مستقبل الصراع الإقليمي على أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي

أحمد دياب | 27 يوليو 2020

بعد نحو عشرين عاماً من القتال في أفغانستان، وبعد مفاوضات دامت أكثر من عام، وقَّع الأمريكيون في 29 فبراير 2020، على اتفاقية سلام مع حركة "طالبان". وبموجب تلك الاتفاقية، ستنسحب القوات الأمريكية من أفغانستان، حيث أعلن الرئيس ترامب أنه ينوي سحب كافة الجنود الأمريكيين المتمركزين في أفغانستان، ويناهز عددهم الـ12 ألف جندي، بحلول مايو 2021، وذلك في مقابل ضمانات قدمتها حركة "طالبان" تتضمن تعاونها في مكافحة الإرهاب، وتعهُّدها بالتفاوض على اتفاق دائم لوقف إطلاق النار وتقاسم السلطة مع حكومة كابول.    

وفي ظل الحقائق والأوضاع المعقدة التي ستترتب على الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، تلوح في الأفق توجهات وسياسات دولية وإقليمية مستجدة بشأن مستقبل هذا البلد؛ فمن المتوقع أن تكون محادثات السلام بين حركة "طالبان" والحكومة الأفغانية معقدة وطويلة الأمد، وقد تستغرق سنوات. وفي حال عدم التوصل لتسوية سياسية بين الحكومة الأفغانية والحركة، فإن الانسحاب الأمريكي يمكن أن يُفجِّر حرباً أهلية واسعة النطاق، تدعم بعض أطرافها قوى إقليمية ودولية، مثل روسيا والصين، اللتين تمتلكان مصالح سياسية واقتصادية وأمنية تلتقي أحياناً وتتعارض أحايين أخري في أفغانستان. كما أن لدولٍ مُجاورة مثل إيران وباكستان والهند مصالحها المتضاربة أيضاً. ومعروف ما للهند وباكستان من نفوذ على الجهات الأفغانية، كما أن لكل منهما آليات ووسائل للتأثير على سير الأوضاع في هذا البلد.

الأهمية الاستراتيجية لأفغانستان

تحتل أفغانستان موقعاً ذا أهمية جيو-استراتيجية حسَّاسة للغاية، فهي تقع في وسط المناطق الآسيوية الرئيسية مثل آسيا الوسطى وجنوب القارة وغربها والشرق الأقصى، ما يجعل منها ومنطقة آسيا الوسطى منطقتين محوريتين للسيطرة على مختلف المناطق الأخرى. وعلى حد تعبير زبيجنيو برجينسكي Zbigniew Brzezinski في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى The Grand Chessboard" الذي نشره عام 1997، فإن كلاً من أفغانستان ومنطقة آسيا الوسطى تمثّلان "محوراً جيوسياسياً"، والمحاور الجيوسياسية هي الدول "التي لا تَستمد أهميتها من قوتها ودوافعها، بل من موقعها الحساس ومن عواقب ظروفها الضعيفة التي تجعلها عُرضة لسلوك اللاعبين الجيواستراتيجيين". 

وتتمتع أفغانستان بموقع جغرافي يجعلها ممر ترانزيت مهماً لصادرات النفط والغاز الطبيعي من وسط آسيا إلى بحر العرب. بالنسبة لخطوط أنابيب الطاقة في أفغانستان، هناك خط تابي (TAPI)، وهو امتداد خط أنابيب الغاز الطبيعي من تركمانستان عابراً أفغانستان إلى باكستان، ثم الهند. والخط الثاني هو خط إيران-باكستان-الهند (IPI). وقبل أيام قليلة من هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، قدَّمت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تقريراً يقول: "يأتي تميز أفغانستان، حسب منظور الطاقة، من موقعها الجغرافي كطريق محتمل لنقل النفط والغاز الطبيعي المُصدَّر من أسيا الوسطى إلى البحر العربي. وتشمل هذه الإمكانية إنشاء خط أنابيب لتصدير النفط والغاز الطبيعي عبر أفغانستان".

