أزمة "كوفيد-19" بين الولايات المتحدة والصين: المخاطر والتداعيات المحتملة

محمد فايز فرحات | 13 مايو 2020

رغم أن العلاقات الصينية- الأمريكية قد غلب عليها الطابع الصراعي منذ وصول إدارة دونالد ترامب في يناير 2017، لكن الأزمة الراهنة التي بدأت في التشكل بين البلدين على خلفية أزمة فيروس "كوفيد-19"، ربما تكون الأكثر خطورة في تاريخ العلاقات بين البلدين، كونها تنطوي على مخاطر بناء تكتل دولي ضد الصين إذا نجحت الولايات المتحدة في تحميل الصين مسؤولية النشأة المُخلَّقة (المصطنعة) للفيروس و"تراخيها المقصود" في تحذير دول العالم من عواقب هذا المرض، وإقناع أكبر عدد ممكن من الدول بهذه الفرضية، الأمر الذي سيكون له تداعياته الاستراتيجية الخطيرة على الصين في أكثر من مستوى.

من ناحية أخرى، فإن قراءة دقيقة للسلوك الصيني في هذه الأزمة تعكس تمسُّك الصين بعدد من "الثوابت التاريخية"، خاصة تمسُّكها بالمفهوم التقليدي للسيادة وبمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، لكنها تعكس في الوقت ذاته تحولاً مهماً في لغة الخطاب الصيني الدولي، في اتجاه تبني مفردات أكثر قوة وأكثر تعبيراً عن التحوُّل في موازين القوى الدولية.  وحتى بافتراض تراجع وانحسار حدة الأزمة الراهنة، وهو احتمال لا يمكن استبعاده، فإنها على الأغلب ستترك آثارها العميقة في السلوكين الصيني والأمريكي، الأمر الذي يستوجب فهم هذه الأزمة في إطار التحولات الجارية الأكثر عمقاً واستقراراً داخل النظام العالمي، وانعكاساتها على وضع الصين داخل هذا النظام.

مخاطر الأزمة الراهنة بالنسبة للصين

هناك ثلاثة مخاطر أساسية تنطوي عليها الأزمة الراهنة بالنسبة للصين. الخطر الأول، يتعلق بالأضرار المحتملة على القوة الناعمة الصينية ونموذجها التنموي. فرغم أن الصين لم تولِ اهتماماً كبيراً بأدوات القوة الناعمة لعقود طويلة، لكن المتابع للسياسة الصينية خلال السنوات الأخيرة، خاصة منذ طرحها مبادرة الحزام والطريق في عام 2013، يلاحظ الاهتمام المتزايد الذي حظيت به أدوات القوة الناعمة في إطار السياسة الخارجية الصينية. أحد المؤشرات المهمة في هذا الإطار ما جاء في الوثيقة الصينية المهمة المعنونة "رؤية وخطط البناء المشترك للحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين"، والتي تشرح بشكل أكثر تفصيلاً رؤية الحكومة الصينية لهذه المبادرة؛ فقد حددت الوثيقة خمس أولويات عمل أساسية للمبادرة، انصرفت الأولوية الخامسة منها إلى توسيع وتعميق التواصل الشعبي، من خلال تشجيع التبادل الأكاديمي والثقافي والإعلامي، وزيادة حجم البعثات التعليمية، والتوسُّع في تنظيم الأعوام الثقافية ومهرجات الفيلم ومعارض الكتاب، وتبادل المسلسلات والأفلام، وتشجيع السياحة والتفاعل بين الأحزاب السياسية والبرلمانات والمنظمات غير الحكومية.[1] وتطبيقاً لهذه الأولية شهدت السنوات الأربع الأخيرة توسعاً صينياً في العديد من المجالات السابقة، بالإضافة إلى التوسُّع في نشر اللغة الصينية من خلال معاهد كونفوشيوس.

والمؤكد أن نجاح الولايات المتحدة في بناء تكتل دولي ضد الصين اعتماداً على أزمة "كوفيد-19" وتداعياتها العالمية سوف يؤثر كثيراً على صورة الصين في العالم، وعلى مدى فعالية أدوات القوة الناعمة الصينية. وقد يمتد ذلك التأثير إلى "جاذبية" النموذج السياسي والتنموي الصيني. صحيح أن الصين أكدت باستمرار على حق كل دولة في اختيار مسارها السياسي والتنموي[2]، لكن النموذج الصيني - خاصة التنموي - حظي بتقدير كبير، سيما بين الدول النامية. وازداد هذا التقدير على خلفية نجاح الصين في إدارة أزمة "كوفيد-19"؛ فقد برز على خلفية هذه التجربة العديد من الكتابات التي نَحَت إلى إدخال طبيعة النظام السياسي والإداري بوصفه متغيراً مهماً في نجاح الصين في إدارة الأزمة. ومن غير الممكِن في هذا الإطار إغفال وجود مصلحة صينية في انتشار نموذجها السياسي والتنموي باعتباره إحدى وسائل دعم القوة الناعمة الصينية، من ناحية، وبوصفه شرطاً مهماً لتحجيم العداء الغربي لهذا النموذج.

