تداعيات تعديل قانون الدفاع الوطني الصيني

محمد فايز فرحات | 14 يناير 2021

في تطوّر لافت، أقرَّت اللجنة الدائمة لمجلس نواب الشعب الوطني (البرلمان الصيني)، في 26 ديسمبر 2020، تعديلاً مهماً على "قانون الدفاع الوطني الصيني"، يسمح للصين بلعب دور أمني خارج حدودها، على أن يبدأ تنفيذه في الأول من يناير 2021.

ولم تُقدِّم المصادر الصينية تفصيلات كافية حول النص المعدل من القانون، سواء فيما يتعلق بطبيعة هذا الدور الأمني، أو طبيعة القوات أو المؤسسات الأمنية التي ستضطلع بهذا الدور، أو الشروط الأساسية الواجب تحقُّقها قبل أن يُصبح هذا الدور واجباً بحكم هذا القانون، أو ما إذا كانت هناك وجهات أو مسارح جغرافية محددة للحركة الخارجية الصينية يؤسس لها القانون. واكتفت المصادر الصينية بالتأكيد على أن هذا الدور سيكون "فريداً" في حماية الاستقرار والسلام عبر العالم، وأن السياسة العسكرية الصينية هي سياسة دفاعية، وتقف مع السلام وضد الحرب.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على دلالات توقيت صدور التعديل في قانون الدفاع الوطني الصيني، ودلالة التعديل نفسه بالنسبة للالتزام الصيني التاريخي بمبدأ عدم التدخل، وبمفهوم مُحدَّد لمبدأ "المسؤولية الدولية"، وانعكاسات ذلك على الحضور الأمني والعسكري الصيني في العالم.

دلالات التوقيت

بداهةً، لا يمكن فهم التعديل الأخير في قانون الدفاع الوطني الصيني ودوافعه بمعزل عن توقيت صدوره.

فأولاً، جاء القانون المعدل عقب مرحلة من التوتر في العلاقات الصينية-الأمريكية في خلال إدارة ترامب، بدأت بفرض الأخيرة حزم متتالية من الرسوم الجمركية ضد السلع الصينية داخل السوق الأمريكية، بدءاً من منتصف 2018، تحولت إلى حرب تجارية بين الطرفين. ورغم توصلهما في 15 يناير 2020 إلى اتفاق مرحلي لإنهاء هذه "الحرب"، لكن جاءت جائحة "كوفيد-19"، لتضيف مجالاً آخر للصراع بين الجانبين، سواء حول طبيعة منشأ الفيروس أو حجم المسؤولية الصينية عنه، إلى جانب ساحات خلاف أخرى، أبرزها تكنولوجيا الجيل الخامس. وقد ارتبطت هذه القضايا الخلافية بلغة صدامية، خاصة من جانب الرئيس ترامب.

وثانياً، أتى القانون المعدل قبل أسابيع قليلة من استلام الإدارة الأمريكية الجديدة (إدارة بايدن) مهامها. ومن ثمَّ، فإن القانون يمثل رسالة واضحة للإدارة الجديدة حول دور الصين داخل النظام العالمي، وأنها على استعداد للمضي قدماً في أي اتجاه تريده إدارة بايدن. وهي، من ناحية أخرى، بمثابة تأسيس لقواعد جديدة للعلاقات الصينية-الأمريكية قبل وصول إدارة بايدن. فرغم الخلاف النظري الذي قام خلال الأسابيع الماضية حول طبيعة هذه العلاقات في مرحلة بايدن، إذ مال اتجاه إلى التأكيد على أن هذه العلاقات سوف تشهد مراجعة من جانب بايدن، فضلاً عن وجود توافق حول تغيُّر شبه مؤكد في طبيعة الخطاب الأمريكي تجاه الصين، لكن على ما يبدو حرصت الأخيرة على تأكيد دورها داخل النظام العالمي بصرف النظر عن طبيعة توجهات إدارة بايدن إزائها.

والاتجاه الأرجح أن التقييم الصيني لخبرة السياسة الأمريكية تجاهها خلال السنوات الثلاث الأخيرة انتهى إلى أن التحول الذي شهدته هذه السياسة لا يعبر عن موقف خاص، أو استثنائي، للرئيس ترامب، بقدر ما يعبر عن تحول هيكلي مستقر في التوجهات الأمريكية، وأنه حتى إذا شهدت هذه السياسة تحولاً نسبياً في عهد بايدن فإنه سيظل محدوداً أو مقصوراً على طبيعة "الخطاب"، وأن الصين لا تملك ترف الانتظار. ويدعم ذلك وجود تحولات استراتيجية في منطقة "الإندو-باسيفيك" وقفت ورائها قوى إقليمية أخرى قبل الولايات المتحدة نفسها.

