الوضع الراهن والمستقبلي للاقتصاد التركي

مركز الإمارات للسياسات | 14 أكتوبر 2019

تهدف هذه الورقة إلى تحليل واقع ومستقبل الاقتصاد التركي، من خلال تناول مشكلة ديون القطاع الخاص، وسياسات الحكومة في مجال الاقتصاد الكلي، والشفافية في الحسابات والبيانات القومية، والآثار الاقتصادية المحتملة للعلاقات الأمريكية-التركية.

2018 بداية الأزمة في عام

بدأ الركود في الاقتصاد التركي خلال الربع الثالث من عام 2018. وكان هذا الركود متوقعاً جداً، وأدى إلى تأخير نتائج السياسات التي اتبعها الحزب الحاكم منذ عام 2002 لتحقيق النمو الاقتصادي. وتتمثل الركائز الرئيسة لسياسات "حزب العدالة والتنمية" في مجال تحقيق النمو الاقتصادي في المشاريع الضخمة التي أقامها مقاولون من القطاع الخاص بتمويل من الحكومة، وضخّ الائتمان عبر البنوك التجارية، واستقطاب التمويل الخارجي للنظام المالي الكلي. وسارت الأمور على ما يُرام نسبياً حتى عام 2008، واحتفظت تلك السياسيات بمرونتها في أعقاب الأزمة المالية العالمية نتيجة وفرة السيولة العالمية، واستندت إلى افتراض تدفق التمويل الخارجي بشروط تكاليف معقولة.

لكنَّ هذه السياسات أصبحت غير قابلة للاستدامة عندما بدأت البنوك المركزية الرئيسة (البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفدرالي الأمريكي) بتطبيع سياساتها النقدية التحفيزية، حيث ازدادت تكاليف التمويل وإعادة جدولة الديون الحالية بشكل حاد؛ لذلك تمثلت النتيجة الطبيعية للتدهور في الأوضاع المالية العالمية حدوث تراجع في وتيرة النشاطات الاقتصادية أو حدوث نمو سيء؛ أي نمو اقتصادي على حساب حدوث عدم استقرار مالي. ونتيجة السنوات الطويلة من دورات الانتخابات التي بدأت في مارس 2014 ولغاية يونيو 2018، اختار الحزب الحاكم الخيار الثاني.

وواصل الاقتصاد التركي النمو خلال هذه الفترة، وابتعد عن نظيراته مثل اقتصاد جنوب أفريقيا والبرازيل. ونجحت سياسات أردوغان الاقتصادية تماماً في تأجيل وقوع الأزمة، في الوقت الذي أدت إلى إطالة أمدها وجَعَل حلها أكثر تعقيداً. لذلك فإن التعافي من الركود بطيء، إضافة إلى عدم وجود ضوء آخر النفق.

مشكلة ديون القطاع الخاص

تُعَدُّ مشكلةُ الديون القومية السببَ الكامن في الأزمة الاقتصادية الراهنة في تركيا. وبحسب آخر الأرقام التي نشرتها الحكومة التركية، فإن الدَّين القومي التركي وصل إلى 447 مليار دولار. ويصل حجم الديون بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي إلى 61.8%، وهي أعلى نسبة على الإطلاق في تاريخ تركيا. وتعود حصة كبيرة من هذه الديون (199 مليار دولار) إلى القطاع الخاص، وبلغ إجمالي هذه الديون ذروته في فبراير 2018 عند 222 مليار دولار، لكنَّه تراجع إلى 199 مليار دولار في أغسطس 2019. وفي الوقت الذي بدت فيه عملية تراجع نسبة الديون في الميزانية العامة خلال السنة ونصف السنة الماضية إيجابية للوهلة الأولى، غير أنها أدت إلى تراجع حاد في استثمارات القطاع الخاص (23.8% خلال الربع الثاني من عام 2019).