الخطر الثاني، يتعلق بالأضرار المحتملة بالنسبة لمبادرة الحزام والطريق، بمكوناتها المختلفة. والفرض المطروح هنا أن تتجه بعض الدول إلى مراجعة ارتباطها بالمبادرة، أو أن تسعى الولايات المتحدة إلى ممارسة نفوذها لدى العديد من هذه الدول لإجراء هذه المراجعة، على نحو قد يؤدي إلى تراجع جاذبية المبادرة بوصفها مشروعاً عالمياً عابراً للأقاليم. وقد تلجأ الولايات المتحدة في هذا السياق إلى توظيف العديد من الأوراق، من بينها مثلاً الترويج لمقولات إن المبادرة ليست سوى "مشروع للهيمنة الصينية على العالم"، وإن "المبادرة ستعمق أزمة الديون في الاقتصادات النامية"، ثم "مبادلة الاستحواذات السياسية بهذه الديون"..إلخ. ولا يخفى أن العديد من هذه المقولات جرى ترديده في الكتابات الأمريكية منذ طرح المبادرة الصينية لكنها لم تنجح في الحيلولة دون تفاعل عدد كبير من دول العالم مع المبادرة، ومن المتوقع إحياء هذه المقولات بشكل أكثر توسُّعاً خلال المرحلة المقبلة إذا استمر التصعيد الأمريكي ضد الصين.

الخطر الثالث، وهو محصلة للخطرين السابقين، ينصرف إلى احتمال انتشار نظرية "التهديد الصيني" China threat theory على نطاق واسع خارج الولايات المتحدة. ويقصد بتلك "النظرية" مجموعة الأدبيات والمقولات التي تربط بين الصعود الصيني، من ناحية، وتحول الصين إلى مصدر تهديد اقتصادي وعسكري، للنظام الإقليمي، وللولايات المتحدة وللنظام العالمي من ناحية أخرى. وقد تطورت هذه "النظرية" داخل الولايات المتحدة بالأساس، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، وتحديداً منذ بداية عام 1992، ومثَّلت أحد مصادر القلق الصيني، وأحد محددات الخطاب والسياسات الصينية تجاه العالم الخارجي.

ونجاح إدارة ترامب في بناء تكتُّل دولي ضد الصين قد يخلق فرصاً كبيرة لانتشار نظرية "التهديد الصيني" خارج الولايات المتحدة، خاصة إذا نجحت الأخيرة في الترويج للعديد من المقولات الداعمة لفكرة "التهديد الصيني" للنظام العالمي.

 لكن مع أهمية هذه المخاطر الثلاثة المحتملة، فإن قدرة الولايات المتحدة على تنفيذها ليست مؤكدة. فمن ناحية، تظل هذه المخاطر مرهونة بشرطين أساسيين، أولهما ضرورة إثبات الإدارة الأمريكية صدق روايتها بشأن طريقة نشأة فيروس "كوفيد-19". فرغم أن الفرضية الأمريكية حول النشأة المخلقة للفيروس جاءت من أعلى مستوى سياسي (الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو)، إلا أنها لم ترتبط بطرح أدلة محددة تؤكد صدق هذه الفرضية. ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة على أجهزة الاستخبارات الأمريكية (وفق شهادات عدة[3]) لدعم هذه الفرضية، إلا أن التقارير الصادرة عن هذه الأجهزة - حتى وقت كتابة هذا التحليل - تنفي انحيازها إلى هذه الفرضية، وما زالت تتمسك بأن الفيروس ليس من صناعة البشر، الأمر الذي يؤكد الطابع السياسي للفرضية الأمريكية المطروحة. وقد أكد هذا الطابع حديثُ ترامب عن سعي الصين إلى عمل أي شيء لإسقاطه في الانتخابات القادمة.[4]

والشرط الثاني، قدرة الإدارة الأمريكية على بناء تحالف أو تكتُّل عالمي ضد الصين. وحتى الآن لا توجد مؤشرات قوية على إمكانية نجاح الإدارة الأمريكية في تحقيق هذا الهدف، ولا تزال الأطراف المؤيدة للفرضية الأمريكية محدودة، أبرزها رئيس الوزراء الأسترالي "سكوت موريسون" Scott Morison (والذي دخل في مواجهة دبلوماسية مع السفير الصيني لدى أستراليا)، ووزير خارجية نيوزيلندا "وينستون بيترز" Winston Peters، بالإضافة إلى بعض الشخصيات الدولية المعروفة بتوجهاتها ضد الصين مثل الحاكم البريطاني الأخير لهونج كونج قبل انتقالها للسيادة الصينية، "كريس باتن" Chris Patten. ولا زالت القوى الأوروبية تتبنى إما مواقف رافضة للفرضية/الاتهامات الأمريكية أو خطاباً متوازنا بشأنها.

من ناحية ثانية، يمكن ملاحظة إلى أي مدى نجحت الصين خلال العقد الأخير في بناء شبكة ضخمة من المصالح حولها، بما في ذلك داخل القارة الأوروبية. وترتكز هذه المصالح المشتركة إلى شبكة مهمة من المجموعات الاقتصادية الدولية (مجموعة العشرين، مجموعة بريكس، منظمة شنغهاي للتعاون)، والمؤسسات المالية متعددة الأطراف (البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية AIIB وهو أحد الأذرع المالية المهمة لمبادرة الحزام والطريق، وبنك التنمية الجديد NDB وهو الذراع المالية لمجموعة بريكس). ولم تعد مبادرة الحزام والطريق فكرة نظرية أو مجرد مبادرة صينية؛ إذ نجحت الصين خلال السنوات الست الماضية في خلق شبكة واسعة من المصالح الدولية حول المبادرة في أقاليم شرق، وجنوب، وجنوب شرق، ووسط آسيا، بالإضافة إلى أوروبا وشرق أفريقيا، سواء من خلال المشروعات العديدة التي تم تنفيذها بالفعل والجاري تنفيذها (السكك الحديدية، الطرق الدولية السريعة، تطوير الموانئ البحرية، المناطق الاقتصادية الحرة.. إلخ)، أو من خلال دمج عدد كبير من الدول في الذراع المالية للمبادرة ممثلة في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (80 عضواً في البنك حتى مايو 2020، بالإضافة إلى 22 دولة على طريق العضوية، فضلاً عن تولي البنك تمويل عدد كبير من المشروعات في هذه الدول، سواء بشكل منفرد أو بالتعاون مع مؤسسات تمويل دولية أخرى بما فيها البنك الدولي، والبنوك الأوروبية متعددة الأطراف)، أو من خلال تنظيم سلسلة من المنتديات الدولية حول المبادرة.

