التصعيد في سنجار بالعراق: التنافسات الداخلية والأبعاد الجيوسياسية

مركز الإمارات للسياسات | 23 فبراير 2021

شهد شهرُ فبراير 2021 المزيدَ من التصعيد العسكري واللفظي فيما يتعلق بوضع سنجار بالقرب من الحدود العراقية-السورية، حيث لوّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإمكانية قيام القوات التركية بهجوم واسع على القضاء التابع إدارياً لمحافظة نينوى، من أجل استئصال عناصر حزب العمال الكردستاني الذين تزعم أنقرة أنهم موجودون بكثافة في هذه المنطقة ويتحركون بشكل مستمر عبر الحدود العراقية-السورية، بالتعاون مع حلفائهم من الفصائل الكردية والإيزيدية في سوريا والعراق. وكان وزير الدفاع التركي خلوصي آكار قد زار بغداد في 18 يناير 2021، رفقة رئيس أركان الجيش التركي الجنرال يشار غولار، للضغط على الحكومة العراقية من أجل تفعيل جهودها لطرد مقاتلي حزب العمال من سنجار، مُبدياً استعداد أنقرة لدعم حكومتي بغداد وأربيل لتطبيق الاتفاق الذي توصلا إليه في 9 أكتوبر 2020 لتطبيع الأوضاع في سنجار، وإخراج حزب العمال من المنطقة.

سنجار.. بؤرة للتنافسات المحلية والإقليمية

وسط تصعيد تركي لفظي بخصوص وضع سنجار، شنت القوات التركية هجوماً واسعاً في محافظة دهوك التابعة لإقليم كردستان، وأعلنت أنقرة أن العملية حققت أهدافها، لكنها اتهمت حزب العمال بقتل 13 مواطناً تركياً كان التنظيم قد اختطفهم قبل بضع سنوات.

وقد تسربت معلومات مفادها أن العملية الأخيرة هي مقدمة لعملية أوسع للتوغل داخل الأراضي العراقية نحو سنجار، الأمر الذي دفع "الحشد الشعبي"، الذي تقوده فصائل مقربة من إيران إلى إرسال تعزيزات إلى سنجار، بنشر ما يقارب عشرة آلاف فرد بحسب بعض التقارير، والتحذير من أنه سيتصدى لأي عمل عسكري تركي يستهدف سنجار. وصاحب ذلك، إصدار كتلة "الفتح" البرلمانية، التي تضم القوى المتحالفة مع إيران، بياناً دعت فيه الحكومة العراقية إلى اتخاذ كل الإجراءات لرد أي عدوان تركي على سنجار، ثم إصدار تنظيم "عصائب اهل الحق" بياناً مشابهاً يُدين فيه "تكرار انتهاك السيادة واستمرار الاحتلال التركي للأراضي العراقية"، ويطالب الحكومة التركية بإخراج كافة قواتها "المحتلة" من العراق.

تُشير هذه الأحداث إلى أن منطقة سنجار أصبحت بؤرة توتر أساسية تتداخل فيها التنافسات الداخلية والإقليمية المعقدة، ومنطقة اختبار لـما يأتي:

  1. قدرة الحكومة العراقية على بسط سيطرتها على المناطق التي خضعت سابقاً لتنظيم "داعش"، وبشكل خاص تلك الواقعة قرب الحدود العراقية-السورية.
  2. الطموحات الإقليمية لتركيا ومدى تصادمها مع النفوذ الإيراني ونفوذ بقية القوى الدولية المؤثرة في هذا الملف، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
  3. ما إذا كانت الحدود العراقية-السورية ستبقى منطقة الجذب الأساسية للجماعات المسلحة والعابرة للحدود بسبب تفكك سلطة المركز في كلٍّ من العراق وسوريا.