وتمتلك أفغانستان موارد وثروات طبيعية عديدة: نفط وغاز، وثروات منجمية كالذهب والنحاس والحديد والكوبالت والليثيوم، إضافة إلى اليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة. وكان الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي قد قدّر قيمة ثروات بلاده بتريليون دولار. واستند في تقديره هذا على عمليات مسح جغرافي قامت بها مؤسسات أمريكية في أواخر عام 2006، وقال في مؤتمر صحفي بالعاصمة الأفغانية كابل عام 2010 إن تلك الثروات لو اُستُغلَّت فإنها سترتقي بأفغانستان إلى مراتب الدول الغنية. وأشارت مذكرة داخلية للبنتاغون الداخلية صادرة في عام 2007 إلى أن أفغانستان يمكن أن تصبح مثل "السعودية في الليثيوم"(1).

ملامح الصراع الدولي والإقليمي على مستقبل أفغانستان

كان الغزو الذي قادته الولايات المتحدة لأفغانستان عام 2001 مدعوماً من قبل معظم دول المنطقة، التي شاركت هدف الإطاحة بنظام "طالبان" المتطرف، والقضاء على تنظيم "القاعدة" الإرهابي المتحالف معه، إذ ساعدت الحكومات في طهران وموسكو وإسلام آباد بسهولة الولايات المتحدة على محاربة الحركتين المتطرفتين؛ فقدمت إيران معلومات استخبارية حاسمة لدعم القوات الخاصة الأمريكية وفرق وكالة المخابرات المركزية التي تدير الغزو، وقدمت روسيا خرائط ومعلومات استخبارية من الحقبة السوفيتية وسمحت لاحقًا للجيش الأمريكي بإرسال الإمدادات إلى أفغانستان عبر أراضيها. وحتى باكستان، الداعم الرئيسي لحركة "طالبان"، عرضت مساعدتها في مطاردة مقاتلي القاعدة وأصبحت خط الإمداد الرئيس لقوات الناتو.

لكن في السنوات التالية، تآكل الإجماع الإقليمي لصالح القوات الأمريكية في أفغانستان. وأصبحت علاقات واشنطن مع العديد من اللاعبين الإقليميين خلافية، وربما عدائية(2).

1.  باكستان ومحاولات تمكين طالبان من الحكم في كابول مُجدداً:

تعود علاقات باكستان بحركة طالبان إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما وفرت الأسلحة والتدريب والاستخبارات لعناصر الحركة. كانت إسلام آباد واحدة من ثلاث دول فقط اعترفت بحكومة طالبان عندما استولت على السلطة في أفغانستان خريف عام 1996. وبعد سقوط نظام طالبان في ديسمبر عام 2001، فر العديد من قادة الحركة إلى باكستان. وربما تكون باكستان أكبر مستفيد من الانسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان؛ فإذا أدى الانسحاب إلى عملية سلام تؤدي إلى تسوية، فإن باكستان ستستفيد، إذ من المحتمل أن يستلزم ذلك حصول "طالبان" على حصة عادلة من السلطة. وإذا انهارت عملية السلام، فإن فرص سيطرة "طالبان" على السلطة في كابول ستكون أقوي(3).

وتعتبر باكستان أن حركة "طالبان" وثيقة تأمين للوصول إلى أهدافها الاستراتيجية الطويلة الأمد في أفغانستان، وهي:

  • قضية الحدود بين أفغانستان وباكستان القائمة على أساس الخلاف حول خط دوراند، الذي يفصل بين المناطق القبلية الباكستانية (خيبر بختونخوا) عن أفغانستان، إذ لم يقبل أي نظام أفغاني، بما في ذلك حكومة برهان الدين رباني في منتصف التسعينيات، شرعية الحدود التي رسمها البريطانيون عام 1893، أو ما يسمى بخط دوراند.
  • واجهت باكستان قضية القومية البشتونية التي طالبت بإقامة دولة باشتونستان منفصلة منذ أربعينيات القرن الماضي. وبالتالي، فإن السيطرة والتأثير على أفغانستان من قبل حكومة يسيطر عليها البشتون (حركة طالبان بشكل أساسي) من شأنه أن يقلل الطلب (داخل باكستان) على البشتون المنفصلة.
  • ترى باكستان أن وجود حكومة موالية لباكستان في أفغانستان ضروري لتقويض النفوذ الهندي في هذا البلد.
  • وفي الوقت الحاضر، جلبت الصفقة بين الولايات المتحدة وطالبان أرباحاً دبلوماسية ومالية واستراتيجية لباكستان؛ إذ إنها تعتز بإحياء الدعم الأمريكي والاعتراف بدورها كمُيسِّر للصفقة. ومن المؤكد أن باكستان تعتبر طالبان شريكاً موثوقاً به مقارنة بالقيادة السياسية الممزقة في أفغانستان(4).

