تداعيات وباء كورونا على الاقتصاد التركي

مركز الإمارات للسياسات | 05 أبريل 2020

تُعد تركيا من الدول التي انتقل إليها مرض فيروس كورونا (كوفيد-19)، وبحسب وزارة الصحة التركية وصل عدد الإصابات بالفيروس إلى 15 ألفاً و679 حالة، والوفيات 277 حالة، وذلك حتى مطلع أبريل 2020.

ومن المتوقع أن تكون هناك ثلاثة مجالات سيؤثر بها انتشار وباء كورونا في الاقتصاد التركي: الأول تعثُّر وتباطؤ حركة وتنقل السلع والبضائع عالمياً، مما سيؤثر في تجارة تركيا الخارجية؛ والثاني تراجع الطلب المحلي بسبب أجواء عدم الثقة والضبابية والبطالة؛ والثالث زيادة صعوبة الوصول والحصول على ممولين ومستثمرين خارجيين مع تراجع الرغبة عالمياً في الاستثمار والمجازفة.

تبحث هذه الورقة في هذه المجالات الثلاثة بالتفصيل، وتناقش خطة الدعم الحكومية التي أعلن عنها الرئيس رجب طيب أردوغان، ثم تُقيم مدى قدرة هذا الدعم على معالجة الآثار السلبية للأزمة. وتحاول الورقة رسم الوضع الاقتصادي لتركيا حتى نهاية العام الجاري آخذاً في الاعتبار تداعيات انتشار كورونا على الاقتصاد العالمي.

انهيار سلسلة تأمين البضائع وتعثر نقل السلع والمسافرين

مع تفشي فيروس كورونا في الصين وتوقُّف المصانع هناك، بدأت أزمة الحصول والوصول إلى البضائع تظهر في الأسواق التركية، واستفحل الوضع مع تفشي الوباء في أوروبا، حيث باتت بعض البضائع غير متوافرة في الأسواق، ومنها بعض المواد الأولية.

ومن جهة ثانية، من المتوقع أن يحقق الاقتصاد الصيني انكماشاً في الربع الأول من هذا العام 2020، وأن تلحق بها أوروبا والولايات المتحدة في الربع الثاني من العام، وفي حال لم يتم تجاوز هذه الأزمة الوبائية سريعاً مع إيجاد اللقاح أو العلاج سريعاً، فإن هذا سيهدد بأن يبقى الاقتصاد الأوروبي راكداً حتى نهاية العام؛ وهو ما سيجعل الصادرات التركية بالعموم تواجه مشكلة كبيرة تؤدي إلى تراجعها، خصوصاً إذا علمنا أن الاتحاد الأوروبي هو صاحب الحصة الأكبر في الصادرات التركية، فخلال عام 2019 مثلاً ذهبت 49% من صادرات تركيا إلى دول الاتحاد. ويجب ألا ننسى أن تركيا، التي نما اقتصادها خلال عام 2019 بنسبة 0.9% فقط، كان للصادرات دور بلغ 6.4% في هذا النمو.

في المقابل فإنه في عام 2019 اعتمدت تركيا في وارداتها على شرق آسيا بنسبة وصلت إلى 23% من مجموع الواردات. ومعظم هذه الواردات لم تكن نفطاً أو طاقة وإنما مواد أولية أو مواد مصنَّعة بشكل أوّلي تستخدمها تركيا من أجل تشغيل مصانعها وبيع منتجاتها المركبة بعد ذلك إلى الخارج. ومع الصعوبة التي بدأت تظهر في الوصول إلى هذه المنتجات بسبب وضع المصانع والأسواق في شرق آسيا، خصوصاً في الصين، فإن تركيا ستواجه مشكلة في الحصول على المواد الأولية التي تعتمد عليها في الصناعة والاستهلاك المحلي كما في الصادرات، وسيزداد ثمنها وسعرها.

