تنازُع الرئيس الأمريكي والكونجرس على سلطات الحرب: خلفية الجدل الراهن وآفاقه

عمرو عبد العاطي | 04 فبراير 2020

أعاد أمر الرئيس دونالد ترامب باغتيال قائد فليق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، في الثالث من يناير الماضي (2020)، الجدل المحتدم بين الكونجرس والرئيس حول من له القول الفَصْل والنهائي في استخدام القوة العسكرية الأمريكية في الخارج، مجددًا، إلى صدارة المشهد السياسي الأمريكي، والذي تصاعد مع فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي أجريت في السادس من نوفمبر 2018، حيث شرعوا في اتخاذ عديد من الإجراءات بمساعدة عدد من المشرعين الجمهوريين لاستعادة المؤسسة التشريعية سلطتها الدستورية في إعلان الحرب، والتفويض بتحريك القوات الأمريكية خارج أراضي الولايات المتحدة بعد سنوات من تنازلها عنهما لصالح الرئيس، الذي وسع من دوره في سلطات الحرب، وتوريط الجيش الأمريكي في نزاعات وصراعات دولية، كانت تكلفتها أعلى من عائداتها.

وفي أعقاب مقتل سليماني، والتخوف من أن يؤدي التصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران إلى مواجهة عسكرية، قدم عدد من المشرعين الديمقراطيين مشاريع قوانين يدعمها عدد من الأعضاء الجمهوريين بالكونجرس تحد من سلطة الرئيس ترامب لتوريط واشنطن في حرب مع طهران. وفي الوقت ذاته يسعي الكونجرس بمجلسيه إلى فرض مزيد من الرقابة على العمليات العسكرية الجارية بموجب تفويضين سابقين من الكونجرس في عامي 2001 و2002 يخولان الرئيس جورج بوش (الابن) باستخدام القوة العسكرية الأمريكية في الخارج. في حين يطالب بعض المشرعين الديمقراطيين والمتنافسين للفوز ببطاقة الحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية التي ستجري في نوفمبر المقبل، بإلغائهما.

الخلفية والسياق

يقوم النظام السياسي الأمريكي في جوهره على مبدأ "الرقابة والتوازن Check and Balance"، حيث يوزع الدستور الصلاحيات بين السلطات الثلاثة (التشريعية، التنفيذية، القضائية) على نحو لا يسمح لأي منها بالانفراد بصنع القرار الأمريكي. ولا تقوم العلاقة بينهما على الفصل بين السلطات فقط، وإنما هي علاقة مؤسسات منفصلة تتقاسم السلطات. وقد أوجد ذلك تنازعًا تاريخيًّا بين الرئيس والكونجرس حول كثير من الصلاحيات، ولا سيما سلطة إعلان الحرب، التي يعني بها إعلان الحرب أو الانخراط العسكري في نزاع خارجي، حيث ينص الدستور على أن للكونجرس سلطة إعلان الحروب، وكذلك سلطة "المَحْفَظَة"، أي توفير المخصصات المالية لشن الحرب (المادة الأولي/الفقرة الثامنة)، ولكنه في الوقت ذاته يقرر أن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة (المادة الثانية/الفقرة الثانية). ما يعني أنه المسئول عن تنفيذ قرار الحرب. بعبارة أخرى، إذا كان الكونجرس مسؤولًا عن الإعلان عن بداية الحرب وإنهائها، فإن الرئيس من يُديرها بمجرد التصريح بها.

على الرغم من وجود نص دستوري صريح بشأن ضرورة تفويض الكونجرس الرئيس بتحريك القوات الأمريكية خارج أراضي الولايات المتحدة، إلا أن هناك توافقًا في الآراء على أن تنفيذ قرار الحرب يسمح للرئيس أيضًا بتوجيه القوات العسكرية في أوقات الهجوم أو التهديدات الوشيكة، أي في حالة الدفاع عن النفس. لكن الممارسة الواقعية للحروب التي خاضها الرؤساء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري تكشف أنهم استطاعوا الالتفاف على سلطة الكونجرس لإعلان الحروب بدون تفويض منه، أو غير مستندة لإجراءات دفاعية عن النفس.

وبعد سنوات من تنازل السلطة التشريعية عن سلطاتها الدستورية بإعلان الحرب إلى السلطة التنفيذية التي زجت بالقوات الأمريكية في عدد من النزاعات العسكرية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مرر الكونجرس في عام 1973 قانون سلطات الحرب لاستعادة دوره في قرار الحرب، وإلزام الرئيس بالحصول على تفويض منه قبل التدخل في نزاع خارجي أو أعمال عدائية محتملة.