2. الهند بين مخاطر "طالبان" ومكاسب باكستان:

حققت الهند نفوذاً متنامياً في أفغانستان منذ إطاحة واشنطن بنظام طالبان الموالي لباكستان نهاية عام 2001، واعتمدت الهند في هذا الإطار على تقديم المساعدات والاستثمارات لحكومة كابول، والتي بلغت نحو 3 مليارات دولار. وسعت الهند إلى تطوير علاقة شراكة مستقرة مع نظام ما بعد طالبان، وهو ما دشَّنه توقيع اتفاق شراكة بين الجانبين في أكتوبر 2011 (5).

لكن الهند ردت بحذر على الاتفاقية التي وقعتها واشنطن مع طالبان في نهاية فبراير 2020، ودعت نيودلهي إلى تسوية سياسية دائمة من خلال عملية تديرها أفغانستان ويسيطر عليها الأفغان، ولم تكن متحمسة مطلقاً لتقارب واشنطن مع "طالبان". وتنظر الهند إلى التطورات الأفغانية الأخيرة بخوف مبرر في الغالب، حيث تساور الهند هواجس وقوع انتفاضة كشميرية عشية الانسحاب الغربي من أفغانستان كما شاهدتها بأم العين عشية الانسحاب السوفيتي 1989؛ فالجماعات الإسلامية المسلحة التي تقاتل في أفغانستان ستبحث لها عن أرضية جديدة لممارسة عملياتها، ولن تجد أقرب من كشمير؛ نظراً للتشاطر الديني والعرقي واللغوي والجغرافي مع الكشميريين(6).

ومن ناحية ثانية، فإن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان سيُحدِث تغييرات في ديناميات جنوب آسيا، خصوصاً أن الولايات المتحدة استخدمت باكستان نقطة انطلاق للتوصل إلى اتفاق سلام مع "طالبان". وهناك شعور قوي بأن الهند هي الخاسر الرئيس في صفقة ترامب مع "طالبان". فهذه الصفقة، أولاً، تُعزز من وضعي باكستان و"طالبان"، وبالتالي ستخلق بيئة معاكسة على الحدود الغربية للهند. وثانياً، أضعفت الصفقة حكومة غني، والتي قد تتلاشى قريباً من الوجود، في ظل إمكانية تشكيل حكومة تكون "طالبان" جزءاً أساسياً فيها، ما يعني أن دور الهند سيتضاءل إلى حد كبير في تنمية أفغانستان(7).

 3. إيران بين الانفتاح علي طالبان ودعم التحالف المضاد لها:

من المعروف أن طهران ناصبت طالبان العداء منذ سيطرة الأخيرة على السلطة في كابول عام 1996، وكانت إيران وطالبان على حافة الحرب عام 1998، بعد مقتل ثمانية دبلوماسيين إيرانيين في مدينة مزار شريف الأفغانية. ودعمت طهران التحالف الشمالي المناهض لطالبان قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2001. كما دعمت إيران حلفاءها التقليديين في أفغانستان - الأقلية الشيعية الهزارية والطاجيك. لذلك رحبت طهران بإسقاط واشنطن نظام طالبان في نوفمبر عام 2001، وساهمت بطريقة أو بأخرى في صنع هذا الحدث.

