صُنْع السياسة الخارجية في السودان: المحددات والأدوار

مركز الإمارات للسياسات | 13 سبتمبر 2020

فرضت اعتبارات التوازنات الداخلية في السودان في أعقاب سقوط الرئيس عمر البشير تأسيس نظام سياسي تتعدد فيه مراكز اتخاذ القرار، سواء من الناحية الدستورية، أو من الناحية الواقعية. وقد انعكس هذا الوضع بوضوح على عملية صنع السياسة الخارجية للسودان خلال العام الماضي، ليتشكل واقع جديد، يثير تساؤلاً ملحاً بشأن "مَنْ يَصنع السياسة الخارجية للسودان؟". وتساهم الإجابة على هذا التساؤل في التوصل للمداخل الأكثر ملاءمة للتعامل مع هذه الدولة المهمة في المجالين العربي والأفريقي.

المحددات

يسهم العديد من المحددات في تحديد طبيعة وحجم الإسهام الذي يقدمه كل من شركاء الحكم في السودان في عملية صنع السياسة الخارجية، وذلك على النحو التالي:

1. المحدد الدستوري

أولت الوثيقة الدستورية التي نتجت عن توافق المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير السياسة الخارجية اهتماماً خاصاً، حيث ألزمت في المادة الثالثة عشرة من فصلها الثاني الخاص بمهام المرحلة الانتقالية هيئات الحكم الانتقالي بمهمة "وضع سياسة خارجية متوازنة تحقق المصالح الوطنية العليا للدولة وتعمل على تحسين علاقات السودان الخارجية وبنائها على أسس الاستقلالية والمصالح المشتركة بما يحفظ سيادة البلاد وأمنها وحدودها".[1]

لكن من بين المشكلات التي تعاني منها عملية صنع القرار الخارجي في السودان إقرار الوثيقة الدستورية في الفصل السادس عشر الخاص بالأحكام المتنوعة في مادته الخامسة قيام مجلسي السيادة والوزراء بتمثيل الدولة خارجياً وفق صلاحيات كل مجلس، الأمر الذي يسمح للجهتين بممارسة مهام متعددة تتعلق بالسياسة الخارجية للسودان.[2]

وبالنظر لتفاصيل نصوص الوثيقة بشأن تحديد مهام كل من مجلسي السيادة والوزراء في المجال الخارجي، يلاحظ أن الفصل الرابع المحدد لمهام المجلس الانتقالي أقر قيامه بعدد من المهام الخارجية تتمثل في اعتماد سفراء السودان في الخارج بترشيح من مجلس الوزراء وقبول اعتماد السفراء الأجانب لدى السودان، والتوقيع على الاتفاقيات الدولية والإقليمية بعد المصادقة عليها من المجلس التشريعي الانتقالي.[3] لكن في المقابل أقر الفصل الخامس المحدد لصلاحيات مجلس الوزراء ابتدار مشروعات القوانين ومشروع الموازنة العامة والمعاهدات الدولية والاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف.[4]

2. المحدد الشخصي

من بين المحددات المهمة لمشاركة الأطراف السودانية المختلفة في عملية صنع السياسة الخارجية يبرز المحدد الشخصي، خاصة في ظل الوضع الانتقالي الذي تمر به البلاد، والذي يجعل عملية صنع السياسة الخارجية متحررة نسبياً من القواعد الإجرائية المنتظمة ومتأثرة بصورة أكبر بالخبرات السابقة والقدرات التي يتمتع بها عدد من القيادات السودانية في مواقع مختلفة.

فعلى سبيل المثال، يلاحظ إسناد العديد من الأدوار الخارجية المهمة داخل المجلس السيادي الانتقالي لنائب رئيس المجلس الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وليس لرئيس المجلس الفريق أول عبد الفتاح البرهان. وترجع هذه الظاهرة بالأساس لانخراط قوات الدعم السريع تحت قيادته في تنفيذ عملية الخرطوم Khartoum process منذ عام 2014 وهو برنامج تم بالشراكة بين الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الأفريقية لمكافحة الهجرة غير الشرعية، لعبت فيه قوات الدعم السريع دوراً بارزاً في قطع طرق تهريب المهاجرين غير الشرعيين، مما منح حميدتي اتصالاً مباشراً بالجانب الأوروبي لأكثر من خمس سنوات سبقت سقوط البشير[5]، هذا بجانب مشاركة قوات الدعم السريع في دعم العملية العسكرية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية.[6]