وينص قانون سلطات الحرب على أنه في حال تم نشر القوات الأمريكية في الأعمال العدائية في الخارج، فإن على الرئيس إبلاغ الكونجرس بذلك في غضون 48 ساعة، وإذا لم توافق المؤسسة التشريعية رسميًّا على هذا الإجراء، يتوجب على الرئيس إعادة القوات إلى الأراضي الأمريكية في غضون 60 يومًا. ويمنح القانون الرئيس 30 يومًا إضافية إذا أمكن إثبات وجود "ضرورة عسكرية" لتمديد الانتشار. ويستثني قانون سلطات الحرب حالات معينة يمكن للرئيس استخدام القوة منفردًا بدون الرجوع للكونجرس، ومنها وجود إذن قانوني سابق يخوله بالتدخل العسكري خارجيًا، أو إعلان حالة الطوارئ لتعرص أراضي الولايات المتحدة أو قواتها المسلحة لهجوم.

ورغم استناد بعض الرؤساء الأمريكيين إلى قانون سلطات الحرب للرد على تهديدات ضد الولايات المتحدة ومواطنيها، كمحاولة استخدام الرئيس جيمي كارتر القوة العسكرية لتحرير الرهائن الأمريكيين بسفارة دولته بطهران في عام 1979، إلا أن غالبيتهم واقعيًّا شنَّوا أكثر من حرب بصورة منفردة دون الرجوع إلى الكونجرس، إما بالعمل على تشكيل تحالفات دولية أو استنادًا إلى قرارات من مجلس الأمن تخولهم خوض حرب خارج الأراضي الأمريكية. وكان آخر تلك الحروب مشاركة القوات الأمريكية في تحالف دولي قاد العلميات العسكرية ضد الزعيم الليبي معمر القذافي في عام 2011 دون موافقة الكونجرس. وقد سوَّغ الرئيس باراك أوباما مشاركة القوات الأمريكية بقرار الأمم المتحدة رقم 1973.

الجدل الراهن بشأن "سلطة إعلان الحرب"

تاريخيًّا كان هناك نقاش داخل الولايات المتحدة حول من له القول الفصل (الرئيس أم الكونجرس) في إعلان الحرب، وتحريك القوات الأمريكية للاشتراك في النزاعات الخارجية، لكنه خلال العقد الأخير أخذ منحى تصاعدياً بعد حربين مكلفتين ماليًّا وبشريًّا في أفغانستان (2001) والعراق (2003) بتفويض من المؤسسة التشريعية، لكنهما لم تُحقِّقا الاستقرار والأمن في الدولتين، بل زادتهما هشاشة. وقد تعامل الرئيس الديمقراطي أوباما والجمهوري ترامب مع تفويضي عامي 2001، و2002 على أنهما "شيك على بياض" لشن حروب خارجية، وتمديدهما لتسويغ استخدام القوة العسكرية الأمريكية في الخارج استنادًا عليهما.

بيد أن هذا الجدل ازداد حدة في ظل حالة الاستقطاب السياسي التي تشهدها الولايات المتحدة منذ فوز الرئيس ترامب في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في نوفمبر 2016، والمخاوف المتصاعدة من أن يؤدي التصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران في أعقاب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي لعام 2015، وتبنِّي استراتيجية "الضغوط القصوى"، واغتيال قائد فليق القدس "سليماني" أوائل هذا العام إلى حرب في الشرق الأوسط يرفضها المشرعون ومعظم الأمريكيين بدون الحصول على تفويض من الكونجرس، وفي وقت يتصاعد فيه الحديث عن تراجع أهمية المنطقة لكون التحدي الرئيس للولايات المتحدة تمثله القوى التعديلية في النظام الدولي (روسيا والصين)، وتحديهما للمصالح والقيادة الأمريكية للنظام الراهن.

ينقسم النقاش الدائر راهنًا داخل الأوساط الأمريكية حول استخدام الرئيس القوة العسكرية في الخارج بدون الرجوع إلى الكونجرس، الذي يسعي لاستعادة دوره وسلطاته الدستورية، لتقويض انفراد السلطة التنفيذية بقرار استخدام القوة العسكرية في الخارج، وإشراك القوات الأمريكية في النزاعات والصراعات الخارجية من دون الحصول على تفويض من المؤسسة التشريعية إلى تيارين رئيسين:

يرى التيار الأول أنه ليس من حق الرئيس استخدام القوة العسكرية خارجيًّا بدون موافقة الكونجرس، ويدعو إلى فرض مزيد من القيود على سلطته، ولا سيما بعد إشراك الرئيس السابق أوباما والحالي ترامب اشراك القوات العسكرية الأمريكية في أعمال عدائية في الخارج بدون موافقة الكونجرس. ويجادل أنصار هذا التيار أن استخدام الرئيس ترامب للقوة العسكرية في الشرق الأوسط لا يأتي مُتَّسقًا مع تفويض الكونجرس للرئيس السابق بوش الابن في عام 2001 الذي منحه سلطة استخدام القوات العسكرية لمحاربة الأفراد والمنظمات المسؤولة عن التخطيط لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 أو تيسيرها، وكذلك لإيواء الإرهابيين أو تدريبهم، وكذلك تفويض عام 2002 باستخدام القوة العسكرية ضد العراق لحماية الأمة الأمريكية من التهديدات التي شكلها العراق. وقد استند الرئيس ترامب على تفويض عام 2002 لتسويغ اغتيال قاسم سليماني، بالإضافة إلى سلطة الرئيس الدستورية لتنفيذ الأعمال العسكرية للدفاع عن الولايات المتحدة ومواطنيها.

وقد سَوَّغ عديدٌ من مسؤولي الإدارة الأمريكية، وفي مقدمتهم الرئيس ترامب، اغتيال سليماني على أنه عمل دفاعي، حيث هَدَف اغتياله وفق بيان وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إلى حماية الجنود والمواطنين الأمريكيين في العراق وفي الشرق الأوسط، ولا سيما بعد استهداف كتائب "حزب الله" والميلشيات الموالية لإيران قواعد عسكرية تضم جنودًا ودبلوماسيين أمريكيين، وكذلك السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء.

لكن معارضي تسويغ الإدارة الأمريكية بأن اغتيال سليماني كان ضمن سلطة الرئيس الدستورية وفق المادة الثانية من الدستور، يرون أن المادة تطبق في ظروف محدودة للغاية، وهي الهجوم الوشيك، وهذا لم يكن متوفرًا في حالة اغتيال قائد "فيلق القدس". ويشيرون إلى أن التهديد الذي كان يمثله سليماني وإيران على مصالح الولايات المتحدة وجنودها ومواطنيها في المنطقة ليس وليد اليوم، ما يعني أن أمام الرئيس متسعٌ من الوقت للحصول على تفويض من الكونجرس قبل استخدام القوة العسكرية في الخارج.

أما التيار الثاني فيري أن من حق الرئيس استخدام القوة العسكرية خارجيًا لحماية الأمن القومي الأمريكي ومصالح الولايات المتحدة وصون أمن مواطنيها في الخارج، حتى وإن لم يحصل على تفويض من الكونجرس، وتستند حجج هذا التيار على رفض مزاعم مشرعي الكونجرس بأن القوات الأمريكية تشارك في أعمال قتالية عدائية خارج الأراضي الأمريكية، ولا سيما في الأعمال القتالية الدائرة في اليمن، أو التي تؤثر عليها. ويؤكد أنصار هذا التيار على أن استخدام إدارة الرئيس ترامب للقوة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط يأتي متفقًا مع تفويضي الكونجرس للرئيس بوش لمكافحة الإرهاب في الخارج، وحماية المصالح والأمن القومي الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط.

ومنذ إقرار قانون سلطات الحرب في عام 1973 ومعظم الرؤساء الأمريكيين يرونه انتهاكًا غير دستوري للصلاحيات التي يمتلكها الرئيس بموجب الدستور، وكونه قائدًا عامًا للجيش الأمريكي. واتساقًا مع هذا الاتجاه يري الرئيس ترامب أن مشاريع القوانين التي يناقشها الكونجرس التي تقوض حقه في استخدام القوة العسكرية خارجيا يُعد تدخلًا في سلطته الدستورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. وكذلك إضعاف قدرات القوات العسكرية الأمريكية على إدارة الاشتباكات العسكرية بكفاءة وفاعلية والانسحاب بطريقة منظمة في الوقت المناسب.

يري ترامب وأعضاء إدارته أن محاولات الكونجرس لتقويض سلطة الرئيس في تحريك الجنود الأمريكيين في الخارج أو استخدام القوة العسكرية ضد خصوم الولايات المتحدة يقوض من جهود الإدارة لمنع انتشار التنظيمات الإرهابية والمتطرفة مثل تنظيمي "القاعدة" و"داعش"، ناهيك عن أنه يشجع السلوك الإيراني الخبيث في اليمن، ودور طهران الإقليمي المزعزع للاستقرار والأمن في الشرق الأوسط، ويزيد من جرأة خصوم الولايات المتحدة لتهديد مصالحها واستهداف مواطنيها وجنودها المنتشرين حول العالم. وقد أشار الرئيس ترامب في رسالته التي تضمن قراره باستخدام حق الفيتو ضد القرار المشترك لمجلسي النواب والشيوخ لسحب القوات الأمريكية المقاتلة في اليمن إلى أن هذ القرار يحد من سلطته لحماية حياة أكثر من 80 ألف أمريكي يقيمون في بعض دول التحالف، لأن الحوثيين يستخدمون بدعم من إيران الصواريخ، وطائرات بدون طيار، والقوارب المتفجرة لاستهداف مناطق مدنية وعسكرية في مناطق يقصدها المواطنون الأمريكيون.  