لكن طهران مع هذا بذلت، خلال السنوات القليلة الماضية، جهوداً حثيثة لبدء علاقة جديدة مع "طالبان"، وذلك لعدة أسباب:

فمن ناحية أولي، دفع صعود تنظيم "داعش" العدوين اللدودين إيران وحركة طالبان الأفغانية إلى التحالف لمواجهة خطر تمدد التنظيم؛ فإيران تسعى إلى تأمين حدودها الممتدة لـ572 ميلاً مع أفغانستان وإقامة منطقة عازلة، تمتد من ولاية هلمند جنوب أفغانستان إلى مقاطعة قندوز شمال البلاد، وتسيطر طالبان على أجزاء كبيرة من المحافظتين. وتعتقد إيران أن التهديد المتمثل في طالبان أقل من التهديد الذي يمثله "داعش" في أفغانستان.

ومن ناحية ثانية، تحاول طهران أن يكون لها دور في مستقبل أفغانستان، عبر الانفتاح على كافة مكوناته وقواه، بما فيها "طالبان"، بالنظر إلى استمرار قوة الحركة وفعاليتها في توازنات الداخل الأفغاني. وبدورها، لا تنفي حركة طالبان صلتها بالحكومة الإيرانية، وتعتبر ذلك جزءاً من علاقات نشأت ضمن تفاهم إقليمي، وقد استنكرت الحركة قتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس، الذي وجهت له الإدارة الأمريكية اتهامات بدعم طالبان مالياً ولوجستياً(8).

 4. روسيا بين محاربة الإرهاب واحتواء طالبان:

على مدى أكثر من عقد من الزمان بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بواشنطن لتحملها "عبء" مكافحة الإرهاب في أفغانستان وحثها على شن "حملة حتى النهاية". لقد كانت روسيا تنظر منذ فترة طويلة إلى "طالبان" كتهديد إرهابي كبير، ومن سنة 2009 إلى 2015 كانت روسيا عبارة عن ممر تزويد حيوي للقوات الأمريكية التي تقاتل طالبان في أفغانستان، وحتى أنها ساهمت بمروحيات عسكرية في هذا الجهد.

لكن حدث في وقت لاحق تحول كبير في العلاقة بين روسيا حركة "طالبان"، حيث أصبح الطرفان "حليفين". وجعلت تقلبات السياسة من عدو الأمس صديق اليوم؛ فموسكو متوجسة من انتقال خطر تنظيم "داعش" إلى جمهوريات آسيا الوسطى، ومن ناحية ثانية، ساهم توتر العلاقات الروسية مع الغرب وفرض عقوبات اقتصادية مشددة على موسكو بعد قرارها ضم شبه جزيرة القرم سنة 2014، في هذا التقارب بين روسيا و"طالبان". وفي واقع الأمر فإن روسيا تتبادل الأدوار مع الولايات المتحدة في أفغانستان(9).

وفي العامين الماضيين، استضافت موسكو مؤتمرين دوليين حول عملية السلام الأفغانية، دعت إليهما قادة "طالبان" وأطراف المعارضة الأفغانية. وفي يوليو الجاري (2020)، ذكرت وسائل الإعلام الأمريكية أن وحدة المخابرات العسكرية الروسية عرضت مكافآت سرية لـ"طالبان" إذا قتلت القوات الأمريكية أو قوات الناتو في أفغانستان. وبرغم أن موسكو وطالبان نفيا صحة هذه التقارير، لكن الكشف ساهم في تسليط الضوء على تعاملات موسكو الغامضة في أفغانستان. ويبدو أن مصالح روسيا في أفغانستان ذات شقين حالياً: احتواء " طالبان" لتجنُّب انفجار الفوضى على حدود ما تعتبره مجال نفوذها في آسيا الوسطى، واستخدامها كفرصة لإثبات وتأكيد ادعائها بأنها قوة عظمى(10).

 5. الصين بين مكافحة الإرهاب وتوسيع الاستثمارات:

بعد انسحاب القوات الأمريكية، قد يُتوقع من الصين أن تلعب دوراً أكثر نشاطًا، وترغب بكين في تحقيق هدفين رئيسين على الأقل:

 أولاً، تريد الصين منع أي اتصال بين حركة "طالبان" والمتشددين المسلمين من طائفة الأويغور الذين يسعون للاستقلال عن الصين، لاسيما وأن "حركة تركستان الشرقية الإسلامية"؛ وهي حركة لمقاتلين من الأويغور في إقليم شينجيانغ الصيني، تنشط حالياً في أفغانستان(11).