وبالمثل، فعلى جانب مجلس الوزراء الانتقالي برز دور وزير الدولة بوزارة الخارجية عمر قمر الدين، في حين لم يظهر دور وزيرة الخارجية أسماء محمد عبد الله بالقدر الكبير في قضايا عديدة. ويعتبر عمر قمر الدين أحد رموز النضال الدارفوري ضد عمر البشير من الخارج، فقد عمل في منصب كبير منسقي السياسات بمنظمة كفاية بالولايات المتحدة الأمر الذي منحه موقعاً قريباً من دوائر صنع القرار الأمريكية، خاصة بعدما أدلى بشهادته أمام الكونجرس الأمريكي عام 2011 بشأن أحداث دارفور موصياً بدعم المعارضة السودانية. وقبل عودته للسودان ظهر قمر الدين في الكونجرس الأمريكي في مايو من عام 2019 وهو يتلو مشروع قرار لدعم الثورة السودانية تبنته لجنة الشؤون الخارجية ينص على دعم الانتقال السريع للحكم المدني.[7]

وفي المقابل، جاء تعيين أسماء محمد عبد الله في منصب وزيرة الخارجية في سبتمبر 2019 لاعتبارات تكريمية وتمثيلية كونها المرأة الوحيدة التي تتولى إحدى الوزارات السيادية، حيث تم فصلها من العمل الدبلوماسي عام 1991 بموجب قانون الفصل للصالح العام لتبتعد تماماً عن العمل السياسي منذ ذلك الوقت. كما أنه لم يسبق لها خلال فترة عملها تولي مناصب مؤثرة في الخارجية السودانية، إذ لم تتجاوز سقف تولي منصب سفيرة السودان في أوسلو.[8]

وتبرز خبرة عبد الله حمدوك الطويلة في العمل في المنظمات الدولية لتعزز من تصدره مشهد صناعة القرار الخارجي للسودان، حيث بدأ مسيرة طويلة منذ نهاية الثمانينيات للعمل في المنظمات الاقتصادية والتنموية الأفريقية في زيمبابوي وساحل العاج وأديس أبابا حيث عمل أميناً عاماً تنفيذياً للجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة. [9]

3. المحدد المؤسسي

من بين أهم أسباب تعدد المؤسسات المنخرطة في عملية صنع السياسة الخارجية في السودان منذ سقوط البشير، الضعف الهيكلي الذي تعاني منه وزارة الخارجية السودانية. حيث يقتضي الوضع الطبيعي أن يلجأ الحكم الجديد في السودان للاستعانة بخبرات وزارة الخارجية بصورة مكثفة. لكن هذا الدور لم تكن الخارجية السودانية لتقدر على القيام به بسبب تسييسها المفرط طوال سنوات حكم البشير، بحيث لم تعد مرتبطة بتقاليد دبلوماسية راسخة، بعد أن تعاقب عليها عدد من الوزراء من خلفيات متعددة غير دبلوماسية لم يجمع بينهم سوى الانتماء الأيديولوجي الراسخ لحركة الإنقاذ.*

كما شهدت الخارجية السودانية توسعاً في تعيين صغار الدبلوماسيين والإداريين على أساس الولاء الأيديولوجي، الأمر الذي جعل الخارجية السودانية من أول وأكبر المؤسسات السودانية التي تشهد جهوداً جادة للتخلص من آثار سياسات التمكين. ففي التاسع والعشرين من فبراير 2020 أعلنت لجنة إزالة التمكين محاربة الفساد في السودان إنهاء خدمة 109 دبلوماسي وإداري من وزارة الخارجية تم تعيينهم بواسطة مؤسسة الرئاسة خلال حكم البشير.[10]

على هذا، تبدو مؤسسات كالقوات المسلحة أو قوات الدعم السريع أو حتى رئاسة الوزراء أكثر قدرة على القيام بأدوار أكثر فاعلية في عملية صنع السياسة الخارجية في ظل بساطة نظام عملها الإداري، وعدم معاناتها من تداعيات استمرار حضور أتباع نظام الإنقاذ حتى بعد التغيير على نحو ما تعاني منه وزارة الخارجية.

4. المحدد الخارجي

كان لمحيط السودان الدولي والإقليمي دور مهم في صياغة ترتيبات الحكم في المرحلة الانتقالية، ولا تزال مؤسسات الحكم الانتقالي في السودان تعوِل بقوة على الدعم الدولي لضمان اجتياز هذه المرحلة الصعبة بنجاح. وإذا كان للمتغير الخارجي هذه الأهمية في ضبط التفاعلات الداخلية للسودان، فمن المنطقي أن تنعكس أدواره بالضرورة على سياسة السودان الخارجية. ومن بين مظاهر تأثير المتغير الخارجي على السياسة الخارجية السودانية، منح الأولوية لأطراف داخلية بعينها في تمثيل المصالح السودانية والتفاعل مع المجتمع الدولي بشأن ملفات بعينها.