محاولات الكونجرس لاستعادة سلطته الدستورية

منذ فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس لعام 2018، وهم يعملون بقوة في إطار معارضتهم للسياسة الخارجية للرئيس ترامب، على استعادة المؤسسة التشريعية سلطتها الدستورية بإعلان الحرب، أو التفويض بمشاركة القوات الأمريكية في النزاعات والصراعات الخارجية. وتتمثل أبرز جهود الكونجرس في هذا الشأن فيما يلي:

أولاً، تقديم مشاريع قوانين إلى مجلسي الكونجرس (مجلس النواب والشيوخ) تقوض من قدرة الرئيس على استخدام القوة العسكرية بدون الرجوع إلى الكونجرس، وتدعو إلى سحب القوات الأمريكية من مناطق النزاع في الخارج. وبالفعل مرر المشرعون الأمريكيون في أبريل 2019 مشروع القانون المشترك (S.J. Res. 7) لسحب القوات الأمريكية من المشاركة في الأعمال القتالية الدائرة في اليمن أو التي تؤثر عليها. وقد مرَّره مجلس الشيوخ في 13 مارس 2019 بموافقة 54 سيناتورًا مقابل رفض 46 آخرين، ومجلس النواب في 4 أبريل 2019 بموافقة 247 نائبًا مقابل رفض 175 نائبًا.

ومع تخوف كثير من المشرعين الأمريكيين من انخراط الولايات المتحدة في حرب مع إيران لا يرغبون فيها بدون موافقتهم في أعقاب مقتل قائد فليق القدس قاسم سليماني والتصعيد الأمريكي-الإيراني المتبادل منذ مايو 2019 في إطار استراتيجية "الضغوط القصوى" الأمريكية، واستراتيجية المقاومة الإيرانية لها، بدأ مجلسا الكونجرس في مناقشة عديد من مشاريع القرارات التي قدمها أعضاء ديمقراطيين، وتحظي بتأييد من بعض المشرعين الجمهوريين لتقويض سلطة الرئيس لشن عمل عسكري ضد إيران.

ثانياً، استناداً على سلطة "المَحْفَظَة" التي يملكها الكونجرس قدمت مشاريع قوانين تحظر على الإدارة الأمريكية إنفاق أي أموال لشن عمل عسكري خارجي بدون موافقة الكونجرس، أو بما يتوافق مع قانون سلطات الحرب لعام 1973. ونظراً لأن تكلفة الحرب مرتفعة، فإن عدم قدرة السلطة التنفيذية على تمويل الحرب أو عمل عسكري يُقوِّض من فرصتهما.

ثالثاً، العمل على إلغاء تفويض عام 2001 و2002 اللذين مُنحا مباشرة لإدارة الرئيس السابق بوش، لاستخدام القوة العسكرية خارجيًّا بدون الرجوع إلى الكونجرس. وفي ظل الصعوبة التي تواجه المشرعين الديمقراطيين لإلغاء التفويضين طرح البعض فرض مزيد من الرقابة على استخدام الرئيس للقوة العسكرية بموجبها، في حين يطرح أخرون إصدار تفويض جديد للرئيس باستخدام القوة العسكرية ولكن محدد المهمة والوقت، ولا يكون بدون سقف زمني كالتفويضين السابقين، اللذين اعتمد عليهما الرئيس الأمريكي السابق أوباما والحالي ترامب في تسويغ استخدام القوة العسكرية في الشرق الأوسط.

الصعوبات التي تواجه مساعي الكونجرس

تتمثل أبرز الصعوبات والإشكاليات التي تواجه المؤسسة التشريعية لاستعادة سلطتها الدستورية التي تنازلت عنها للرئيس منذ سنوات، والتي جعلته ينفرد بقرار الحرب وتحريك القوات العسكرية في الخارج بدون إذن من الكونجرس، في صعوبة تمرير مشروع قانون مُلزِم يحد من قدرة الرئيس على استخدام القوة العسكرية بدون الرجوع إلى الكونجرس، حيث يحتاج تمرير أي من المشاريع التي تفرض مزيد من القيود على سلطة استخدام الرئيس للقوة العسكرية في الخارج الأغلبية البسيطة داخل مجلسي الكونجرس، ولكن الرئيس لديه سلطة استخدام حق النقض ضدها، ولعدم ضمان تصويت ثلثي أعضاء الكونجرس على مشروع القانون لتخطي فيتو الرئيس لا يصبح قانونًا.