حدود الالتزام الصيني بمبدأ عدم التدخُّل في ظل القانون المعدل

الالتزام بمبدأ احترام السيادة بمعناها التقليدي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ظل أحد المبادئ الأساسية التي تتمسك بها السياسة الخارجية الصينية. وتأخذ الصين مدى أبعد مما ذهب إليه المجتمع الدولي في هذا المجال؛ إذ ترى أن ما يُوصَف بأنه انتهاكات داخلية لحقوق الإنسان لا تؤسس لحق المجتمع الدولي أو أي من مؤسساته انتهاك سيادة الدولة، أو التدخل في شؤونها الداخلية. وينطبق التكييف ذاته على فكرة الدفاع عن النفس؛ فبينما باتت الولايات المتحدة تتبنى مفهوماً موسعاً لـ"المصلحة الوطنية"، نتج عنه التوسُّع في مفهوم حق الدفاع عن النفس، لا تزال الصين تؤكد على ضرورة تضييق الحق في استخدام القوّة المسلحة وقصره على حالات انتهاك السيادة أو وجود اعتداء مباشر على أراضي الدولة، وهو ما يعني رفض الصين فكرة استخدام القوّة خارج الحدود الإقليمية للدولة، استناداً إلى دعاوى نشر الديمقراطية، أو فرض احترام حقوق الإنسان، أو لإصلاح الدول الفاشلة... إلخ.

وَسَعَت الصين منذ منتصف خمسينات القرن الماضي إلى إدخال بعض التعديلات على المفهوم التقليدي لعدم التدخل في الشؤون الداخلية الوارد في ميثاق الأمم المتّحدة؛ فبدلاً من اعتماد مفهوم "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى"، تبنَّت الصين مفهوم "عدم التدخل المتبادل في الشؤون الداخلية"، وذلك بهدف التأكيد على انسحاب مبدأ عدم التدخل على العلاقات الثنائيّة بين الدول، وإعطاء مبدأ عدم التدخل معنى أكثر تبادلية في العلاقات الدولية، وليس فقط تدخل الأمم المتحدة في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء،[i] على نحو ما أشار إليه نص المادة (2) فقرة (7) من ميثاق الأمم المتحدة.[ii] وقد تعمَّق الالتزام الصيني بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية مع تضمين الدستور الصيني ذاته هذا المبدأ.[iii]

ورغم تزايد الأهمية النسبية للصين داخل النظام العالمي، على خلفية الصعود الاقتصادي والعسكري، إلا أن هذا لم يستتبعه إعلان الصين تحررها من الالتزام بمبدأ عدم التدخل؛ إذ لا تزال تعلن تمسُّكها الشديد بهذا المبدأ. وتنتهز صدور العديد من الوثائق الوطنية للتأكيد على تمسُّكها به. لكن هذا لا ينفي انشغال النخب السياسية والأكاديمية الصينية بجدوى الالتزام بهذا المبدأ، ليس فقط على خلفية استمرار التغيُّر في هيكل موازين القوى العالمي وتوزيع القدرات الاقتصادية والعسكرية، لكن أيضاً على خلفية نشوء حاجة صينية قوية متوقعة للحفاظ على المصالح الصينية التي باتت تنتشر على نطاق واسع داخل معظم الأقاليم وداخل عدد متزايد من الاقتصادات، فضلاً عن انتشار الاستثمارات والعمالة الصينية في إطار مبادرة الحزام والطريق بمكوناتها البرية والبحرية، الأمر الذي يفرض الحاجة إلى حضور أمني وعسكري صيني لحماية هذه المصالح.

ومع أن الصين لم تُعلِن رسمياً تخليها عن مبدأ عدم التدخل، لكن هناك العديد من الدراسات التي رصدت مؤشرات على تحول الصين فعلياً عن هذا المبدأ في الممارسة العملية. كما أن هناك أكاديميين صينيين لا زالوا يدعون بقوة إلى إعادة النظر في هذا المبدأ، استناداً إلى فرضية مفادها أنه لم يعد يتوافق مع موقع الصين داخل النظام الدولي، وأنه يضع السياسة الخارجية الصينية في مأزق، خاصة مع تمدد المصالح الصينية في العالم، وأنه على العكس مما حققه التمسك بهذا المبدأ من تجنيب الصين تكاليف كبيرة خلال العقود السابقة، إلا أنه لن يكون مناسباً خلال الفترة المقبلة. ويطرح هؤلاء أيضاً أن هذا المبدأ لم يعد متوافقاً مع مبدأ "المسؤولية" الصينية باعتبارها قوة دولية مهمة.[iv] وطرح بعض الأكاديميين الصينيين ما يمكن تسميته بـ "التدخُّل الخلَّاق"Creative Involvement، كبديل لمبدأ عدم التدخل.[v]