 كما سيشهد قطاع الخدمات في تركيا خسائر كبيرة فيما يتعلق بالنقل والسياحة، بسبب هذه الأزمة العالمية، واستمرار انتشار الفيروس، وستعاني شركة الخطوط التركية، وكذلك بعض الخطوط التركية الخاصة التي كانت قد بدأت في الاستحواذ على بعض الأسواق في المنطقة، خسائرَ مهمة. ولأن هذه الأزمة من المتوقع أن تستمر في الحد الأدنى حتى الصيف، فإن الخسائر الحقيقية في قطاع السياحة ستظهر هذا الصيف وليس في الوقت الحالي. علماً أنه في عام 2019، زار تركيا نحو 40 مليون سائح أجنبي، وساهموا في إدخال 30 مليار دولار إلى السوق المحلية، وعليه فإنه من المتوقع أن يتراجع دخل تركيا من السياحة هذا العام ما بين 10-20 مليار دولار.

تراجع الطلب المحلي

مع الإعلان في 10 مارس 2020 عن تسجيل أول إصابة بفيروس كورونا في تركيا، بدأت الحياة تتراجع بالتدريج، من خلال الضوابط الاحترازية التي تم اتخاذها؛ مثل تقليل ساعات العمل، أو تقليل عدد العمال، وإغلاق العديد من المحلات والمشاريع التجارية بشكل مؤقت. وهذا أدى بالطبع إلى تراجع الحركة التجارية والإنفاق، وطال هذا الأمر جميع القطاعات مع بدء الطلب من السكان التزام بيوتهم وعدم الخروج إلا للضرورة.

ومع تراجع البيع والإنتاج، فإن وضع الموظفين والعمال بدأ يتعرض للخطر، خصوصاً أن 35% منهم يعملون خارج السجلات الرسمية، أي من دون أي تأمين صحي أو وظيفي أو تقاعدي. وعليه فإن الطبقة الفقيرة من العمال والموظفين والحرفيين هي التي بدأت تعاني مؤخراً، رغم بدء حملات إعلامية تطالب بعدم طرد الموظفين أو قطع أجورهم. وقد يكون هناك الكثير من الوعود لكن في حال طالت الأزمة فإن تحقيقها سيكون صعباً جداً. وقد أظهرت مؤشرات "الثقة في الاقتصاد" التراجعَ خلال شهر مارس بنسبة 6%، وستتراجع بشكل أكبر خلال شهر أبريل، ولن يكون التعافي قريباً في هذا الشأن ولا في عودة الطلب الداخلي أو المحلي، أو العودة إلى الإنتاج.

أزمة الحصول على تمويل خارجي

تبلغ ديون تركيا الخارجية حالياً 434 مليار دولار، وهو مجموع جميع ديون المؤسسات التركية الحكومية والخاصة، وبحسب أرقام البنك المركزي فإن نحو 172 مليار دولار من هذه الديون تستحق الدفع خلال هذا العام، أي أنها ديون قصيرة الأجل. وقبل بدء أزمة كورونا، شهدت تركيا تراجعاً في حركة الاستثمار الخارجي، بل بداية هروب رؤوس الأموال الأجنبية من تركيا، والتي بدأت اعتباراً من مطلع هذا العام.

وخلال الأشهر الثلاث الأخيرة، أي منذ بداية العام الجاري، تخلى المستثمرون الأجانب عن سندات للبنك المركزي كانوا قد اشتروها، وما تم بيعه من سندات من قبل المستثمرين الأجانب الذين خرجوا من تركيا بلغ نحو 5 مليارات دولار. وبينما كان نحو 26% من سندات البنك المركزي مملوكة من قبل مستثمرين أجانب عام 2013، فإن هذه النسبة اليوم تراجعت إلى 7% فقط، وهذا رقم أقل حتى من مثيله عندما عانت تركيا أزماتها الاقتصادية الأخيرة عامي 2001 و2008؛ ما يعني أن ثقة المستثمر الأجنبي في الاقتصاد التركي وقوانينه وقيادته هي في أدنى مستوياتها خلال هذين العقدين.

من ناحية أخرى فإن البنك المركزي يعلن أن مجموع ما لديه من عملات أجنبية وذهب، بما فيها ودائع البنوك المحلية، يبلغ نحو 93 مليار دولار، لكن ما يملكه البنك المركزي وهو الاحتياطي الأساسي الذي يمكنه أن يتصرف به، لأن بقية المبلغ تعود إلى بنوك وشركات خاصة، هو 31 مليار دولار فقط. وإذا ما حذفنا من هذا المبلغ ما هو موجود كعهدة مؤقتة نتيجة اتفاقيات المقايضة المالية (المسماة SWAP) أو تبادل مع بنوك مركزية أخرى، فإن ما يملكه البنك المركزي التركي حقيقةً من احتياطي من الدولار لا يتجاوز 4 مليارات دولار.* وعليه فإنه ليس في قدرة البنك المركزي التركي حالياً تأمين الدولارات المطلوبة التي ستسعى الشركات إلى شرائها من أجل سداد ديونها هذا العام، والتي تبلغ 172 مليار دولار، كما أنه يجد صعوبة في تأمين الدولار للمستثمرين الأجانب الذين يبيعون استثماراتهم بالليرة ويحولوّن ارباحهم إلى الدولار ويرسلونه إلى بلادهم.