سنجار وحزب العمال: الوجود الشبحي

لنحو عقدين، ظل وجود حزب العمال الكردستاني في العراق محصوراً بمنطقتين أساسيتين هما: جبال قنديل على الحدود العراقية-الإيرانية، وقضاء مخمور حيث يوجد معسكرٌ للاجئين من كرد سوريا، إلا أن الأحداث التي تلت صعود تنظيم "داعش" في صيف 2014 وفّرت بيئة ملائمة للعمال الكردستاني لأن يوسع نشاطاته، أولاً في شمال شرقي سوريا، وثانياً في شمال غربي العراق، وتحديداً منطقة سنجار حيث لعبت عناصر الحزب دوراً أساسياً في تأمين ممر آمن لآلاف السكان الإيزيديين الذين فروا من هجمات تنظيم "داعش" عبر الحدود العراقية-السورية، ومن ثم دخول العراق مجدداً إلى دهوك التي استقر فيها منذ ذلك الوقت ما يقارب 300 ألف لاجئ إيزيدي. كما شارك حزب العمال في معارك تحرير سنجار من تنظيم "داعش"، وهو ما ساعده على أن يؤمِّن وجوداً مستقراً في هذه المنطقة، وتحديداً عبر تشكيله فصيلين مسلحين من السكان الإيزيديّين المحليين، هما: وحدات حماية سنجار، ووحدات المرأة الإيزيدية.

ومع أزمة الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان عام 2017، تصاعد الخلاف بين حزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في أربيل الذي كان يسيطر على الإدارة المحلية في سنجار، حيث تعاون حزب العمال مع الحشد الشعبي لتعيين إدارة مؤقتة في سنجار كبديل عن الإدارة السابقة التي استقرت في دهوك، بعد أن فرض الحشد الشعبي وحزب العمال والفصائل المتحالفة معهما هيمنتهما على الأرض في سنجار. تدريجياً، أصبحت "وحدات حماية سنجار" الميليشيا المحلية الأقوى والأقرب للإدارة المؤقتة التي رأسها فهد حامد، والذي عُين بأمر من أبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي حينذاك. وتم تعيين حوالي 900 عضو من وحدات حماية سنجار في هيئة الحشد الشعبي تحت اسم "لواء الفتح المبين"، مما أضفى المزيدَ من الشرعية على نشاط هذا الفصيل.

وتُنكر "وحدات حماية سنجار" وجود صلة تنظيمية لها مع حزب العمال الكردستاني، إلا أن مراقبين يؤكدون عمق التعاون بين الطرفين كما يحصل مثلاً بتقاسم مقاتلي الفصيل لمرتباتهم التي يحصلون عليها من الحشد الشعبي مع بقية المقاتلين غير المنضوين في الحشد، وعلى طريق التشاركية الاجتماعية التي ينادي بها حزب العمال. ولكن، في الوقت نفسه، من الخطأ التعامل مع حزب العمال ووحدات حماية سنجار وكأنهما طرف واحد، حيث يغلب الطابع المحلي على تشكيل عناصر الوحدات، كما أن حزب العمال يعمل على تذويب وجوده العلني عبر زرع نفوذه في فصائل ومؤسسات اخرى، أو عبر الانضواء تحت مظلات أوسع مثل "مجلس اتحاد المجتمعات الكردستانية" الذي يجمع الحزب مع العديد من الفصائل والأحزاب الكردية الناشطة في العراق وسوريا وإيران. وكانت غارة جوية تركية في يناير 2020 قد قتلت قائد وحدات حماية سنجار، زردشت شنغالي، الذي سبق له أن شارك في معارك ضد تنظيم "داعش" إلى جانب "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التي يهيمن عليها المقاتلون الكرد في سوريا.