هذه المصالح الدولية التي تشكَّلت حول الصين، وحول مبادرة الحزام والطريق، تمثل عوائق مهمة أمام أي مشروع أمريكي لبناء تحالف دولي ضد الصين، بشكل عام، أو ضد مبادرة الحزام والطريق بشكل خاص. كما تمثل حاجزاً مهماً أمام رواج نظرية "التهديد الصيني".

كيف تُدير الصين الأزمة الراهنة مع الولايات المتحدة؟

1. رد الفعل الصيني

يمكن التمييز هنا بين ثلاثة مستويات لرد الفعل الصيني على الاتهامات الأمريكية، والعلاقة مع الولايات المتحدة بشكل عام.  

المستوى الأول، يتمثل في ردود الفعل الصينية على المدى القصير أو ردود الفعل المباشرة. وتنصرف السلوكيات الصينية هنا إلى التمسك بالرفض المطلق للفرضية الأمريكية حول منشأ فيروس "كوفيد-19"، بما في ذلك رفض أية أشكال للتحقيق الدولي أو استقبال أية لجان دولية للوقوف على حقيقة نشأة الفيروس. كما رفضت الصين الاتهامات الموجهة لمنظمة الصحة العالمية بالتواطؤ مع الحكومة الصينية في إخفاء أية معلومات أو التستر على حقيقة انتشار الوباء داخل الصين، واقتصرت المرونة الصينية على إمكانية قبولها استقبال لجنة طبية من المنظمة.

واتساقاً مع هذا الموقف، لوحظ أيضاً دخول الدبلوماسيين الصينيين في جدالات مع نظراؤهم الغربيين ومع الإعلام الغربي، واستخدامهم لمفردات قوية في الدفاع عن الموقف الصيني وتفنيد الاتهامات الأمريكية، وأشار بعضهم صراحة (كما يتَّضح مثلاً في التفنيد الذي قدمه سفير الصين لدى بريطانيا "ليو شياومينغ Liu Xiaoming) إلى الوضع الجديد لبلادهم داخل النظام العالمي. وتُعد هذه اللغة مؤشراً مهماً على تحوُّل الخطاب الدولي للصين.[5]

والموقف المتشدد من جانب الصين إزاء فكرة التحقيق الدولي أو اللجنة الدولية، هو موقف متوقع، بالنظر إلى تمسُّكها الصارم بمفهوم السيادة بمعناه التقليدي، وبمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يتضمنه ذلك من رفضها التام لفكرة تدويل القضايا الداخلية، يستوي في ذلك القضايا السياسية أو غيرها. وتفاقُم أزمة الثقة بينها وبين الولايات المتحدة، الأمر الذي يفتح المجال أمام إمكانية "تسييس" عمل أي لجنة دولية، وتوظيف نتائجها لخدمة الاتهامات الأمريكية. وليس من المتوقع أن يشهد الموقف الصيني من مسألة اللجنة الدولية أي تغير لارتباطه بقضايا شديدة الحساسية بالنسبة للصين.

وفي الإطار ذاته، من المتوقع أن تشهد التحركات الصينية العمل على تعبئة قدراتها العسكرية في منطقة بحر الصين الجنوبي، باعتبارها المسرح الرئيس المتوقع لاحتمالات التصعيد الأمريكي ضد الصين، نظراً للأهمية الاستراتيجية الكبيرة لهذه المنطقة، وما يرتبط بها من مضايق بحرية شديدة الأهمية بالنسبة للصين (ملقا، وتايوان)، واللذين يمر بهما النسبة الأكبر من التجارة الصينية والواردات الصينية من النفط. وكذلك بالنظر إلى الحضور العسكري الأمريكي القوي في المنطقة وبالقرب من هذه المضايق، الأمر الذي يوفر للولايات المتحدة فرصة كبيرة للضغط العسكري والسياسي على الصين. إضافةً إلى أن المنطقة هي موضوع نزاع صيني مع معظم دول جنوب شرقي آسيا، الأمر الذي يوفر فرصة للولايات المتحدة لمحاولة تعبئة هذه الدول وتوظيفها في صراعها مع الصين. ويرتبط بذلك أيضاً الاستعداد لأية سيناريوهات تتعلق بتايوان، خاصة على خلفية محاولات التيار المؤيد لإعلان استقلال تايوان من جانب واحد، استغلال حالة التوتر الراهنة ودعوته لتنظيم استفتاء حول مسألة الاستقلال.