وهذا ما حدث مع مشروع القانون المشترك الذي مرره مجلسي الكونجرس في أبريل 2019 الذي يدعو لسحب القوات الأمريكية من المشاركة في الأعمال القتالية الدائرة في اليمن، أو التي تؤثر عليها، حيث تم تمريره بالأغلبية البسيطة من المجلسين، ولكن ترامب استخدم في السادس عشر من الشهر ذاته حقه الدستوري (الفيتو) في معارضة القرار، ولعدم تأييد ثلثي المشرعين لمشروع القرار، فإنه لم يمر ويصبح مُلْزمًا للرئيس.

وعلى الرغم من عدم نجاح الكونجرس بتخطي فيتو الرئيس على القرار المشترك، إلا أنه يَحْمِل رسالة للرئيس ترامب بأن المؤسسة التشريعية، وليس هو، مَنْ يملك حق إعلان الحرب، والتفويض بإرسال القوات الأمريكية للمشاركة في القتال خارج أراضي الولايات المتحدة.

وكثيرًا ما يتخطى الرؤساء سلطة الكونجرس في إعلان الحرب والتفويض بتحريك القوات الأمريكية في الخارج بالاستناد إلى أن استخدامهم القوة العسكرية بصورة منفردة جاء ردَّاً على تهديدات ضد الولايات المتحدة أو أحد مواطنيها، وأن استخدام القوة العسكرية لا يُشكل حربًا بالمعني الدستوري، وأن أعمالهم العسكرية لا ترقى في الواقع إلى "الأعمال العدائية" التي يحددها القانون. وبدلًا من السعي للحصول على موافقة الكونجرس قبل استخدام القوة العسكرية، أو توريط القوات الأمريكية في نزاع خارجي، يميل كثير من الرؤساء على التصرف بصورة منفردة مع تشكيل فريق من المستشارين القانونين للدفاع عن تصرف الرئيس المنفرد وعدم التزامه بما ينص عليه الدستوري الأمريكي وقانون سلطات الحرب لعام 1973.

وبالإضافة إلى ما سبق، فإن قانون سلطات الحرب لعام 1973 يتضمن ثغرتين رئيستين تمنحان الرئيس الأمريكي فرصة لتنفيذ عمليات عسكرية خارجية بدون موافقة الكونجرس. تتمثل أولاهما في أنه إذا قام بعمل عسكري منفرد فإنه يبلغ الكونجرس في غضون 48 ساعة، ويمكنه بدء وتنفيذ العلميات العسكرية لمدة 90 يوماً بدون موافقته. أما الثغرة الثانية، فهي إن الرئيس يمكنه خوض حرب دون إبلاغ الكونجرس أو استشارته كما يتطلب الدستور وقانون سلطات الحرب، من خلال تشكيل تحالفات دولية أو استناداً إلى قرارات من مجلس الأمن تخول الولايات المتحدة بخوض حرب خارج أراضيها.

الخلاصة

إن التنازع بين الرئيس والكونجرس على سلطة الحرب تاريخي، وإن كانت السلطة التشريعية في كثير من الأوقات قد تنازلت عن حقها الدستوري لصالح السلطة التنفيذية، لينفرد الرئيس بقرار الحرب. ولكن مع اخفاقات تلك الحروب في تحقيق أهدافها، وارتفاع تكلفتها، يسعى الكونجرس إلى استعادة دوره الدستوري في إعلان الحرب أو السماح بانخراط القوات العسكرية الأمريكية في الأعمال القتالية في الخارج.

وعلى الرغم من محاولات الكونجرس بمجلسيه المتكررة راهنًا لاستعادة سلطته الدستورية بإعلان الحرب، أو التفويض بمشاركة القوات الأمريكية في النزاعات والصراعات الخارجية، فإن كثيرًا منها تواجه صعوبات وإشكاليات عدة، بما يجعل الرئيس حتى وقتنا هذا هو من له القول النهائي، ولاسيما في ظل تردد السلطة القضائية في الفصل في النزاعات بين الرؤساء الأمريكيين والكونجرس فيما يتعلق بسلطة الحرب.

 

* باحث مصري متخصص في الشؤون الأمريكية.

 

أحدث المواضيع المميزة