ويبرز هذا الوضع بقوة في حرص الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن يكون التعامل المباشر بينهما في الملفات المختلفة مع عبد الله حمدوك رئيس مجلس الوزراء الانتقالي على اعتبار أنه يمثل قوى الحرية والتغيير بما يضمن الالتزام بمبدأ "القيادة المدنية" للسودان خلال المرحلة الانتقالية*، من دون أن يعني هذا قطيعة أو خلاف مع المجلس السيادي الذي تقوده حالياً قيادة عسكرية.[11]

ويعد هذا المحدد على وجه الخصوص من أهم محددات الإجابة على سؤال "من يصنع السياسة الخارجية للسودان في المرحلة الانتقالية؟"، ففي الكثير من الحالات يتحدد نصيب كل شريك من شركاء الحكم في السودان وفق رغبة الطرف الخارجي صاحب المصلحة في التعامل مع أي منهم أو تجنب أي منهم، وهو الوضع الناتج عن الهشاشة الكبيرة للوضع الداخلي في السودان والذي ينعكس بوضوح تام على أداء مؤسسات الحكم الانتقالي على الساحة الخارجية.

الأدوار والدوائر

يختلف نمط توزيع الأدوار بين الأطراف المتعددة المشاركة في الحكم باختلاف دوائر نشاط السياسة الخارجية السودانية، وذلك على النحو التالي:

1. الجوار الشمالي والشرقي (مصر وإثيوبيا وإريتريا)

شهدت علاقات السودان بكل من مصر وإثيوبيا وإريتريا ارتفاعاً كبيراً لكثافة التفاعلات ولمستوى التمثيل، كما تعد من النماذج المهمة لاشتراك مختلف مراكز صناعة السياسة الخارجية في تمثيل المصالح السودانية والتعبير عنها. فقد زار القاهرة كل من الفريق أول عبد الفتاح البرهان والفريق أول محمد حمدان دقلو ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك في زيارات متكررة.[12] كما استقبل المسؤولون الثلاثة وفوداً مصرية رفيعة المستوى، الأمر الذي انعكس بصورة إيجابية على العلاقات الثنائية، وقد تكرر هذا الوضع مع أديس أبابا[13] وأسمرة[14].

لكن الجدير بالملاحظة، هو ظهور حالتين استثنائيتين طرأتا على هذا النمط. تتمثل الحالة الأولى في تولي الفريق أول عبد الفتاح البرهان والقوات المسلحة السودانية ملف إدارة النزاع مع إثيوبيا في منطقة الفشقة الحدودية التي تشهد توغلاً لمزارعين إثيوبيين مدعومين بمجموعات مسلحة من عصابات الشفتا. حيث كان البرهان هو من قاد التصعيد السوداني بزيارته لهذه المنطقة، في أبريل[15] كما تضمن بيان المتحدث العسكري السوداني اتهام القوات المسلحة الإثيوبية بتقديم الإسناد الميداني للعصابات في هجمات مايو.[16]

أما الاستثناء الثاني فيتمثل في ملف سد النهضة والذي يتولى رئيس الوزراء عبد الله حمدوك صياغة الموقف السوداني بشأنه، سواء من خلال اتصالاته المباشرة بالقيادات المصرية والإثيوبية، أو بالجانب الأمريكي الذي يدعم جهوده في تسوية الخلافات القائمة[17]. وتأكيداً لهذا الوضع أصدر حمدوك في الثالث والعشرين من يوليو قراراً بتكوين لجنة عليا لمتابعة ملف سد النهضة برئاسته وبعضوية وزراء الري والخارجية والعدل ووزير شؤون مجلس الوزراء ومدير عام جهاز المخابرات العامة ومدير هيئة الاستخبارات العسكرية.[18]

2. الجوار الجنوبي والغربي (جنوب السودان وتشاد)