وفي مقابل تراجع النمو الداخلي وانكماش السوق المحلي، فإن البنك المركزي سيستمر في سياسة خفض سعر الفائدة على الليرة التركية (التي تبلغ حالياً 9.75%) من أجل تشجيع الإنفاق، فيما نتوقع أن تتوجه الحكومة إلى بيع أو خصخصة بعض مؤسساتها التي جمعتها في صندوقها السيادي؛ من أجل الحصول على الاستثمار الأجنبي والدولار، لكن لا توجد في الصندوق السيادي مؤسسة يمكن خصخصتها بسرعة وتؤمِّن السيولةَ الكافية أو المطلوبة من الدولار والعملة الصعبة لتركيا لتأمين احتياجاتها المذكورة أعلاه.

والفائدة الوحيدة المتحققة لتركيا من أزمة كورونا، هي تراجع أسعار النفط حالياً بشكل كبير، إذ تتوقع تركيا أن توفر نحو 10 مليارات دولار من نفقاتها واحتياجاتها للدولار بسبب تراجع أسعار النفط عالمياً، لكن هذا المبلغ الذي سينزل من على كاهل الاقتصاد التركي هذا العام ستقابله خسارة بالقيمة نفسها في قطاع السياحة، الذي هو القطاع الأهم في إدخال العملة الأجنبية إلى تركيا.

حزمة دعم الاستقرار الاقتصادي الحكومية

تقدمت الحكومة التركية في منتصف شهر مارس بحزمة دعم مالية قدرها 100 مليار ليرة تركية (حوالي 15 مليار دولار) من أجل دعم الاستقرار المالي والاقتصادي. وذهب ربع هذا الدعم، أي حوالي 25 مليار، لدعم "صندوق تأمين القروض" الذي تم تأسيسه بعد أزمة إفلاس البنوك عام 2001؛ من أجل ضمان ودائع المودعين وأموالهم من قبل الدولة، حيث تم رفع سقف مدخرات هذا الصندوق من 25 مليار ليرة إلى 50 مليار ليرة. وسيساعد هذا الأمر البنوك على التساهل مع العملاء المتعسِّرين في الدفع أو الذين يريدون الحصول على قروض جديدة دون وضع ضمانات كافية؛ أي سيفتح الباب أمام الحصول على قروض ميسرة للشركات والعمال والموظفين.

 كما تم توزيع العديد من حزم الإنترنت المجانية على المواطنين من أجل تسهيل عملية العمل من المنزل، ودعم الشركات التي تدفع موظفيها إلى العمل من بُعد، وتم تمديد تشجيع عملية التوظيف من خلال تمديد فترة إعفاء صاحب العمل من دفع التأمينات والضمانات الاجتماعية والصحية للموظف أو العامل الجديد في الأشهر الثلاث الأولى.

وأيضا تم خفض العديد من الضرائب وتأجيل تحصيلها لمدة 6 أشهر، وتم تخفيض الضريبة على تذاكر الطيران الداخلي -دون سبب واضح خصوصاً أن الوضع يقضي بجلوس الجميع بالبيت وليس تشجيعه على السفر- وكذلك خفض ضريبة الفنادق والسياحة، وأخيراً خفض الدفعة الأولى المستوجبة من أصل سعر العقار قبل الحصول على قرض منزلي، من 20% إلى 10% فقط.

وخصَّت الحزمة الرابعة كبار السن، من خلال تقديم بعض الدعم المالي لُدور الرعاية للمسنين، وتقديم موعد المكافأة السنوية للمتقاعدين، التي تصرفها الحكومة عادةً في العيد، من شهر مايو إلى أبريل، وتوصيل رواتب المسنين والمتقاعدين إلى البيوت بدلاً من خروجهم إلى البنوك.