التصعيد التركي واتفاقية تطبيع الأوضاع في سنجار

يأتي التصعيد التركي الأخير بشأن سنجار على خلفية عدة أحداث. أولها، رشحت معلومات مؤخراً بأن الحكومة العراقية قامت بتسليم القيادي في حزب العمال الكردستاني، إبراهيم باريم، إلى تركيا، بعد أن اعتقلته في سنجار قبل عدة أشهر. وكان باريم يتولى تنظيم النشاط اللوجستي في التنظيم، ويُعتقد أنه قدّم لتركيا الكثير من المعلومات عن وجود التنظيم في سنجار، الأمر الذي جعل الجانب التركي أكثر الحاحاً في مسألة التعامل مع هذا الوجود. والحدث الثاني هو تعثر تطبيق اتفاقية تطبيع الأوضاع في سنجار بين بغداد وأربيل، والتي يُعول الجانب التركي عليها كإطار عراقي داخلي مدعوم دولياً للتعامل مع مشكلة حزب العمال الكردستاني. ويقضي الاتفاق بأن تتولى المؤسسات الاتحادية، وبشكل خاص الشرطة الاتحادية وجهاز الأمن الوطني وجهاز المخابرات الوطني، أمن منطقة سنجار والحدود، على أن يتم تعيين 2500 من الشرطة المحلية بالتشاور بين أربيل وبغداد للإشراف على الأمن الداخلي للقضاء، وتعيين إدارة جديدة للقضاء بالتشاور بين الطرفين. وقد قوبلت الاتفاقية بالرفض من كلٍّ من الإدارة المؤقتة في سنجار ووحدات حماية سنجار، التي اعتبرت الاتفاق محاولة لإعادة نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى سنجار، كما اعتبرته تنكراً لدور القوى التي حررت القضاء من تنظيم "داعش"، ولإرادة السكان المحليين. وقد تعهد الناطق باسم الوحدات بأنها لن تتخلى عن وجودها في سنجار.

كما وُوجه الاتفاق بمعارضة من فصائل الحشد الشعبي المقربة من إيران، التي اعتبرته يستهدف وجودها في هذه المنطقة، عبر حصر الدور الأمني بمؤسسات معينة، وكذلك تسهيل عودة نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي اصطدمت البيشمركة التابعة له مع قوات الحشد الشعبي في منطقة زمار إلى الشمال من سنجار، إثر ازمة الاستفتاء عام 2017. كذلك، نظرت تلك الفصائل إلى الاتفاق، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة في العراق ودعمته كلٌّ من الولايات المتحدة وتركيا، على أنه أداة لتوسيع نفوذ القوى المعادية للحشد الشعبي وللنفوذ الإيراني في هذه المنطقة الحيوية. لذلك، بعد أيام قليلة من الاتفاق، استقبل رئيس أركان الحشد الشعبي، عبدالعزيز المحمداوي "أبو فدك"، وفداً من إيزيديّي سنجار الذين أعلنوا أنهم طلبوا من الحشد المجيء لنصرة أهالي سنجار، ومنع عودة الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى القضاء/المدينة. كما أصدر قيس الخزعلي، زعيم "عصائب اهل الحق"، بياناً ندد فيه بالاتفاق، واعتبره مجاملة سياسية على حساب دماء مَن ضحوا في معارك تحرير سنجار.

وللتعامل مع حالة الرفض الواسع للاتفاق، تحركت الحكومة العراقية على مسارين: الأول، تنفيذ العناصر الأقل إشكالية في الاتفاق، مثل نشر قوات الشرطة الاتحادية في سنجار وعلى حدودها، وهو ما حصل فعلاً بعد إرسال الفرقة السادسة من الشرطة الاتحادية إلى المنطقة وانتشار افرادها هناك وعلى المقطع الحدودي مع سوريا. أما المسار الثاني، فيتعلق بالوصول الى تسوية تفاوضية مع الأطراف المعارضة لتطبيق الاتفاقية. ومن الملاحظ أن رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، قام بتكليف قاسم الأعرجي، مستشار الأمن الوطني والقيادي في منظمة "بدر" القريبة من إيران، لتولي الإشراف على تنفيذ الاتفاق. وربما يستهدف ذلك تسهيل الوصول إلى تسوية تفاوضية مع فصائل الحشد الشعبي، وهو ما يبدو أنه كان حاصلاً في الأشهر الماضية، حيث تم إقناع وحدات حماية سنجار بالخروج من معظم مواقعها في مركز القضاء، والانسحاب باتجاه جبل سنجار، مع معلومات تسربت عن أن الحشد الشعبي يسعى إلى تعيين المزيد من عناصر الوحدات كوسيلة لفصلهم تنظيمياً عن حزب العمال الكردستاني.