بعبارة أخرى واجهت الشركاتُ الخاصة معضلةَ الاقتراض من أجل مزيد من الاستثمار، أو دفع الديون وتقليص عملياتها. واختارت هذه الشركات الخيار الثاني، الأمر الذي قاد إلى تراجع الاستثمارات الخاصة. ولو اختارت هذه الشركات الخيار الأول فإن عدم الاستقرار المالي سيكون النتيجة المحتملة. لذلك فإن تراكم الديون على القطاع الخاص غير المالي في تركيا يقود إلى معدلات نمو أقل (أو حتى حدوث ركود)، كما يقود إلى حالة من عدم الاستقرار المالي (2013 و2016 و2018) عندما يصبح التمويل غير متاح.

أثر السياسات الاقتصادية الحكومية

سعت وزارة الخزانة والمالية والبنك المركزي في تركيا إلى التعامل مع الأزمة الراهنة أو تأجيل حدوثها على الأقل. وعملت هاتان المؤسستان بشكل ضمني على تطبيق سياسات مالية وسياسات نقدية على التوالي. وبالرغم من زعم المؤسستين التزامهما بالسياسات التقليدية للحفاظ على الاستقرار المالي، غير أن التطبيق كان مختلفاً تماماً.

فقد حافظ البنك المركزي التركي على معدلات فائدة مرتفعة لمدة سنة، الأمر الذي كان كافياً لتطبيع الصدمة النقدية، في الوقت الذي تم فيه تجاهل العمل الحازم في مواجهة التضخم من خلال التخفيف من الموقف النقدي. وأدت معدلات الفائدة المرتفعة إلى منع حدوث توقف مفاجئ في تدفق رأس المال، حيث كانت تركيا على وشك الوقوع في هذه الورطة نهاية صيف عام 2018. وعلى الجانب الآخر أدت سياسات التحفيز الائتمانية إلى استمرار التضخم. ويُعَدُّ معدل التضخم السنوي منخفضاً نسبياً، غير أن مستويات الأسعار ما زالت مرتفعة للغاية. ويعود السبب الرئيس في هذا التناقض إلى استمرار ارتفاع الأسعار مع تراجع معدلات التضخم. ويجب ألّا ننسى أن التضخم ليس مستوى الأسعار بل معدل الزيادة في مستوى الأسعار.

وبدأ البنك المركزي التركي بخفض معدلات الفائدة مؤخراً من أجل تحفيز الائتمان إلى الشركات الخاصة. وإلى جانب هذه السياسة تم إرغام البنوك الخاصة على إبقاء سقوف الائتمان مفتوحة لمجموعات الشركات الضخمة. وأصبح "صندوق ضمان الائتمان" أداةً رئيسة لضخ السيولة النقدية إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج إلى رأس المال المتداول. وجرى استخدام بنوك الدولة لتعزيز نمو القروض، وتحمُّل مخاطر المقترضين الذين ترفض البنوك الخاصة إقراضهم. باختصار، شَكَّلَ خفضُ تكاليف الاقتراض، وتقديم الائتمان إلى القطاع الخاص، أهدافاً رئيسة للسياسة النقدية للبنك المركزي ولهيئة الرقابة والإشراف على البنوك التركية.

كما كانت وزارة الخزانة والمالية التركية على استعداد لتشجيع النمو وتطبيق سياسات مالية غير تقليدية. وبالرغم من عدم وجود قواعد مالية مكتوبة، فإن تحقيق فائض دون فوائد كان هدفاً غير رسمي طوال سنوات حكم "حزب العدالة والتنمية" كلها. وعمدت الحكومة خلال عام 2018 إلى تغيير قرارها، وأصبحت أكثر فاعلية في السياسة المالية. وأصبح العجز في الموازنة ضخماً؛ ما دفع الحكومة إلى البحث عن طرق جديدة لتحقيق التوازن. فبدأت الحكومة عام 2018 بتطبيق حزمة من القوانين، مثل قانون "العفو عن الثروات" من أجل إعادة رؤوس الأموال إلى تركيا، والعفو عن البناء العشوائي مقابل غرامات مالية، ودفع بدل الخدمة العسكرية. لكنَّ 2019 مثَّل عامَ التوصل إلى طرق أكثر إلحاحاً، وبالتأكيد أكثر إبداعاً، للعثور على موارد جديدة لملء الفجوة في الموازنة من خلال اتباع سياسات مثل تحويل احتياطي رأس المال التراكمي فيما يتعلق بالليرة التركية (ما يعادل 8 مليارات دولار). وبالرغم من هذه الإجراءات غير التقليدية ظلَّ العجز في الموازنة أبعدَ من الأهداف المعدلة بكثير.