بجانب ما يفرضه الجوار المباشر على السودان من ارتباطات خاصة بكل من جنوب السودان وتشاد، تأتي علاقة الدولتين بالحركات المسلحة السودانية لتفرض بعداً إضافياً يزيد من حساسية علاقة السودان بهما. فالكثير من الحركات المسلحة في مناطق جبال النوبة وجنوب كردفان والنيل الأزرق ترتبط ارتباطاً عضوياً بالحركة الشعبية لتحرير السودان التي تحكم دولة الجنوب منذ تأسيسها في عام 2011. وبالمثل ترتبط الكثير من الحركات المسلحة الدارفورية بدولة تشاد خاصة مع انتماء الرئيس إدريس ديبي لجماعة الزغاوة التي تعد من أكثر الجماعات انخراطاً في صراع دارفور منذ تفجره عام 2003.  ونظراً لخلفيته كلاعب رئيسي في الصراع في دارفور، وعلاقاته الطويلة بمختلف الحركات المسلحة خلال قيادته لقوات الدعم السريع، يلعب الفريق أول محمد حمدان دقلو الدور الأبرز في صياغة سياسة السودان تجاه حكومتي جنوب السودان وتشاد في ظل دورهما الرئيسي في مفاوضات السلام. على هذا تعددت زيارات (حميدتي) لجوبا[19] ونجامينا[20] واتصالاته بالقيادات السياسية والعسكرية فيهما. ولا يعني الدور الكبير لحميدتي انفراده بإدارة العلاقة بالدولتين، حيث يبرز دور بعض أعضاء المجلس السيادي من العسكريين في هذا المجال في مقدمتهم رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان وشمس الدين الكباشي وياسر العطا.

3. الشرق الأوسط

شهدت هذه الدائرة نشاطاً لمختلف قيادات المرحلة الانتقالية للسودان، وإن اختلفت درجات التنسيق من ملف لآخر في هذه الدائرة.  فقد جاءت السياسة السودانية تجاه السعودية والإمارات على قدر كبير من التنسيق، والذي تمثل في الزيارة المشتركة للبرهان وحمدوك للرياض وأبو ظبي في مشهد لم يتكرر في أي مناسبة أخرى حتى الآن.[21] ويأتي هذا الموقف في ظل الدور المهم والمبكر للدولتين الخليجيتين في دعم المرحلة الانتقالية في السودان، وبسبب تعدد مساحات التلاقي في مصالحهما مع السودان لتشمل الجانبين الاقتصادي (الذي يتولاه حمدوك)، والعسكري والأمني (الذي يهيمن عليه البرهان).

ولكن من بين المظاهر النادرة على الخلاف بشأن السياسة الخارجية، جاء اللقاء الذي تم في الثالث من فبراير من عام 2020 في مدينة عنتيبي الأوغندية بين رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.[22] حيث جاء موقف مجلس الوزراء من لقاء البرهان ونتنياهو على قدر كبير من الحدة، حيث أصدر وزير الإعلام السوداني والمتحدث باسم الحكومة فيصل محمد صالح بياناً أُذيع منتصف ليل الخامس من فبراير تضمن إنكاراً تاماً لعلم الحكومة أو أي من أطرافها بشأن اللقاء قبل وقوعه، مؤكداً أن البرهان قام بهذه المبادرة بصفة شخصية ومن دون استشارة أي طرف، وأنه وحده يتحمل مسؤوليتها، وذلك وفق ما عبر عنه البرهان نفسه في لقاء جمعه بالحكومة بعد عودته من عنتيبي.[23] 

4. القوى الدولية

يعد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك صاحب المساهمة الأكبر في ملف علاقات السودان الدولية خاصة بالولايات المتحدة ودول أوروبا. وعلى الرغم من رفض الكثير من الأطراف الدولية الرئيسية اعتبار تدخل المؤسسة العسكرية في السودان للإطاحة بالبشير "انقلاباً عسكرياً"، إلا أن هذه الأطراف كانت واضحة بشأن الإفصاح المباشر عن رغبتها في إسناد الحكم في المرحلة الانتقالية لحكومة يقودها مدنيون حتى وإن شهدت مشاركة للعسكريين بداخلها، وهو ما ظهر بوضوح في اتفاق تقاسم السلطة الموقع في أغسطس من عام 2019. وعلى هذا الأساس ذهبت الحكومة الأمريكية والعديد من حكومات الدول الأوروبية للانفتاح على عبد الله حمدوك رئيس مجلس الوزراء الانتقالي باعتباره الممثل الأول للسودان في المرحلة الانتقالية. وتشير الملفات التي تم مناقشتها خلال زيارة حمدوك لواشنطن في ديسمبر 2019 إلى تعامل الولايات المتحدة معه باعتباره الشريك الرئيسي في علاقتها بالسودان والتي لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل شملت أبعاداً سياسية وأمنية متعددة. [24]