وتبدو النتائج مختلطة، والأهم، لا يبدو أن الاتفاق قد حقق هدف إخراج حزب العمال الكردستاني لسببين: أولهما، صعوبة تحديد مَن هم بالضبط عناصر الحزب في سنجار؛ وثانيهما، تجنب القوات الاتحادية خوض معركة بالنيابة عن تركيا، خصوصاً مع وجود عناصر في الحكومة الاتحادية فضلاً عن الحشد الشعبي لا تحبذ مثل هذه المواجهة.

وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة التصعيد التركي الأخير من الزوايا التالية:

  1. محاولة للضغط على الحكومة العراقية لتتخذ المزيد من الخطوات باتجاه إخراج حزب العمال من سنجار.
  2. لا يمكن النظر إلى التصعيد بمعزل عن متغير مهم آخر هو مجيء إدارة أمريكية جديدة يُعتقد أنها قد تكون أكثر التزاماً بالتعاون مع الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا الخاضعة لهيمنة الأحزاب الكردية المتحالفة مع حزب العمال الكردستاني. لذلك، تريد تركيا استباق تبلور سياسة الإدارة الأمريكية في هذه المنطقة بتحقيق مكاسب على الأرض، وتوسيع نطاق نفوذها الإقليمي، الذي أصبحت الحرب على حزب العمال غطاءً له. ومن الملاحظ أن الوجود العسكري التركي في إقليم كردستان وشمال العراق قد توسع في السنوات الأخيرة ليشمل عده قواعد دائمة ومؤقتة في دهوك وبعشيقة وعلى الحدود العراقية-التركية.
  3. اهتمام أنقرة بمدّ نفوذها إلى محافظة نينوى، والتي كانت قد حققت تقدماً فيها أثناء تولي أثيل النجيفي لمنصب المحافظ، لكن هذا النفوذ تعرض لانتكاسة كبيرة بعد استيلاء تنظيم "داعش" على المحافظة، ومن ثم صعود نفوذ قوى معادية لتركيا مثل حزب العمال الكردستاني في غرب نينوى، وقوى مقربة من إيران، وبشكل خاص فصائل الحشد الشعبي.

العامل الإيراني 

كانت تركيا وإيران قد اتفقتا في القمة التي انعقدت بينهما في شهر سبتمبر من العام الماضي، على تفعيل جهود مكافحة الإرهاب والتنسيق لملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني وحزب الحياة الحرة الكردستاني الذي يخوض صراعاً مسلحاً ضد الحكومة الإيرانية منذ العام 2004. ورغم أن الاتفاق تبعه تصعيدٌ منسق بين الجانبين ضد الحركات الكردية المسلحة، إلا أنه لم يُترجم إلى مستوى أعلى من التعاون الاستراتيجي، خصوصاً مع ضعف سيطرة الحكومة الإيرانية على نشاط الحرس الثوري الإيراني، والمصالح الخاصة للحشد الشعبي وبعض فصائله، والتي تركز اليوم على دورها في الدفاع عن الأراضي العراقية وكذلك في استعادة سيطرة بغداد على المناطق المتنازع عليها مع أربيل.

 وهنا يمكن أن نفهم مواقف تلك الفصائل من زاويتين: الأولى، مصالحها الخاصة وأهدافها السياسية التي تتمتع بقدر من الاستقلالية عن أولويات الحرس الثوري الإيراني. فتلك الفصائل وطدت وجودها في نينوى وفي المناطق المتنازع عليها وأصبحت تنظر إلى ذلك الوجود كمصدر أساسي لنفوذها، وأيضاً كمصدر للربح المادي، سواء عبر لجانها الاقتصادية التي انتشرت في نينوى وتسعى للاستفادة من مشاريع إعادة الإعمار، أو من خلال شبكات التهريب عبر الحدود العراقية السورية. ويبدو أن بعض الشراكات الاقتصادية قد تطورت بينها وبين حزب العمال الكردستاني من خلال انتشارها بالقرب من الحدود العراقية-السورية، وإشرافها على عمليات التهريب هناك. ومن جانب آخر، نسج الحشد الشعبي عقيدته القتالية على أساس حماية المصالح والمكاسب الشيعية، ليس فقط في مواجهة التمرد السني الذي مثّله تنظيم "داعش"، بل أيضاً في مواجهة المحاولات الكردية لضم المناطق المتنازع عليها لإقليم كردستان، ولذلك فإن العديد من ألوية الحشد تنتشر في تلك المناطق أو بالقرب منها كما هو الحال مع كركوك وآمرلي وطوزخورماتو وسهل نينوى، وبالطبع سنجار.