ومن جميع هذه الإجراءات والتدابير والحزم، فإن ما يمكن أن يكون له تأثيرٌ حقيقي على الأرض هما حزمتا دعم صندوق تأمينات القروض، وتمديد إعفاءات الضرائب لمدة ستة أشهر. أما بقية الحزم فلن يكون لها أي تأثير على الاقتصاد، وهي موضوعة فقط كرسالة سياسية. ولكننا هنا نتحدث عن أرقام متواضعة قياساً للاقتصاد التركي. فالاقتصاد التركي بحجمه الذي تحقق عام 2019 بلغ نحو 4,280 مليار ليرة، بينما يتم تخصيص 100 مليار ليرة فقط لإنقاذ اقتصاد بهذا الحجم، أي ما يقدر بـ 2.3%. فضلاً عن أن الحكومة لم توضح كيف سيتم صرف هذه الحزمة (فيما عدا مبلغ 25 ملياراً لدعم صندوق تأمين القروض)، ووجود شكوك أصلاً في قدرة موازنة الحكومة على تحمل هذا العبء مع ضآلته وتواضعه مقارنة بحجم الاقتصاد. وبالمقارنة فإن الولايات المتحدة خصصت تريليونَي دولار لمواجهة هذه الأزمة، وهذا الرقم يشكل نحو 9.3% من حجم الاقتصاد الأمريكي لعام 2019.

وفيما يخص المصدر المالي لهذه الحزمة وتأمينه، أي 100 مليار ليرة، فإنه من المتوقع أن يحقق العجز في موازنة الحكومة لعام 2020 عجزاً استثنائياً قياسياً، خصوصاً أن جزءاً مهماً من الموازنة كان قد تم تخصيصه لدفع ديون مستعجلة قصيرة الأمد خلال هذا العام، وكانت هناك مبالغة في توقعات عائدات الضرائب لهذا العام خلال إعداد موازنة 2020 في ديسمبر الماضي؛ ما سيضع الحكومة التركية في أزمة كبيرة للحصول على التمويل وقروض جديدة. والحل هنا يمكن أن يكون في القيام بإحدى خطوتين:

  1. توجه الحكومة من جديد إلى الاستدانة من الخارج بالعملة الصعبة، وهو أمر له صعوباته كما شرحنا في بداية التقرير بسبب الظروف العالمية، ولكنه ما زال ممكناً ومكلفاً في الوقت نفسه.
  2. أن يتوجه البنك المركزي إلى إقراض الخزانة مباشرة بقروض قصيرة الأجل من جديد، وهذا سيعني أن تركيا ستطبع نقوداً وأوراقاً مالية، وهذا سيؤثر في التضخم وفي سعر الليرة.

تقييم أخير

بسبب مرض وباء كورونا في تركيا، فمن المتوقع أن تتراجع تجارتها الخارجية وصادراتها بقوة هذا العام، وأن تخسر أكثر من 50% من عائدات السياحة. والناحية الإيجابية الوحيدة حالياً هي تراجع أسعار النفط التي ستوفر على الخزانة التركية نحو 10 مليارات دولار. في حين أن تدابير الحجر الاحترازية، وتحول العمل إلى المنازل، سيقلص حجم التداول التجاري وحركة المال والتجارة الداخلية، وسيزيد من عدم الثقة في مستقبل الاقتصاد التركي لدى المستثمرين المحليين.

وما زالت الحكومة التركية غافلة عن التداعيات القانونية لهذا الوباء، بعد تعثر المدفوعات وسداد الديون بين التجار التي ستتحول إلى قضايا تجارية كبيرة لاحقاً خلال هذا العام. وبسبب وجود 172 مليار دولار ديون خارجية مطلوب سدادها هذا العام، فإنه مع شح العملة الصعبة في تركيا، ومع تراجع الإنتاج وحركة البيع والربح، فإن النصف الثاني من هذا العام سيشهد أزمةً اقتصادية ومالية كبيرة متعلقة بهذا الشأن.