وذهب بعض الدراسات إلى أن استمرار تمسك الصين بمبدأ عدم التدخل بات يمثل "معضلة"، في ضوء تناقض استمرار التمسك بهذا المبدأ مع عدد من الاعتبارات، أهمها:

  • الوزن النسبي للصين داخل النظام العالمي، على المستويين الاقتصادي والعسكري، والنمو المتسارع للمصالح الصينية في مختلف الأقاليم. والعديد من هذه الأقاليم تتسم فيها البيئة الأمنية بالهشاشة والانكشاف.
  • التأكيد الصيني المستمر أن الصين "دولة مسؤولة" responsible country، كواحد من المداخل المستخدمة لتقليل حجم القلقين الغربي والإقليمي من صعود الصين والرد على نظرية "التهديد الصيني". لكن هذه "المسؤولية" قد تقتضي في بعض الحالات التدخل. بل إن الصين تتعرض في بعض المناسبات للنقد الغربي بسبب عدم دعمها سياسة التدخل الدولي في حالات ضرورية، فضلا عن تجاهلها انتهاكات حقوق الإنسان في بعض الدول النامية، وهو ما يتناقض - وفقاً للعديد من الكتابات الغربية - مع فكرة "الدولة المسؤولة".[vi] ويرتبط بذلك، سعي الصين بالفعل إلى الاضطلاع بدور أكبر في توفير "الخدمات الأمنية العامة" public security products، خاصة في مجالات مكافحة القرصنة وتجارة المخدرات، وجهود الإنقاذ.
  • تزايُد الحاجة إلى حماية المواطنين الصينيين في الخارج، خاصة مع تزايُد حجم الجاليات والعمالة الصينية في مناطق عمل الشركات الصينية في الخارج، وفي الدول الواقعة على مسار الحزام والطريق.

ووفقاً لهذا الاتجاه، سيُصبح تمسُّك الصين بمبدأ عدم التدخل "ترفاً" أو "عبئاً" على السياسة الصينية في المستقبل القريب. كما أن التحول عن هذا المبدأ قد يُحقق للصين عدداً من المكاسب، أهمها تحسين صورتها العالمية كدولة "مسؤولة" داخل النظام العالمي على أرضية التحاقها بالمبادئ الجديدة الحاكمة لهذا النظام والسياسات العالمية. وسيخلق هذا التحول مرونة أكبر في قدرة الصين على حماية مصالحها المتنامية في العالم.

لكن في المقابل، فإن التحول عن مبدأ عدم التدخل سيترتب عليه مجموعة من الأعباء والتكاليف السياسية والمادية المتوقعة، أهمها الآتي:

  • المخاطر السياسية والأمنية المتوقعة في العلاقة مع الغرب والولايات المتحدة. فالتحول عن هذا المبدأ لا يضمن بالضرورة توسيع حجم ونطاق التوافق الصيني-الأمريكي، على اعتبار أن مبدأ التدخل الذي تمارسه الولايات المتحدة والقوى الغربية لا يرتبط في الحقيقة بنشر الديمقراطية أو فرض احترام حقوق الإنسان أو حماية المدنيين، بقدر ما يرتبط ببناء مناطق النفوذ العالمي وحمايتها. ووجود تباين في الثقل النسبي للمكونين السياسي والاقتصادي في مفهوم "المسؤولية" لدى كل من الصين والقوى الغربية؛ فبينما يولي الغرب أهمية أكبر للمكون السياسي في مفهوم المسؤولية، فإن الصين لا تزال تولي الاهتمام الأكبر للمكون الاقتصادي في هذه المسؤولية، سواء في علاقتها بالنظام الاقتصادي العالمي أو في علاقتها بالدول النامية.
  • الضرر الذي يمكن أن يلحق بالصورة العالمية الإيجابية للصين، خاصة داخل الدول النامية والصاعدة، وهي صورة استندت في جزء منها إلى تمسُّك الصين بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واللامشروطية السياسية. وحتى إذا افترضنا أن تحوُّل الصين عن مبدأ عدم التدخل قد يؤدي إلى تحسُّن العلاقات الصينية-الغربية، فإن ذلك قد يأتي على حساب العلاقات الصينية مع الدول النامية والناشئة. كما أن هذا التحول قد يُعزز انتشار "نظرية التهديد الصيني".

