تطورات الموقف الروسي في الأزمة السورية: مُقارَبة جديدة أم تطوير سياسات قديمة؟

مركز الإمارات للسياسات | 22 سبتمبر 2020

تكتسي الزيارة التي قام بها الوفد الروسي إلى دمشق، في 7 سبتمبر الجاري، برئاسة نائب رئيس الوزراء، يوري بوريسوف، واللقاءات التي أجراها مع مسؤولي النظام، أهمية خاصة بالنظر إلى وتيرة التجاذبات الإقليمية والدولية في الملف السوري حالياً، إضافةً إلى توقُّع أن تُشكِّل هذه الزيارة منعطفاً في السياسة الروسية تجاه الأزمة السورية، وأن تعطي مؤشرات على اتجاهات السياسة الروسية تجاه المنطقة، وشكل علاقاتها مع الأطراف الدولية الفاعلة فيها. وهذه الورقة تحاول استكشاف طبيعة التغيرات في السياسة الروسية، على خلفية هذه الزيارة، والعناصر الجديدة في هذه السياسة.

نحو مرحلة جديدة

يُؤشِّر توقيت الزيارة، وتركيبة الوفد الروسي الذي زار دمشق، إلى أن موسكو ترغب في تدشين مرحلة جديدة في التعامل مع الملف السوري، بالتمهيد لاستراتيجية تتعاطى مع المشهد السوري بشكل واقعي ومحدَّث، وذلك بالنظر إلى أن انسداد مسار العملية السياسية يُؤثِّر بشكل جلي على خطط روسيا في استثمار انتصارها العسكري وتحويله إلى عوائد دبلوماسية واقتصادية.

التغيُّر الروسي وحدوده

  • كشفت تصريحات وزير الخارجية سيرغي لافروف ماهية التغيير في الموقف الروسي وحدوده، والذي لا يزال مرتبطاً بالرؤية الروسية للحل في سوريا ومصالحها في هذا البلد، وبالرغم من تصريح بعض المصادر الروسية بأن الوفد قد أوصل رسالة محدّدة لنظام الأسد بأنه إذا لم يُقدم على إصلاحات فسيظل بلا تمويل، وسيبقى فقط في جزء من سوريا[1]، إلا أن تسريبات قريبة من مصادر في روسيا كشفت عن حدود التغيير الروسي من خلال البرنامج الذي قدمه الوفد للقيادة السورية والذي يتضمن:
  • إجراء تعديل دستوري، ثم الاستفتاء عليه، وهو ما يمكن إنجازه تقريباً بحلول مارس 2021.
  •  يليه انتخابات برلمانية في مايو 2021.
  •  ثم انتخابات رئاسية في شهر يوليو2021.
  • وتتفق هذه الإجراءات، من الناحية الشكلية، مع قرار مجلس الأمن رقم 2254[2]. ويتَّضح أن الإصلاح الذي تقصده روسيا غير المطلوب دولياً تنفيذه من النظام، ودليل ذلك:
  • موافقة روسيا النظام السوري على عدم وضع سقف زمني لأعمال اللجنة الدستورية، وهو ما يتفق مع خطة النظام التي نفذها الوفد الممثل له في اجتماعات اللجنة الدستورية، الذي لم يوافق على الخوض في جوهر الدستور، لوجود قرار ضمني بتأجيل أي إصلاح دستوري إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية في منتصف 2021 بحيث تجري بموجب دستور عام 2012، الذي يعطي صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية ويدشن ولاية ثالثة للرئيس الأسد، ويحدد معايير الترشح للانتخابات الرئاسية.
  • أيدت روسيا إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المقرّر في العام المقبل، حتى لو لم يحصل أي تقدم على صعيد عمل اللجنة الدستورية.
  • تأكيد عدم موافقة روسيا على تشكيل هيئة حكم انتقالي مؤقت حسب مقتضيات قرار مجلس الأمن 2254 التي اعتبرها لافروف بالنهاية بديلاً عن اللجنة الدستورية، وانطلاقاً من انتفاء الحاجة لها، لأن هذه النوعية من المجالس تتشكل في الحالات الطارئة، بينما الوضع في سوريا شبه مستقر، تسود فيه الهدنة ووقف إطلاق النار في جميع المناطق[3].