ولم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للدائرة الأوروبية، فبعد أيام قلائل من توليه السلطة، تلقى عبد الله حمدوك دعوة رسمية من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لزيارة باريس[25] والتي كانت أولى محطاته الأوروبية في الثلاثين من سبتمبر من عام 2019، وهي الزيارة التي شهدت تقديم دعم مالي وسياسي كبير لحمدوك.[26] وبجانب تمثيله السودان في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر بعد انقطاع طويل تسبب فيه استحالة استقبال الولايات المتحدة للبشير على أراضيها، مثل حمدوك السودان أيضاً في عدد من الفعاليات المهمة مثل قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير الماضي،[27] ومؤتمر المانحين الذي عقد بتقنية الاتصال المرئي عن بُعد في يونيو من عام 2020.[28]

حدود التنافس بين دوائر صنع القرار الخارجي

على الرغم من تعدد مراكز اتخاذ قرارات السياسة الخارجية في السودان خلال المرحلة الانتقالية، إلا أن الوقائع الدالة على تنافس أو تباين حاد بين هذه المراكز ظلت نادرة واستثنائية، حيث يظل نمط توزيع الأدوار التوافقي بين هذه المراكز من حيث القضايا والمناطق الجغرافية هو النمط الأكثر شيوعاً. وإذا كانت مظاهر الصدام بين المسؤولين السودانيين في ملفات السياسة الخارجية ظاهرة غير شائعة في المرحلة الحالية، إلا أن هذا الوضع لا يعني بالضرورة وجود آليات تنسيقية فاعلة وقنوات تشاورية مفتوحة بين هؤلاء المسؤولين، فالراجح أن كل طرف يلتزم بالعمل في الملفات الخارجية التي قبلت الأطراف الأخرى إسنادها إليه باعتبارها "حصة" مشروعة له، وهو الوضع الذي قد يتسبب في صدامات بين هؤلاء المسؤولين مستقبلاً بسبب طول مدة المرحلة الانتقالية من ناحية، وبسبب تعقد ملفات السياسة الخارجية من ناحية أخرى. ويمكن الخروج بعدد من الاستنتاجات التفصيلية على النحو الآتي:

  1. من الناحية الكمية، يعد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك المسؤول السوداني الأكثر حضوراً في غالبية ملفات السياسة الخارجية. حيث يحتكر حمدوك عملية صياغة السياسة الخارجية السودانية في بعض الملفات المهمة مثل العلاقة بالولايات المتحدة وأوروبا، أو قيادة السودان في مفاوضات سد النهضة. كما يشارك بفاعلية في ملفات أخرى كالعلاقة بدول الجوار والعلاقة بدول الشرق الأوسط.
  2. من بين أعضاء مجلس الوزراء الانتقالي يبرز دور وزير الدولة بوزارة الخارجية والمرشح لتولي منصب وزير الخارجية عمر قمر الدين. كما يلعب وزير الري ياسر عباس الدور الأبرز في التعبير عن وجهة النظر السودانية في ملف سد النهضة، بما في ذلك بعض الجوانب غير الفنية كالجوانب القانونية والسياسية.
  3. بحكم الاختصاص، يمارس أعضاء مجلس السيادة الانتقالي دوراً بارزاً في صناعة السياسة الخارجية السودانية في مجالات محددة، أهمها العلاقة بدول الجوار المباشر، خاصة في شقها الأمني (مصر وإثيوبيا وإريتريا وليبيا)، وتقاطعاتها مع ملف مفاوضات السلام السودانية (جنوب السودان وتشاد)، فضلاً عن حضور أعضاء المجلس القوي في صناعة السياسة السودانية الخاصة بالعلاقة بدول الشرق الأوسط (الخليج وتركيا وإسرائيل).
  4. كان حضور الأعضاء العسكريين داخل المجلس السيادي في ملف السياسة الخارجية أكبر بكثير من حضور الأعضاء المدنيين على الرغم من التفوق العددي لهم، وهو الأمر الذي يتسق مع محدودية دورهم في الملفات الداخلية.
  5. من بين الأعضاء العسكريين بالمجلس السيادي كان الإسهام الأكبر في صنع السياسة الخارجية من نصيب رئيس المجلس الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، حيث برز دورهما من خلال تفاعلات متواترة مع دول الجوار الأفريقي، ودول الخليج. ويثير هذا الوضع تساؤلات كبيرة بشأن مستقبل دور البرهان وحميدتي بعد انتقال رئاسة المجلس السيادي لعضو مدني في منتصف العام المقبل بموجب الوثيقة الدستورية.
  6. من بين المحددات المتعددة للسياسة الخارجية السودانية، لا يزال المحدد الخارجي هو المحدد الحاكم لتوزيع ملفات السياسة الخارجية على مراكز صنع القرار المتعددة في السودان. فالرغبة الأمريكية والأوروبية في إبراز القيادة المدنية للمرحلة الانتقالية في السودان هي التي وضعت في يد حمدوك العديد من الملفات الرئيسية التي يمتلك فيها صلاحيات شبه حصرية، سواء في علاقته المباشرة بهذه الدول، أو في إدارته للملفات التي تمثل مجالاً لاهتمامها مثل مفاوضات سد النهضة. وبالمثل جاء انفتاح دول الجوار المباشر ودول الخليج على حميدتي لتمنحه مكانة بارزة في عملية صنع السياسة الخارجية بالرغم من عدم تمتع منصبه بالصلاحيات الدستورية الكافية لذلك.