وعلى الرغم من أن الصين قد نجحت خلال السنوات الأخيرة في الحصول على امتيازات استخدام عدد من الموانئ البحرية في عدد من الدول (جودار الباكستاني على المحيط الهندي، كياوكبيو Kyaukpyu البورمي على المحيط الهندي، كوانتان Kuantan الماليزي على بحر الصين الجنوبي، أوبوك Obock الجيبوتي على المحيط الهندي، هامبانتوتا Hambantota السريلانكي على المحيط الهندي، مورا Muara البروناي على بحر الصين الجنوبي، فيدهو فينولهو Feydhoo Finolhu المالديفي على المحيط الهندي)[6]، لكن ليس من المتوقع جر الصين الصراع مع الولايات المتحدة إلى هذه المناطق، بالإضافة إلى أن الاتفاقات المنظمة لاستخدام هذه الموانئ هي اتفاقات اقتصادية بالأساس وليست اتفاقات عسكرية (رغم وجود جدل كبير حول إمكانية استخدامها في أغراض عسكرية في مرحلة احتدام الصراع مع الولايات المتحدة).

2. إمكانات التهدئة واحتواء التصعيد

برغم ما سبق ذكره، إلا أنه من الصعب استبعاد حدوث انفراجة نسبية وتراجعاً لحدة الأزمة الراهنة خلال المدى المتوسط، وذلك استناداً إلى افتراض أن إدارة ترامب تسعى من وراء التصعيد الحالي ضد الصين إلى تحقيق عدد من الأهداف المرحلية، وفي حال تحقيقها ستتزايد احتمالات تراجع حدة الأزمة. أول هذه الأهداف يتعلق بالرغبة الأمريكية في الحصول على تنازلات صينية في جولة المفاوضات التجارية المقبلة. فرغم أن الطرفين توصلا في منتصف يناير الماضي إلى اتفاق مرحلي لإنهاء الحرب التجارية بينهما، لكن ظروف الجائحة حالت دون تطبيق الاتفاق. ويدعم هذا التحليل أنه في الوقت الذي تشهد فيه علاقات البلدين حرب كلامية وإعلامية بدأ مسؤولو ملف المفاوضات التجارية الأمريكيون في التواصل المباشر مع نظرائهم الصينيين. فقد أشارت صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية في الثامن من مايو الجاري إلى محادثة تليفونية بين كل من كبير المفاوضين الأمريكيين "روبرت لايتهايزر" Robert Lighthizer ونائب رئيس الحكومة الصينية "ليو هي" Liu He تعهَّد فيها الطرفان بالعمل على خلق الظروف المواتية لتنفيذ اتفاق المرحلة الأولى، بالإضافة إلى تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والصحة.[7]

ويرتبط الهدف الثاني لعملية التصعيد الجارية بالانتخابات الرئاسية الأمريكية. إذ يمكن ربط هذه الأزمة بالحملة الانتخابية لترامب في ضوء التراجع الضخم في مؤشرات الاقتصاد الأمريكي بسبب تداعيات أزمة "كوفيد-19"، الأمر الذي يضطر ترامب إلى التركيز على قضايا خارجية بشكل عام، ويمثل الهجوم على الصين هنا قضية مركزية بالنظر إلى ظروف الجائحة وتفاقُم تداعياتها. فضلاً عن الهجوم الذي يتعرض له الرئيس ترامب ذاته بشأن طريقة إدارته لأزمة "كوفيد-19" داخل الولايات المتحدة. فقد ذهب العديد من التقارير الإعلامية الأمريكية، والتقارير الصادرة عن مؤسسات أمريكية، إلى أن جزءاً كبيراً من المسؤولية عن انتقال الوباء بهذا الحجم وبهذه الحدة إلى الولايات المتحدة يعود إلى تراخي الإدارة الأمريكية في اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة مبكراً؛ فما أن بدأت الأزمة في الولايات المتحدة حتى بدأ يظهر العديد من التسريبات حول التحذيرات التي أرسلتها وكالة المخابرات المركزية، والوكالات الاستخبارية الأخرى، إلى البيت الأبيض على مدار شهري يناير وفبراير، لكن الرئيس ترامب قلل من أهميتها، وأولى في المقابل اهتماماً أكبر لقضايا أخرى، خاصة محاكمته داخل مجلس النواب والمواجهة مع إيران. كما نشر الإعلام الأمريكي العديد من التقارير التي تضمنت تفصيلات كثيرة حول محاولات العاملين داخل البيت الأبيض توصيل وجهة نظرهم حول ضرورة إعطاء الاهتمام الكافي للفيروس لكنهم فشلوا في ذلك.[8]

وفي هذا السياق، مثَّل اللجوء إلى الهجوم على الصين وتحميلها مسؤولية انتقال الجائحة إلى الولايات المتحدة والعالم ورقة مهمة لتخفيف حجم الضغوط التي تعرضت لها إدارة ترامب، والتغطية على الأخطاء التي وقعت فيها، خلال تعاطيها مع الأزمة. ويتعزز هذا المنحى من جانب ترامب في ضوء وجود قناعة لديه بأن الصين تسعى إلى "عمل أي شيء من أجل إسقاطه في الانتخابات"، على نحو ما سبق الإشارة إليه.