تفضيلات روسيا ورهاناتها

تتفق هذه المعطيات مع التوجهات الروسية التي تقوم على عدم وجود بديل للرئيس الأسد، لإدراكها صعوبة إيجاد بديل له من الطائفة العلوية، كون ذلك من شأنه إثارة مشاكل تؤثر على نفوذها ومصالحها التي يتركز أغلبها في الساحل.

كما أنها لا ترغب في منح سلطة وتأثير حقيقيين للمعارضة السورية التي تعتبرها مؤيدة للغرب وستؤثر على مصالحها في سوريا.

وما تريده روسيا هو أن يغادر النظام التشدد المطلق تجاه الملفات المختلفة وإيجاد نوع من المرونة التي من شأنها التأثير في الموقف الدولي، وذلك من خلال تحقيق بعض الإنجازات على مستوى اللجنة الدستورية (تعديل دستوري)، وبعد ذلك حلحلة القضايا الأخرى بالتدريج، كالانتخابات البرلمانية والرئاسية[4]. أما على ماذا تراهن روسيا لفرض هذه الأجندة على الأطراف الفاعلة، بالشكل الذي يدفعها إلى القبول بهذه الصيغة وإلغاء العقوبات أو كسر الحصار على نظام الأسد، فيمكن توضيح ذلك في الآتي:

  • الرهان الأول معقود على فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن بالانتخابات الأمريكية واحتمال انسحابه من الشرق الأوسط الذي لا يرى ثمة فائدة من بقاء الولايات المتحدة فيه، حسب ما ورد في مقال لمجلة "فورين افيرز"[5].
  • تقدير روسي بقدرة روسيا على شق الصف الدولي فيما يخص العقوبات على سوريا والحصار عليها، على الأقل من قبل الدول المعاقبة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية أو التي ليس لها مصلحة، وقد أكد مصدر إعلامي مقرب من دوائر صنع القرار مساهمة روسيا في تشكيل تحالف دولي، خلال الأيام القريبة القادمة، لتقديم مساعدات كبيرة لسوريا دون اشتراطات، مُؤكِّداً أن هذه المبادرة تحظى فعلياً بقبول عدد من الدول[6].
  • الرهان على اختراق مكونات المعارضة للقبول بإجراء تعديلات دستورية تسمح للأسد بالبقاء في السلطة، وهو ما يتجلى مثلاً في محاولاتها إدخال الطرف الكردي، ممثلاً بـ "حزب الاتحاد الديمقراطي" وذراعه السياسية "مسد" ضمن اللجنة الدستورية، ورعاية الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين "مسد" و"منصة موسكو" التي يرأسها قدري جميل.

أولويات المرحلة المقبلة

كشفت التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الروس على هامش الزيارة وجود أربع أولويات في هذه المرحلة، ويبدو أنها شكَّلت جوهر الرسالة التي أرادت روسيا إيصالها للنظام السوري في هذه الزيارة.

أولاً: التأكيد على نهاية الحرب، فلا "حل عسكري" للأجزاء التي ما زالت غير خاضعة لسيطرة الحكومة السورية، وخاصة شرق الفرات والمناطق التي تسيطر عليها تركيا، وحل هذه المسألة يجب أن يكون جزءاً من التسوية النهائية، وأن هذه المرحلة هي مرحلة العمل السياسي.

ثانياً: احترام الترتيبات الروسية مع تركيا والولايات المتحدة، وبرز ذلك واضحاً عبر إشارة وزير الخارجية الروسي لافروف إلى أن اتفاقات روسيا وتركيا ساهمت في تحسين الوضع وإعادة أجزاء مهمة من الأراضي لسيطرة الحكومة السورية، مُؤكِّداً استمرار التزام الطرفين الروسي والتركي بهذه الاتفاقات. وبالنسبة للولايات المتحدة، وبرغم الحملة الإعلامية الروسية على الوجود الأمريكي في شرق الفرات، فقد جاءت الإشارة واضحة من بوريسوف في عدم وجود نية للتحرك ضد الوجود الأمريكي من خلال حديثه "عن حرمان سوريا من الجزء الأعظم من ثرواتها"، وهو ما يُفسَّر بأنه إقرار روسي بواقع اقتصادي يصعب تغييره في الوقت الراهن. وثمّة ترجيح بأن روسيا تنتظر نهاية الاستحقاق الانتخابي الأمريكي للاتفاق على آليات وتفاهمات جديدة لإدارة العلاقات بين الطرفين في سوريا.