انعكاسات القانون المعدَّل على الحضور الأمني والعسكري الصيني في العالم

بعيداً عن حجم الالتزام الصيني بمبدأ عدم التدخل، فإن هناك مؤشرات على تحول الصين عملياً عن هذا المبدأ. ومن ثمّ، يجب التمييز هنا بين الالتزام النظري بهذا المبدأ، والسياسات الصينية على أرض الواقع. وقد اتخذ هذا التدخل مظاهر أو أنماطاً مختلفة، كان أبرزها إرسال الصين مبعوثيها إلى دول مختلفة لحث هذه الدول على اتخاذ/الامتناع عن سلوكيات معينة (حدث هذا في حالة كوريا الشمالية، والسودان[vii]، وميانمار)، أو التدخل بهدف التأثير على مسار صراعات أو تفاعلات داخلية محددة (التدخل في زيمبابوي عام 2008 لدعم نظام روبرت موجابي من خلال تقديم الدعم العسكري[viii])، فضلاً عن الاندماج الصيني الكثيف في أنشطة عمليات حفظ السلام التي تدعمها وتُشرِف عليها الأمم المتحدة (أصبحت الصين في عام 2019 أكبر مساهم في تلك العمليات من بين الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن، وفي الترتيب الحادي عشر عالمياً[ix])، والدعم الصيني للعديد من عمليات التدخل العسكري الدولي عبر تمرير قرارات لمجلس الأمن، سواء من خلال الموافقة الصريحة على هذه القرارات أو الامتناع عن ممارسة حق الفيتو ضدها (حالة التدخل العسكري في العراق في سنة 2003 بموجب القرار رقم 1441 الصادر في 8 نوفمبر 2002، والتدخل العسكري للناتو في ليبيا في سنة 2011 بموجب القرار رقم 1973 الصادر في 17 مارس 2011).

وهناك ثلاثة مؤشرات مهمة تُعبِّر في جوهرها عن بدء مراجعة صينية لمبدأ عدم التدخل، أو على الأقل فإنها مثلت مقدمات ضرورية لهذه المراجعة بشكل أكثر وضوحاً.

1. إصدار الصين لأول مرة قانون لمكافحة الإرهاب في ديسمبر 2015

وقد تضمن القانون نصَّاً صريحاً يُجيز إرسال قوات صينية إلى خارج البلاد لمكافحة الإرهاب. إذ نصَّت المادة 71 من القانون على أنه: "بعد موافقة الدول المعنية، وبعد موافقة مجلس الدولة، يمكن لإدارة الأمن العام التابعة لمجلس الدولة، وإدارة الأمن القومي، إرسال أفراد في مهام لمكافحة الإرهاب خارج البلاد. ولجيش تحرير الشعب الصيني وشرطة الشعب الصينية المسلحة إرسال أفراد خارج البلاد في مهام لمكافحة الإرهاب بعد موافقة اللجنة العسكرية المركزية".

ولا يخلو نص المادة السابقة من غموض ملحوظ؛ ففي الوقت الذي اشترطت فيه الفقرة الأولى ضرورة موافقة الدول المعنية على استقبال هؤلاء الأفراد قبل إرسالهم من قبل مجلس الدولة، فقد أغفلت الفقرة الثانية هذا الشرط عند الحديث عن الجيش والشرطة. فضلاً عن عدم وضوح السبب في تمييز المادة بين ثلاث جهات لإرسال هذه العناصر: مجلس الدولة، الجيش، والشرطة.[x] لكن بعيداً عن هذا الغموض، فإن إقرار القانون من حيث المبدأ لإمكانية إرسال عناصر (عسكرية أو شرطية) إلى خارج الصين في مهام خارج البلاد لمكافحة الإرهاب مثَّل في حد ذاته نقطة تحول مهمة في الدور الخارجي للصين، وفتح المجال واسعاً أمام اضطلاع الصين بدور أكبر في هذا المجال. وتجدر الإشارة هنا أن الشرطة الصينية قامت في عام 2015 بإنشاء "مكتب عمليات عبر البحار"، تمهيداً لاطلاعها بدور أكبر خارج البلاد.