لكن بعيداً عن الإجراءات الصينية على المدى القصير، وفرص تراجع حدة الأزمة على المدى المتوسط، فإن تطور العلاقات الصينية-الأمريكية على المدى الأبعد قد يأخذ منحىً جديداً في ظل وجود توافق واسع بين دارسي العلاقات الدولية على أن النظام العالمي قد دخل مرحلة "الصدام المحتمل"، وفق ما تذهب إليه نظريتي "تحول القوة" و"استقرار الهيمنة". وتتسم طبيعة هذه المرحلة بغلبة الطابع الصراعي على التفاعلات الدولية بين القوى المهيمنة والصاعِدة، واتجاه هذه القوى إلى تحويل الأبنية المؤسسية الدولية إلى أدوات أو ساحات للصراع. وقد تنتقل علاقات البلدين إلى مستوى متقدم من سباق التسلح، وقد بدأ بعض عناصر النخبة الصينية، على خلفية الأزمة الراهنة، في الدعوة صراحة إلى زيادة حجم الترسانة النووية الصينية لردع الولايات المتحدة. ومن ذلك دعوة رئيس تحرير "غلوبال تايمز" (الناطقة باللغة الإنجليزية) "هو تشيجين" Hu Xijin إلى زيادة عدد الرؤوس النووية المملوكة للصين إلى 1000 رأس نووي على أن يتم ذلك خلال فترة قصيرة، إلى جانب تطوير ما لا يقل عن 100 صاروخ استراتيجي من طراز Dongfeng-41، واصفاً من يرفضون ذلك بأنهم "ساذجين كالأطفال"، ومؤكداً أن "التعايش السلمي" بين الصين والولايات المتحدة مسألة لا يمكن استجداؤها، ولكنها تحتاج إلى أدوات استراتيجية مع دولة لا تفهم سوى القوة.[9]

الوضع العالمي المستقبلي للصين في ضوء الأزمة الراهنة

قد يتعذَّر فهم الأزمة الراهنة في العلاقات الصينية-الأمريكية، وغيرها من الأزمات السابقة، كما قد يصعب فهم العديد من السياسات الصينية والأمريكية خلال العقد الأخير، من دون فهم التحول الجاري في موقع الصين داخل النظام العالمي، استناداً إلى التغير المتسارع في توزيع القدرات الاقتصادية والعسكرية. وهناك توافق كبير بين دارسي العلاقات الدولية على أن الصين أخذت تحتل موقع القوة الصاعدة داخل النظام العالمي التي يمكن أن تمثل تهديداً لوضع الولايات المتحدة باعتبارها قوة مهيمنة على قمة النظام. وبعيداً عما إذا كان هذا التحول المُرتَقَب في هيكل النظام العالمي سيتم عبر مواجهة عسكرية حتمية (كما يذهب بعض النظريات) من عدمه، فالثابت أن هناك فجوة قائمة بين وضع الصين باعتبارها قوة صاعدة وحجم الامتيازات/المكاسب التي تحصل عليها داخل النظام العالمي.

وهناك وجهات نظر مختلفة حول طبيعة السلوك الصيني المتوقع إزاء هذا الوضع وفقا لنظريات العلاقات الدولية المختلفة. فعلى سبيل المثال، تذهب نظرية "تحول القوة" إلى أن التحول في موازين القوة بين الدولة المهيمنة على قمة النظام العالمي والقوى الصاعدة، سوف يترتب عليه تصاعد احتمالات الحرب بين هذه القوى في مراحل محددة. ويميز أنصار النظرية بين ثلاث مراحل في تطور العلاقة بين الدولة المهيمنة على النظام العالمي والدولة الصاعدة. الأولى، هي مرحلة "الاستقرار واللاحرب"، حيث تظل هناك "فجوة قوة" كبيرة نسبياً بين القوة المهيمنة والقوة الصاعدة. المرحلة الثانية، تتسم بتراجع "فجوة القوة" بين الجانبين نتيجة استمرار تنامي قدرات القوة الصاعدة بمعدل يفوق مثيله لدى الدولة المهيمنة. ومن ثمّ، تتسم هذه المرحلة بارتفاع احتمالات المواجهة العسكرية “war prone zone”. ووفقاً لافتراضات النظرية ومقولاتها، تحدث هذه المواجهة بفعل أحد عاملين؛ فمن ناحية، ومع التحول في هيكل توزيع القوة، والتراجع المتزايد في فجوة القوة لصالح الدولة الصاعدة، تتزايد حالة التهديد التي تواجه استقرار وضع الدولة المهيمنة، ومن ثمّ فقد تبادر الأخيرة بتنفيذ "ضربة استباقية" ضد القوة الصاعدة كمحاولة لإجهاض مشروعها. ومن ناحية ثانية، قد ترى النخبة الحاكمة داخل القوة الصاعدة أن اللحظة باتت مناسبة للمبادرة بالحرب ضد الدولة المهيمنة، سواء للتعجيل ببناء نظام عالمي جديد يعكس ميزان القوة الجديدة، أو لوجود قناعة بأن القوة المهيمنة تسعى لإجهاض مشروعها من خلال عمل عسكري استباقي. وفي حالة نجاح القوة الصاعدة في هذه المواجهة، فإن ذلك يُدشِّن لبناء نظام عالمي جديد، لتبدأ بذلك المرحلة الثالثة.

وتعطي النظرية دوراً مهماً للنخبة الحاكمة في تطور حالة "عدم الرضا" لدى الدول الصاعدة؛ وهو ما يعني أن التحوُّل في القوة لا يعني حدوث الحرب بشكل حتمي، حيث يعتمد الأمر على تطور "إدراك" لدى النخبة بأن دولتهم لا تحظى بالامتيازات التي تتناسب مع وضعها ووزنها داخل النظام العالمي القائم، وأن القواعد المُنظِّمة لعمل هذا النظام لم تعد مناسبة بالنسبة لها، ما يدفعها إلى قرار الحرب لبناء نظام عالمي جديد عندما تدرك أن اللحظة قد باتت مناسبة لذلك.