باختصار، تم استخدام السياسات النقدية والمالية بشكل فاعل وأصبحت أكثر توسعاً، لكنَّ الأسئلة المهمة تمثلت بما إذا كانت هذه السياسات ناجحة ومستدامة. واتسمت هذه السياسات بالفاعلية بما يكفي لتأجيل حدوث الأزمة أكبر قدر ممكن، وتخفيف الأعباء الناجمة عنها. ومازالت المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومجموعات الشركات الضخمة تعمل، والبنوك قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية. كما أن الحكومة قادرة على دفع المخصصات لشركات المقاولات الخاصة، لكنْ مع بعض التأخير. وبالرغم من تراجُع معدلات الرضا عن "حزب العدالة والتنمية" الحاكم فإن الُموالين للحزب مازالوا يدعمونه.

لكنَّ هذه السياسات وصلت إلى الحد الأقصى من الفاعلية. كما أن الدورة الإيجابية لمعدلات التضخم والعجز في الحساب الجاري ستتلاشى ما بعد أكتوبر 2019؛ فلن نشهد مزيداً من التراجع في هذه المعدلات خلال الأشهر المقبلة في أعقاب أكتوبر من دون المخاطرة بالاستقرار المالي. كما أن البنوك الخاصة تعتزم تطبيق سياسة قوية لتقليص الائتمان، ورفض تقديم القروض إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة بالرغم من الضغوط التي تمارسها هيئة الرقابة والإشراف على البنوك التركية. كما أن بنوك الدولة توشك أن تصل إلى الحد الأقصى من تقديم القروض إلى الكيانات التي تم رفض طلباتها للحصول على قروض من جانب المؤسسات المالية الخاصة. علاوة على ذلك فإن 50% من إجمالي الديون الداخلية على الحكومة بحاجة إلى إعادة جدولة خلال عام 2020، نتيجة استراتيجية الاقتراض التي تمارسها وزارة الخزانة والمالية التركية.

ولعل العام المقبل سيكون الأصعب بالنسبة لوزارة الخزانة والمالية التركية والشركات الخاصة على حد سواء، من أجل إعادة جدولة ديونها وسنداتها المستحقة. وسيُطالب حاملو السندات والمقرضون بعلاوات مخاطر إضافية على فوائد القروض، ليس بسبب مخاطر إعادة الجدولة فحسب، بل أيضاً نتيجة لمخاطر عدم القدرة على السداد. باختصار، سيشكل 2020 العام الذي ستنفد فيه فاعلية وكفاءة السياسات الاقتصادية للحكومة التركية. ولعل إعادة جدولة الديون سيشكل أصعب القضايا خلال ذلك العام. وتتمثل الطريقة الوحيد للخروج من هذه الورطة في توافر فرصة تحسن الظروف المالية العالمية. إلا أن الاقتصادات العالمية الرئيسة تقف على حافة الدخول في ركود اقتصادي، ويمكن لتخفيف السياسات النقدية العالمية أن تُمَثِّلُ فرصةً للخروج من الأزمة. لكن يُعتقد بأن الأثر السلبي للركود الاقتصادي العالمي سيتجاوز الأثر الجانبي الإيجابي لهذا الركود، والذي يَتَمَثَّل بالتخفيف الكمي من جانب البنوك المركزية الرئيسة. ويعود السبب الأساسي لهذا الاعتقاد إلى الشكوك التي تراود المستثمرين الأجانب إزاء الرئيس أردوغان.

دعم الدولة للشركات الخاصة

شهدت أسوأُ الأيام خلال الأزمة المالية العالمية لعام 2008 عمليةَ إنقاذ لبعض البنوك الدولية وشركات التصنيع العملاقة، أو عمليات استحواذ من جانب الحكومات الغربية. وطرَحَ بعضُ الخبراء الفكرةَ نفسها على وزارة الخزانة والمالية التركية للوصول إلى حل في حال تعرُّض الشركات التركية الضخمة، وخاصة في القطاعات الاستراتيجية، للإفلاس.