وثانياً، تسعى الصين إلى توسيع نفوذها وروابطها مع أفغانستان في إطار مشروعها العالمي الطموح "حزام واحد، طريق واحد". وتعد الصين الآن أكبر شريك تجاري لأفغانستان، وأكبر مستثمر في مشروعات هذا البلد، ولهذا فإن استقرار أفغانستان يمثل مصلحة صينية. وترى بكين أن أفغانستان هي حلقة الوصل الرئيسة بين جمهوريات آسيا الوسطى والممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، إذ توفر أفغانستان أقصر طريق بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وبين الصين والشرق الأوسط؛ ويمكن أن يكون بمثابة بوابة لبحر العرب.

ومن المرجح أن تعمّق الصين شراكتها الاستراتيجية مع باكستان وأفغانستان لتشكيل "مجموعة بامير" من أجل إنشاء طريق حرير جديد يربط القوقاز بغرب الصين. وتاريخياً، اعتُبرت جبال بامير طريقاً تجارياً استراتيجياً بين كاشجار في الصين، وكوكاند في أوزبكستان على طريق الحرير الشمالي.

ولتحقيق أهدافها، واصلت بكين التعامل الإيجابي مع حركة طالبان التي تسيطر على أكثر من نصف أراضي أفغانستان. وزادت هذه العلاقات خلال العامين الماضيين، فعلى سبيل المثال، قام ممثلو طالبان بزيارتين على الأقل إلى بكين (في يونيو وسبتمبر 2019) لإجراء محادثات مع مسؤولين صينيين.

وتتمتع الصين، جغرافياً وجيوسياسياً، ببيئة مواتية لزيادة نفوذها في أفغانستان، حيث تشترك الصين في حدود صغيرة مع أفغانستان من خلال ممر واخان (70 كيلومتراً)، علاوة على ذلك، تتمتع القوى الإقليمية المحيطة بأفغانستان بعلاقات جيدة بشكل عام مع الصين، وتُفضِّل مشاركة الصين المتزايدة في البلد الذي دمرته الحرب: فباكستان مثلاً هي أقرب حليف استراتيجي للصين، وتستضيف برنامج الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC) الضخم، في حين تسعى إيران إلى تعميق علاقاتها الاستراتيجية مع الصين وسط تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة، وطاجيكستان هي من بين الدول التي انضمت لأول مرة إلى مبادرة الحزام والطريق (BRI).(12)