مسارات مستقبلية

يمكن استشراف مستقبل عملية صنع السياسة الخارجية في السودان عبر عدد من المؤشرات:

  1. من غير المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة مستوى أعلى من التنسيق وتكامل الأدوار بين مؤسسات الحكم الانتقالي فيما يخص صناعة السياسة الخارجية. لكن يظل من غير المتوقع أيضاً أن يتحول هذا الملف تحديداً إلى ساحة للصراع المفتوح بين هذه المؤسسات، في ظل الأداء الذي قدمته هذه المؤسسات خلال العام الماضي.
  2. من المرجح أن يستمر نمط "توزيع الأدوار" القائم بحيث يستمر حمدوك كلاعب رئيسي في صناعة السياسة الخارجية السودانية في مختلف الملفات المتعلقة بالمستوى العالمي، على أن يستمر لكل من رئيس المجلس السيادي ونائبه دور مهم في صناعة السياسة الخارجية ذات الأبعاد الأمنية على المستوى الإقليمي.
  3. يتوقع أن تنبع التغييرات المحتملة على النمط القائم لصنع السياسة الخارجية السودانية من مآلات التفاعلات السياسية الداخلية، خاصة إذا ما تمكنت المرحلة الانتقالية من التقدم وفق الوثيقة الدستورية بما يعني تسليم رئاسة المجلس السيادي لعضو مدني، الأمر الذي قد يساهم في تعزيز دور رئيس الوزراء بصورة أكبر.
  4. يمكن أن تنفتح عملية صنع السياسة الخارجية السودانية على تغيرات جذرية كبرى خاصة إذا ما استمر التعثر في استكمال كافة استحقاقات المرحلة الانتقالية كتشكيل وزارة جديدة أو تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، فضلاً عن حسم ملف اتفاق السلام مع الحركات المسلحة، وكلها من القضايا الرئيسية والكبرى التي قد يسهم الاستمرار في تأجيل حسمها في تقويض المرحلة الانتقالية وانفتاح البلاد على بدائل أخرى.

خلاصة واستنتاجات

  • يظل نمط توزيع الأدوار التوافقي بين مراكز صنع القرار الخارجي للسودان هو النمط الأكثر شيوعاً، ولا يزال المحدد الخارجي هو المحدد الحاكم لتوزيع ملفات السياسة الخارجية على مراكز صنع القرار المتعددة في السودان. حيث أدى دعم الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا للحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك لإفساح مساحة كبيرة له، للعب الدور الأبرز في عملية صنع السياسة الخارجية السودانية على المستوى الدولي.
  • تبرز أدوار رئيس المجلس السيادي الانتقالي عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو بصورة أكبر فيما يخص صنع السياسة الخارجية على المستوى الإقليمي، خاصة مع بروز العديد من القضايا الإقليمية ذات الأبعاد الأمنية والعسكرية.
  • من المتوقع أن تحصل تغييرات في النمط القائم لصنع السياسة الخارجية السودانية نتيجة مآلات التفاعلات السياسية الداخلية، لا سيما في حال تمكَّن عضو مدني من تسلُّم رئاسة المجلس السيادي الحاكم، الأمر الذي قد يساهم في تعزيز دور رئيس الوزراء بصورة أكبر في صُنْع السياسة الخارجية للسودان.

الهوامش

[1] جمهورية السودان، الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019، الفصل الثاني، المادة 13.

[2] المرجع السابق، الفصل السادس عشر، المادة 5.

[3] المرجع السابق، الفصل الرابع، المادة 1، ح.

[4] المرجع السابق، الفصل الخامس، المادة 3.