هناك أساليب مختلفة لتطبيق هذه الاستراتيجية. يَتَمَثَّل الأسلوب الأول باستخدام بنوك الدولة لضخ رأسمال للتداول مقابل حصة في أسهم رأس المال كضمان. وجرى استخدام هذا الأسلوب في بعض شركات الإنشاءات والطاقة الكهربائية مؤخراً. لكنْ وبسبب سياسات الائتمان الصارمة التي مارستها بعض البنوك العام الماضي، فليس هناك مساحة كبيرة لحدوث مزيد من عمليات الاستحواذ في حال تعثُّر الشركات عن الدفع.

ويَتَمَثَّل الخيار الآخر بالتملك المباشر من جانب وزارة الخزانة والمالية التركية من خلال المصادرة، غير أن هذه السياسة تتعارض تماماً مع عقلية النظام الاقتصادي الذي طبّقه "حزب العدالة والتنمية" على مدى الأعوام السبعة عشرة الماضية. كما أن مثل هذه السياسة لم تُستخدم حتى في حالة شركة الاتصالات التركية عندما لم تتمكن شركة "أوجيه للاتصالات" من الوفاء بالتزاماتها المالية للبنوك التركية. وبغض النظر عن الرؤية الأيديولوجية الاقتصادية للحزب الحاكم، أو عدم توافر الأموال في الخزينة التركية، فإن هذا الخيار لن يكون مرجحاً.

ويَتَمَثَّل الخيار الثالث بتحويل القروض المعدومة لهذه الشركات إلى صندوق خاص مدعوم من الحكومة، من خلال وزارة الخزانة والمالية التركية أو صندوق الثروة السيادي التركي. وتُعَدُّ هذه مقاربة حقيقيةً ومُناسبة للمنظور الأيديولوجي لـ "حزب العدالة والتنمية"، غير أن المشكلة الرئيسة في هذا الخيار تَتَمَثَّل بنقص المال. لكنَّ صندوق الثروة السيادي التركي على استعداد لاقتراض الأموال من الأسواق الدولية، علاوة على سن الأنظمة والتعليمات الضرورية بالفعل لبدء هذه العملية.

والسؤال المطروح هو: هل سيتمكن صندوق الثروة السيادي التركي من الحصول على تمويل خارجي؟ والجواب على هذا السؤال هو "نعم"، إذا ما ربط الضمانات المطلوبة بسنداته. وتشير التوقعات غير الرسمية في العام الماضي إلى أن صافي قيمة أصول صندوق الثروة السيادي التركي تبلغ 40 مليار دولار. وجرى تعديل هذا الرقم إلى 30 مليار دولار خلال العام الجاري بسبب فقدان قيمة بعض الشركات التابعة له في أعقاب الصدمة التي تعرضت لها العملة التركية. ويُعَدُّ "بنك زراعات" أكبر الأصول في الصندوق، غير أن قيمة هذا البنك مَثار للجدل بسبب الشكوك التي تحيط بنوعية محفظة قروض البنك.

وإذا حدث اضطرابٌ مالي جديد، فإن ذلك سيُفضي إلى خسارة كبيرة في قيمة جميع هذه الأصول؛ وبالتالي، سيؤثّر ذلك في إجمالي حجم محفظة صندوق الثروة السيادي التركي؛ لذا، فإن هذا الصندوق لا يُمكن أن يكون الُمنقذ المثالي، ولكنه لا يزال لديه قدرة غير ضئيلة لدعم الاقتصاد من خلال شرائه الشركات التي تواجه صعوبات مالية. وثمة شيء آخر يجب عدم تجاهله أيضاً، وهو أن وزارة الخزانة التركية ستتنافس مع صندوق الثروة السيادي التركي للاقتراض من الأسواق المالية الدولية؛ إذ إن إقبال المستثمرين العالميين على المخاطرة في الأصول التركية أمرٌ مشكوك فيه، ويعتمد في معظمه على الظروف المالية العالمية، كما ذُكر في الجزء السابق من التقرير.