2. تطبيق الصين لأول مرة صيغة متعددة الأطراف للتعامل مع التحديات الأمنية في عدد من دول الجوار

ضَمَّت هذه الآلية، بالإضافة إلى الصين، كلاً من باكستان وأفغانستان وطاجكستان، في إطار ما عرف بـ"آلية التعاون والتنسيق الرباعي"Quadrilateral Cooperation and Coordination Mechanism (QCCM)، والتي دُشِّنت في أغسطس 2016. وفي إطار هذه الصيغة تم التوقيع على اتفاقيتين مهمتين في أغسطس 2017، هما: الاتفاقية الخاصة بآلية التنسيق لمواجهة الإرهاب بواسطة القوات المسلحة للدول الأربع “Agreement on the Coordination Mechanism in Counterterrorism by Afghanistan-China-Pakistan-Tajikistan Armed Forces”، و"البروتوكول الخاص بمركز تنسيق المعلومات الخاصة بمكافحة الإرهاب بواسطة القوات المسلحة للدول الأربع" “The Protocol on Counterterrorism Information Coordination Center by Afghanistan-China-Pakistan-Tajikistan Armed Forces”.

ورغم أنه لا توجد تفصيلات حول مضمون هذين الاتفاقين، لكن تبعهما تطورات مهمة وذات دلالة، أهمها نشر قوات صينية في طاجكستان بالقرب من "ممر واخان" الأفغاني، وبالقرب من منطقة شينجيانج الصينية. ورغم وجود خبرة صينية سابقة مماثلة تمثلت في صيغة التعاون الرباعي بين الصين وكل من تايلاند وميانمار وكولومبيا، والتي تم السماح بموجبها للصين في عام 2011 بنشر دوريات أمنية تابعة لقوات الشرطة الصينية على نهر ميكونج Mekong، لكن ظل هناك فرق جوهري بين الحالتين؛ فبينما استهدفت تجربة "ميكونج" مواجهة جماعات الجريمة المنظمة، فإن صيغة التعاون مع باكستان وأفغانستان وطاجكستان تستهدف بالأساس مواجهة التنظيمات الإرهابية داخل حدود دول هشة،[xi] فضلاً عن موقعها المهم على مسارات الحزام والطريق.

وفي هذا الإطار، شهدت العلاقات الأمنية الصينية مع طاجكستان وأفغانستان تطورات مهمة خلال السنوات الأخيرة، تعكس اتجاه الصين إلى مراجعة نهجها الأمني في إقليمي وسط وجنوب آسيا بدءاً من عام 2014. وقد عزز هذا التوجه عددٌ من المتغيرات، أبرزها تخفيض الولايات المتحدة حجم وجودها العسكري في أفغانستان في ذلك العام (2014). لكن المتغير الأهم ارتبط بتزايد الانفتاح المتوقع لإقليم شينجيانج على جنوب ووسط آسيا في إطار مشروعات المبادرة، الأمر الذي يزيد من فرص نفاذ العناصر الإرهابية إلى الإقليم، أو تزايد فرص التواصل بين التنظيمات الدينية بالإقليم ومثيلاتها في إقليمي جنوب ووسط آسيا. وقد أعطى ذلك أهمية كبيرة لطاجكستان باعتبارها منطقة عازلة على الحدود الصينية.

واعتمدت الصين اقتراباً أمنياً اعتمد فيه على مجموعة من الآليات، أبرزها:

  1. تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية الطاجيكية على القيام بمسؤولياتها الأمنية. وشمل ذلك التدريبات الأمنية المشتركة التي زادت بشكل واضح بعد عام 2014، بالإضافة إلى تقديم بعض المساعدات الفنية. كما حاولت الصين الدفع نحو تعزيز دور منظمة شنغهاي في هذا المجال، عبر المطالبة بضرورة قيام الأخيرة بدورها في تعزيز قدرات الدول الأعضاء في مجال إنفاذ القانون.
  2. مشاركة القوات الأمنية الصينية في ضبط الحدود المشتركة في المناطق التي تتراجع فيها قدرة القوات الأمنية الطاجيكية عن القيام بهذه المسؤولية. وقد أخذ ذلك شكل وجود عناصر من الشرطة الصينية في منطقة جنوب "شايماك" Shaymak بإقليم "غورنو-باداخشان" Gorno-Badakhshan بدءاً من عام 2016.
  3. خلق حالة من التوافق/التماهي في المصالح الأمنية مع الصين، وربط المصالح الاقتصادية والأمنية الطاجيكية بالمصالح الأمنية الصينية. ويتم ذلك من خلال ربط طاجكستان بمشروعات نقل الغاز من آسيا الوسطى إلى الصين (مشروع Line D الذي يهدف إلى نقل الغاز من تركمنستان إلى الصين مروراً بكلٍّ من أوزبكستان وطاجكستان وقيرغزستان).[xii]

ورغم أن هذه الآليات لا تعكس تدخلاً صينياً في الشؤون الداخلية لدول الجوار، لكنها تُعبِّر بشكل واضح عن مراجعة للاقترابات الصينية في التعامل مع التحديات الأمنية الدولية والإقليمية، خاصة في المناطق والدول ذات الأهمية للمصالح الصينية. 