[5] Suliman Baldo, Border Control from Hell: How the EU's Migration Partnership Legitimizes Sudan's, "Militia Stat", Enough: The Project to end Genocide and Crimes against Humanity, April 2017, p.3. https://data2.unhcr.org/en/documents/download/55954

- "التقسيم عن بعد: القوات السودانية شبه المسلحة والميليشيات الموالية للحكومة"، إصدار موجز رقم 27، مشروع التقييم الأساسي للأمن البشري في السودان وجنوب السودان، أكتوبر 2017، ص 11. http://www.smallarmssurveysudan.org/fileadmin/docs/issue-briefs/HSBA-IB27-Sudanese-paramilitary-focres-Arabic.pdf

[6] John Young, Sudan Uprising: Popular Struggles, Elite Compromises, and Revolution Betrayed (Geneva: Small Arms Survey, Graduate Institute of International and Development Studies, 2020), p. 25. http://www.smallarmssurveysudan.org/fileadmin/docs/reports/HSBA-Report-Sudan-Uprising.pdf

- Nicholas A. Heras, Sudan's Controversial rapid Support Forces Bolster Saudi Efforts in Yemen, The Jamestown Foundation: Global Research & Analysis, Terrorism Monitor, Vol. 15, Issue 20, October 2017. https://jamestown.org/program/sudans-controversial-rapid-support-forces-bolsters-saudi-efforts-yemen/

[7] "من هو الناشط الدارفوري عمر قمر الدين إسماعيل وزير الخارجية السوداني الجديد المكلف-سيرة ذاتية"، السودان الآن، 9 يوليو 2020. https://www.sudanakhbar.com/563238

- "أدق التفاصيل عن وزير الخارجية المكلف عمر قمر الدين"، عين السودان SUDAN EYE، 9 يوليو 2020. https://sudaneye.net/10944

[8] "من هي أسماء محمد عبد الله أول وزيرة للخارجية في تاريخ السودان؟"، eoronews، 5 سبتمبر 2019. https://arabic.euronews.com/2019/09/05/asmaa-abdullah-first-female-foreign-minister-sudan-history-abdalla-hamdok-new-cabinet

- "أسماء عبد الله: فصلها البشير من العمل الدبلوماسي فعادت وزيرة للخارجية"، BBC عربي، 6 سبتمبر 2019. https://www.bbc.com/arabic/middleeast-49610177

[9] "من هو عبد الله حمدوك رئيس وزراء السودان"، BBC عربي، 22 أغسطس 2019. https://www.bbc.com/arabic/middleeast-49432711

* على سبيل المثال، كان الدرديري محمد أحمد الدخيري آخر وزير خارجية في عهد البشير محامياً وخبيراً في القانون الجنائي الدولي، ولم يسبق له العمل الدبلوماسي قبل توليه وزارة الخارجية عام 2018. أما سلفه إبراهيم غندور الذي تولى المنصب عام 2015 فهو أستاذ أكاديمي في كلية طب الأسنان بجامعة الخرطوم شغل مناصب عدة في هياكل المؤتمر الوطني صولاً لنائب رئيس الحزب عمر البشير. ولا يختلف الأمر بالنسبة لعلي كرتي الذي تولى وزارة الخارجية بين عامي 2010 و2015 وهو محام ورجل أعمال عمل لسنوات مشرفاً على قوات الدفاع الشعبي قبل توليه وزارة الخارجية.

[10] "السودان: إقالة عشرات الدبلوماسيين بسبب صلاتهم بالبشير"، العربية، 29 فبراير، 2020. https://bit.ly/2X3h7Fp

* كان مبدأ تولي الأطراف المدنية قيادة السودان خلال المرحلة الانتقالية من أبرز المبادئ التي حرصت الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية على أن تظهر بوضوح في اتفاق تقاسم السلطة الذي طبق نمطاً للحكم أشبه ما يكون بالنظام البرلماني الذي يتمتع فيه رئيس الوزراء بغالبية الصلاحيات التنفيذية، على أن تبقى بعض الصلاحيات الرمزية والسيادية في يد المجلس السيادي، الذي تم تشكيله من مكونين عسكري ومدني يتم التناوب بينهما على رئاسة المجلس.

[11] "واشنطن تدعو إلى نقل السلطة في السودان إلى قيادة مدنية"، الحرة، 6 يونيو 2019. https://arbne.ws/2CTHh6L

- "السودان: دعوات دولية لنقل السلطة سريعاً إلى حكومة مدنية"، FRANCE 24، 12 أبريل 2019. https://bit.ly/30QsgL3

[12] "البرهان يلتقي السيسي ويؤكد البقاء بتحالف دعم الشرعية"، العربية، 25 مايو 2019. https://bit.ly/39AGyTT

"أثناء لقاء حمدوك.. السيسي يؤكد دعم مصر للسودان"، Sky News عربية، 18 سبتمبر 2019. https://bit.ly/332Uhli

"حميدتي يصل القاهرة بدعوة من السياسي"، Sputnik عربي، 14 مارس 2020. https://bit.ly/2EvLQVv