شفافية الحسابات والإحصاءات الرسمية التركية

يُعدّ المعهد التركي للإحصاء الهيئةَ المسؤولة عن جمع البيانات ونشر الإحصاءات الرسمية في تركيا. وبالإضافة إلى ذلك، تنشر وزارة الخزانة والمالية والبنك المركزي التركي، وهيئة مراقبة وتنظيم الأعمال المصرفية ومجلس أسواق رأس المال، بعض الإحصاءات المتعلقة في الغالب بالتمويل العام والقطاع المالي. وبما أنه لا يوجد مصدرٌ بديل لمجموعة واسعة من البيانات التي يتعيّن جمعها، فإنه يُفترض أن تكون النَّشرات الصادرة عن هذه المؤسسات موضوعيةً ومُستقلّة، بيد أن هناك بعض المسائل التي وجد فيها الخبراء أوجهَ عدم اتساق وتناقض في تلك النشرات. فقد أجرى المعهد التركي للإحصاء بعض التعديلات الأساسية في حساب الناتج المحلي الإجمالي في عامي 2008 و2016. ووفقاً لما جاء في البيان الصحفي الذي صدر في هذا الشأن، فإن تلك التعديلات تتفق مع التعديلات التي طبّقها المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي بهذا الشأن. وقد أدّى هذان التعديلان الرئيسان على حساب الناتج المحلي الإجمالي لتركيا إلى زيادة أكبر بنسبة 18% و31% لعامي 2008 و2016 على التوالي. ولعل المعدّلات المرتفعة للتسويات الإيجابية في العالم النامي ليست استثنائية بشكل كبير، ولكن توقيت التعديل الثاني أدّى إلى إثارة الشكوك، والذي نُشر في الربع الثالث من 2016، عندما فشلت محاولة الانقلاب العسكري التي تسبّبت في انكماش الناتج المحلي الإجمالي للربع الأول.

وهذه ليست الحالة الوحيدة التي أصبح فيها الخبراء مُتشكّكين في البيانات المقدّمة من المعهد التركي للإحصاء. فالشكوك الكبيرة تحوم أيضاً حول موضوعية معدّل التضخّم، ليس من قبل الأكاديميين فحسب بل من قبل الجمهور أيضاً، حيث يقال إن الأرقام المنشورة لمعدل التضخم لا تتطابق مع ارتفاع الأسعار في الأسواق. وهناك بعض الحجج الُمقنعة لهذا التباين مثل الاختلاف في سلة الاستهلاك ومكان الإقامة؛ فالأشخاص الذين يعيشون في المراكز الحضرية ولديهم دخل أعلى هم أشد تأثراً بارتفاع الأسعار من أولئك الذين يعيشون في المناطق الريفية. ومن ناحية أخرى، فإن بعض التناقضات تتجاوز هذه الأسباب الُمحتملة.

ولم يتسنَّ للخبراء النظرَ مباشرة في الحالتين المذكورتين أعلاه لأنهم لم يكن باستطاعتهم الاطّلاع على منهجيات جمع البيانات وعملية معالجتها. ومع ذلك، كانت هناك حالة أخرى ادّعى فيها الخبراء أنه تم عرقلة عملهم، وأثبتت النتائج صحة ادعائهم. فمن المتوقع أن تنخفض احتياطيات النقد الأجنبي في البنك المركزي التركي بشكل حاد في مارس 2019 قبل الانتخابات المحلية بسبب المبيعات الكبيرة من العملات الأجنبية لدى البنوك الحكومية. وقد نُشرت الميزانية العمومية لهذه المصارف أسبوعياً من قبل هيئة مُراقبة وتنظيم الأعمال المصرفية، إلا أن تلك الميزانية لم تشر إلى أوضاع الصرف الأجنبي السلبية لدى تلك المؤسسات. وحاول الخبراء العثور على تفسير لمبيعات العملات الأجنبية من دون حصول انخفاض في احتياطيات البنك المركزي التركي من العملات الأجنبية، حيث أصدر البنك إعلاناً بهذا الشأن، والذي من الواضح كان غير مُرضٍ. وازدادت الشكوك، وبدأ تجار العملات في التشكيك في قوة الليرة التركية. وبعد حدوث خسارة حادة في قيمة الليرة، اضطر البنك المركزي التركي إلى إصدار إعلان ثانٍ يعترف فيه باقتراض النقد الأجنبي من البنوك الدولية دون الإبلاغ عن ذلك.

