت في صياغته ودعمت وضعه. ويبدو أن تونس ستشهد على المديين المتوسط والبعيد تحولات سياسية جذرية تتعلق بتعديل نظامها السياسي، إما نحو نظام رئاسي أو برلماني خالِص.

الهوامش

[1] حكومة الحبيب الجملي التي فشلت في نيل الثقة من البرلمان، وحكومة إلياس الفخفاخ التي أطيح بها بعد اتهامات بالفساد، وحكومة هشام المشيشي التي حصلت على ثقة البرلمان في بداية سبتمبر 2020.

[2] شمل التعديل 11 حقيبة وزارية، ضَمَّت كلاً من: يوسف الزواغي، لوزارة العدل، بينما تولى حقيبة الداخلية وليد الذهبي، ووزير أملاك الدولة والشؤون العقارية عبد اللطيف الميساوي، وزير الصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة رضا بن مصباح. وشغل وزارة الطاقة والمناجم سفيان بن تونس، وتولى شهاب بن أحمد وزارة الشؤون المحلية والبيئة، وتولى وزير التكوين المهني والتشغيل يوسف فنيرة، ووزير الشباب والرياضة زكرياء بلخوجة، ووزير الفلاحة والصيد البحري والموارد المائية أسامة الخريجي.

[3] "قيس سعيد: لتونس رئيس واحد يمثلها في الداخل والخارج"، سكاي نيوز عربية، 24 مايو 2020. https://bit.ly/3aKLIxO

[4] "تونس... الخلافات بين الغنوشي وسعيد بدأت تأخذ مسارا تصاعدياً"، سكاي نيوز عربية، 26 يوليو 2020. https://bit.ly/2Ob8gQr

[5] يشير الفصل 118 من الدستور التونسي إلى أن "المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة تتركّب من اثني عشر عضواً من ذوي الكفاءة، ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون الذين لا تقل خبرتهم عن عشرين سنة. يُعيِّن كل من رئيس الجمهورية، ومجلس نواب الشعب، والمجلس الأعلى للقضاء، أربعة أعضاء، على أن يكون ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون. ويكون التعيين لفترة واحدة مدّتها تسع سنوات". انظر: https://bit.ly/3p294nG

[6] النص الكامل للقانون الأساسي الانتخابي التونسي، متاح على: https://bit.ly/36S3RIP

[7] طرحت القوى السياسية المساندة لرئيس الحكومة هشام المشيشي فكرة تطبيق "نظرية الإجراء المستحيل" التي تُعتمد في القانون الإداري في ظل غياب مخرج دستوري، وهي أشبه بحكم الأمر الواقع.

[8] قال مستشار لرئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية نُشِر في مطلع فبراير الجاري، إن هذا السيناريو مطروح على طاولة النقاش. انظر: https://bit.ly/2YXTK0v

[9] المصدر السابق.

[10] صرَّح الرئيس التونسي قيس سعيّد خلال لقائه أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، في 3 فبراير الجاري، قائلاً: "مستعدون لكل الحلول، ولكني لست مستعداً للتراجع عن المبادئ ولينظروا في طبيعة اليمين على القرآن في الإسلام... تعهّدت أمام ربي أن أكون في خدمة الشعب، وأني لن أكون في خدمة هؤلاء الذي يسعون للإطاحة بالدولة". انظر: https://bit.ly/3rI8Zax

[11] دعا رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، في نهاية يناير الماضي، إلى ضرورة إقامة "نظام برلماني كامل"، لتجاوز أي إشكالات قد تحدث جراء "المزج بين النظامين الرئاسي والبرلماني" المعمول به في البلاد حالياً. وأقرَّ الغنوشي بأن "الإشكالية في تونس اليوم هي المزج بين النظامين الرئاسي والبرلماني، ونحن نفترض في نظام برلماني دور رئيس الدولة رمزي وليس إنشائي". واعتبر أن "الدرس الذي نخلص إليه هو ضرورة إقامة نظام برلماني كامل فيه فصل حقيقي بين السلطات، والسلطة التنفيذية تكون في يد الحزب الفائز في الانتخابات، وهو الذي يقدم رئيساً للوزراء". انظر: https://bit.ly/3q400Qw

 

أحدث المواضيع المميزة