[13] "البرهان يصل أديس أبابا في أول زيارة لإثيوبيا"، العين الإخبارية، 28 مايو 2019. https://al-ain.com/article/sudan-ethiopia-africa

- "حمدوك يبحث مع آبي أحمد تعزيز العلاقات السودانية الإثيوبية"، Sky News عربية، 10 أكتوبر 2019. https://bit.ly/33226aN

- "حميدتي في إثيوبيا لأول مرة والحدود تتصدر المناقشات"، العين الإخبارية، 17 يونيو 2020. https://al-ain.com/article/1592392861  

[14] "البرهان يصل إريتريا في أول زيارة لأسمرا"، العين الإخبارية، 14 يونيو 2019. https://al-ain.com/article/sudan-s-transitional-president-arrives

- "حمدوك في إريتريا لأول مرة لتعزيز علاقات البلدين"، العين الإخبارية، 25 نوفمبر 2019. https://al-ain.com/article/hamdouk-eritrea-afewerki-relations

- "حميدتي يطمئن أفورقي بشأن السلام في شرق السودان"، الشرق الأوسط، 3 ديسمبر 2019. https://bit.ly/2X49bE9

[15] "البرهان: قوات وميليشيات إثيوبية تحتل أجزاء من أراضي السودان الحدودية"، RT، 26 أبريل 2020. https://bit.ly/3g9xRlU

[16] "السودان يتهم إثيوبيا بدعم الهجوم الغادر ويكشف الملابسات"، Sky News عربية، 29 مايو 2020. https://bit.ly/3jHHquJ

[17] "حمدوك يتلقى اتصالاً هاتفياً من وزير الخزانة الأمريكي"، Sputnik عربي، 24 يونيو 2020. https://bit.ly/39CYDk4

[18] "السودان يشكل لجنة عليا لمتابعة ملف سد النهضة"، RT، 23 يوليو 2020. https://bit.ly/2X4iRyis

[19] حميدتي في جوبا للقاء الحركات المسلحة"، DABANGA، 10 سبتمبر 2019. https://bit.ly/2P1txZZ

"حميدتي يصل جوبا لرئاسة وفد الحكومة السودانية إلى مفاوضات السلام"، الشروق، 2 مارس 2020. https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=02032020&id=7cdaee8d-5d0f-45d3-b3de-36c0f49ecfbd

[20] "حميدتي يطمئن تشاد بعدم تأثر علاقات البلدين بالتغيير"، سودان تريبيون، 12 مايو 2019. https://bit.ly/2Dg4IXC

- "بوساطة تشادية: هدنة بين الانتقالي العسكري وحركتي العدل والمساواة وتحرير السودان"، Sputnik عربي، 28 يونيو 2019. https://bit.ly/30UtPaJ

"وفد سوداني إلى تشاد في زيارة تستغرق يوماً واحداً"، العين الإخبارية، 4 ديسمبر 2019. https://al-ain.com/article/sudanese-delegation-chad

[21] "بعد الرياض.. البرهان وحمدوك يتوجهان إلى أبوظبي"، Sky News عربية، 7 أكتوبر 2019. https://bit.ly/3jSuCSq

[22] "تفاصيل لقاء البرهان ونتنياهو في كمبالا"، RT، 4 فبراير 2020. https://bit.ly/2X78Ujw

[23] "حكومة السودان: علمنا بلقا البرهان ونتنياهو من الإعلام"، العربية، 4 فبراير 2020. https://bit.ly/30UvFbD

[24] Cameron Hudson, Sudan's Prime Minister Comes to Washington, Atlantic Council, December 2, 2019. https://www.atlanticcouncil.org/blogs/africasource/sudans-prime-minister-comes-to-washington/

[25] "ماكرون يدعو رئيس وزراء السودان إلى زيارة فرنسا"، العين الإخبارية، 4 سبتمبر 2019. https://al-ain.com/article/macron-invites-prime-minister-sudan-visit-france

[26] "مباحثات فرنسية سودانية.. وماكرون يؤكد دعم باريس لحكومة حمدوك"، Sky news عربية، 30 سبتمبر 2019. https://bit.ly/3hIwmf4

[27] "حمدوك يصل إلى أديس أبابا مترئساً وفد السودان في القمة الأفريقية"، العين الإخبارية، 8 فبراير 2020.

https://al-ain.com/article/hamdock-arrives-in-addis-ababafrican-summit

[28] "بالفيديو كونفرنس..40 دولة ومنظمة تجتمع "من أجل السودان""، Sky news عربية، 25 يونيو 2020. https://bit.ly/3f6TiCW

 

أحدث المواضيع المميزة