والثانية هي زاوية تحالفها وتخادمها مع الحرس الثوري الإيراني. فمن المعروف أن الحرس الثوري نشط في السنوات الأخيرة لبناء وتوطيد نفوذه عبر شبكة الميليشيات المرتبطة به في مناطق الحدود العراقية-السورية، وهو كان يسعى في البداية إلى تأمين ممر عبر ربيعة الواقعة شمال سنجار إلى شرق سوريا، لكنه استعاض عن ذلك بإقامة هذا الممر في غرب الأنبار، وتحديداً محور القائم-البوكمال، حيث تتمركز معظم تلك الفصائل وهناك إمكانية لإقامة ارتباط مباشر مع قوات النظام السوري، وهو ليس وارداً في ربيعة، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على الجانب السوري من المعبر والمعروف باسم اليعربية. ومع ذلك، يظل مسعى بسط نفوذ الحرس الثوري إلى الجزء الشمالي من الحدود قائماً، خصوصاً مع ما يواجهه من ضغط في منطقتي القائم والبوكمال التي تتعرض مواقع الميليشيات فيها لقصف إسرائيلي وأمريكي منتظم، كما تجسد أخيراً بالضربة الإسرائيلية في 13 يناير 2021 التي طالت مواقع عسكرية وأمنية للحرس الثوري والفصائل المرتبطة به، وتسببت بمقتل نحو 45 عضواً في تلك الفصائل، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. 

ومع ذلك، فإن الاهتمام الإيراني بهذه المنطقة يظل محدوداً بأهدافه، الأمر الذي يشير إلى أهمية النظر إلى المصالح المستقلة لفصائل الحشد الشعبي. كذلك فإن التنسيق بين تلك الفصائل وحزب العمال الكردستاني هو إلى حد كبير تنسيق براغماتي، وقد لا يستمر طويلاً، ومصدره الأساسي هو حاجة الطرفين إلى تحجيم نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومنع تركيا من مدّ نفوذها الى هذه المنطقة.

السيناريوهات المحتملة للتصعيد بخصوص سنجار

أمام هذا الواقع المعقد، يمكن توقع سيناريوهين للتصعيد الراهن في سنجار:

الأول، أن تمضي تركيا بالقيام بهجوم بري كبير في سنجار، الأمر الذي يعني احتمال اشتباكها عسكرياً مع كلٍّ من حزب العمال الكردستاني والفصائل الإيزيدية المتحالفة معه، ومع فصائل الحشد الشعبي، مما سيضع الحكومة العراقية بوضع محرج؛ فهي من جهة تعهدت للجانب التركي بالمضي في العمل على إخراج حزب العمال من سنجار، لكنها من جهة أخرى تحاول احتواء الحشد الشعبي والتنسيق معه للوصول إلى مخرج مناسب. وقد يتسبب مثل هذا الهجوم التركي بتصعيد خطير يصعب احتواء تداعياته، وقد تحقق تركيا هدفاً مهماً بتطويق الحدود من جانبها العراقي لمنع مقاتلي حزب العمال الكردستاني من التنقل الحرّ بين العراق وسوريا، لكن ثمن مثل هذا التمدد العسكري –الذي لن يحظى بقبول الحكومة العراقية على الأرجح- سيكون كبيراً بالنسبة لتركيا.