3. بناء قواعد عسكرية صينية في الخارج 

وقد دُشِّن هذا التوجه عبر افتتاح القاعدة الصينية في جيبوتي في أغسطس 2018. ورغم تأكيد الحكومة الصينية أن وظيفة القاعدة تقتصر على تقديم الخدمات اللوجيستية للقوات الصينية المشاركة في عمليات حفظ السلام في الأقاليم القريبة، لكن هذا لا ينفي عدداً من الدلالات المهمة بشأن علاقة هذه القاعدة بمستقبل مبدأ التزام الصين بمبدأ عدم التدخل، من بينها:

  • افتتاح هذه القاعدة أنهى السردية الصينية التاريخية المتمثلة في عدم امتلاك الصين أية قواعد عسكرية خارجية، وهي السردية التي اعتمدت عليها في التمييز بينها والولايات المتحدة.
  • أن هذه القاعدة قد لا تكون الأخيرة؛ إذ لم تستبعد وزارة الخارجية الصينية إنشاء قواعد مماثلة عندما تكون هناك حاجة لحماية المصالح الصينية في الخارج[xiii]. بمعنى آخر، فإن قاعدة جيبوتي قد تمثل في الحقيقة تدشيناً لبناء سلسلة من القواعد العسكرية الصينية في الخارج.
  • لا يزال هناك غموض فيما يتعلق بمجالات استخدام القاعدة العسكرية. فقد حددت وزارة الدفاع الصينية ثلاث وظائف أساسية للقاعدة، هي: العمل كنقطة ارتكاز Hub لنشر قوات حفظ السلام الصينية، وتقديم الدعم اللوجيستي لدوريات مكافحة القرصنة، وأخيراً تقديم الدعم لأنشطة المساعدات الإنسانية وجهود الإغاثة في حالات الكوارث. لكن الواقع العملي هو الذي سيحدد مجالات عمل هذه القاعدة في النهاية. ويذهب البعض إلى أن تضمين القاعدة بعض أنماط التسليح مثل مشاة البحرية، يدعم سيناريو أن الهدف من القاعدة ومجالات عملها مستقبلاً يتجاوز المجالات الثلاث السابقة.[xiv]

خلاصة واستنتاجات

  • كانت هناك مجموعة من العوامل التي تُفسِّر تمسُّك الصين خلال العقود الماضية بمبدأ عدم التدخل، وتخفيض حجم الأمني والعسكري خارج حدودها. لكن المرحلة الراهنة في تطور النظام العالمي، بما تتضمنه من انتشار المصالح الصينية على نطاق واسع في عدد من الأقاليم، وتغير موازين القوى العالمية، فضلاً عن التحولات التي شهدتها طبيعة العلاقات الصينية-الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، تفرض جميعها مراجعة صينية لبعض ثوابت سياستها الخارجية.
  • يذهب العديد من الكتابات الصينية إلى أن مبدأ عدم التدخل اُستخدم تاريخياً من جانب الصين كنوع من التأكيد على رفض الصين السياسات الإمبريالية والاستعمارية الغربية، ولتأكيد الاستقلال وتمايز المسار الصيني في التطور السياسي والتنموي[xv]، أو وفق تعبير آخر، كنوع من "السياسة الدفاعية" في مواجهة احتمالات التدخل الغربي في الشؤون الداخلية الصينية.[xvi] لكن واقع المصالح الصينية والنظام العالمي لم يعودا يبرران استمرار التمسُّك بهذا المبدأ في شكله التقليدي.
  • بشكل عام، هناك مجموعة من المجالات التي يتوقع أن تكون مجالات لاستخدام وتوظيف القوة العسكرية الصينية. الأول، الحرب على الإرهاب، وهو مجال تؤكده المؤشرات الثلاثة السابق الإشارة إليها بشأن التحول عن مبدأ عدم التدخل. والمجال الثاني، حماية البنية التحتية؛ فرغم أن حمايتها تكون مسؤولية الدولة التي تقع داخل إقليمها تلك البنية، لكن في حالة عجز الأخيرة عن حمايتها أو تعرُّضها لخطر يتجاوز إمكاناتها ليس من المتوقع أن تظل الصين بعيدة عن التدخل، لأسباب تتعلق بالطابع عبر الأقاليمي لبنية الحزام والطريق. والمجال الثالث، حماية طرق التجارة البحرية. ويتأكد هذا الاحتمال في ضوء الامتيازات العديدة التي حصلت عليها الصين في عدد من الموانئ البحرية.
  • بصرف النظر عما إذا كانت عملية التحول الصيني عن مبدأ عدم التدخل قد بدأت بالفعل من عدمه، فإن ما يجب التأكيد عليه هنا أن أية مراجعة صينية لهذا المبدأ المهم يجب أن تتم بحذر شديد. وإذا باتت عملية المراجعة حتمية في لحظة ما، فعلى الأرجح أنه سيكون هناك "نمط" أو "طبعة صينية" من سياسة التدخل، تأخذ في اعتبارها الأعباء والتكاليف السابق الإشارة إليها، وتأخذ في اعتبارها أيضاً المفاهيم الأساسية التي شكلت أساساً للدور الصيني في النظام الاقتصادي العالمي والعلاقات الصينية مع الدول النامية والناشئة، وعلى رأسها "اللامشروطية السياسية"، فضلاً عن المكون الاقتصادي المهم في "المسؤولية" الدولية وفقاً للمفهوم الصيني. وأن الصين ستأخذ في اعتبارها الخبرة الغربية في التدخل في الشؤون الداخلية، وعلى رأسها التدخل العسكري.