تبلغ الاحتياطات الحالية للنقد الأجنبي والذهب لدى البنك المركزي التركي 106 مليارات دولار أمريكي، بينما تبلغ الاحتياطيات الصافية 33 مليار دولار أمريكي تقريباً. وعندما تُطرح الخصوم الأخرى للبنك المركزي التركي، يبلغ صافي الاحتياطيات 20 مليار دولار أمريكي. ومع هذا القدر من الاحتياطات فإنه لا يُمكن تغطية التزامات تركيا القصيرة الأجل (أقل من سنة واحدة)، وهي 175 مليار دولار. ولذلك، لا يُمكن التخفيف من التقلّبات الشديدة في قيمة الليرة التركية من خلال بيع العملات الأجنبية من قبل البنك المركزي التركي، في حال تكرّر الاضطراب المالي في العام المقبل. وعلاوة على ذلك، لا يُمكن تحويل هذه الأموال قانونياً إلى وزارة الخزانة أو صندوق الثروة السيادي لإنقاذ الأصول الُمتعثّرة في القطاعات الحرجة؛ مثل شركات الإنشاءات والطاقة.

وأظهرت هذه الحالة الثالثة بوضوح أن المسؤولين الأتراك يميلون إلى إخفاء بعض البيانات بضغط أو من دون ضغط من الإدارة العليا. ومن ناحية أخرى، ليس من الُممكن الكشف بوضوح عن أي تحريف للإحصاءات أو تلفيق المعلومات من قبل الحكومة بسبب عدم الاطّلاع المباشر على عملية جمع البيانات وطريقة معالجتها. وعند النظر في إمكانية استخدام السلطة على نحو غير سليم أثناء الانتخابات العامة والمحلية، فإنه من الصعب جداً القول إن الإحصاءات الُمقدَّمة من قبل المعهد التركي للإحصاء محايدة ومتوافقة مع المعايير الدولية.

الأثر الاقتصادي المحتمل للعقوبات الأمريكية

ثمة صراعٌ على صعيد العلاقات الخارجية بين تركيا والولايات المتحدة في مُختلف المجالات. ويُعتبر شراء النظام الصاروخي الروسي طراز "أس-400” نقطةَ الذروة في التوتّر بين البلدين. وثمة دعمٌ من كلا الحزبين في الكونغرس الأمريكي والهيئات الحكومية، مثل وزاره الخارجية والبنتاجون، لفرض عقوبات اقتصادية على تركيا بسبب شراء نظام الصواريخ الروسية. وينبغي أن ينظر خبراء الأمن والعلاقات الدولية في احتمالية فرض مثل هذه العقوبات.

على الرغم من أن تركيا عضو في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وحليفة للولايات الأمريكية، إلا أن هناك خطراً بفرض العقوبات عليها وفق "قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات" (كاتسا). وهناك نوعان من العقوبات الرئيسة ضمن ذلك القانون، هما: استبعاد أنقرة من نظام "سويفت" (نظام التحويلات المالية والمعاملات بين البنوك)، وعرقلة سعي الشركات الأمريكية وشركائها الدوليين للاستثمار في الأصول التركية. وهذان النوعان من العقوبات سيكون لهما تأثير مُدمّر على اقتصاد تركيا؛ فتركيا مُثقلة بالديون لحاملي السندات الخارجيين، والغالبية العظمى من مصادر رأس المال تأتي من الولايات الأمريكية وحلفائها. وعلاوة على ذلك، فان عدم القدرة على استخدام نظام "سويفت" سيُعرقل بشكل مُباشر صادرات وواردات تركيا.