ثالثاً: ضرورة تحسين النظام علاقاته مع الأكراد، ويأتي ذلك في سياق مسعى روسيا إلى إشراك الأكراد في العملية السياسية، في إطار خطة روسية تهدف إلى سحب البساط من تحت أقدام النفوذ الأمريكي في الشرق السوري، وذلك عبر آليات محددة تقوم على اختراق "قسد" وتعميق الانقسام بين تيار يوالي الولايات المتحدة وآخر يواليها والنظام السوري[7].

رابعاً: إعادة الإعمار؛ ويأتي ذلك من خلال تأكيد لافروف على أن الوضع في سوريا يتجه إلى الهدوء تدريجياً، ممَّا يعني أن الأولوية التي تتصدر المشهد في ظل الهدوء هي إعادة الإعمار، مع استنفار المساعدات الدولية.

ويبدو أن الروس أحضروا خطة من شقين:

  • الشق الأول: إطلاق مبادرة دولية لتمويل إعادة الإعمار في سوريا، برغم أن روسيا سبق أن قامت بمحاولة مثيلة في نهاية عام 2018، إلا أن مبادرتها فشلت، ولعلها مطمئنة هذه المرة من احتمال نجاح مبادرتها.
  • الشق الثاني: تقديم مساعدات اقتصادية عاجلة للنظام السوري وإنقاذه من الأزمة التي يمر بها، وذلك عبر ضخ كمية من الأموال في السوق السورية في إطار تشغيل الاستثمارات الروسية في العديد من القطاعات الاقتصادية.

تباينات بين الطرفين

بدا واضحاً وجود عدم قبول من النظام السوري ببعض الطلبات الروسية في المواضيع العسكرية والسياسية؛ فقد أصرت سوريا، على لسان وزير خارجيتها وليد المعلم، على عدم الاعتراف بالترتيبات الروسية-التركية، من خلال تشديد المعلم على أن الوجود التركي هو احتلال للأراضي السورية، وهو ما دفع لافروف إلى التذكير بأن التوافق مع تركيا والعمل في إطار أستانا ساهما في استعادة جزء من الأراضي لسيطرة النظام[8].

وكان لافتاً توجيه قوات النظام ضربات لموقع تحت سيطرة المعارضة، في الفترة التي تلت زيارة الوفد الروسي، وشاركت الطائرات الروسية بغارات على هذه المناطق، وخاصة ريف اللاذقية الشمالي، كما نشرت روسيا نظام صواريخ "غيرميس" القادر على تدمير الدبابات على مسافة مئة كيلو متر حسب مجلة "المصلحة القومية" الأمريكية[9]، وهو ما يُشكِّل تهديداً خطيراً على المدرعات التركية في شمال سوريا. ويعني أن روسيا أرادت طمأنة النظام السوري من جهة، وردع تركيا من أي محاولة لتغيير الأوضاع الميدانية شمال سوريا من الجهة الأخرى.

وهناك تباين آخر ظهر في الموقف من الأكراد، وقد عبر وزير الخارجية السوري وليد المعلم عن ذلك بتأكيده رفض كل ما يتعارض مع الدستور، ممَّا يعني أن الوفد الروسي أعاد طرح فكرة الفيدرالية، أو قبول النظام منح الأكراد وضعاً خاصاً لجهة إدارة مناطقهم.

وبرغم محاولات الوفد الروسي الضغط على النظام في هذا المجال، انطلاقا من خطة موسكو باستقطاب الأكراد الى صفها، إلا أنه لا يبدو واضحاً أنها حقَّقت أي اختراق في موقف النظام الذي ينطلق من الاعتقاد بأن منح الأكراد حق الحكم الذاتي لمناطقهم سيتبعه مطالبة مناطق كثيرة، وخاصة جنوب سوريا، السويداء ودرعا، بالحصول على هذا الحق، الأمر الذي يعني إضعاف قبضة حكم النظام في سوريا.