بالتالي، ورغم أن النظرية لا تذهب إلى أن الحرب هي نتيجة حتمية "لتحوُّل القوة"، لكنها تذهب إلى أن هذه الحرب تصبح حتمية عندما تنشأ حالة عدم الرضا لدى القوة الصاعدة. كما تؤكد النظرية أن عملية "تحول القوة" تأخذ وقتاً طويلاً نسبياً قد يصل إلى عدة عقود، كما قد تتضمن سلسلة من المواجهات أو الحروب المنخفضة الحدَّة. لكن اللافت أنها تؤكد أن النتيجة "محسومة" لمصلحة الدولة الصاعدة في النهاية، وأن محاولات إجهاض هذا التحول من جانب الدولة المهيمنة ستنتهي بالفشل طالما تحققت الشروط الأساسية (حدوث التحول في القوة لمصلحة الدولة الصاعدة، وتوفر شرط عدم الرضا لدى النخبة الحاكمة حول القواعد المنظمة لقواعد النظام العالمي، وحجم الامتيازات التي تحصل عليها دولتها بالمقارنة بوضعها داخل هذا النظام).[10]

ورغم أن العلاقات الصينية-الأمريكية لم تشهد حتى الآن صدامات تسمح بالقول بانتقالهما إلى المرحلة الثانية في مسار "تحول القوة"، لكن هناك العديد من المؤشرات التي تعزز من هذا الاحتمال، أبرزها الحضور العسكري الأمريكي المتزايد في منطقة آسيا-المحيط الهادئ بشكل عام، ومنطقة بحر الصين الجنوبي، بشكل خاص. ويذهب العديد من المحللين إلى أن أحد الأهداف الأساسية من إعلان الرئيس ترامب في 20 أكتوبر 2018 انسحاب الولايات المتحدة من "معاهدة القوى النووية متوسطة المدى" Intermediate-Range Nuclear Forces (INF) Treaty، هو التحرر من كافة القيود الدولية التي تحول دون تطوير قدرات عسكرية بإمكانها التعامل مع القدرات العسكرية الصينية في منطقة آسيا-المحيط الهادئ، الأمر الذي قد يؤسس لانطلاق سباق تسلح يشمل الولايات المتحدة والصين وروسيا.[11]

وهناك وجهة نظر أخرى تقدمها نظرية "استقرار الهيمنة". فقد طرح شارليز كيندليبيرجر مقولة أساسية مفادها أن وجود دولة "مهيمنة" يُعد شرطاً أساسياً لبناء نظام اقتصادي عالمي حر، واستدامة هذا النظام واستقراره. والافتراض المطروح هنا أن بناء هذا النظام والحفاظ عليه يحتاجان إلى موارد مالية ليس بإمكان أي دولة توفيرها إلا الدولة المهيمنة، ومن ثم فإن غياب و/أو فشل الدولة المهيمنة في توفير هذه الموارد وتحمُّل "التضحيات" الضرورية لحماية هذا النظام يؤدي إلى انهياره. وقد وضع كيندليبيرجر خمس خدمات أساسية لابد أن تقوم بها الدولة المهيمنة وقت الأزمات الاقتصادية لنجاحها في الحفاظ على "النظام الاقتصادي العالمي الحر"، حددها في: ضمان حرية السوق بالنسبة للسلع الأقل وفرة، وتوفير القروض طويلة المدى خلال فترة الركود الاقتصادي، وتوفير نظام مستقر لأسعار الصرف، وتنسيق السياسات الاقتصادية الكلية، وأخيراً القيام بدور "الملاذ الأخير" للحصول على القروض وتوفير السيولة. ويذهب كيندليبيرجر إلى أن هناك عاملين رئيسين وراء اضطلاع الدولة المهيمنة بهذه المسؤولية، أولهما "المسؤولية الأخلاقية"، وثانيهما أنه لا توجد دولة أخرى بإمكانها تحمُّل هذه التكاليف.[12]

ووفقاً لمقولات هذه النظرية، فإن قدرة الولايات المتحدة على تحمُّل أعباء النظام الاقتصادي العالمي تشهد تراجعاً ملحوظاً. كما أن المؤسسات الاقتصادية والمالية القائمة لم تعد لديها القدرة على استيعاب القوى الصاعدة، الأمر الذي دفع هذه القوى إلى استحداث مؤسساتها الخاصة. ومن ثمَّ، فإن أحد التفسيرات المطروحة لاتجاه الصين لاستحداث عدد من المؤسسات المالية متعددة الأطراف - وعلى رأسها "البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية" - أن مؤسسات "بريتون وودز" (صندوق النقد والبنك الدولي) لم تعد تعكس التوزيع الفعلي للقدرات الاقتصادية والمالية العالمية في ظل تمسُّك الولايات المتحدة بالهيمنة على القوة التصويتية رغم التغيرات الهيكلية التي طرأت على توزيع القدرات الاقتصادية منذ إنشاء هذه المؤسسات بعد الحرب العالمية الثانية، ما أدى إلى تطور إدراكات سلبية لدى الصين والاقتصادات الناشئة بأن هذه المؤسسات تعمل بشكل متحيز ضدها. أضف إلى ذلك عدم وجود فرصة حقيقية لإصلاح هذه المؤسسات بشكل يعكس الوزن الاقتصادي والمالي الجديد للصين (والاقتصادات الناشئة).[13]

والأمر لم يقتصر فقط على توزيع التمثيل النسبي والقدرات التصويتية داخل مؤسسات بريتون وودز، لكنه شمل أيضاً التباين الصيني-الأمريكي فيما يتعلق بالفلسفة الرئيسية الحاكمة لعمل هذه المؤسسات، أو ما يعرف بـ"توافق واشنطن"، والذي يتناقض تماماً مع المبدأ الصيني المحوري المتمثل في "عدم التدخل في الشؤون الداخلية" ورفض المشروطية السياسية والاقتصادية.