وثمة بعض اشكال العقوبات الأخرى التي تستهدف الأفراد والشركات الُمحدَّدة بدلاً من الدولة بأكملها. وتتضمّن بنود العقوبات الأقل شدة وفق قانون "كاتسا" القيود المفروضة على السفر إلى الولايات الأمريكية، وتجميد الأموال المودعة في المؤسسات المالية الأمريكية للأفراد الذين يشاركون في صفقة الصواريخ الروسية طراز "أس-400”، وكذلك حظر الحوالات النقدية، وعمليات الشراء. ومن شأن هذه العقوبات أن تزيد من علاوة مخاطرة الاستثمار في تركيا؛ وبالتالي زيادة كُلف تمويل الشركات والدولة التركية. ومن الُمحتمل أن يزداد التقلّب في أسواق الصرف والسندات. والسؤال الرئيس هنا هو: هل سيؤدي تنفيذ هذه البنود الأقل شدة من قانون "كاتسا" إلى انهيار تام في الاقتصاد التركي أم لا؟ والجواب على ذلك السؤال هو أن الأمر مُستبعد جداً؛ فعلى الرغم من الديون الثقيلة، فإن هذه البنود الأقل شدة من قانون "كاتسا" لا تملك القدرة بمفردها على شل اقتصاد تركيا. ومع ذلك، يُمكن أن تكون هذه البنود الأقل شدة مُدمِّرة، عندما تتدهور الظروف المالية العالمية بالنسبة لتركيا في الفترة نفسها.

ما الذي يُمكن توقّعه للاقتصاد التركي في المستقبل القريب؟

تتمثّل المشكلة الرئيسة للاقتصاد التركي بصعوبة الحصول على التمويل الخارجي بتكاليف معقولة بسبب ضخامة الدَّين. فينبغي تأجيل سداد 50% من الدَّين الداخلي للحكومة في عام 2020. وعلاوة على ذلك، يبلغ الحجم الإجمالي للديون الخارجية التي تستحق السداد في أقل من عام 175 مليار دولار أمريكي. وبحكم هذين السببين، فإن أكبر تحدٍّ سيواجه الاقتصاد التركي في 2020 هو تسديد الديون، وتأجيل سدادها. وسيؤدّي عدم تمديد فترة استحقاق الديون إلى فقدان النشاط الاقتصادي، بينما ستدفع عمليات تمديد استحقاق الدَّين إلى رفع أسعار الفائدة، وقيمة سعر صرف الدولار. وهذا الأمر يُمثل مأزقاً بحد ذاته، والفرصة الوحيدة لتفاديه تتوقّف فقط على القبول الإيجابي بالمخاطرة من قبل المستثمرين العالميين.

ولذلك، سيكون من الحكمة وصف 2019 كعام نصف الانتعاش قبل الصدمة الُمقبلة، بدلاً من الانتعاش الكامل. وستُواجه الشركات الصغيرة والكبيرة القابضة صعوبةً كبيرة في الحصول على الأموال لمواصلة عملياتها. فانهيار مصرف رئيس ليس هو الحالة الأساسية، في حين أنه خيار لا يُمكن استبعاده تماماً، في حال ضرَبَ الكسادُ العالمي تركيا بقوة. لقد نشطت الحكومة بشكل كبير جداً في تأجيل الأزمة إلى عام 2018، واستخدمت جميع المصادر تقريباً لتخفيف الآثار السلبية على كلٍّ من الكيانات التجارية والشعب في 2019، ولكن لا يتوافر لديها المزيد من الموارد لمكافحة الأزمة الاقتصادية في 2020. وسيكون حجم الركود العالمي وآثاره الجانبية الإيجابية المحددَّين الرئيسَين لمدى قوة الاقتصاد التركي أو سوئه.

ويتعين أخذ الآثار الاجتماعية والسياسية للأزمة الاقتصادية في الاعتبار أيضاً؛ وبخاصة أن معدلات البطالة تُعد الأعلى على الإطلاق في تاريخ تركيا، إضافةً إلى التوقعات باستمرار هذه المعدلات خلال السنة المقبلة. وقد تحاول الحكومة التركية خفضَ الأجور الحقيقية لجعل تكاليف العمالة معقولة بالنسبة للقطاع الخاص، لكنَّ هذا الأمر سيقود أيضاً إلى تراجع القوة الشرائية للطبقة العاملة. وسيتواصل الاستياء في صفوف المجتمع التركي، إضافة إلى احتمال استمرار التراجع في معدلات الرضا عن الحكومة.          

 

أحدث المواضيع المميزة