مركزية البعد الاقتصادي

شكَّل البعد الاقتصادي ركناً أساسياً في مجريات زيارة الوفد الروسي، على أساس أن سبب الزيارة اجتماعات اللجنة العليا الروسية-السورية في دورتها الثانية عشر. وقد لوحظ أن أغلب الاتفاقيات ركّزت على إحياء البنية التحتية لصناعة الطاقة الكهربائية، على اعتبار أن هذا هو المحرك الرئيس للانتعاش الاقتصادي، حيث تُخطِّط روسيا لإعادة بناء حوالي 40 منشأة بنية تحتية في سوريا، ويتضمن ذلك إصلاح محطات للطاقة الكهرومائية التي بناها متخصصون سوفييت. وتشير بعض المصادر إلى أن النظام السوري تقدَّم بطلبين مستعجلين للوفد الروسي:

  • الأول، تزويد سوريا بالطاقة، حيث تشهد عجزاً كبيراً في هذا المجال، على أبواب شتاء من المتوقع أن يكون قاسياً، وذلك في ظل توقف الإمدادات الإيرانية نتيجة تعليق خط الائتمان مع سوريا.
  • فتح خطوط ائتمان مع موسكو لتعويض التمويل الإيراني الذي طالما ساعد النظام على تسيير شؤونه الداخلية[10].

الهيمنة على الاقتصاد

يدرك الجانب الروسي حاجة النظام السوري للأموال في هذه المرحلة، وأنها تشكل المفتاح الأساسي للهيمنة على الأصول السورية ووضعها تحت سيطرة روسيا، وفي هذا الإطار تشير معلومات إلى أن الجانب الروسي قدّم إلى النظام إغراءات مالية واقتصادية بينها قروض ومنح لتخفيف الأزمة الاقتصادية وتحسين سعر صرف الليرة السورية[11].

ومقابل ذلك سيكون بالطبع ترسيخ سيطرة الشركات الروسية على مفاصل الاقتصاد السوري، وتكشف تقارير تابعت النشاط الروسي في السنتين الأخيرتين أن الشركات الروسية سيطرت على مساحة واسعة من الاقتصاد السوري، بحيث أصبحت عوائد عملية الإعمار المقبلة تصب لصالحها، مهما تكن الجهة المستثمرة[12].

وبالإضافة إلى الطاقة الكهربائية والموانئ والنفط والغاز ومعامل الأسمدة، تتطلع روسيا إلى السيطرة على قطاعات الاتصالات وصناعة الاسمنت وحديد البناء وسواها من الصناعات المربحة.

مفاوضات معقّدة

تكشف سياسات روسيا ونظام الأسد المتبادلة في الجانب الاقتصادي اتِّباع الطرفين لعبة ابتزاز مكشوفة، حيث تضغط روسيا إعلامياً وعسكرياً على نظام الأسد، وتُذكِّره دائماً بمحورية دورها في إنقاذه من السقوط، من أجل إجباره على منحها المزيد من الامتيازات الاقتصادية في سوريا، وفي مقابل ذلك يُحاول النظام السوري الاحتفاظ ببعض الأوراق وعدم منح الروس كل ما يريدون دفعة واحدة، بدليل ما كشفه بوريسوف بأن "موسكو طرحت في يوليو الفائت اتفاقاً لتوسيع العلاقات الاقتصادية غير أن دمشق تعكف على دراسته"، وتوقَّع إبرام الاتفاق في ديسمبر المقبل خلال زيارته المقبلة إلى العاصمة السورية.

وكان لافتاً اعتراف الرئيس بشار الأسد، بشكل علني، بوجود خلاف في الجانب الاقتصادي، من خلال تأكيده لدى استقباله الوفد الروسي على أنه جرى إحراز تقدم على صعيد إيجاد حلول مقبولة بشأن عدد من القضايا.

وضع إيران في سوريا

لم يرد أي ذكر لموقف روسيا من الوجود الإيراني، وذلك باستثناء ما قاله وزير الخارجية سيرغي لافروف في جوابه على سؤال صحفي إنّ "الوجود الإيراني في سوريا أمر لا يخص روسيا، بل هو قرار سيادي للنظام السوري"، وبما أن الأسئلة الصحفية كانت محضرة ومدروسة مسبقاً، حسب تأكيدات جهات مطلعة في سوريا، فإن لافروف أراد وضع الكرة في ملعب النظام السوري.

وقد أكدت مصادر مطلعة على حيثيات المفاوضات التي أجراها الوفد الروسي في دمشق، أن الوفد طلب من النظام السوري إعادة تموضع جيو-سياسي يتعلق بالعلاقة مع إيران وتخفيف دور سوريا في «الهلال الإيراني» لضمان تنفيذ الاتفاق الروسي-الأمريكي الذي يضمن إبعاد إيران عن جنوب سوريا، ولتمهيد الطريق أمام دول عربية وأوروبية لـتطبيع العلاقات والمساهمة في إعادة إعمار سوريا[13].