الاحتمالات والتصورات

  • يعتقد معظم المتابعين للشؤون الأفغانية أن الانسحاب الكامل للقوات العسكرية الدولية سيؤدي إلى نشوب حرب أهلية أفغانية أعنف مما هي عليه الآن. ووفقاً لهؤلاء، فإن مقاتلي "طالبان" البالغ عددهم نحو 60 ألف مقاتل، والميليشيات المختلفة، وما تبقّى من الجيش الأفغاني، سوف يتنافسون كلهم على السلطة في الداخل وعلى السيطرة على كابول، لتبدأ بذلك الحرب الأهلية التي قد تدور رحاها بين "طالبان" التي يسيطر عليها البشتون، وبين ما يُعرف بـ"التحالف الشمالي" ويتألف بالدرجة الأولى من الطاجيك والأوزبك في الشمال، والهزارة الشيعة في وسط أفغانستان.
  • من شبه المؤكد أن تنهار الحكومة الأفغانية الحالية في حال سحب المجتمع الدولي دعمه المالي الراهن أو وجد صعوبة كبيرة في توزيعه لأسباب مختلفة. والجدير بالإشارة هنا أن الحكومة الأفغانية السابقة المدعومة من الاتحاد السوفياتي صمدت عند الانسحاب العسكري السوفياتي عام 1989، لكنها عادت وانهارت عام 1992 حين أوقفت موسكو دعمها المالي عنها.
  • من شأن الحرب الأهلية المطولة أو انهيار الحكومة المركزية الأفغانية أن يؤجج العداوات الإقليمية، لاسيما بين إيران والصين وروسيا والهند. فمع انسحاب التحالف الدولي، من المحتمل أن تنفجر منافسة جيو-استراتيجية كبيرة حول أفغانستان بين قوى خارجية تسعى إلى زيادة نفوذها في هذا البلد كما حصل في تسعينيات القرن الماضي، وربما تفضل إيران الطاجيك والهزارة، وتركيا الأوزبك، فيما قد تقدم دولٌ مثل روسيا، والهند، وجمهوريات آسيا الوسطى الأخرى، وربما الولايات المتحدة الدعم لجميع أطراف التحالف الشمالي.
  • في المقابل، فإن باكستان، قد تحاول توسيع نفوذها في أفغانستان من خلال جماعة البشتون الأفغانية، بمن فيها "طالبان" (يمثلون نحو 40 في المائة من السكان، وهم تقليدياً أكبر مجموعة عرقية في البلاد). لكن من غير المحتمل أن تدعم إسلام أباد "طالبان" بالقوة نفسها التي دعمتها بها في التسعينيات حين أرسلت ضباطاً عسكريين لمساعدتها في الاستحواذ على أكثر من 90% من البلاد، إذ باتت باكستان تحتوي اليوم على تنظيمها المعارض الخاص على عكس فترة التسعينيات. ويرى بعض الخبراء المعنيين بالشؤون الأفغانية أن دعم إسلام أباد لحركة "طالبان" الأفغانية سيكون مدروساً بشكل أكبر، وستفضِّل تحالفاً ضعيفاً مؤلفاً من القوى المختلفة الموجودة في كابل(13).
  • ومن ناحية أخرى، فإن أحد الآثار الرئيسة للاتفاق بين واشنطن و"طالبان"، أن الأخيرة لن تعتمد بعد الآن على باكستان في توفير ملاذات آمنة لها. وتدرك "طالبان" أن غالبية الأفغان يتطلعون إلى أمة إسلامية معتدلة، تكون سلمية ومزدهرة ومتصلة بالمنطقة والعالم. وتريد العناصر المعتدلة في "طالبان" أن تكون الهند شريكاً استراتيجياً وقوة موازنة لنفوذ باكستان. أما بالنسبة للمقاتلين الأجانب في أفغانستان وعلاقاتهم بالمنظمات الإرهابية التي تتمحور حول الهند، مثل جماعة "عسكر طيبة" و"جيش محمد"، فإن طالبان لم تقل أبداً أنها تريد تصدير "جهادها" خارج أفغانستان، ولا تريد لأي منهم التخطيط له من داخل أفغانستان. وتاريخياً، كان للهند أيضاً روابط مع الأفغان من خلال التجارة والثقافة، حيث إن الشباب الأفغاني يرتبط ببوليوود والكريكيت. والأهم من ذلك، فإن طريقة حياة البشتون أقدم من الإسلام، ولا تزال سائدة في الغالب بين قبائل البشتون، أو الباثان، كما هو معروف في الهند(14).
  • مع الاعتراف بأن أفغانستان دولة تنقصها الحداثة، وما زالت الولاءات القبلية والعرقية والمذهبية فاعلة داخلها، فمن المحتمل ألا تستمر بوصفها دولة مركزية موحدة. إذ لم تنجح محاولات إقامة حكم مركزي للبلاد إلا نادراً، ولفترات قصيرة. فالأفغان مُجمعون على التفاني من أجل بقاء بلدهم مستقلاً لكنهم منقسمون عندما يتعلق الأمر بالتبعية لحكومة مركزية. ويرى بعض دوائر صناعة القرار في الغرب أن التوجُّه أو التصور الذي قد يأتي بحل، هو أن تصبح أفغانستان دولة "لا مركزية"، تخلق توازناً بين المركز والأطراف، وتحفظ حقوق كل مكونات الشعب الأفغاني في صناعة القرار السياسي واقتسام الموارد، وتُرضي دول الجوار في سعيها للمحافظة على نفوذ حلفائها وامتداداتها العرقية والمذهبية في المعادلة الأفغانية.
  • إن السبيل الوحيد لحل المشكلة الأفغانية لن يحصل إلا بـ "تحييدها"، أي امتناع القوى الإقليمية والدولية عن التدخل في شؤون أفغانستان، والاكتفاء بدرء خطر التطرف والإرهاب وتجارة الأفيون والمخدرات المنطلقة من أراضيها، وهو خطر يحظى بالإجماع بين الأطراف الإقليمية والدولية. وكان مبعث التأييد الذي حصلت عليه واشنطن في حربها ضد "طالبان" و"القاعدة" غداة هجمات سبتمبر 2001. وفي الوقت نفسه، يجب القيام بجهد دولي تحت رعاية الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي لإعادة إعمار أفغانستان وتوفير الاستقرار السياسي والأمني لها، لاسيما إذا اتفقت الدول الرئيسة المجاورة لأفغانستان على الالتزام بسياسة ضبط النفس ومحاربة الإرهاب، والاستفادة من دروس التاريخ التي تؤكد فشل الجهود الأحادية لبسط الهيمنة على أفغانستان في مواجهة تدخل قوى خارجية(15).  