الهوامش

[i] جاء ذلك ضمن "المبادئ الخمس للتعايش السلمي" التي طرحتها الصين في سنة 1954، بالتعاون مع ميانمار والهند. وقد لقيت هذه المبادئ قبولًا لدى الكثير من الدول النامية خلال هذه الفترة. انظر في ذلك: An Huihou, “The Principle of Non-Interference Versus Neo-Interventionism,” Foreign Affairs Journal, (Beijing, Chinese People’s Institute of Foreign Affairs), no. 104, Summer 2012. pp. 40- 41.

[ii] نصّت الفقرة السابعة من المادّة الثانية من ميثاق الأمم المتّحدة على ما يلي: "ليس في هذا الميثاق ما يسوّغ للأمم المتّحدة أن تتدخّل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي ‏لدولةٍ ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق، على أن ‏هذا المبدأ لا يُخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع".

[iii] جاء في مقدمة الدستور الصيني: "إن إنجازات الصين في الثورة والبناء لا يمكن فصلها عن دعم شعوب العالم. ويرتبط مستقبل الصين ارتباطاً وثيقاً بمستقبل العالم بأسره. وتلتزم الصين بسياسة خارجية مستقلة، وكذلك بالمبادئ الخمسة المتمثلة في الاحترام المتبادل للسيادة والسلامة الاقليمية، وعدم الاعتداء المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي، في تنمية العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية مع البلدان الأخرى. وتُعارض الصين باستمرار الإمبريالية والهيمنة والاستعمار، وتعمل على تقوية الوحدة مع شعوب الدول الأخرى، وتدعم الدول المضطهدة والدول النامية في نضالها العادل من أجل النصر والحفاظ على الاستقلال الوطني وتنمية اقتصاداتها الوطنية والسعي للحفاظ على السلام العالمي وتعزيز قضية التقدم البشري".

ورغم التعديلات التي أُجريت على الدستور الصيني، فقد حافظت الحكومة الصينية على هذا النص. للاطلاع على نص الدستور الصيني في مراحل مختلفة راجع الروابط التالية: https://www.purdue.edu/crcs/wp-content/uploads/2014/04/Constitution.pdf (as of December 4, 1982), https://www.constituteproject.org/constitution/China_2004.pdf?lang=en (as of 2004). 

[iv]  Mu Ren, “An Analysis on the Contradiction between China’s Non- Intervention Policy and Intervention Activites”, 国際関係論集 (مجلة العلاقات الدولية), no. 13, October 2013.

[v] انظر على سبيل المثال: Yizhou Wang, Creative Involvement: A New Direction in China's Diplomacy (London and New York: Routledge, 2017).