خلاصة واستنتاجات

  • الأزمة الراهنة بين الصين والولايات المتحدة على خلفية التجاذبات المستمرة بشأن وباء "كوفيد-19" تعد أزمةً سياسية أكثر منها أزمةً علمية حول طبيعة الفيروس وطريقة نشأته وظروف انتشاره. ويُتعذَّر فهم هذه الأزمة بمعزل عن ثلاثة معطيات أساسية، تشمل المسار العام للعلاقات بين البلدين، والذي غلب عليه الطابع الصراعي منذ وصول إدارة ترامب، وطبيعة المرحلة التي يمر النظام العالمي بشكل عام، والأزمة التي تمر بها إدارة ترامب، سواء على خلفية تصاعد الانتقادات الموجهة للإدارة بسبب طريقة تعاطيها مع الأزمة وإغفالها العديد من التقارير الاستخباراتية ذات الصلة، أو حسابات المنافسة الانتخابية.
  • تنطوي الأزمة الراهنة على عدد من المخاطر بالنسبة للصين، تشمل الأضرار المحتملة على القوة الناعمة الصينية ونموذجها التنموي، والأضرار المحتملة بالنسبة لمبادرة الحزام والطريق، بمكوناتها المختلفة، وأخيراً احتمال انتشار نظرية "التهديد الصيني" على نطاق واسع خارج الولايات المتحدة. لكن هذه المخاطر تظل مرهونة بعدد من الشروط، أهمها تقديم الإدارة الأمريكية الأدلة الكافية على مصداقية اتهاماتها، وقدرتها على بناء تكتل دولي ضد الصين على أرضية هذه الاتهامات. كما يضعف من فرص هذه المخاطر نجاح الصين خلال العقد الأخير في بناء شبكة من المصالح الدولية حولها وحول مبادرة الحزام والطريق التي لم تعد فكرة نظرية بقدر ما أصبحت جزءاً من السياسات الدولية.
  • هناك ثلاثة مستويات لمسار الأزمة الراهنة. فعلى المدى القصير سوف تتمسك الصين برفضها القاطع للفرضية الأمريكية حول نشأة "كوفيد-19"، ورفض استقبال أية لجان دولية للتحقيق بشأن ذلك. وليس من المتوقع أن يشهد الموقف الصيني أي تغيُّر على هذا الصعيد، بالنظر إلى تمسُّك بيجين الشديد بالمفهوم التقليدي للسيادة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. ويرتبط بذلك أيضاً، اتجاه الصين إلى رفع درجة جاهزيتها العسكرية في منطقة بحر الصين الجنوبي باعتبارها المسرح الرئيس لعمليات التصعيد المحتملة خلال الفترة المقبلة. وعلى المدى المتوسط، يصعب استبعاد حدوث انفراجة في الأزمة، استناداً إلى افتراض أن التصعيد الأمريكي ضد الصين يرتبط بسعي إدارة ترامب إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المرحلية، ترتبط بالحرب التجارية وحسابات المنافسة الانتخابية. لكن انفراج الأزمة قد لا يكبح تداعياتها المحتملة على المدى البعيد، خاصة إمكانية انطلاق سباق تسلح بين الدولتين، وهو احتمال يعززه انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى وتصاعد أصوات صينية تدعو إلى تعزيز قدرات بلادها النووية والصاروخية.
  • يتعذَّر فهم الأزمة الراهنة في العلاقات الصينية-الأمريكية، وغيرها من الأزمات السابقة، كما يصعب فهم العديد من السياسات الصينية والأمريكية خلال العقد الأخير، من دون فهم التحول الجاري في موقع الصين داخل النظام العالمي، استناداً إلى التغيُّر المتسارع في توزيع القدرات الاقتصادية والعسكرية. وتفتح المرحلة الراهنة التي يمر بها النظام العالمي المجالَ أمام إعمال مقولات العديد من نظريات العلاقات الدولية المعنية بتفسير مراحل الانتقال داخل النظام العالمي. وتتسم طبيعة هذه المرحلة بغلبة الطابع الصراعي على التفاعلات الدولية بين القوى المهيمنة والصاعدة. وقرار الانتقال إلى هذا المستوى الصراعي لا يأتي بالضرورة محصلة لقرارات متزامنة من الطرفين، فقد يُعجِّل أحدهما بالدخول في هذه المرحلة نتيجة الانحياز إلى قراءة بعينها لنوايا وسلوك ومسار تطور قوة الطرف الآخر. كما قد يُعزِّز من هذا القرار بعضُ التطورات الداخلية. لكن السيناريو الصراعي ليس سيناريو حتمي، إذ يظل الانتقال السلمي سيناريو مهم من الصعب استبعاده.

الهوامش والمصادر

[1] جاء ذلك في الوثيقة المعنونة "رؤية وخطط البناء المشترك للحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين"، الصادرة عن لجنة التنمية والإصلاح القومية، والتي تمثل واحدة من أهم الوثائق الصادرة عن الحكومة الصينية بهذا الشأن، والتي تشرح بشكل أكثر تفصيلا رؤية الحكومة لمبادرة الحزام والطريق.  

National Development and Reform commission, Ministry of Foreign Affairs, and Ministry of Commerce of the People’s Republic of China, “Vision and Actions on Jointly Building Silk Road Economic Belt and 21st Century Maritime Silk Road”, China, 28 March 2015. Available at: http://en.ndrc.gov.cn/newsrelease/201503/t20150330_669367.html (accessed on 22 Nov. 2016).