 والتدابير المالية التي تم الإعلان عنها حتى الآن تُعد متواضعة وغير معروفة المصدر من حيث التمويل، وهي قائمة على تقديرات للقصر الرئاسي بأن الأزمة لن تطول أكثر من 45 يوماً في تركيا. ومعظم هذه التدابير يستهدف أولاً الدعاية السياسية، وليس له تأثير حقيقي على الاقتصاد التركي في هذه الأزمة، خصوصاً في تعويض خسائر تراجع الصادرات وانكماش السوق المحلي. ومن المتوقع أن تعلن الحكومة التركية مستقبلاً عن حزم مالية جديدة، لكن تأخرها في اتخاذ هذه الخطوة، وتواضع الأرقام التي تعلن عنها لن يكون له أثر إيجابي مُرضٍ.

  ومن ناحية أخرى، لا يمكن تلافي استمرار خروج الاستثمارات الأجنبية من تركيا حالياً، وهروب الدولار منها، بسبب تراجع احتياطات البنك المركزي من الدولار بشكل كبير، وسيلجأ البنك المركزي التركي إلى محاولة تقليد ما فعلته المكسيك وكوريا الجنوبية والبرازيل، التي ذهبت إلى عقد اتفاقيات مقايضة مالية (SWAP)، أي تبادل عملات مؤقت مع المجلس الاحتياط الفدرالي الأمريكي. وهنا ستؤثر السياسة والعلاقات بين أنقرة وواشنطن فيما يتعلق بإنقاذ البنك المركزي التركي، من خلال قبول أو رفض هذه الصفقة مع مجلس الاحتياط الأمريكي. كما يجب التذكير بأنه لم يعد بيد الحكومة مشاريع أو مؤسسات ذات سعر عال يمكن خصخصتها بسرعة والحصول من خلال بيعها على العملة الأجنبية بكميات كافية.

ومن المتوقع أن يشهد النصف الثاني من عام 2020 تدهوراً في سعر الليرة التركية مقابل الدولار بسبب شح الدولار وزيادة الطلب عليه، وقد بدأت جميع "حيل" الحكومة والبنك المركزي تنفد من أجل تأمين الدولار، وعليه فإنه من المتوقع أن تلجأ تركيا إلى ما فعلته الأرجنتين سابقاً، باتخاذ تدابير تدريجية لتقييد سحب الأموال من البنوك، وخصوصاً الدولار، ويمكن أن تضع الحكومة يدها على بعض الحسابات البنكية. لكن هذه الإجراءات الراديكالية لها سلبياتها الخطيرة، إذ إنها تجعل العثور على ممول أو مقرض خارجي أمراً أكثر صعوبة أو مستحيلاً، وتجعل التوجه إلى صندوق النقد الدولي الحل الأوحد. وفي ظل رفض الحكومة اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، فإن واشنطن هي مَن سيقرر إنقاذ وضع تركيا الاقتصادي هذا الصيف. ومع ذلك فإنه بالنظر إلى سياسات الحكومة التركية الحالية برئاسة الرئيس أردوغان فإنه لا يجب استبعاد احتمال سيرها على طريق الحكومة اللبنانية التي أعلنت رفض سداد ديونها الخارجية، وذلك كحل أخير، لكنه يبقى الأقل احتمالاً.

 باختصار، فإننا نتوقع أن تشهد تركيا خلال العام الحالي أزمةً اقتصادية أكبر من أزماتها الاقتصادية السابقة جميعاً (في الأعوام 2002 و2008 و2018)، بسبب ديونها الخارجية وأزمة شح الدولار في الداخل وغياب الشفافية وتراجع المستثمرين الأجانب. وقد جاءت أزمة انتشار فيروس كورونا هذه لتسرع اقتراب هذه الأزمة، وتقلل من الخيارات والأدوات التي كان يمكن للحكومة أن تستخدمها لتأجيل وقوع الأزمة وليس لإيجاد حل لها.

وهذا سيكون له انعكاسات على الوضع الأمني والسياسي في تركيا، وقد يؤدي في النهاية إلى تغيير شكل نظام الحكم، من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني كتخريجة سياسية لامتصاص غضب الناخبين من نتائج الأزمة الاقتصادية المتوقعة، ولن يكون مستغرباً اللجوء إلى انتخابات مبكرة عام 2021.

____

*  عمليات المقايضة المالية (SWAP) جرت معظمها مع قطر وليبيا والصين، وهي إيداعات نقدية بالدولار بشكل مؤقت.

 

أحدث المواضيع المميزة