[vi] Mu Ren, "An Analysis on the Contradiction between China's Non-intervention Policy and Intervention Activities", 立命館国際関係論集 (Ritsumeikan International Relations), vol. 13, October 2013, pp. 22-23. Available at: http://r-cube.ritsumei.ac.jp/bitstream/10367/5025/1/isa_13ren.pdf

وانظر كنموذج للانتقادات الغربية لفكرة المسؤولية الصينية: Thomas J. Christensen- Deputy Assistant Secretary for East Asian and Pacific Affairs- "China's Role in the World: Is China a Responsible Stakeholder?", Remarks Before the U.S.-China Economic and Security Review Commission, Washington, DC, August 3, 2006. Available at: https://2001-2009.state.gov/p/eap/rls/rm/69899.htm

[vii] لمزيد من الاطلاع على السياسة الصينية في أفريقيا، بشكل عام، وموقف الصين من الصراع في دارفور بشكل خاص، وإلى أي حد مثلت هذه السياسة انحرافاً عن الالتزام بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، انظر: 

- M. Mumuni Sigli, "China's non-intervention policy in Africa: Principle versus pragmatism", African Journal of Political Science and International Relations, vol. 11 (9), September 2017. Available at: http://www.academicjournals.org/journal/AJPSIR/article-full-text-pdf/335D4CC65846

- David H. Shinn, "China and the Conflict in Darfur", The Brown Journal of World Affairs, vol. xvi (I), Fall/Winter 2009. Available at: https://www.brown.edu/initiatives/journal-world-affairs/sites/brown.edu.initiatives.journal-world-affairs/files/private/articles/16.1_Shinn.pdf  

[viii] لمزيد من التفاصيل حول الدور الصيني في هذا الإطار، انظر:

- "Chinese ship carries arms cargo to Mugabe regime… 77-tonne load includes mortars, rockets and millions of ammunition rounds", The Gurdian, 18 April 2008. Available at: https://www.theguardian.com/world/2008/apr/18/china.armstrade  

- John Tkacik and Brett Schaefer, "Zimbabwe’s Enabler: How Chinese Arms Keep Mugabe in Power", The Heritge Foundation, July 16, 2008. Available at: http://www.heritage.org/node/15111/print-display  

[x] للاطلاع على ترجمة غير رسمية من القانون انظر: “Counter-Terrorism Law of the People's Republic of China”, https://www.chinalawtranslate.com/counter-terrorism-law-2015/?lang=en 

[xi] انظر البيان المشترك حول هذه الرباعية. “Joint Statement of the Inaugural High-Level Military Leader Meeting on Quadrilateral Cooperation and Coordination Mechanism in Counter Terrorism by Afghanistan-China-Pakistan-Tajikistan Armed Forces”, Urumqi (China), 3 August 2016. Available at: The Ministry of National Defence (China) Website. http://eng.mod.gov.cn/DefenseNews/2016-08/04/content_4707451.htm

[xii] هناك ثلاثة خطوط أخرى لنقل الغاز من تركمنستان إلى الصين مرورا بكل من أوزبكستان وكازخستان، ومع ذلك فقد تضمَّن مسار مشروع خط Line D طاجكستان رغم ما يتضمنه من تكاليف اقتصادية أكبر. الهدف هنا هو تعزيز الاقتصاد الطاجيكي، وتعزيز ربط المصالح الاقتصادية والأمنية الطاجيكية بالمصالح الأمنية الصينية. لمزيد من التفصيل انظر: Dirk van der Kley, “China’s Security Activities in Tajikistan and Afghanistan’s Wakhan Corridor”, in: Nadege Rolland, ed., Securing the Belt and Road Initiative, op., cit., pp. 73- 89.

[xiii] انظر: Minnie Chan, “More Chinese bases abroad? Beijing ‘willing’ to build facilities to protect overseas interests”, South China Morning Post, 8 March 2016. Available at: https://www.scmp.com/news/china/diplomacy-defence/article/1922566/chinas-base-programme-beijing-willing-build-facilities  

[xiv] Mathieu Duchatel, “Overseas Military Operations in Belt and Roads Countries: The Normative Constraints and Legal Framework”, in: Nadege Rolland, ed., “Securing the Belt and Road Initiative: China’s Evolving Military Engagement Along the Silk Roads”, op., cit., p. 12.

[xv] Mu Ren, "An Analysis on the Contradiction between China's Non-intervention Policy and Intervention Activities", op., cit. p. 32.

[xvi] Angela Hou, Rethinking China's Non-Intervention Policy: Examining China's Stance in Global Governance and Possible Policy Reforma", Synergy: The Journal of Contemporary Asian Studies, September 17, 2016. Available at: http://utsynergyjournal.org/2016/09/17/rethinking-chinas-non-intervention-policy-examining-chinas-stance-in-global-governance-and-possible-policy-reforms/ 

 

أحدث المواضيع المميزة