[2] حرصت الصين على التأكيد على هذه المسألة باعتبارها جزءاً من تمسُّكها التقليدي بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتمسُّكها بمفهوم السيادة بمعناه القانوني الضيق. كما أكَّدت على ذلك في معظم الوثائق الخاصة بمبادرة الحزام والطريق.

[3] وفق تقرير نشرته جريدة New York Times في 30 أبريل 2020، أشار عضو في إدارة ترامب أن هناك إلى أن هناك ضغوطاً تُمارِس على أجهزة الاستخبارات الأمريكية من أجل دعم الفرضية المطروحة من ترامب وبومبيو، وأن هناك تخوف لدى العاملين في هذه الأجهزة من أن يتم تحريف تقاريرها حول هذا الشأن لدعم تلك الفرضية. انظر:

Mark Mazzetti, Julian E. Barnes, Edward Wong and Adam Goldman, “Trump Officials Are Said to Press Spies to Link Virus and Wuhan Labs”, The New York Times, April 30, 2020. Available at: https://www.nytimes.com/2020/04/30/us/politics/trump-administration-intelligence-coronavirus-china.html

[4] انظر:

Steve Holland, “Exclusive: Trump says China wants him to lose his re-election bid”, Reuters, April 30, 2020. Available at: https://www.reuters.com/article/us-usa-trump-china-exclusive/exclusive-trump-says-china-wants-him-to-lose-his-re-election-bid-idUSKBN22C01F

[5]  يقول السفير ليو شياومينغ "إذا كنتم تتحدثون عن تحقيق مستقل فهذا أمر يخص منظمة الصحة العالمية، ونحن ندعم المنظمة. نؤمن بأننا يجب أن نعمل وفق القواعد والتقاليد الدولية وليس وفق قواعد وتقاليد دول أخرى". ورداً على الادعاءات الأمريكية، يقول شياومينغ: "ليست هذه هي المرة الأولى التي يرغب فيها بعض السياسيين في لعب دور شرطي عالمي. هذه ليست حقبة الزوارق الحربية. هذه ليست الحقبة التي كانت فيها الصين مجتمعاً شبه مستعمر أو شبه إقطاعي. إننا في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. هؤلاء لا يستطيعون فهم ذلك. يعتقدون أنهم ما زالوا يعيشون في الماضي عندما كان بإمكانهم التنمر على الصين والعالم".

“US intelligence agencies under pressure to link coronavirus to Chinese labs”, The Guardian, April 30, 2020. Available at: https://www.theguardian.com/world/2020/apr/30/cia-pushes-back-at-trump-efforts-to-link-coronavirus-to-chinese-laboratories  

[6] Richard Chiasy, FEI SU & Lora Saalman, “The 21st Century Maritime Silk Road Security Implications and Ways forward for the European Union”, SIPRI & Friedrich Ebert Stiftung, Stockholm, June 2018, p. 6. Available at: https://www.sipri.org/sites/default/files/2019-10/the-21st-century-maritime-silk-road.pdf (accessed on February 20, 2019).  

[7] “Phase one trade deal not a threat, but a life saver for US”, Global Times, May 8, 2020. Available at: https://www.globaltimes.cn/content/1187772.shtml

[8]  للاطلاع على بعض هذه التفصيلات، انظر:  

-Shane Harris, Greg Miller, Josh Dawsey and Ellen Nakashima, “U.S. intelligence reports from January and February warned about a likely pandemic”, The Washington Post, March 21, 2020. Available at: https://www.washingtonpost.com/national-security/us-intelligence-reports-from-january-and-february-warned-about-a-likely-pandemic/2020/03/20/299d8cda-6ad5-11ea-b5f1-a5a804158597_story.html

- JOHN WALCOTT, “The Trump Administration is Stalling an Intel Report That Warns the U.S. Isn’t Ready for a Global Pandemic”, TIME, MARCH 9, 2020. Available at: https://time.com/5799765/intelligence-report-pandemic-dangers/

[9] Hu Xijin, “China needs to increase its nuclear warheads to 1,000”, The Global Times, 8 May, 2020. Available at: https://www.globaltimes.cn/content/1187766.shtml

[10] لمزيد من التفصيل، انظر:  

Abramo F. K. Organski, World Politics (New York: A.A. Knopf, 2nd edition, 1968).

Abramo F. K. Organski & Jecek Kugler, The War Ledger (Chicago: University of Chicago Press, 1980).

[11] انظر على سبيل المثال:

“The U.S. Withdrawal from the INF Treaty is the Next Step in a Global Arms Race”, Worldview Stratfor, Assessment, 22 October 2018. Available at: https://worldview.stratfor.com/article/us-withdrawal-inf-treaty-russia-global-arms-race-missiles (accessed on 20 January 2019).

[12]  Matthew Gillard, “Hegemonic Stability Theory and the Evolution of the Space Weaponization Regime During the Cold War”, A Thesis Submitted in Partial Fulfilment of the Requirements for the Degree of Master of Arts, Faculty of Graduate Studies (Political Studies), The University of British Columbia, August 2006, pp. 16-17.

[13]  Daniel C.K. Chow, “Why China Established the Asia Infrastructure Investment Bank”, Vanderbilt Journal of Transitional Law, Vol. 49, 2016, pp. 1278- 1279. Available at: https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=2737888 (accessed on 13 Feb. 2019).

 

أحدث المواضيع المميزة