الثاني، السيناريو المرجح حالياً هو أن تواصل تركيا هجمات جوية متقطعة في المنطقة، في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان على تفعيل تطبيق اتفاق سنجار، وأن يتم التنسيق مع الحشد الشعبي للوصول إلى تسوية تسمح بانسحاب معظم مقاتلي حزب العمال الكردستاني، على الأرجح إلى معقلهم في جبال قنديل، وتأكيد الانفصال بين الحزب والفصائل الإيزيدية المتحالفة معه، وبشكل يُطمئن تركيا على أن بعض مصالحها قد تحققت فعلاً، ويتم إخراج هذا الأمر كتسوية مناسبة لجميع الأطراف الأساسية. وقد تدفع الإدارة الأمريكية باتجاه مثل هذه التسوية في سعيها للتعامل مع قلق أنقرة من نفوذ حزب العمال الكردستاني المتنامي، وكجزء من حل أوسع يتصل بالوضع في شمال شرقي سوريا الذي لا تزال السياسة الامريكية فيه تقوم على التعاون مع قوات سوريا الديمقراطية، وفي الوقت نفسه التأكيد على فصل تلك القوات عن نفوذ حزب العمال الكردستاني. وقد تدعم إيران مثل هذه التسوية بشكل لا يؤدي إلى تقويض نفوذ الفصائل المتحالفة معها، ويمثل في الآن معاً استعراضاً لقدرتها على العمل كــ"شريك" بنّاء في بعض نقاط التوتر الإقليمية.  

الخلاصات والاستنتاجات

  • أصبحت سنجار إحدى بؤر الصراع على النفوذ في العراق ومنطقة الهلال الخصيب. وفي هذا الصراع تتمازج التنافسات الداخلية، سواء بين الحشد الشعبي والحزب الديمقراطي الكردستاني، أو بين القوى والفصائل المتعددة التي ورثت السيطرة على الأرض في هذه المنطقة بعد تحريرها من تنظيم "داعش"، مع التنافسات الإقليمية، وبشكل خاص مسعى تركيا لاستئصال وجود حزب العمال الكردستاني من مناطق الحدود العراقية-السورية، والذي صار الهدف الأساسي المعلن للسياسة التركية في العراق وسوريا، رغم أنه أيضاً يُوظف كمظلة لتوسيع نفوذ أنقرة في خاصرتها الجنوبية.
  • التصعيد العسكري التركي الأخير والتهديدات التركية بالقيام بهجوم عسكري بري في سنجار يستهدف بالدرجة الأساس زيادة الضغط على الحكومة العراقية كي تعمل على طرد حزب العمال من المنطقة، خصوصاً مع تعثر تطبيق اتفاقية تطبيع الأوضاع في سنجار بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان.
  • يأتي التصعيد التركي استباقاً لتبلور سياسة الإدارة الامريكية الجديدة تجاه سوريا والعراق، وتحديداً مع وجود انطباع بأن إدارة بايدن ستكون أكثر التزاماً بالتنسيق مع القوى الكردية. وتسعى تركيا هنا لتحقيق هدفين: الأول ضمان أن يكون إنهاء وجود عناصر حزب العمال في شمال شرقي سوريا وشمال غربي العراق هدفاً متفقاً عليه بين جميع الفاعلين الدوليين والمحليين؛ وثانياً تأكيد الفصل بين القوى الكردية والإيزيدية وذلك الحزب، تحديداً عبر التنسيق مع قوى كردية أكثر براغماتية، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني.
  • موقف فصائل الحشد الشعبي المتحفظ على اتفاقية تطبيع الأوضاع في سنجار، والمتوعد برد فعل عسكري تجاه أي تحرك تركي في سنجار، يرتبط من جهة بالمصالح التي تبلورت لتلك الفصائل في المناطق المتنازع عليها، وسعيها للاحتفاظ بنفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري هناك، ومن جهة أخرى بمسعى المحور الذي يقوده الحرس الثوري الإيراني للسيطرة على المقاطع المهمة من الحدود العراقية-السورية.
  • يمكن توقع أن تُفضي الأزمة الراهنة إلى سيناريوهين: تنفيذ تركيا لهجومها العسكري في سنجار، والذي يحتمل أن يؤدي إلى تصعيد واسع النطاق وتأزيم للصراعات الداخلية والإقليمية؛ أو المرجح هو مواصلة الهجمات الجوية في المنطقة مع تكثيف التنسيق مع اللاعبين الداخليين والدوليين لإيجاد مخرج يقوم بالأساس على انسحاب حزب العمال من سنجار نحو معقله التقليدي في جبال قنديل. 

أحدث المواضيع المميزة