غير أن تسريبات ألمحت إلى طلب لافروف انسحاب كل المحور الإيراني من جنوب سوريا، تطبيقاً للاتفاقيات التي عُقِدت سابقاً مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وقيل فيها إن على إيران أن تنحسب لعمق 80 كيلو متراً بعيداً عن حدود إسرائيل. كما تحدثت التسريبات أيضاً عن عدم ارتياح روسيا لوجود الميليشيات الأفغانية والباكستانية داخل الأراضي السورية، وأن عليها الرحيل[14].

وأكدت مصادر إعلامية مقربة من إيران، استناداً إلى مصادر روسية، أن لافروف "طلب من الرئيس السوري بشار الأسد التضحية بوجود المستشارين الإيرانيين وحلفائهم على أرض سوريا، مقابل عودة سلطة الدولة السورية إلى الشرق السوري بالتفاهم مع الأكراد برعاية روسية، وفي الوقت نفسه، يمكن لموسكو أن تضمن انسحابا تدريجياً هادئاً للقوات التركية من الشمال السوري"[15].

ويأتي ذلك في وقتٍ يشتد فيه الصراع بين وكلاء روسيا في جنوب سوريا "الفيلق الخامس"، ووكلاء إيران "الفرقة الرابعة"، على الاستحواذ على النفوذ في مناطق درعا والقنيطرة، وقيام إيران بإعادة تسليح عناصر الدفاع الوطني في السويداء للانتقام من اللواء الثامن في الفيلق الخامس بقيادة أحمد العودة الذي سيطرت قواته على أجزاء من أراضي السويداء القريبة من الحدود الإدارية في درعا وقتلت عدداً من المقاتلين الدروز.

الخلاصة والاستنتاجات

بعد الإعلان عن الزيارة، وقبل وصول الوفد الروسي إلى دمشق، توقعت الكثير من الجهات إعلان روسيا عن مقاربة جديدة للتعاطي مع الملف السوري، ورفعت تلك الجهات سقف توقعاتها للنتائج المحتملة للزيارة، وذهبت الكثير من التقديرات إلى أن الوفد الروسي سيفرض على النظام السوري خيارات صعبة، وخاصةً فيما يتعلق بالعملية السياسية والانتقال السياسي، انطلاقاً من إدراك روسيا أن سياستها في سوريا وصلت إلى طريق مسدود، بدليل عدم القدرة على تحويل النجاحات العسكرية إلى عقود سياسية قابلة للتسويق، مما يتطلب البحث عن مخرج سياسي للأزمة، باعتبار أن البدائل ستكون استمرار الاستنزاف العسكري والاقتصادي لروسيا.

لكن النتائج المعلنة للزيارة خالفت هذه التوقعات، وذلك في ضوء تأييد روسيا للنظام السوري في مسألتين مفصليتين، تمثَّلتا في عدم وضع سقف زمني لعمل اللجنة الدستورية، بعد تأكيد لافروف استحالة هذا الأمر، ثم تأييدها لحق النظام السوري في إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، حتى لو لم يحصل تقدم في عمل اللجنة الدستورية، وهو ما ينسف أي إمكانية لإحداث تغيير في الوضع السوري يدفع الأطراف الخارجية لتغيير مواقفها.

ويبدو أن روسيا تدرك هشاشة التوازنات التي تعمل على إدارتها في سوريا، الأمر الذي يتطلب مرونة كبيرة في تعاملها مع مختلف أطراف اللعبة، واستخدام المناورة بين هذه الأطراف لتحقيق أهدافها، إذ لا تستطيع مسايرة الأمريكيين في إحداث تغيير كبير في بنية النظام وسلوكه؛ لمعرفتها بهشاشة النظام الذي لا يحتمل تغيرات من هذا النوع، ولأن هذا الأمر يُشكِّل أيضاً مغامرة خطرة على وجودها في سوريا، وكذلك فإن روسيا لا تستطيع إخراج إيران وتركيا من سوريا؛ نظراً للتداعيات التي قد يجرها مثل هذا الأمر، في ضوء تغلغل هاتين القوتين في البنى الاجتماعية السورية، وبنفس الوقت لا تستطيع روسيا تلبية جميع مطالب نظام الأسد الاقتصادية والعسكرية؛ لأن ذلك يفوق طاقتها. ولهذا اتخذت المقاربة الروسية الجديدة تجاه الملف السوري نمطاً جديداً يقوم على توليفة من عدة عناصر:

  • تجميد المرحلة العسكرية والانتقال إلى عملية سياسية، ليس بالضرورة أن تتوافق مع الاشتراطات الدولية.
  • تجزئة حل الأزمة السورية من خلال تفكيك عقدها، وقد تكون تلك استراتيجية قديمة جربتها روسيا منذ اتفاقات مناطق خفض التصعيد، لكن تلك الاستراتيجية ركَّزت على الجوانب العسكرية واليوم يجري نقلها إلى الجانب السياسي.
  • التركيز على بعض التفاصيل، وتحديداً الموضوع الكردي، وإشراك "الإدارة الذاتية" في ملف التسوية، لمنح روسيا قدرة على التحرك السياسي على المستوى الدولي افتقدتها في الآونة الأخيرة، بعدما انتهى عملياً مسار أستانا، وأصبحت اجتماعاته مجرد بروتوكول شكلي، ومحاولة لاسترضاء الأمريكيين عبر جَعْل حليفهم جزءاً من اللعبة السياسية.
  • ضمان المصالح وتثبيت الحصة الروسية من الاقتصاد السوري وجَعْل روسيا في وضع تصبح فيه المستفيد الأول في عملية إعادة الإعمار.
  • العنصر الأبرز في المقاربة الروسية الجديدة التأكيد على عدم وجود بديل لنظام الأسد، ولا لشخص بشار الأسد، في الأمدين القريب والمتوسط، لأن الأسد ونظامه يشكلان الضمانة الأهم لتحقيق روسيا مصالحها في سوريا.

وبناء على ذلك، فإن روسيا قد رسمت خياراتها، وحدَّدت تفضيلاتها للمرحلة المقبلة، والتي غالباً سترتكز على اختراق الموقف الدولي، والرهان على تعب الأطراف الأخرى، برغم أن هذه الاستراتيجية قد تتطلَّب وقتاً طويلاً لتحقيق نتائجها.

الهوامش

[1] رائد جبر، "روسيا تطوّر «استراتيجية جديدة» في التعامل مع الملف السوري"، الشرق الأوسط، 11 سبتمبر 2020.

[2] المصدر نفسه.

[3] رامي الشاعر، "الدستور السوري بين اختصار المعلم وإسهاب لافروف"، زافترا الروسية، ترجمة رأي اليوم، 11 سبتمبر 2020.

[4] رولا اليوسف، "مفاجأة الوفد الروسي إلى دمشق: "فك الحصار عن سوريا"، أنديبندنت عربية، 8 سبتمبر 2020.

[5] "الشرق الأوسط في عهد بايدن: ليس أولوية.. لأن بلا أهمية"، موقع المدن الالكتروني، 10 سبتمبر 2020.

[6] "الدستور السوري بين اختصار المعلم وإسهاب لافروف". مصدر سابق.

[7] يمان نعمة، "هذه الأهداف الاقتصادية من زيارة الوفد الروسي لدمشق"، عربي 21، 8 سبتمبر 2020.

[8] أمين العاصي، "لافروف في دمشق بعد غياب 8 سنوات"، العربي الجديد، 6 سبتمبر 2020.

[9] "مجلة أمريكية: صواريخ "غيرميس" الروسية في سوريا تحمل رسالة واضحة"، موقع روسيا اليوم، 11سبتمبر 2020.

[10] فالح الحمراني، "موسكو وتجديد الخيارات في الملف السوري"، القدس العربي، 12 سبتمبر 2020.

[11] إبراهيم حميدي، "4 نصائح روسية إلى «الحليف السوري الصعب»"، الشرق الأوسط، 7 سبتمبر 2020.

[12] طارق صبح، "سوريا تخسر مواردها الاقتصادية لصالح الشركات الروسية"، موقع تلفزيون سوريا، 11 سبتمبر 2020.

[13] "4 نصائح روسية.."، مصدر سابق.

[14] تيم الحاج، "زيارة دمشق.. روسيا ترتب بيت نظام الأسد لدعم استراتيجيتها بسوريا"، تلفزيون سوريا، 9 سبتمبر 2020.

[15] "هل طلب لافروف من الأسد انسحاب الإيرانيين!"، موقع 180، 12 سبتمبر 2020.

 

أحدث المواضيع المميزة

عودة نشاط "داعش" في سوريا: الدوافع والتداعيات

مركز الإمارات للسياسات | 19 نوفمبر 2020

النزاع المائي بين إثيوبيا ومصر وخيارات تسويته

نور الدين بيدُكان | 15 نوفمبر 2020