الهوامش

(1) "لماذا تتهافت الدول العظمى على المستنقع الأفغاني؟"، مسار أونلاين للدراسات الجيوسياسية، الأربعاء 11 سبتمبر 2019، متاح على الرابط: https://bit.ly/39urEOW

(2) Frud Bezhan, As US Moves To Exit Afghanistan, Rivals Prepare To Swoop In, Eurasia Review, July 13, 2020, available at: https://www.eurasiareview.com/13072020-as-us-moves-to-exit-afghanistan-rivals-prepare-to-swoop-in-analysis

(3) .Idem

(4) Shalini Chawla, Pakistan’s Afghanistan Policy And A Troubled Peace Process, Eurasia Review, May 6, 2020, available at:  

https://www.eurasiareview.com/06052020-pakistans-afghanistan-policy-and-a-troubled-peace-process-analysis

 (5) محمد فايز فرحات، "الصراع القادم على أفغانستان"، العين الإخبارية، 2019/5/9، متاح على الرابط: https://al-ain.com/article/afghanistanindiachina

 (6) ذِكْرُ الرحمن، "الانسحاب من أفغانستان.. وخطر عودة طالبان"، الاتحاد، 01 فبراير 2014، متاح على الرابط: http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=77210

(7) براكريتي غوبتا، "الهند.. والحيرة من التورط في المستنقع الأفغاني"، الشرق الأوسط، 25 مارس 2020، على الرابط: https://bit.ly/30PzdvV

(8) أبعاد التوغل الإيراني في أفغانستان، برق، 3 فبراير 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3jJi9jL

(9) أحمد طاهر، "روسيا والأزمة الأفغانية"، مجلة المجلة، 31 أغسطس 2018، متاح على الرابط: https://bit.ly/2X1Sp8r

(10) Frud Bezhan, op. cit.

(11) بيتر كورزون، "لماذا تبني الصين قاعدة عسكرية في أفغانستان؟"، الخليج، 04/02/2018، متاح على الرابط: http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/fd068234-ca89-4d26-998d-9609fab8fdcd

(12) Syed Fazl-e Haider, China’s Deepening Diplomatic and Economic Engagement in Afghanistan, April 1, 2020, available at: https://jamestown.org/program/chinas-deepening-diplomatic-and-economic-engagement-in-afghanistan

(13) توماس باركر، "التداعيات الإقليمية لانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان"، معهد واشنطن، 15 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://www.washingtoninstitute.org/ar/fikraforum/view/USA-Troops-Military-Pullout-Afghanistan-Taliban

(14) Sumeer Bhasin, US-Taliban Deal: India In Strategic Role – Analysis, Eurasia Review ,March 11, 2020, available at: https://www.eurasiareview.com/11032020-us-taliban-deal-india-in-strategic-role-analysis

(15) أحمد دياب، "حياد أفغانستان ومبدأ الحرمان المتبادل"، الحياة اللندنية، 4/4/2009، متاح على الرابط: https://www.sauress.com/alhayat/4431

أحدث المواضيع المميزة